مقالات فكرية

إِبْطَالُ قَوْلِ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ، وَهْيَ اُلْمَسْأَلَةُ اُلثَّانِيَةُ مِنْ “تَهَافُتُ اُلْفَلاَسِفَةِ” للإِمَامِ اُلْغَزَالِيِّ-لطفي خيرالله-تونس

21) [إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ لاَ يَقْوَى]، إِلاَّ أَنَّ هَذَا اُلدَّلِيلَ اُلْمَأْخُوذَ مِنَ اُلإِمْكَانِ لاَ يَدُلُّ، لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ لَدَلَّ عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَزَلِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، وَاُلْعَالَمُ عِنْدَنَا هُوَ حَادِثٌ بِاُلضَّرُورَةِ. لِذَلِكَ هُوَ كَانَ شُبْهَةً وَجَبَ حَلُّهَا، وَقَدْ حَلَلْنَاهَا. وَإِذْ لَيْسَ يَدُلُّ، فَلَيْسَ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ. لَكِنْ نَحْنُ كَذَلِكَ مَا عِنْدَنَا بُرْهَانٌ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ. بَلْ رُبَّمَا هُنَاكَ فَقَطْ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ بِأَنَّ اُلْعَالَمَ جَائِزُ اُلْبَقَاءِ إِلَى مَا لاَنِهَايَةَ، لاَ بِضَرُورَةٍ ذَاتِيَّةٍ، بَلْ بِمَشِيئَةِ اُلْبَارِئِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

22) [فَإِنَّا نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا، وَلاَ نُحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَبَدِيًّا لَوْ أَبْقَاهُ اُلله تَعَالَى أَبَدًا]، وَهَذَا اُلدَّلِيلُ وَإِنْ دَلَّ دِلاَلَةً كَاذِبَةً عَلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ، وَهْوَ أَزَلِيَّةُ اُلْعَالَمِ، فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ أَنْ تَكُونَ دِلاَلَتُهُ اُلْكَاذِبَةُ عَلَى أَبَدِيَّةِ اُلْعَالَمِ دِلاَلَةً عَلَى أَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا. بَلْ اُلْعَالَمُ عِنْدَنَا جَائِزُ اُلأَبَدِيَّةِ، فَلَوْ شَاءَ اُللهُ إِفْنَاءَهُ أَفْنَاهُ، أَوْ شَاءَ إِبْقَاءَهُ بِلاَ نِهَايَةٍ أَبْقَاهُ. أَيْ أَنَّ اُلْعَالَمَ بَاقٍ لَيْسَ بِضَرُورَةٍ ذَاتِيَّةٍ، بَلْ بِإِرَادَةٍ إِلاَهِيَّةٍ.

23) [إِذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اُلْحَادِثِ أَنْ يَكُونَ لَهُ آخِرٌ]، لِلْفَلاَسِفَةِ قَوَاعِدُ مُتَقَرِّرَةٌ بَيَّنَهَا أَرُسْطُو فِي كِتَابِ اُلسَّمَاءِ وَاُلْعَالَمِ وَهْيَ :

   أَوَّلاً، كُلَّ مَا لَيْسَ بِمُتَكَوِّنٍ لَيْسَ بِفَاسِدٍ.

   ثَانِيًا، كُلُّ مُتَكَوِّنٍ فَاسِدٌ، أَيْ كُلَّ حَادِثٍ فَلَهُ آخِرٌ.

   لِذَلِكَ اِعْتَقَدَتِ اُلْفَلاَسِفَةُ أَنَّ اُلْمُتَكَلِّمِينَ قَدْ نَاقَضُوا حِينَمَا جَوَّزُوا لِلْعَالَمِ أَنْ يَكُونَ بِلاَ نِهَايَةٍ مَعَ إِثْبَاتِهِمْ أَنَّهُ حَادِثٌ بِاُلضَّرُورَةِ. وَاُلْغَزَالِيُّ هَاهُنَا إِنَّمَا يُذَكِّرُ بِأَنَّ اُلْحُدُوثَ لَيْسَ بِمَانِعٍ لِلأَبَدِيَّةِ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ بَقَاءُ اُلْعَالَمِ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ، خِلاَفًا لِلْقِدَمِ، فَفِيهِ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَزَلِيًّا.

