مقالات اجتماعية

علي الوردي:مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث- ولادةٌ مُجهَضة لأول مثقف ديني عراقي-عبدالجبار الرفاعي (ملف صوتي)

(٩) سلطة الفصاحة والنحو عند الوردي

اللغةُ اختراعٌ بشري، لم تنزل أيةُ لغة من السماء، لا العربية ولا غيرها. ليست هناك لغة أشرف اللغات ولا لغة أحقر اللغات. الواقعُ اللغوي اليوم يكشفُ أن اللغةَ الأكثر انتشارًا واستعمالًا في العلم والمعرفة والإنترنت والتكنولوجيا والاقتصاد والمعاملات المتنوعة في حياة الناس هي اللغة الإنجليزية، بوصفها الأسهل في النطق، وفي التعبير عن الأشياء والمفاهيم بشكلٍ مباشر، بلا فائضٍ لفظي.

اللغةُ كائنٌ تنطبق عليه القوانينُ التي يخضع لها كلُّ كائنٍ حي، الحيُّ الذي لا ينمو ويتطور يتحَّجر ويموت. اللغةُ كائنٌ اجتماعيٌّ طبيعتُه التغيُّر والتحوُّل. اللغةُ الحيَّة ذاتُ ديناميكيةٍ داخلية، تُولَد فيها كلماتٌ جديدة وتندثر أخرى، تبعًا للتطور الحضاري للمجتمع الناطق بها؛ لذلك تواصل كلماتُها باستمرار الولادةَ والنموَّ والشيخوخةَ والمرضَ والموت، وتبعًا لذلك تتجدَّد أساليبُها البيانية، وطرائقُ التحدث بها. ليس هناك لغة مقدَّسة ولغة مدنَّسة، اللغة الحيَّة هي القادرة على مواكبة الحياة واستيعاب مستجدَّاتها. تصلُّب اللغة وسكونها ليسا ميزة، تطوُّر اللغة وتجدُّدها دليل على حيويتها وتناغمها مع إيقاع الحياة وثقافة الإنسان.

لم يكن علي الوردي مسكونًا ﺑ «الفصاحة»، كما اشتُهرَت عند اللغويين منذ عصر التدوين، ولم يكترث بالنحو وقواعده كثيرًا في كتاباته، بل كان يسخرُ من تشديد أهل اللغة على ذلك. لم يعبأ الوردي بكلِّ ذلك الاهتمام المبالَغ فيه بالفصاحة والنحو، بل كان يهمُّه إيصال أفكاره بأية وسيلة، مهما كانت طريقةُ إبلاغه عنها؛ لذلك ظلَّ يُحذِّر النقادَ المتحذلقين من تسقُّط الأخطاء النحوية في كتاباته، وينفر ممن يلاحقون الإعرابَ في أعماله، ويتهكَّمون على ما يحسبونه عثراتٍ إعرابيةً في كتاباته. بلا تردُّد أو حذر أو خجل يعترف علي الوردي بكثرةِ الأخطاء النحوية في كتاباته، ويعلن بأنه لا يعتذر عن ذلك؛ إذ يقول في سياق بيان موقفه من النحو: «أودُّ أن أنتهزَ هذه المناسبة لأُشير إلى أمرٍ ربما لاحظه القارئ في جميع كتبي، هو كثرة الأخطاء النحوية فيها. وهذا أمرٌ أعترفُ به ولا أعتذر عنه. لا أكتمُ القارئ أني أعتبر النحو بلاءً ابتُليَت به الأمةُ العربية. وأنا على يقينٍ أن الأمةَ العربية، في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل، سوف يأتي عليها يومٌ تجد نفسها مُضطرَّة إلى إلغاء النحو كلِّه من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل … مشكلة النحو العربي أنه ذو قواعدَ كثيرة ومعقَّدة، دون أن تكون له أية فائدةٍ عملية، ولم نحصل من النحو إلا على أفرادٍ من الناس دأبهم البحث عن الأخطاء النحوية في خُطب الناس وكتاباتهم لينتقدوا أصحابها بها، ويشنُّوا عليهم الهجمات الشعواء.»١٨

