الحداثة نزعة نحو التدمير الذاتي – محمد بصري باحث من الجزائر

كيف تصور ليوتار أفول الحداثة؟ .
“لك طريقتك، ولي طريقتي. أما الطريق الصحيح، والطريق القويم، والطريق الوحيد ، فهو غير موجود.” فريديرك نيتشه
” الوحوش ليست قبيحة ،لكنها تكتسب هذا المدلول عندما تصبح على أهبة التحول إلى بشر ” غريتش .إي.هندرسن التاريخ الثقافي للقباحة .
“حقبة بدون قباحة هي حقبة لا يحدث فيها تطور”
الفنان الدنماركي آسغر يورن
يقول والتر د.مينولو صاحب كتاب تفكيك الصهيونية “إن الحداثة هي السردية المصطنعة ذاتيا من قبل الفاعلين الأوروبيين عن انجازاتهم وشرعنتهم سلب الحقوق والهيمنة و الغزو” .
لم تعد الانسانية تُعوِّل على الحداثة وارتداداتها بل أصبح مفهوم ما بعد الحداثة غير أصيل بل نموذج لنزعة تدميرية للإنسان. فمهمة الحداثة هي إنهاء الشغف بالجميل والرائع والجليل والنبش عن مآلات لاإنسانوية تؤمن بالقوة والتعالي والمفارق كما يعتقد آدورنو الذي يثبت فراغ المقولات الكبرى كالمركزية والكونية والإنسانية وتحولها إلى سلع تستثمر فيها الإمبريالية والرأسمالية التي جردت الكوني من غاياته بل دمجت الوسائل في الغايات بصورة تداولية أذاتية مبتذلة وحقيرة.
سؤال ما التنوير التقليدي الذي راهن عليه كانط في نقديته وتأسيسه لعقلانية جديدة هو ذاته يتكرر في العقل المركزي الغربي كما يقول السعيد لبيب مقدما لمابعد الحداثة لليوتار الذي طرح نفس السؤال ماذا تعني ما بعد الحداثة ؟
فالعالم أضحى رهين تصورات دينية أفصحت على عودة اللاهوت ورجل الدين بعد أفول دور الفيلسوف والحكيم السقراطي الذي تخلى عن دوره النقدي و التساؤلي والمرجعي في الثقافة والحضارة البشري كما يرى سعيد لبيب قارئا ليوتار أن هيدغر في منعرجه الفلسفي ما قبل اللغوي الذي ينعي فيه الحداثة ويستنجد باللغة جراء التحول الخطير في مهمات التنوير والحداثة أي بدل خطاب حول الكون تحول الى خطاب إثني حول الأمة الألمانية.
مع ظهور ما بعد الحداثة هو تجدُر الدولة العميقة بل أفول صنم الدولة الأمة أو الدولة الحديثة التي تشكلت مع جمهوريات ما بعد الثورة الفرنسية الحداثة التي جعلها نيتشه تتنفس شذراته وروح فلسفته القاسية لا يمكنها إلا أن تكون مشروع مؤجلا كما يقول الفيلسوف العاق هابرماس.
تم تجيير مفاهيم فلسفية وثقافية وحداثية لصالح اللاهوت مما انجر عنه ظهور ميتافيزيقا سياسية تتدثر بالدين والنصوص التوراثية وهو ما فعله المستعمرون الغزاة لأمريكا من إسبان وإنجليز والذين شرعنوا غزوهم بنصوص إنجيلية توراتية.
المداءات التي تشتغل عليها الحداثة هي استمرار لتقديس النص اللاهوتي رغم إدعائية العلمانية واللائكية أو التخلص من الرقابة الدينية للكنيسة فمفهوم “الدينونة” حاضر بشكل عميق في كتابات الفلاسفة المتزمتينEmmanuel Levinas 1906 – 1995 إيمانويل ليفيناس نموذجا الذي يدعو إلى هوية حداثية جديدة متمسكة بالنص تستمد جذورها من التراث التلمودي واليهودي.