24) [وَمِنْ ضَرُورَةِ اُلْفِعْلِ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَوَّلٌ]، وَإِذْ أَنَّ مَعْنَى اُلْحُدُوثِ عِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ اُلْمَسْبُوقِيَّةُ بِاُلْعَدَمِ، وَاُلْقِدَمُ عَدَمُ اُلْمَسْبُوقِيَّةِ بِاُلْعَدَمِ، فَإِنَّ اُلَّذِي لِأَجْلِهِ قَدْ مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ قَدِيمًا، فَلِأَنَّ قِدَمَهُ مُبْطِلٌ أَصْلاً لِأَنْ يَكُونَ فِعْلاً للهِ تَعَالَى، بَلْ يَجْعَلُهُ فَقَطْ وَاجِبًا عَنْهُ بِاُلطَّبْعِ، كَوُجُوبِ اُلْحَرَارَةِ مِنَ اُلنَّارِ. فَاُلْمُؤَثِّرُ اُلطَّبِيعِيُّ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَثَرُهُ بِاُلذَّاتِ وَبِاُلتَّسْخِيرِ وَبِلاَ عِلْمٍ مِنْهُ وَعَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ مَا كَانَ يُمْكِنُ لِلْمُؤَثِّرِ إِذْ هُوَ مُؤَثِّرٌ أَنْ يَلْزَمَ عَنْهُ خِلاَفُهَا. فَمَثَلاً اُلنَّارُ بِذَاتِهَا تَلْزَمُهَا اُلْحَرَارَةُ بِلاَ عِلْمٍ مِنْهَا، وَلَيْسَ يُمْكِنُهَا بِمَا هِيَ نَارٌ أَنْ تَمْنَعَ لُزُومَ ذَلِكَ عَنْهَا. وَلَمَّا كَانَ اُلْفِعْلُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ اُلتَّأْثِيرِ اُلطَّبِيعِيِّ، كَانَتْ شُرُوطُهُ غَيْرَ شُرُوطِهِ : أَعْنِي أَنَّ اُلْفِعْلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ اُلْفَاعِلُ قَاصِدًا إِلَيْهِ لاَ لاَزِمًا مِنْهُ بِاُلتَّسْخِيرِ، وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَعَلَى خِلاَفِهِ. وَتَرْجِيحُ مَا اُلْقُدْرَةُ قَادِرَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى خِلاَفِهِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِاُلْقَصْدِ اُلْمُخَصِّصِ. إِذَنْ فَبِنَاءُ اُلْفِعْلِ عَلَى اُلْقَصْدِ. وَإِذْ أَنَّ وَقْتَ اُلْقَصْدِ إِلَى اُلْفِعْلِ هُوَ غَيْرُ وَقْتِ اُلْفِعْلِ، لِأَنَّ اُلْحَاصِلَ لاَ يَكُونُ مَقْصُودًا، إِذَنْ فَوَقْتُ اُلْقَصْدِ إِلَى اُلْفِعْلِ هُوَ وَقْتُ عَدَمِ اُلْفِعْلِ لاَ مَحَالَةَ، إِذَنْ فَاُلْفِعْلُ لاَ يَكُونُ فِعْلاً إِلاَّ إِذَا كَانَ بِاُلضَّرُورَةِ مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ، أَعْنِي حَادِثًا ذَا أَوَّلٍ.

25) [وَلَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِ لاَ مَحَالَةَ آخِرٌ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفِ]، أَيْ وَلَمْ يَقُلْ مِنَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ إِنَّ اُلْعَالَمَ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ إِلاَّ أَبُو اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّف اُلْمُعْتَزِلِيُّ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 235 مِنَ اُلْهِجْرَةِ. بَلْ هُوَ عِنْدَهُمْ فَانٍ بِاُلْجَوَازِ فَقَطْ، وَيُظَنُّ أَنَّهُ أَبَدِيٌّ بِاُلسَّمْعِ.