الدعوة إلى «إلغاء النحو كلِّه» غير واقعية. اللغة تُنطق وتُكتب بقواعد، لا يمكن إهمال تلك القواعد كليًّا في التحدث والكتابة. قواعدُ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة من البيئة اللغوية، وسهلةُ التعلم والإتقان. قواعدُ اللغة العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعِّبة، تتنوَّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل ومَن تأخَّر عنهم وتتعارض أحيانًا. قواعدُها صعبةُ الإتقان للمتخصِّص؛ إذ يلبث الإنسانُ سنواتٍ عديدةً في دراستها ثم تدريسها ولا يتقنها أحيانًا، فكيف بغير المتخصِّص الذي لا يخصِّص سنواتٍ لتعلُّمها، وهم أكثرُ الناطقين من أبنائها. هذه مشكلةٌ مزمنة يعيشها الناطقون بالعربية، تدعونا لتيسير قواعد النطق بها.

«سلطة الفصحى والنحو» أحد العوامل المعيقة للتجديد. استبدَّت مقولةُ «الفصاحة» و«الإعراب» بالعربية، وتحوَّلَت «الفصاحةُ» و«الإعراب» بمرور الزمن إلى سلطةٍ صارمة، أعاقت الديناميكيةَ الذاتية لتجديد اللغة لنفسها، ومنعَت اللغويين من تيسير قواعد النطق بها، بالشكل الذي يتمكَّن معه المتحدِّث من مراعاتها بسهولة، ويتبادر إليه إعرابُها بعفوية يرثها من بيئته اللغوية، بلا تَعَلُّم وإتْقَان وتخصُّص.

تشبُّعُ العربية بالمقدَّس بمرور الزمن أكسَبَها هالةَ وسطوةَ المقدَّس، بوصفها لغةَ القرآن الكريم والنصوص والتراث الديني. واستحواذ معاهد التعليم الديني على تعليمها واستملاكها بالتدريج، أفضى ذلك إلى أن يتولى حمايتَها رجالُ الدين، ففَرضوا سلطتَهم وسطوتَهم، إلى درجةٍ صارت أيَّةُ دعوة لإعادة النظر في قواعدها وأساليبها وتحديثها كأنها عدوانٌ على مقدَّس. يقول علي الطنطاوي: «أصبح النحوُ علمًا عقيمًا، يدرُسه الرجل ويشتغل به سنينَ طويلةً ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعةً من الشيوخ، قرءوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقَفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوَّلوا فيه وعلَّلوا، وأثبتوا فيه ودلَّلوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كلَّ مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمةً من كلام العرب، ولا يقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجزُ على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلَّة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول.»١٩

حضرتُ مناقشةَ دكتوراه قبل سنوات في تخصُّص اللغة العربية، كان المناقشون خمسةَ أساتذة يحملون لقبَ أستاذ دكتور باللغة العربية، جلستُ نصفَ ساعةٍ ضجرتُ لكثرة الأخطاء النحوية في نُطق بعضهم. عندما خرجتُ رأيتُ أحدَ المؤلِّفين المعروفين غادر القاعةَ قبلي، كان متذمرًا جدًّا، لفرْط انزعاجه من أحد المناقشين الذي ماتت حروفُ الجرِّ في حديثه وتعطَّلَت وظيفتُها على لسانه.

لا يعود ذلك العجز فقط إلى: تقصيرِ المعلمين في تعليمِ اللغة ونحوها، أو إهمالِ وعدمِ جدِّية المتعلمين، أو ضعفِ وإخفاقِ المقرَّرات الدراسية، بل يعود أيضًا إلى مشاكلَ بنيويةٍ عميقةٍ في تكوين وتدوين النحو، ومعاجم اللغة، وتسلُّطِ الفصحى والنحو، وشحَّةِ المراجعات النقدية للتراث المعجمي والنحوي للعربية، وعدمِ الانفتاح على المكاسب العلمية الحديثة في اللغة، ورؤية الآفاق المضيئة للألسنيات ومناهجها وأدواتها ومعطياتها الفائقة الأهمية، المتفاعلة بعمق مع الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف العلوم اليوم.

