البوصلة والفخاخ – د. وجدان الخشاب / العراق

…. الآن فقط أطفأت العيون مشاهدها ، فتراكمت أفعالها كوماً كما يبدو ، لتنشئ مشاهد أُخرى لم تدخل في تأريخ هذه العيون المحسومة هي وأكوامها معًـا / أمَّا الستائر … تلك التي كانت تحكم العزلة بانسدال ثقيل ، كان لها أيضًا ضوء خافت مرير ، بشع ومشّع معًـا ، يتكوّم خاشعاً لتراتيل عرّافه / لتراتيل مختزنة في ذاكرات ساومت عليها ومعها العصور ، لتعبر إلى لسانه الذي يخافت بها خوف الضوء نفسه ، وكأنَّه هو الستارة ذاتها / أمّـا السرداب فكان كرة بلهاء تهوي في فضاء أبله ، يتلطخ بعفونة عصر هنا ، وآخر هناك ، وآخر هاهنا ، فتدور عينا شيخوخته ، تلاحق دورتها وصورها { احسميها وقـوّلي مشاهدها } لتصعد التراتيل بنكهة قـوَّتها الفريدة في أن تظـلَّ حارّة في ظلِّ هذه السقوف والجدران … ثُمَّ تعاود لتلاحق ومضة عينين وخفقة شفتين .
… الآن فقط … أطفأت مشاهدها …
الستارة واهنة كالعادة ومثقلة بتلك الحبكات ابتداءً من حبكة حياكتها وحتى حبكة الذي يجري خلفها / أمَّا هي فتنتظر الزوايا لتختضَّ وترمي ظلال أمانها على جسد قطةٍ ما تدفع مواءها وأمان صغيرها إلى أُذنين هاربتين / بينما الفانوس يتخافت بهدوئه المعتاد وتخفت معه الأنفاس { بل قولي أكداس من الأنفاس } ليتها توقف بعض هذه المشاهد … توقف مدَّ حروفها إلى قلب عرَّافها هذا … وتدفع أعرافه إلى مساءٍ قد يبدو مزرقًـا فيما بعد …
فلِمَ لا تكفُّ هذه القطة عن هذا المواء البشع بنعومته وخبثه ، وقد انسحبت القشعريرة والبرد كل إلى مركنه !
لكنَّ المعنيَّ بالغناء لا يغنّي إلاّ بعد هذا المطفأ الذي لم يعُد بريئا تمامًـا ، وهو يستعد لينصب فخاخًـا من قلق عصرٍ غُرز فيه عنوة ، ليصبح مثل قفل يبحث عن خزانته … هذا القفل الذي يخفق في المزاليج ولا يُعثر له على صوت ، حتى يتوقف عند مفترق الطريق ، ليختزل لحظات سوداء تتأرجح بين كفيّ إحكامٍ هائل القـوَّة … فيهبط / دائمًـا يهبط في ظلام المزاليج الذي لا ظلام سواه / يهبط تحرسه العيون ومشاهدها التي تتحوَّل إلى ما يُشبه افتراسًا مُـعلنًـا ومتفـقًـا عليه ، لا لشيء إلاَّ ليلمِّع آثاره الدامية أو ليضيء دموية آثاره …
الآن … الآن فقط ، أطفأت العيون مشاهدها ، والبوصلة تراوح بين انحناءٍ وانفراج يدفع بها إلى نفاذٍ عنيف في عالم بدا لثوانٍ مهتـزًا تمامًـا / يهجر العصر المارُّ امتداده، وينحسر في عتمة يمزِّقها قوس مروره هابطًـا بنفاذ مطلق العنان لصقالة المظهر، التي تتفيأ أنصالها وتفتتُ كلَّ شيء إلى أعراف أو أُصول تعرفها جيـدًا … ولا تمدُّ لها كـفّـا/ لا تمدُّ لها عينًـا ، لتكشف أبراجاً يحرسها العزَّل والقتلى وبنات آوى / لا تمدّ له اصبـعًـا ولسانًـا لتدفع بهما إلى قلب هذا الرماد ….
الآن فقط يهبط هذا الذي يبدو ظلامًـا وخوفًـا … يهبط في فرن يقظٍ ، نزيله الوحيد هو هذا معدني الأهداب الذي يتقاسم الضوء والحرق مع الفرن / الهدوء والسيولة / العيون التي ترى إليهما … هو والفرن … تقاسمهما الرماد والحدادون / الآن يرى المسارب مفتوحة على السماء ….
يرى التراتيل تتهارب من بين الأصابع والشفاه إلى دروب لمَّحت بخصوبة في وقت ما / والآن … دموع المرتِّـل تعابث الطريق / تهجر الضوء وتنثني لترقد هناك / الأصابع والشفاه وترتيلةٌ أُخرى يختضُّ بها فرنه …
لا حبر ولا أصابع تلملم سكون الرعشة وهلوسة الكلام … { أي كلام } ؟
ألسنة وآذان تنهار رعبًـا من هذا الكلام / من كبرياء بحجم هذا البكاء / ولا تكفُّ القطة عن دموعها ولمعان عينيها … لا تكفُّ عن المواء ….
الآن … الآن فقط ….
دخان وعتمة … أكداس من مشاعل وبقايا أحزمة من غبار / الآن فقط تُطلق العيون مشاهدها لترى إلى غضبٍ يرتِّله العرّاف في خيمة لعينين مطفأتين تبدآن الآن { أيضًا ؟ } بالانفراج عن سماءات ترتِّـل لتبصم بنكهة هذه التراتيل مشهـدًا تسنده الأعراف والعـرّافون .