ليفيناس الذي يراهن على الموجود الإنساني كون الإنسان هو جوهر الكون وممثل لكل الاستقطابات الميتافيزيقية التي تعيد إنتاج كينونته في علاقاته مع الآخر. الأفراد ليسوا مواضيع وأشياء بل ذوات ترتبط ببعضها البعض ارتباطا وجوديا .شرط وجود الأنا بالآخر الذي هو “الجار” LE prochain بالمفهوم الديني. هذا الجار الآخر يقدم ذاته عن طريق “الوجه” Le visage وهو التجلي والسفير الغيبي الميتافيزيقي للذات الإلهية بالمفهوم التلمودي .هذا الأخير هو نموذج للطرح التوراتي المتعالي الذي يشيد بأمة واحدة لها فضل الخيرية كونها استمرار لذلك التواصل الالهي الميتافيزيقي وهي سردية لحداثة دينية تؤجل الحوار بين الأمم وتفرض براديغم متعالي لا يصلح لما بعد الحداثة.
الحداثة لا تقدم نفسها إلا كسردية فاشلة حسب ليوتار هي مشروع مشؤوم سرعان ما تتحول إلى فضاء و براديغم برغماتي تحت تأثير مفعول مجتمع المعرفة ما بعد الصناعي الذي ينعي الأنظمة التقليدية الشمولية والابيستيميات الثقافية السكونية فكل انفجار معرفي هو إيذان يبشر بكساد حداثي مصطنع يحمل بذور هشاشته كونه رهين اللحظات الرقمية . نظام المحاكاة باستبدال الوقائع بأوهام الصورة على حد تعبير الفرنسي Jean Baudrillard جان بوردريار 1926/2007 .ومظاهر الأفول وعدم الاكتمال الحداثي المركزي الغربي سببها تراجع خطاب التنوير ومناهج التحليل والنقد والتركيب التي بشّر بها هيغل و كانط.
الحداثة هي براديغم لسردية رقمية جديدة( Récits numériques ) * أنظر نعوم صونية ابراديغم المعلوماتي وإيديولوجيا مابعد الحداثة .جان ليوتار المدرسة العليا آسيا جبار مجلة دراسات العدد 2 سنة 2023 وهو ما تكهن به هيدغر في منعرجه اللغوي أن ميتافيزيقا التقنية ستضع اللغة في امتحان حداثي عسير ورهيب لأن خطاب التقانة سيفرز واقعا انسانويا جديدا يفقد فيه البشر كينونتهم لصالح الآلة.
في مجال التربية والمدارس المعاصرة تقاس كفاءة المناهج والبراديغمات البيداغوجية بكفاءة محتواها وغاياتها .لذا فالمقاربات الجديدة في عالم التربية مابعد الحداثة يتم انتقاء الطرائق التي تُحقق الكفاءات وهو مطلب من مطالب لبررة التربية وموضوع من مواضيع السوق الافتراضي.
النزعة التدميرية للتحديث تكمن في براديغم لا طالما سيطر على العقل الغربي استلهم ثقافته من غياب المعنى وعدم تمثله للوعي بل أن إدراكه استدعى مشاريع فلسفية تفكيكية وبنيوية دشنها فلاسفة الغياب.
نص المداخلة التي الهمت هابرماس أفول الحداثة وإن كان غير مقتنعا بذلك كونه احد أشرس المدافعين عن الثقافة المركزية كانت هذه المرافعة في الأصل ردا على أدورنو الذي انشغل بالأفق الإتيقي كمحاولة لإعادة احياء النزعات الحداثية التي اجتاحتها تصورات تقليدية محافظة وشمولية اعاقت انبعاثها مما جعل كل مهمة اخلاقية مستحيلة في ترميم البراديغم الحداثي الغربي.* انظرص 37جون فرانسوا ليوتار في معنى ما بعد الحداثة نصوص في الفلسفة والفن المركز الثقئافي العربي.
أعتقد أن الحداثة لا تختلف ع القباحة كما يقول فرانك زابا “ماهو أقبح .هو جزء من جسدك ؟البعض يقول أنفك/البعض يقول قجميك لمنني أعتقد أنه عقلك؟”
القبيح في الحداثة هو عقلها الذي هو سياج دوغمائي فتك بمقولاتها واعاق النزعىة الإحيائية فيها