أعترف بعجزي عن إتقان النحو، مع أني درستُه عدَّةَ سنوات، مضافًا إلى دراستي للنحو في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، درستُ في الحوزة هذه الكتب: قطر الندى وبل الصدى، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وشيئًا من شرح ابن الناظم لألفية ابن مالك، تتلمذتُ فيه على يد اللغوي المعروف رءوف جمال الدين، مؤلِّف «الخزانة اللغوية الموسَّعة والدليل اللغوي للكتب الأربعة».٢٠ سرق من عمري تَعَلُّمُ الصَّرف والنحو والإعراب والبلاغة عدة سنوات، تَعَلَّمتُه على يد شيوخٍ متمرِّسين في تدريسه، ثم دَرَّستُه لمجموعة من التلامذة في مرحلةٍ مبكرة من حياتي، لكني أخفَقتُ في إتقانِه بدقَّة، والتخلصِ نهائيًّا من أية أخطاءٍ نحوية في الحديث والكتابة، وما زلت حتى اليوم أعود لمحرِّرٍ كي يدقِّقَ ما لا أتنبه إليه من أخطاء. طالما تورَّطتُ في جدال، غالبًا ما يكون عقيمًا؛ لأن مَن يحرِّر نصوصي يرفضُ بشدة استعمالي لكلماتٍ غيرِ واردة في معاجم العربية التراثية. أناقش دون جدوى، كأن اللغةَ وُلدَت على لسان العربي الأول مكتملةً مكتفية بذاتها، أو مصابةً بعقم أبدي، يرى هؤلاء توليدَ كلمة أو استعمالٍ جديد لكلمةٍ قديمة اعتداءً على العربية.

كَبَّلَت «الفصاحةُ والإعرابُ» العربيةَ وعطَّلَتها عن تجديد أساليبها البيانية قرونًا طويلة، إلى أن فرضَ العصرُ الحديث على المتحدِّثين والكُتَّاب التناغمَ مع إيقاعِ التطور الحضاري، والانفتاحَ على التراكمِ المعرفي الواسع في مختلف العلوم البشرية، والإفادةَ من المكاسبِ المهمة في علوم اللغة واللسانيات، وما تتطلبه كلُّ لغةٍ تريد لنفسها مواكبةَ الحياة، وتلبيةَ احتياجات الناطق بها للحضورِ في زمانه وعصره، من الاغتناءِ بنتائج هذه العلوم ومكاسبها وأدواتها ومناهجها.

تمرَّدَت اللهجاتُ العربية على «الفصاحة» و«الإعراب»، وابتعدت بالتدريج عن العربية الفصيحة، ولم تأسِرْها قواعدُ النحو، بعد أن اتخذَت لنفسِها مساراتٍ تستجيب لاختلاف المجتمعات، وتنوُّعِ ثقافاتها، وظروفِ معاشها المتعدِّدة، فصار كلُّ بلدٍ يتحدَّث لهجَته الخاصة، وما فرضته متطلباتُ التواصل داخل عالَمه الخاص والعالَم من حوله.

اللهجةُ احتلت موقعَ اللغة الأم، قواعدُ اللهجة وأساليبُها البيانية ونظامُها التركيبي والصَّرفي والصوتي والدلالي لا تتطابق كليًّا وأنظمة العربية الفصحى. وتيرةُ تطوُّر اللهجة متسارعةٌ، حتى إن مدينةً مثل بغداد تتبدَّل لهجتُها في قرنٍ واحدٍ بشكل كبير، لهجتُها في النصف الأول من القرن العشرين تختلفُ عن لهجتها في نهاية نصفه الثاني. اللهجةُ محكومةٌ بتحوُّلات الأجيال، والتغيير الاجتماعي، ومختلف الأحوال السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية. كأن اللهجةَ تُولَدُ بولادة كل جيل ولادةً جديدة. العربية الفصحى تظلُّ هي القاسم الحضاري المشترَك الذي يجب أن يحميَه كلُّ الناطقين بهذه اللغة. ممانعة حرس الفصحى ورفضهم لتحديثها تُفقِدها وظيفتَها الحضارية العظمي بالتدريج. كلما امتدَّ الزمنُ بها ولبثَت عصيةً على أية محاولة لتيسير نحوها، وأساليب التحدُّث بها وكتابتها، يبتعدُ أكثرُ الناطقين بالعربية عنها، ويشتدُّ عجزهم عن التحدُّث والكتابة بها.