26) [فَإِنَّهُ قَالَ كَمَا يَسْتَحِيلُ فِي اُلْمَاضِي دَوْرَاتٌ لاَ نِهَايَةَ لَهَا، فَكَذَلِكَ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ]، وَاُلَّذِي أَدَّى أَبَا اُلْهُذَيْلِ اُلْعَلاَّفَ إِلَى مُخَالَفَةِ اُلْمُتَكَلِّمِينَ وَرُكُوبِ اُلْقَوْلِ بِفَنَاءِ اُلْعَالَمِ هَذَا اُلإِلْزَامُ : إِذْ أَنَّ اُلدَّلِيلَ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى حُدُوثِ اُلْجِسْمِ لِأَنَّ اُلْحَوَادِثَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، وَاُلْجِسْمُ كَذَلِكَ لاَ يَخْلُو مِنَ اُلْحَوَادِثِ، فَهْوَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا، إِذَنْ فَاُلْجِسْمُ أَيْضًا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، فَاُلْجِسْمُ حَادِثٌ. وَبَيَانُ أَنَّ اُلْحَوَادِثَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَمُرَّ إِلَى مَا لاَ أَوَّلَ لَهُ، هُوَ أَنَّ اُلْيَوْمَ مَثَلاً لَوْ أَتَى بَعْدَ أَيَّامٍ لاَ أَوَّلَ لَهَا، لَمَا أَتَى، لِأَنَّ حُصُولَهُ سَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى أُمُورٍ لاَ مُتَنَاهِيَةٍ، وَاِنْقِضَاءُ مَا لاَ نِهَايَةَ لَهُ مُحَالٌ. وَاُلْمَوْقُوفُ عَلَى شَرْطٍ مُحَالٍ مُحَالٌ. إِذَنْ فَكَمَا اِمْتَنَعَتْ حَوَادِثُ لاَ مُتَنَاهِيَةٌ فِي اُلْمَاضِي، فَهْيَ مُمْتَنِعَةٌ أَيْضًا فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ. وَاُلْعَالَمُ لَهُ آخِرٌ بِاُلضَّرُورَةِ، كَمَا كَانَ لَهُ أَوَّلٌ بِاُلضَّرُورَةِ.

27) [لِأَنَّ كُلَّ اُلْمُسْتَقْبَلِ قَطُّ لاَ يَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ… وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَسَاوِقًا]، وَقِيَاسُ أَبِي اُلْهُذَيْلِ اُلْمُسْتَقْبَلَ عَلَى اُلْمَاضِي قِيَاسٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اُلأُمُورَ فِي اُلْمَاضِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَسَاوِقَةً، أَيْ مُجْتَمِعَةً مَعًا، كَاُلنُّفُوسِ اُلْمُفَارِقَةِ لِأَبْدَانِهَا، بَلْ مُتَلاَحِقَةٌ، أَيْ مُتَعَاقِبَةً، كَأَدْوَارِ اُلْفَلَكِ، فَهْيَ قَدْ دَخَلَتْ كُلُّهَا فِي اُلْوُجُودِ. لِذَلِكَ فَإِثْبَاتُ مَا لاَ يَتَنَاهَى فِي اُلْمَاضِي يَقْتَضِي لاَ مَحَالَةَ إِثْبَاتَ غَيْرِ مُتَنَاهٍ بِاُلْفِعْلِ. وَهَذَا مُحَالٌ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ فِي اُلأُمُورِ اُلْمُتَسَاوِقَةِ فَقَطْ، وَعِنْدَ اُلْمُتَكَلِّمِينَ فِي اُلأُمُورِ اُلْمُتَسَاوِقَةِ وَاُلْمُتَلاَحِقَةِ مَعًا. أَمَّا اُلْمُسْتَقْبَلُ فَغَيْرُ مَوْجُودٍ أَصْلاً، وَإِذَا دَخَلَ فِي اُلْوُجُودِ لَمْ يَدْخُلْ كُلُّهُ، بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. كَذَلِكَ فَاُلأُمُورُ الَّتِي سَتُوجَدُ، عَلَى اُلتَّعَاقُبِ أَوْ مَعًا، إِنَّمَا تَدْخُلُ فِي اُلْوُجُودِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ بِلاَ نِهَايَةٍ، أَيْ مَا يَصِيرُ مِنْهَا بِاُلْفِعْلِ دَائِمًا إِنَّمَا هُوَ مَوْجُودٌ مَحْدُودٌ. لِذَلِكَ كَانَ اُلْوُجُودُ إِلَى غَيْرِ غَايَةٍ فِي اُلْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ غَيْرِ اُلْمُتَنَاهِي بِاُلْقُوَّةِ الَّذِي تُقِرُّهُ اُلْفَلاِسِفَةُ، وَلاَ يَأْبَاهُ اُلْمُتَكَلِّمُونَ.

28) [وَإِذْ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّا لاَ نُحِيلُ بَقَاءَ اُلْعَالَمِ أَبَدًا مِنْ حَيْثُ اُلْعَقْلُ… فَلاَ يَتَعَلَّقُ اُلنَّظَرُ فِيهِ بِاُلْعُقُولِ]، وَإِذْ لَيْسَ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اُلْعَالَمَ أَبَدِيٌّ بِاُلضَّرُورَةِ، أَوْ فَانٍ بِاُلضَّرُورَةِ، فَإِنَّ اُلْحُكْمَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اُلْعَقْلِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلاَّ بِأَنَّهُ مُمْكِنُ اُلْبَقَاءِ، وَمُمْكِنُ اُلْفَنَاءِ، بِاُلسَّوِيَّةِ. أَمَّا تَرْجِيحُ اُلطَّرَفِ اُلْوَاقِعِ، فَهْوَ لِلسَّمْعِ، وَاُلْعَقْلُ فِي مَنْأًى مِنْهُ.

