في العالم الرائع المحتدم:أندري بلاتونوف/ترجمة أبو بكر يوسف
٤
وضعوا مالتسيف في السجن. وظللت أنا أعمل، كسابق العهد، مساعد سائق، ولكن مع سائق آخر … عجوز حذر، كان يوقف القطار قبل السيمافور الأصفر بكيلومتر. وعندما نبلغه كانت الإشارة تتحول إلى اللون الأخضر، فيعود العجوز إلى جر القطار ببطء إلى الأمام. لم يكن ذلك عملًا، وأوحشني مالتسيف.
في الشتاء كنت في عاصمة المحافظة، فزرت أخي الطالب المقيم في المدينة الجامعية. وأثناء الحديث روى لي أخي أن لديهم في المختبر الفيزيائي بالجامعة وحدة تيسلا للحصول على البرق الاصطناعي. وراودتني فكرة مترددة، لم تتبلور بعد في رأسي.
بعد عودتي إلى المنزل أمعنت التفكير فيما راودني بخصوص وحدة تيسلا، وقررت أنها فكرة سليمة. فكتبت رسالة إلى المحقق الذي تولى التحقيق في قضية مالتسيف آنذاك، ورجوته أن يختبر مدى استعداد السجين مالتسيف للتأثر بتفريغ الشحنات الكهربائية. وفي حالة ما إذا ثبت استعداد نفسية مالتسيف أو جهازه البصري للتأثر بتفريغ الشحنات الكهربائية القريب والمفاجئ، فينبغي إعادة النظر في قضيته. وأشرت للمحقق إلى مكان وحدة تيسلا وكيفية إجراء التجربة عليه.
ولم يرد علي المحقق فترة طويلة، ثم أرسل إليَّ بعد ذلك يخبرني بأن وكيل النائب العام للمحافظة قد وافق على إجراء التجربة التي اقترحتها في المختبر الفيزيائي للجامعة.
وبعد بضعة أيام أرسل المحقق طلبًا لاستدعائي، وجئت إليه منفعلًا، وكلي ثقة في النهاية السعيدة لقضية مالتسيف.
وصافحني المحقق، ولكنه ظل صامتًا مدة طويلة، وراح يقرأ ورقة ما بعينين حزينتين، وبدأت أفقد الأمل.
ثم قال لي المحقق: لقد أسأتَ إلى صديقك.
– كيف؟ الحكم عليه سيبقى كما كان؟
– كلا، سنطلق سراح مالتسيف. صدر الأمر بذلك، وربما كان الآن في بيته.
فقلت وأنا أنهض أمام المحقق: شكرًا لكم.
– أما نحن فلن نشكرك … لقد قدمت نصيحة سيئة … مالتسيف عاد أعمى ثانية.
جلست على الكرسي في إعياء … احترقت روحي فجأة وأحسست بالظمأ.
وقال لي المحقق: قاد الخبراء مالتسيف إلى وحدة تيسلا في الظلام، ودون سابق إنذار. وكان التيار موصَّلًا، فانبعث البرق ودوت فرقعة حادة، ومر مالتسيف بهدوء، ولكنه أصبح الآن لا يرى الضوء. وقد ثبت ذلك بطريقة موضوعية بواسطة الطب الشرعي.
وشرب المحقق قليلًا من الماء وأضاف: عاد الآن يرى الدنيا في خياله وحده … أنت رفيقه، فهلَّا ساعدته.
وأعربت عن أمل راودني: ربما عاد إليه البصر ثانية … كما حدث آنذاك، بعد الحادث.
وفكر المحقق قليلًا ثم قال: لا أظن. تلك كانت أول إصابة، أما هذه فالثانية، وقد جاءت في الموضع المصاب الذي لم يندمل بعد.
وفقد المحقق هدوءه فنهض، وراح يذرع الغرفة في انفعال.
– أنا المذنب. لماذا طاوعتك كالأحمق على التجربة! لقد جازفت بإنسان، ولم يتحمل المجازفة.
وقلت، لأخفف عنه: لست مذنبًا. أنت لم تجازف بشيء … ما هو الأفضل: إنسان أعمى وحر، أم مبصر مسجون وهو بريء؟
فقال المحقق: لم أكن أعرف أنني سأضطر إلى إثبات براءة شخص عن طريق إتعاسه، هذا ثمن باهظ.
فأوضحت له: أنت محقق، وينبغي أن تعرف عن الشخص كل شيء، بل وحتى ما لا يعرفه هو عن نفسه.
فقال المحقق بصوت خافت: أنا أفهمك، أنت محق.
– لا تقلق أيها الرفيق المحقق، نحن هنا نواجه وقائع ذات تأثير داخلي، أما أنت فكنت تبحث عنها في الخارج فقط. ولكنك استطعت أن تدرك خطأك، وتصرفت مع مالتسيف تصرف إنسان نبيل … إنني أحترمك.
فأجابني معترفًا: وأنا أيضًا أحترمك … أتدري، كان من الممكن أن تصبح مساعد محقق.
– شكرًا، ولكنني مشغول. أنا مساعد سائق قاطرة سريعة.
وانصرفت. لم أكن صديقًا لمالتسيف، وكان هو يعاملني دائمًا بلا اهتمام أو رعاية. ولكني أردت أن أحميه من بلاء القدر، وقد تملكني غيظٌ ضارٍ من القوى القدرية التي تدمر الإنسان عرضًا وبلامبالاة. أحسست بوجود غرض خفي، لا يكاد يبين، لهذه القوى في كونها تقضي على مالتسيف بالذات، وليس عليَّ أنا مثلًا. وكنت أدرك أنه لا يوجد في الطبيعة غرض بمفهومنا وتقديراتنا البشرية، بيد أنني كنت ألمس حدوث وقائع تؤكد وجود ظروف معادية ومدمرة لحياة الإنسان، وكانت هذه القوى المدمرة تسحق النخبة البشرية السامية. وعزمت ألا أستسلم لأنني أحسست في نفسي بشيء لا يمكن أن يوجد في القوى الخارجية الطبيعية، وفي مصيرنا. أحسست بتفردي الإنساني، واستعر غيظي، وقررت أن أقاوم، دون أن أدري بعدُ كيف ينبغي أن أفعل ذلك.