يقول توشيهيكو إيزوتسو: «كلُّ واحدة من كلماتنا تمثِّل منظورًا خاصًّا نرى فيه العالَم. وما يُسمَّى مفهومًا ليس سوى بلورة لمثل هذا المنظور الذَّاتي.» وخصَّص محمد عابد الجابري الفصلَ الرابع من كتابه «تكوين العقل العربي» لدراسة رؤية الأعرابي للعالَم، وكيف كان: «الأعرابي صانع العالم العربي»، يقول الجابري: «لقد جُمعَت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنًا ممتدًّا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كلُّ شيء فيه صورةٌ حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالَم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو ما دامت اللغةُ خاضعة لمقاييس عصر التدوين … أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيَّده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة التاريخية عَبْر التاريخ، حضارة البدو الرُّحَّل التي اتُّخذَت كأصل، ففرضَت على العقل العربي طريقةً معيَّنة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم.»٢١

لبثَت مجامعُ اللغة العربية تُضيِّعُ جهودَها في محاولاتٍ عقيمة، عندما انشغلَت عشرات السنين بالعملِ على بعث ألفاظٍ متخشِّبة مندثرة، بذريعة فصاحتها؛ باستعمال البدوي لها قبل عصرِ التدوين، على الرغم من أن تلك الألفاظَ «الفصيحة» عكسَت رؤيةَ البدوي الضيقةَ للعالَم، وكانت مرآةً لمفاهيمِه المحدودة، وأمِّيَّتِه الثقافية، وأن العملَ على إحيائها وتوظيفها مجدَّدًا كان مصيرُه الفشل؛ لأنه ينتهي إلى إرغامِ تفكير الناطق بالعربية على الارتهان لرؤية البدوي للعالَم، وتبنِّي قيَمه، والاحتفاءِ بمفاهيمه المحنَّطة. وهي رؤيةٌ وقيم ومفاهيم يراد لها أن تأسرَ مصيرَ العربي اليوم، وتتنكَّر لها اللهجاتُ العربيةُ المتداوَلة في الحياة اليومية على تعدُّدها وتباعُدها المتواصل بين مشرق الناطقين بها ومغربهم. كأن مجامعَ اللغة العربية تريد أن تشطبَ على كلِّ التطور الحضاري ومكاسبِ العصور الحديثة بالارتهانِ لرؤية العالَم القديم والانخراطِ في مشاغله.

في مرحلةٍ لاحقة من نشأة النحو تشكَّلَت قواعدُ اللغة العربية في قوالب المنطق الأرسطي، مثلما وقع غيرُها من علوم اللغة في هذه القوالب، وتحوَّل هذا المنطقُ إلى بنيةٍ للتفكير في علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وغيرها من علوم الدين. كلُّ هذه العلوم أضحت يتحكَّم بها المنطقُ الأرسطي، تفكِّر في إطار قواعده، وتستدلُّ بأساليب محاجَجاته، وتُبرهن بطرائق استدلاله، وتتحدَّث في سياق معجَمه ومصطلَحاته. انتهت علومُ الدين واللغة إلى أن تقع في مداراتٍ مسدودة يبدأ التفكيرُ فيها من حيث انتهى وينتهي من حيث بدأ، باتت مكبَّلةً تعجزُ عن الإفلاتِ من هذه الحدود الصارمة، والبحثِ عن أفقٍ بديل لمنطق التفكير وآفاقه. رسَّخ هذا المنطقُ بنيةً للتفكير متجذِّرةً يصعب جدًّا التحررُ منها، وكأننا نرى طفلًا ظل يتغذى بالغذاء نفسِه الذي تلقَّاه في مرحلة الرضاعة، لم يغادره في فتوَّته ومراهقته وشبابه حتى شيخوخته، على الرغم من أن متطلباتِ الغذاء لكلِّ مرحلة من العمر تحتاج إلى عناصرَ أساسية لبناء الجسد ونُموِّه وتطوُّره.