29) [وَأَمَّا مَسْلَكُهُمُ اُلرَّابِعُ]، وَوَجْهُ اِسْتِعْمَالِهِمْ لِلدَّلِيلِ اُلرَّابِعِ اُلْمَأْخُوذِ مِنَ اُلْمَادَّةِ.

30) [فَهْوَ مُحَالٌ]، بِمَا بَانَ مِنْ جَوَابٍ عَلَيْهِ فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.

31) [لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ]، وَاِسْتِعْمَالُهُمْ لِهَذَا اُلدَّلِيلِ فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ هَكَذَا :

32) [إِذَا عَدِمَ اُلْعَالِمُ… لاَ يَنْقَلِبُ مُسْتَحِيلاً]، إِنَّ نِسْبَةَ اُلْوُجُودِ إِلَى ذَاتِ اُلْعَالَمِ بِلاَ شَرْطِ اُلْوُجُودِ أَوِ اُلْعَدَمِ، هِيَ اُلإِمْكَانُ. كَذَلِكَ فَلَوْ بَطَلَتْ هَذِهِ اُلنِّسْبَةُ مَعَ عَدَمِ اُلْعَالَمِ لَاقْتَضَى ذَلِكَ اِنْقَلاَبَ طَبِيعَةِ الإِمْكَانِ فِي نَفْسِهَا إِلَى طَبِيعَةِ اُلاِمْتِنَاعِ، وَهَذَا مُحَالٌ. فَاُلإِمْكَانُ إِذَنْ بَاقٍ مَعَ فَرْضِ فَنَاءِ اُلْعَالَمِ.

33) [وَهْوَ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ]، وَاُلإِمْكَانُ وَصْفٌ إِضَافِيٌّ مَوْجُودٌ عِنْدَ اُلْفَلاَسِفَةِ، خِلاَفًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ اُلْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ اُلْمُضَافِ. وَلاَ بُدَّ لِهَذَا اُلْوَصْفِ اُلْمَوْجُودِ مِنْ مَحَلٍّ، وَهْوَ اُلْمَادَّةُ. فَاُلْمَادَّةُ بَاقِيَةٌ.

34) [فَيَفْتَقِرُ كُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِهِمْ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ]، إِذًا فَكُلُّ حَادِثٍ بِزَعْمِ اُلْفَلاَسِفَةِ مُحْتَاجٌ إِلَى مَادَّةٍ سَابِقَةٍ تَكُونُ هِيَ اُلْمَوْضُوعَ اُلْحَامِلَ لِلإِمْكَانِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى اُلْفِعْلِ صَارَ، أَيِ اُلْمَوْضُوعَ، ذَلِكَ اُلْحَادِثَ بِعَيْنِهِ. وَمَعْنَى اُلْحُدُوثِ حِينَئِذٍ، فَهْوَ أَنْ تَصِيرَ اُلصُّورَةُ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً بْاُلْقوَّةِ فِي اُلْمَادَّةِ، مَوْجُودَةً بِاُلْفِعْلِ.

35) [وَكُلُّ مُنْعَدِمٍ فَيَفْتَقِرُ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا]، كَذَلِكَ فَاُلاِنْعِدَامُ إِنَّمَا هُوَ فَسَادٌ، وَاُلْفَسَادُ إِنَّمَا هُوَ اِنْتِقَالٌ مِنَ اُلْوُجُودِ بِاُلْفِعْلِ، أَعْنِي مِنْ وُجُودِ اُلصُّورَةِ بِاُلْفِعْلِ فِي اُلْمَوْضُوعِ، إِلَى اُلْوُجُودِ بِاُلْقُوَّةِ، أَعْنِي إِلَى اُلْمَادَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَامِلَةً لِلإِمْكَانِ اُلأَوَّلِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى اِفْتِقَارِ اُلْمُنْعَدِمِ إِلَى مَادَّةٍ يَنْعَدِمُ عَنْهَا.

36) [فَاُلْمَوَادُّ وَاُلأُصُولُ لاَ تَنْعَدِمُ، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ اُلصُّوَرُ وَاُلأَعْرَاضُ اُلْحَالَّةُ فِيهَا]، لِذَلِكَ فَاُلْعَدَمُ لَيْسَ عَدَمَ اُلْمَادَّةِ، بَلْ خُلُوُّ اُلْمَادَّةِ مِنَ اُلصُّورَةِ اُلْحَالَّةِ فِيهَا، كَمَا أَنَّ اُلْحُدُوثَ لَيْسَ حُدُوثَ اُلْمَادَّةِ، بَلْ حُلُولُ اُلصُّورَةِ فِي اُلْمَادَّةِ.

37) [وَاُلْجَوَابُ عَنِ اُلْكُلِّ مَا سَبَقَ]، وَاُلْجَوَابُ عَلَى هَذِهِ اُلأَدِلَّةِ اُلأَرْبَعَةِ وَإِبْطَالُهَا فِي هَذِهِ اُلْمَسْأَلَةِ، كَاُلْجَوَابِ عَلَيْهَا فِي اُلْمَسْأَلَةِ اُلأُولَى.

-II قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “اُلأَوَّلُ، مَا تَمَسَّكَ بِهِ جَالِينُوسْ1 إِذْ قَالَ لَوْ كَانَتِ اُلشَّمْسُ مَثَلاً تَقْبَلُ اُلاِنْعِدَامَ لَظَهَرَ فِيهَا ذُبُولٌ فِي مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وَاُلأَرْصَادُ اُلدَّالَّةُ عَلَى مِقْدَارِهَا مُنْذُ آلاَفِ اُلسِّنِينَ لاَ تَدُلُّ إِلاَّ عَلَى هَذَا اُلْمِقْدَارِ2، فَلَمَّا لَمْ تَذْبُلْ فِي هَذِهِ اُلآمَادِ اُلطَّوِيلَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ3.”

شَرْحٌ -II-

1) [جَالِينُوسْ]، طَبِيبٌ يُونَانِيٌّ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 201 مِنَ اُلْمِيلاَدِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ أَبُو اُلطُّيِّبِ اُلْمُتَنَبِّي اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 354 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، قَدْ ضَرَبَهُ مَثَلاً فِي شِعْرِهِ حَيْثُ قَالَ :

     يَمُوتُ رَاعِي اُلضَّأْنِ فِي جَهْلِهِ … مَوْتَةَ جَالِينُوسَ فِي طِبِّهِ.

وَهَذِهِ اُلْحُجَّةُ لِجَالِينُوسَ فِي أَنَّ اُلْعَالَمَ لاَ يَفْسُدُ قَدْ أَوْرَدَهَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا اُلرَّازِيّ اُلطَّبِيبُ اُلْمُتَوَفَّى سَنَةَ 313 مِنَ اُلْهِجْرَةِ، فِي كِتَابِ “اُلشُّكُوكُ عَلَى جَالِينُوسَ”، وَقَالَ إِنَّهَا مَذْكُورَةٌ فِي اُلْمَقَالَةِ اُلرَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِ “اُلْبُرْهَانُ” لِجَالِينُوسَ. وَهَذَا نَصُّهَا “لَوْ فَسَدَ اُلْعَالَمُ لَكَانَتْ لاَ تَلْبَثُ اُلأَجْسَامُ الَّتِي فِيهِ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا وَلاَ الأَبْعَادُ الَّتِي فِيمَا بَيْنَهَا وَاُلْمَقَادِيرُ وَاُلْحَرَكَاتُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَفْنَى مَاءُ اُلْبَحْرِ الَّذِي قِبَلَنَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ اُلأَشْيَاءِ زَائِلاً عَنْ حَالِهِ أَوْ تَغَيَّرَ، وَقَدْ رَصَدَهَا اُلْمُنَجِّمُونَ أُلُوفًا مِنَ اُلسِّنِينَ كَثِيرَةً، فَيَجِبُ إِذَنْ أَنْ يَكُونَ اُلْعَالَمُ أَلاَّ يَهْرَمَ، فَهْوَ إِذَنْ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْفَسَادِ.”

2) [إِذْ قَالَ لَوْ …لاَ تَدُلُّ إِلاَّ عَلَى هَذَا اُلْمِقْدَارِ]، هَذَا اُلْمِقْدَارُ، هُوَ مِقْدَارُ اُلشَّمْسِ اُلْمُدْرَكُ مِنْهَا اُلْيَوْمَ.

3) [فَلَمَّا لَمْ تَذْبُلْ … دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَفْسُدُ]، لَقَدْ صَحَّ أَنَّ اُلشَّمْسَ، كَسَائِرِ أَجْزَاءِ اُلْعَالَمِ، هِيَ مَوْجُودَةٌ مُنْذُ مُدَّةٍ لاَ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ كَمِّيَتِهَا. وَعُلَمَاءُ اُلرَّصْدِكَانُوا قَدْ رَصَدُوهَا، وَرَصَدُوا أَيْضًا اُلْكَوَاكِبَ اُلأُخْرَى، مُنْذُ آلاَفِ اُلسِّنِينَ. وَكَثِيرٌ مِنْ رَصْدِهِمْ ذَاكَ بَقِيَ مَحْفُوظًا، تَتَوَارَثُهُ اُلأَمَمُ، أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ قَطُّ لِلْمُتَأَخِّرِينَ بِقِيَاسِ رَصْدِهِمْ إِلَى وَصْفِ اُلْمُتَقَدِّمِينَ، فِي هَذِهِ اُلآمَادِ اُلطَّوِيلَةِ، أَيُّ اِخْتِلاَفٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي مِقْدَارِ اُلشَّمْسِ، أَوْ صُورَتِهَا. فَاُلشَّمْسُ إِذًا لاَ تَقْبَلُ اُلْفَسَادَ.

-III قَالَ اُلْغَزَالِيُّ “الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ1 : الأَوَّلِ أَنَّ شَكْلَ هَذَا اُلدَّلِيلِ أَنْ يُقَالَ إِنْ كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ. لَكِنَّ اُلتَّالِي مُحَالٌ، فَاُلْمُقَدَّمُ مُحَالٌ. وَهَذَا قِيَاسٌ يُسَمَّى عِنْدَهُمْ “اُلشَّرْطِيُّ اُلْمَتَّصِلُ”2. وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ3، لِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ4 مَا لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ شَرْطٌ آخَرُ وَهْوَ قَوْلُهُ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ5، فَهَذَا اُلتَّالِي6 لاَ يَلْزَمُ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ إِلاَّ بِزِيَادَةِ شَرْطٍ، وَهْوَ أَنْ نَقُولَ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَسَادًا ذُبُولِيًّا، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ مُدَّةٍ7، أَوْ يُبَيَّنُ أَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِطَرِيقِ اُلذُّبُولِ حَتَّى يَلْزَمَ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ8. وَلاَ نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ لاَ يَفْسُدُ اُلشَّيْءُ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، بَلِ اُلذُّبُولُ أَحَدُ وُجُوهِ اُلْفَسَادِ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يَفْسُدَ اُلشَّيْءُ بَغْتَةً، وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ9. اُلثَّانِي10، أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ هَذَا وَأَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، فَمِنْ أَيْنَ عَرَفَ أَنَّهُ لاَ يَعْتَرِيهَا اُلذُّبُولُ11. أَمَّا اِلْتِفَاتُهُ إِلَى اُلأَرْصَادِ فَمُحَالٌ لِأَنَّهَا لاَ تُعْرَفُ مَقَادِيرُهَا إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ12، وَاُلشَّمْسُ الَّتِي يُقَالُ إِنَّهَا كَاُلأَرْضِ مِائَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ13، وَلَوْ نَقُصَ مِنْهَا مِقْدَارُ جِبَالٍ مَثَلاً لَكَانَ لاَ يَتَبَيَّنُ لِلْحِسِّ، فَلَعَلَّهَا فِي اُلذُّبُولِ وَإِلَى الآنَ قَدْ نَقُصَ مِقْدَارُ جِبَالٍ فَأَكْثَرُ وَاُلْحِسُّ لاَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُدْرِكَ ذَلِكَ، لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ فِي عِلْمِ اُلْمَنَاظِرِ لاَ يُعْرَفُ إِلاَّ بِاُلتَّقْرِيبِ14، وَهَذَا كَمَا أَنَّ اُلْيَاقُوتَ وَاُلذَّهَبَ مُرَكَّبَانِ مِنَ اُلْعَنَاصِرِ عِنْدَهُمْ وَهْيَ قَابِلَةٌ لِلْفَسَادِ15، ثُمَّ لَوْ وُضِعَتْ يَاقُوتَةٌ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَكُنْ نُقْصَانُهَا مَحْسُوسًا. فَلَعَلَّ نِسْبَةَ مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلشَّمْسِ فِي مُدَّةِ تَارِيخِ الأَرْصَادِ كَنِسْبَةِ مَا يَنْقُصُ مِنَ اُلْيَاقُوتَةِ فِي مِائَةِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ لاَ يَظْهَرُ لِلْحِسِّ16. فَدَلَّ أَنَّ دَلِيلَهُ فِي غَايَةِ اُلْفَسَادِ17.

   وَقَدْ أَعْرَضْنَا عَنْ إِيرَادِ أَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا اُلْجِنْسِ يَتْرُكُهَا اُلْعُقَلاَءُ، وَأَوْرَدْنَا هَهُنَا هَذَا اُلْوَاحِدَ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَمِثَالاً لِمَا تَرَكْنَاهُ، وَاُقْتَصَرْنَا عَلَى اُلأَدِلَّةِ اُلأَرْبَعَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ فِي حَلِّ شُبْهَتِهَا كَمَا سَبَقَ.

شَرْحٌ -III-

1) [الاِعْتِرَاضُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ]، جِهَتَانِ فِي اُلدَّلِيلِ يَشْتَمِلاَنِ عَلَى خَلَلٍ، إِذَا بَيَنَّاهُمَا، ظَهَرَ بُطْلاَنُهُ.

2) [لَكِنَّ اُلتَّالِي مُحَالٌ… عِنْدَهُمْ “اُلشَّرْطِيُّ اُلْمَتَّصِلُ”]، الأَوَّلُ أَنَّهُ دَلِيلٌ إِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ اِسْتِثْنَائِيٌّ مُؤَلَّفٌ مِنْ شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ، وَمِنْ حَمْلِيَّةٍ هِيَ أَحَدُ جُزْأَيِّ اُلشَّرْطِيَّةِ. وَصُورَتُهُ هِيَ هَكَذَا : “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”، وَهَذَا اُلْمُقَدَّمُ، “فَيَلْزَمُ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ”، وَهَذَا اُلتَّالِي. وَ”لَكِنْ مُحَالٌ أَنْ تَكُونَ اُلشَّمْسُ قَدْ لَحِقَهَا ذُبُولٌ”، وَهَذَا اِسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ اُلتَّالِي. “فَوَجَبَ إذًا أَنَّ اُلشَّمْسَ لاَ تَفْسُدُ”، وَهَذَا نَتِيجَةُ اُلْقِيَاسِ، وَهْوَ إِنْتَاجُ نَقِيضِ اُلْمُقَدَّمِ.

3) [وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ]، وَهَذِهِ اُلنَّتِيجَةُ وَإِنْ لَزِمَتْ مِنْ جِهَةِ اُلصُّورَةِ، فَغَيْرُ لاَزِمَةٍ فِي نَفْسِهَا. إِذْ أَنَّهَا قَدِ اِنْبَنَتْ عَلَى مُقَدِّمَةٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَهْيَ اُلشَّرْطِيَّةُ اُلْمُتَّصِلَةُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ.”

4) [لِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ]، فَاُلْمُقَدَّمُ هُوَ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”. وَيُرِيدُ بِأَنَّ اُلْمُقَدَّمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، أَنَّ اُلتَّالِي “فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا ذُبُولٌ” إِذَا وُضِعَ لَهُ ذَلِكَ اُلْمُقَدَّمُ، لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا. مِثَالُ ذَلِكَ هَذَا اُلتَّالِي “فَاُلنَّهَارُ مَوْجُودٌ” هَوَ لاَزِمٌ لُزُومًا صَحِيحًا عَنْ قَوْلِكَ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ طَالِعَةً”. إِذَنْ فَهْوَ مُقَدَّمٌ صَحِيحٌ لِذَلِكَ اُلتَّالِي. وَلَوْ قِيلَ “إِذَا كَانَ اُلْحِمَارُ نَاهِقًا” “فَاُلنَّهَارُ مَوْجُودٌ”، كَانَ اُلْمُقَدَّمُ غَيْرَ صَحِيحٍ.

5) [مَا لَمْ يُضَفْ إِلَيْهِ شَرْطٌ آخَرُ وَهْوَ قَوْلُهُ، إِنْ كَانَتْ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ]، وَهَذَا اُلْمُقَدَّمُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ”، لاَ يَصِيرُ ذَلِكَ اُلتَّالِي لاَزِمًا عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا إِلاَّ إِذَا قُيِّدَ بِشَرْطٍ آخَرَ، وَهْوَ “وَكَانَ فَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ.”

6) [فَهَذَا اُلتَّالِي]، وَهْوَ “فَلاَ بُدَّ أَنْ يَلْحَقَهَا اُلذُّبُولُ”

7) [لاَ يَلْزَمُ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ إِلاَّ بِزِيَادَةِ شَرْطٍ… فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ مُدَّةٍ]، يُرِيدُ أَنَّ هَذَا اُلْمُقَدَّمَ لاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ اُلتَّالِي عَنْهُ لُزُومًا صَحِيحًا إِلاَّ إِذَا قُيِّدَ بِاُلشَّرْطِ اُلْمَذْكُورِ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ شَرْطِيَّةُ اُلْقِيَاسِ هَكَذَا : “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ، وَكَانَ فَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ لاَ مَحَالَةَ، فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”، أَيْ أَنَّ اُلرَّاصِدَ كَانَ سَيُدْرِكُ مِنْهَا بِاُلضَّرُورَةِ ذَلِكَ اُلذُّبُولَ فِي اُلْمُدَدِ اُلطَّوِيلَةِ، لَوْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي اُلْمُدَّةِ اُلْقَصِيرَةِ.

8) [أَوْ يُبَيَّنُ أَنَّهُ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِطَرِيقِ اُلذُّبُولِ حَتَّى يَلْزَمَ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ]، لِكَيْ يَكُونَ اُلْقِيَاسُ مُنْتِجًا لِلنَّتِيجَةِ فَإِمَّا أَنْ يَفْعَلَ كَمَا مَرَّ وَهْوَ أَنْ يَجْعَلَ اُلْمَطْلُوبَ لَيْسَ فَسَادَ اُلشَّمْسِ، بَلْ فَسَادَهَا فَسَادًا ذُبُولِيًّا، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقْيِيدَ اُلْمُقَدَّمِ بِاُلشَّرْطِ اُلْمَذْكُورِ. وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ اُلْمَطْلُوبَ بِحَالِهِ وَهْوَ فَسَادُ اُلشَّمْسِ فَقَطْ، ثُمَّ إِنَّهُ يُبَيِّنُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ فَاسِدٍ فَفَسَادُهُ بِاُلذُّبُولِ. فَإِنْ ثَبُتَ هَذَا صَحَّتْ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةُ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَفَسَادُهَا بِاُلذُّبُولِ”. وَلِنَفْرِضْ صِحَّةَ اُلشَّرْطِيَّةِ اُلثَّانِيَةِ : “إِذَا كَانَ اُلشَّيْءُ فَاسِدًا بِاُلذُّبُولِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. فَيَلْزَمُ إِذَنْ مِنَ اُلشَّرْطِيَّتَيْنِ مَعًا، وُجُوبُ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةِ اُلثَّالِثَةِ: “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. وَإِذْ صَحَّتْ هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةُ، كَانَ اُلتَّالِي فِيهَا هُوَ لاَزِمًا لُزُومًا صَحِيحًا عَنِ اُلْمُقَدَّمِ. وَبَعْدَ اِسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ اُلتَّالِي، نَتَجَ اُلْمَطْلُوبُ بِاُلضَّرُورَةِ، وَهْوَ “اُلشَّمْسُ لاَ تَفْسُدُ”.

9) [وَلاَ نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّهُ … وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ]، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِنَفْسِهِ أَنْ لاَ فَسَادَ إِلاَّ بِاُلذُّبُولِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ إِذَنْ لُزُومُ اُلتَّالِي لِلْمُقَدَّمِ فِي هَذِهِ اُلشَّرْطِيَّةِ “إِذَا كَانَتِ اُلشَّمْسُ تَفْسُدُ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَذْبُلَ فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ”. لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَلَّمًا أَنَّ اُلْفَسَادَ يَكُونُ بِاُلذُّبُولِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَفْسُدُ اُلشَّيْءُ بَغْتَةً وَهْوَ عَلَى حَالِ كَمَالِهِ، كَاُلْبَيْتِ اُلْجَدِيدِ ذِي اُلْبِنَاءِ اُلْقَوِّيِّ، إِذَا تَقَوَّضَ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِسَبَبِ اُلزِّلْزَالِ. فَهْوَ فَاسِدٌ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ ذُبُولٌ أَوْ نُقْصَانٌ. كَذَلِكَ فَاُلشَّمْسُ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّا لَمْ نُدْرِكْ مِنْهَا ذُبُولاً فِي طُولِ اُلْمُدَّةِ، فَلَيْسَ يَجِبُ أَنْ لاَ تَكُونَ فَاسِدَةً أَيْضًا، إِذْ قَدْ يَكُونُ فَسَادُهَا بَغْتَةً كَفَسَادِ اُلْبَيْتِ اُلْمَذْكُورِ.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading