في العالم الرائع المحتدم:أندري بلاتونوف/ترجمة أبو بكر يوسف
٣
أحيل مالتسيف إلى النيابة وبدأ التحقيق. واستدعاني المحقق وسألني عن رأيي في حادثة القطار السريع، وأجبته بما كنت أعتقده؛ بأن مالتسيف غير مذنب.
قلت للمحقق: لقد فقد بصره من تفريغ الشحنة بقربه، من ضربة البرق، لقد أصيب بصدمة، وتضررت الأعصاب الموجهة للبصر … أنا لا أعرف كيف يمكن التعبير عن ذلك بالضبط.
فقال المحقق: إنني افهمك، أنت تتكلم كلاما مضبوطا، كل ذلك جائز ولكنه غير مؤكد، لقد أفاد مالتسيف نفسه بأنه لم ير البرق.
– ولكني رأيته، والوقاد أيضًا رآه.
فقال المحقق: وإذن فقد كانت ضربة البرق أقرب إليكما مما إلى مالتسيف. فلماذا لم تُصابا أنت والوقاد بصدمة، ولم تفقدا البصر، بينما أصيب مالتسيف بصدمة في أعصاب الإبصار وفقد بصره؟ ما رأيك؟
وجدت نفسي في مأزق وأطرقت مفكرًا.
ثم قلت: لم يكن بإمكان مالتسيف أن يرى البرق.
أصغى المحقق إلي بدهشة. ومضيت أقول: لم يكن بإمكانه أن يراه. لقد فقد بصره على الفور بسبب ضربة الموجة الكهرمغناطيسية التي تسبق ضوء البرق. فضوء البرق هو نتيجة لتفريغ الشحنة وليس سببًا للبرق. مالتسيف كان قد عمِي عندما أضاء البرق، ولم يكن بوسعه، وهو أعمى، أن يرى الضوء.
وابتسم المحقق قائلًا: هذا طريف. كان بإمكاني أن أحفظ القضية لو أن مالتسيف كان الآن أعمى. ولكنك تعرف أنه يرى الآن مثلما أرى أنا وأنت.
فأمنت على قوله: إنه يرى.
فمضى المحقق يسألني: وهل كان أعمى عندما قاد قطار الركاب بسرعة كبيرة نحو مؤخرة قطار البضائع؟
فأجبت مؤكدًا: كان.
فنظر المحقق إليَّ بإمعان، وقال: فلماذا إذن لم يسلم قيادة القاطرة لك، أو على الأقل، لم يأمرك بإيقاف القطار؟
فأجبت: لا أدري.
فقال المحقق: أرأيت؟ رجل كبير واعٍ يقود قاطرة قطار ركاب، ويسوق مئات الأشخاص إلى هلاك محتَّم، ويتجنب الكارثة بالصدفة، ثم يبرر ذلك بأنه كان أعمى … فما معنى ذلك؟
فقلت له: ولكنه هو نفسه كان معرضًا للهلاك!
– جائز، ولكن حياة مئات الأشخاص تهمني أكثر من حياة شخص واحد، ربما كانت لديه أسبابه الخاصة ليقضي على نفسه.
فقلت: لم تكن.
وأصبح المحقق لامباليًا. بدأ يضجَر مني كما يضجَر من غبي.
وقال وهو يفكر ببطء: أنت تعرف كل شيء ما عدا الشيء الرئيسي. يمكنك أن تنصرف.
توجهت من عند المحقق إلى شقة مالتسيف.
قلت له: ألكسندر فاسيليفتش، لماذا لم تطلب مساعدتي عندما عَمِيتَ؟
فأجابني: ولكني كنت أرى، فما حاجتي إليك؟
– ماذا كنت ترى؟
– كل شيء؛ الخط، والإشارات، والقمح في السَّهْب، وعمل الآلة اليمنى … كنت أرى كل شيء.
وتملكتني الحيرة.
– فكيف حدث لك إذن ما حدث؟ لقد تخطيت كل التحذيرات، ومضيت نحو مؤخرة قطار آخر.
وأطرق السائق السابق من الدرجة الأولى حزينًا، وأجابني بهدوء وكأنما يكلم نفسه: لقد تعودت أن أرى الضوء، فظننت أنني أراه، بينما لم أكن أراه ساعتها إلا في ذهني، في خيالي. أما في الواقع فقد كنت أعمى، ولكني لم أعرف ذلك. حتى انفجارات مفرقعات الإشارة لم أصدقها رغم أني سمعتها … ظننت أن سمعي خانني. وعندما أطلقت أنت صفارات الإيقاف وصحت بي، كنت أرى أمامي الضوء الأخضر، ولم أفطن للأمر على الفور.
الآن فهمت مالتسيف، ولكني لم أعرف لماذا لا يذكر ذلك للمحقق؛ لماذا لا يخبره بأنه بعد أن عمي ظل طويلًا يرى الدنيا في خياله ويؤمن بواقعيتها؟ وسألته عن ذلك فقال: لقد قلت له.
– وماذا قال؟
– قال: «تلك كانت تخيلاتك، وربما كنت الآن تتخيل شيئًا ما، لست أدري … أنا يلزمني أن أثبت الحقائق لا تخيلاتك أو شكوكك. تخيلاتك — سواء كانت أم لم تكن — لا أستطيع أن أتأكد منها، فقد كانت في رأسك وحدك، إنها كلمات تقولها، أما التصادم الذي كاد أن يقع فهو الفعل.»
فقلت له: إنه على حق.
فوافقني مالتسيف: أعرف أنه على حق. وأنا أيضًا على حق، ولست مذنبًا، ماذا سيفعلون بي الآن؟
فقلت له: سيضعونك في السجن.