أدعو لتيسير قواعد العربية، ولا أدعو للاستغناء الكلي عنها، تيسيرها بالشكل الذي يجعل تلقِّي أبناء اللغة لها من أمهاتهم وآبائهم وعوائلهم وبيئاتهم عَفْويًّا تلقائيًّا، كما يتلقَّون كلمات ومعجم النطق بها. وتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدُّ من مصطلحات وتسميات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. هذا ليس رأيي فقط، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعةٍ من علماء اللغة والنحو المعاصرين، ممن كانوا يفكِّرون بذلك، وكتبوا فيه. هناك مجموعةُ علماء عملوا على تيسير النطق بالعربية، غير أن دعوتَهم أُجهضَت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلُّطهما الشديد، مثلما أُجهضَت دعوات الإصلاح في بلادنا. أصحابُ هذا الموقف هم جماعةُ الميسِّرين الذين دعَوا لتيسير النطق باللغة وقواعدها، من أبرز علماء اللغة والنحو؛ فمثلًا خصَّص عضوُ مجمع اللغة العربية إبراهيم أنيس فصلًا بعنوان: «قصة الإعراب» في كتابه: «من أسرار اللغة»، كشَف فيه كيفيةَ نشأةِ الإعراب، وكيف صار نظامًا صارمًا للسان العربي، واتخذ قيمةً عُلْيا استأثر بها النحاةُ فصنعَت لهم مكانةً استثنائية، ترسَّخَت من خلالها سلطتُهم المعرفية على العربية. يروي أنيس هذه القصةَ بقوله: «ما أروعَها قصة! لقد استمدَّت خيوطها من ظواهرَ لغويةٍ متناثرةٍ بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكَت. تم نسجها حياكةً محكمة في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل الثاني على يد قومٍ من صُنَّاع الكلام، نشَئوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية، ثم لم يكد ينتهي القرنُ الثاني الهجري حتى أصبح الإعرابُ حصنًا منيعًا، امتنع حتى على الكُتَّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشقَّ اقتحامه إلا على قومٍ سُمُّوا فيما بعدُ بالنحاة … ومع أن الإعراب ليس في حقيقته إلا ناحيةً متواضعة من نواحي اللغة، فقد ملَك على الناس شعورهم، وعدُّوه مظهر ثقافتهم ومهارتهم الكلامية، يتنافسون في إتْقَانه، ويُخضِعون أقوال الأدباء لميزانه؛ فليس الفصيح في نظرهم إلا من راعى قواعده، وأخذ نفسه باتباع أصوله ونظامه … وصارت قواعدُه في آخر الأمر معقَّدةً شديدةَ التعقيد، وقد تَفْنَى الأعمار دون الإحاطة بها، أو السيطرة عليها سيطرةً تامة. وصرنا الآن ننفر منها لما اشتملَت عليه من تعسُّف وتكلُّف، بغَّضَ إلى الكثيرين دراسة اللغة العربية في العصر الحديث.»٢٢

البعضُ يعتاش على سلطة الفصاحة والنحو، والدعوةُ للتجديد تُناهِضها دائمًا شبكاتُ مصالح متجذِّرة متشعِّبة معقَّدة، وطالما خرجَت من فضاءِ النقاش العلمي إلى ضجيجِ الجدل البزنطي.

(١٠) نقاش حول سلطة الفصاحة والنحو

بعد نشر: «سلطة الفصاحة والنحو عند الوردي» في جريدة الصباح ببغداد، الصادرة في ١٢ تشرين ثاني (نوفمبر) ٢٠٢٠م، تداولَتْها لاحقًا عدَّةُ صحف ومجاميعُ في وسائل التواصل. اختلفَت المواقفُ حيالها؛ ففيما أثنى عليها وتحمَّس لها بعضُ الخبراء والقُرَّاء، امتعض منها آخرون، وزعموا أنها تتنكَّر لضرورة وجود قواعد للغة العربية، واتَّهم غيرُهم كاتَبها بكلماتٍ غير مهذبة. أشكر كلَّ قُراء المقالة، سواء مَن كان معها أو ضدَّها، وأتمنَّى على بعض القُرَّاء ألا يلجأ للهجاء والكلمات المنفعلة؛ النقدُ العلمي يهتمُّ بتمحيص الآراء قبل أن يتهم كاتبَها.

لم أنكر ضرورةَ وجودِ قواعدَ للعربية، واحدةٌ من الضرورات المعروفة أن كلَّ لغة تُنطق وتُكتَب بقواعد لا سيما العربية، ولا يصح إهمالُ تلك القواعد كليًّا في التحدُّث والكتابة. المقالة السابقة ترى أن قواعدَ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة، يستقيها الإنسانُ من بيئته اللغوية، ويتيسر له تعلُّمُها وإتقانُها. قواعدُ العربية كثيرةٌ دقيقةٌ تفصيليةٌ متشعِّبة، متعارضةٌ أحيانًا، تتنوَّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل، ومن تأخَّر عنهم. هذه القواعد صعبةُ الإتقان لمن يتخصَّص بها؛ إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها، غير أنه ربما لا يتقنها، فكيف بغير المتخصِّص الذي لا يتسع عمرُه لإنفاق سنوات في تعلُّمها، وهم أكثرُ الناطقين بالعربية من أبنائها.

اللغةُ بدلًا من أن تكون أداةً مرِنةً طيِّعة في التواصل الاجتماعي، تحوَّلَت إلى قيدٍ يقيِّد العقل، يُنهك التفكير، يُرهق النطق، وتتعسَّر به الكتابة. في العربية نحن نتحدَّث بلغةٍ هي اللهجة السائدة في مجتمعنا، ومع الناطقين باللهجات العربية الأخرى نتحدَّث بلغة ثانية، ونفكر بلغة ثالثة، ونكتب بلغة رابعة. وربما نرى مَن يتقن عدةَ لغات لا تكون أحيانًا مصدرَ ثراء وخصوبة لديه، بل تشتبك هذه اللغاتُ في بعض الحالات مع مجموعة العربيات؛ لهجة ينطق بها، لهجة ينطق بها مع عربي في شمال أفريقيا ومصر، لغة يكتب بها، لغة يُفكر بها.

أعرفُ الفارسية، وترجمتُ عدَّةَ كتب منها إلى العربية، لم أجد فجوةً واسعة بين الشفاهي والمكتوب، المسافةُ فيها ليست شاسعةً بين لغة الكتابة ولغة المحادثة كما العربية، حتى إن مجموعةَ مؤلَّفات علي شريعتي مثلًا أغلبُها محاضراتٌ شفاهية، كُتبَت على الورق، ونُشرَت بتحريرٍ بسيط، هذا ما رأيتُه في بعض مصوَّرات تحريرها. وهكذا الكتابات المنشورة لبعض المؤلِّفين المعروفين اليوم بالفارسية.

تلك مشكلةٌ يواجهها الناطقون بالعربية تدعونا لتيسيرِ قواعد النطق بها، وإثراءِ معجمها، وتضييقِ الفجوة بين الشفاهي والمكتوب. أدعو لتيسير القواعد، وليس الاستغناء عنها كلِّها، أعني تيسيرَها بالشكل الذي يجعل تلقِّي أبنائها لقواعدها من عوائلهم وبيئاتهم عَفْويًّا، كما يتلقَّون كلمات ومعجم النطق بها. لا أدعو لاعتماد اللهجات المحلية بديلًا عن الفصحى في الكتابة. أدعو لتحديث أنظمة العربية التركيبية والصَّرفية والصوتية والدلالية، وتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدُّ من مصطلحات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. وهذا ما نراه في قواعد ومعجَم اللغات الحية، مثل: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، وغيرها.

هذا ليس رأيي فقط، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المتقدمين والمتأخرين؛ فمثلًا ينصح الجاحظ (ت٢٥٥ﻫ) المعلِّم بقوله: «وأما النحو، فلا تُشغِل قلبَه٢٣ منه إلا بِقَدْر ما يؤدِّيه إلى السلامة من فاحش اللَّحْن، ومن مقدار جهل العوامِّ في كتابٍ إن كتبه، وشِعْرٍ إن أنشدَه، وشيءٍ إن وصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلةٌ عمَّا هو أَولى به، ومذهلٌ عمَّا هو أراد عليه منه، ومن روايات المثل والمشاهدة، والخبر الصادق، والتعبير البارع.»٢٤ ويكشفُ الجاحظ عن الدوافع غير المعلنة لبعض النحاة الأوائل؛ إذ يقول: «قلتُ لأبي الحسن الأخفش: أنتَ أعلم الناس بالنَّحو، فلِمَ لا تجعل كتبك مفهومة كلها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدِّم بعضَ العويص وتؤخِّر بعضَ المفهوم؟! قال: أنا رجلٌ لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي مِن كُتب الدين، ولو وضعتُها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلَّت حاجاتُهم إليَّ فيها، وإنَّما كانت غايتي المَنَالة؛ فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعُوَهُم حلاوة ما فهموا إلى التماسِ فهمِ ما لم يفهموا، وإنَّما قد كسبتُ في هذا التدبير؛ إذ كنتُ إلى التكسُّب ذهبتُ.»٢٥

وكان ابنُ مضاء القرطبي (ت٥٩٢ﻫ) ألَّف كتابًا بعنوان: «الرد على النحاة» دعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بدافعِ تيسيرِ تعليمه. كما يصرِّح بذلك في مقدمة كتابه بقوله: «قَصْدي في هذا الكتاب أن أحذفَ من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبِّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه؛ فمن ذلك ادِّعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعاملٍ لفظي، وأن الرفع منها يكون بعاملٍ لفظي وبعاملٍ معنوي، وعبَّروا عن ذلك بعباراتٍ تُوهِم في قولنا «ضرب زيدٌ عمرًا» أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرَب.»٢٦ وروى السيوطي: «أن الكسائي قد مات وهو لا يعرف حدَّ نعم وبئس، وأن المفتوحة، والحكاية. وأن الخليل لم يكن يُحسِن النداء. وأن سيبويه لم يكن يدري حد التعجب. وأن رجلًا قال لابن خالويه: أريد أن أتعلَّم من العربية ما أُقيم به لساني، فأجابه ابن خالويه على البديهة: أنا منذ خمسين سنةً أتعلَّم النحو، وما تعلَّمْتُ ما أُقيمُ به لساني!»٢٧

وأشار علي الطنطاوي إلى أن ما: «زاد النحوَ تعقيدًا وإبهامًا وبُعدًا عن الغاية التي وُضِع من أجلها، ما صنَعه الرماني من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر مَن بعده على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي وهو معاصر له: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء. فخرج النحو بذلك عن الجادَّة، ولم يعُد واسطةً لفهمِ كلام العرب واتباعِ سبيلهم في القول، بل غدا علمًا مستقلًّا معقَّدًا مضطربًا لا تكاد تثبُت فيه مسألة. ورضي النحاة عن هذا التعقيد، ووجدوا فيه تجارة وكسبًا، حتى إن السيرافي لمَّا ألَّف كتابه الإقناع (الذي أتمَّه ولدُه يوسف) وعرض فيه النحو على أوضحِ شكل وأجملِ ترتيب، فأصبح مفهومًا سهلًا، لا يحتاج إلى مفسِّر، ولا يقصُر عن إدراكه أحد، حتى قالوا فيه: وضع أبو سعيدٍ النحو على المزابل بكتابه الإقناع. ولما ألَّفه قاومه النُّحَاة، وما زالوا به حتى قضوا عليه، فلم يُعرف له ذِكر، ولم نعرف أنه بقي منه بقية! وزاد النحو فسادًا على هذا الفساد هذا الخلاف بين المذهبَين (أو المدرستين على التعبير الجديد) المذهب الكوفي، والمذهب البصري، وما جرَّه هذا الخلاف من الهجوم على الحق، والتدليل على الباطل، والبناء على الشاذ، قَصْدَ الغلبة وابتغاءَ الظفَر، كما وقع في المناظرة المشهورة بين الكسائي وسيبويه.»٢٨

ودعا جماعةٌ من علماءِ اللغة والنحو في العصر الحديث إلى تيسير النحو وتحديث اللغة، منهم: الأب أنستاس ماري الكرملي، ت ١٩٤٧م، الذي ألَّف في هذا الموضوع: «أغلاط اللغويين الأقدمين»، صدر ببغداد سنة ١٩٣٢م، وكتاب: «نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها»، صدر في القاهرة سنة ١٩٣٨م. ويشرح أمين الخولي «صعوباتنا اللغوية اليوم» فيقول: «إن أهم ما يعسِّر النحو على المعلِّمين والمتعلِّمين ثلاثة أشياء؛ الأول: فلسفةٌ حملَت القدماء على أن يفترضوا ويعلِّلوا، ويُسرفوا في الافتراض والتعليل. والثاني: إسرافٌ في القواعد، نشأ عنه إسراف في الاصطلاحات. والثالث: إمعان في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب … إننا نعيش بلغةٍ غيرِ معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغةً معربة، وافرة الحظ من الإعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغةً أجنبية وصعبة؛ إذ أننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقَّفونا بهذه العامية، ثم ها هي العامية تتابع زحفها الجريء على مجال تلك الفصحى … إن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل إعرابها علينا، لا يسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدَّد قواعده وتتضارب … إن هذه الفصحى، فيما وراء إعرابها المضطرب، وسَعَتها، وانتشار قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز فيه الرفع والنصب والجر جميعًا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ويزداد التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة، أو التعبير الواحد بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد.»٢٩

هناك مجموعة علماء لغة ونحو آخرون كتبوا نقدًا لقواعد النحو والإعراب، ودعوا إلى تيسيره، مثل: إبراهيم مصطفى الذي ألَّف «إحياء النحو»، صدر سنة ١٩٣٧م، ويلتقي في كتابه هذا مع ابن مضاء القرطبي، بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، فيقول: «وتخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها هو عندي خيرٌ كثير وغاية تُقصد، ومطلبٌ يُسعى إليه، ورشادٌ يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادًا، وكاد يصدُّ الناس عن معرفة العربية وذوق ما فيها من قوة على الأداء ومزيَّة في التصوير.»

وألف شاكر الجودي كتاب: «تشذيب منهج النحو»، سنة ١٩٤٩م، وأحمد عبد الستار الجواري: «نحو التيسير»، سنة ١٩٦٢م، ومهدي المخزومي: «في النحو العربي: نقد وتوجيه»، سنة ١٩٦٤م. كما صدرَت لعلماء لغة ونحو غيرهم عدةُ مؤلَّفاتٍ مماثلةٍ تدعو للتيسير، غير أن دعوتهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلُّطهما الشديد. أحترم جهودَ الميسِّرين للغة والنحو، وأقدِّر عقلانيتَهم النقدية. ليست كلُّ رؤيةٍ جديدةٍ صحيحة، ولا كلُّ رؤيةٍ قديمةٍ خاطئة، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية، متحرِّرةً من وصاية الماضي على الحاضر ومن وصاية الحاضر على الماضي. لا تتأسَّس هذه الرؤيةُ إلا على فهمٍ وتمحيصٍ للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.

(١١) القيم الكونية نسبيَّة في تطبيقاتها لا في ذاتها

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرِّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرِّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبَتْه أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم. كنتُ عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقَّدة المكوِّنة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركَّب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعيةً معقَّدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيَّرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة البشرية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذَّر علي الوردي ممن يريد أن يغيِّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرُس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرَّف على أسبابها ومكوِّناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيَّرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: «ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبيَّنوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل … إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة … لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقَّف منهم بثقافةٍ حديثة أو قديمة، كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيِّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيِّروا من نفوسهم أشياء لا يُمكِن تغييرها؛ فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدَّى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماعَ المواعظ، من غير أن يُعيروا لها أذنًا صاغية.»٣٠

الوردي يعلن انحيازَه للتطور؛ لذلك يتكرَّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغيَّر ويتطوَّر، الإنسانُ كائنٌ تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناءً على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها. يقول هيغل: «العصور المختلفة محكومة بمعاييرها الخاصة.»٣١

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلافِها باختلافِ الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرِّح بقوله: «الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شئون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمِّتة.»٣٢ أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: «إننا إذا منعنا طُلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجَئُوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جوٍّ ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوًى، ونُهيِّئ لها ما ينفِّس عنها في جوٍّ من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقَينا الإنسان من مزالق الشطَط ومُغريات الخفاء.»٣٣

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسَن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي «الأخلاقي»، «الحُسن والقُبح» الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حُكم الحُسن أبدي لما هو حسَن بالذات وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسَن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌّ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطوُّر علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكُم خبراته وتجاربه وتنوُّعها. كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشَّفَت له حدود الأخلاق، وما هو نسبيٌّ متغيِّر وأبديٌّ ثابتٌ فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسببٍ ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقَّقُ في مجتمعٍ وثقافةٍ وزمانٍ ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيَّان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيِّرة بتغيُّر ظروف الإنسان وأحواله. الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُّ فيهما هو التعرُّف على المصاديق. معرفةُ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطورِ الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنَين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطوَّر اكتشافُ مصاديقها وتحقُّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلَت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرُّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مُضمَّخًا بالدماء. تطلَّبَ ذلك طي مراحل وعرة تطوَّرت فيها عبْر آلاف السنين، كي يتحقَّق الوعي بحدودها وتتحقَّق بشكلٍ واسع في المجتمعات البشرية. كتاباتُ المفكرين والكُتَّاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛ كان أثرُها ملموسًا في تكامُل الوعي بهذه القيم وتحقُّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية. كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في «الجمهورية» البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدِّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، بأنه المنظِّر للتوتاليتارية والمُلهِم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (١٧١١–١٧٧٦م) الزنوج وكل إنسانٍ غيرِ أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزَتْه آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفةٍ معروفين، وشرعنَتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبةً هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصورٍ تالية، قبل القرنِ التاسعَ عشر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading