أنا حرف مؤجل:المرأة التي أختبأت في حرف – ماجدة أبو خضور/قراءة:علي نفنوف

علي نفنوف

شيء في المرأة يظل عصيا على البوح والشرح والفهم مهما امتلكت من الكلمات، ومهما بدا صوتها واثقا وهي تتحدث عن الحب. شيء يشبه غرفة داخل الروح مقفلة بعناية لا تفتح أبوابها بسهولة، تتركها موصدة حتى يأتي من تستطيع أن تضع أمامه تعبها من دون خوف، وأن تتخلى في حضرته عن تلك القوة التي اضطرت إلى ارتدائها طويلا.
أقرأ قصيدة الشاعرة ماجدة أبو خضور «أنا حرف مؤجل»، ثم اعيد قراءتها مره ثانيه وثالثه حتى ظننت نفسي انني انا من كان يكتب عنها او انها هي من تكتب عني شعرت أنني أمام امرأة لا تكتب إلى حبيبها وحده، وإنما تحاول أن تقول شيئا عن المسافة التي يعيشها الإنسان بين ما يظهره للعالم وما يخفيه عن أقرب الناس إليه. امرأة تريد أن تطمئن إلى أن ثمة قلبا يستطيع أن يسمع ما وراء كلماتها، وأن يقرأ قلقها ووجعها وفرحها من دون أن يطالبها بتفسيره.
في العنوان، تضعنا ماجدة أمام حالة تستحق التأمل. لماذا اختارت أن تكون حرفا مؤجلا؟ ومن الذي يؤجل هذا الحرف، أهو الزمن، أم الخوف، أم انتظار إنسان تستطيع في حضرته أن تنطق بما ظل عالقا في أعماقها؟
أميل إلى أن الحرف هنا يحمل شيئا من سيرة الذات وهي تنتظر لحظتها. إنه مغزى لم يجد طريقه كاملا إلى اللغة، واعتراف يعرف طريقه إلى القلب، لكنه يتردد عند عتبة الكلام. وربما كانت هي هذه المرأة، في بعض لحظات الحب، تشبه هذا الحرف؛الذي أختبأت به تحمل في داخلها كلاما كثيرا، وتكتفي أمام من تحب بإشارة صغيرة، أو نظرة عابرة، ثم تعود إلى صمتها وهي تأمل أن يكون قد فهم ما لم تقله.
أقرضت ماجدة:
«أنا المبتدأ في القصيدة وأنت الخبر»
من هذه العبارة تبدأ الحكاية الحقيقية للنص. بقاعدة نحوية بسيطة، ثم تفتحها على معنى إنساني واسع. فالمبتدأ ينتظر خبره كي تستقيم الدلالة، وهنا ترى المرأة في الرجل الذي تحبه ذلك الذي يستطيع أن يمنح حضورها معنى إضافيا، وأن يضيء فيها ما ظل معتما.
غير أنني أجد في هذه العبارة سؤالا يتجاوز العلاقة بين عاشقة ومعشوقها. هل نحتاج إلى الحب كي نعرف أنفسنا؟ أم نحتاج إلى شخص يرى فينا ما عجزنا عن رؤيته وحدنا؟
كم من إنسان عاش سنوات وهو يجهل أجمل ما فيه، حتى جاءت عين محبة فأيقظت فيه إحساسا جديدا بذاته. وكم من امرأة اعتادت أن تكون سندا للآخرين، تحمل قلقهم وتداوي انكساراتهم، ثم تكتشف حين تحب أنها هي الأخرى تحتاج إلى من يسأل عن تعبها، ومن يلاحظ ذلك الحزن الصغير الذي تخفيه وراء ابتسامتها.وفيها
أقرأ صوت ماجدة. إنها لا تتحدث عن الحب من موقع المرأة التي تريد أن تبدو قوية أمام العالم، وإنما من موقع المرأة التي تعبت من الاكتفاء بقوتها، تريد أن تمنح قلبها حقه في الضعف.
تقول:
«أجيء إليكَ كطفل أضاع الطريق فتفتح كفّاك دربا من الضوء»
تعود الشاعرة هنا إلى طفولة الروح، إلى الجزء القديم في الإنسان الذي لا تشيخه السنوات، والذي يظل بحاجة إلى يد تطمئنه حين يضيق العالم. فالطفل الذي أضاع الطريق لا يحتاج إلى من يلومه على ضياعه، وإنما إلى من يأخذ بيده ويعيد إليه ثقته بالعبور.
وأحسب أن هذه الصورة تكشف شيئا عميقا في طبيعة الأمان العاطفي. فالمرأة التي تمنح الآخرين كثيرا من الحنان قد لا تطلب، في أعماقها، سوى مكان تستطيع فيه أن تتخلى عن دور الحامية، وأن تكون هي من يحتاج إلى الحماية. أن تجد شخصا لا يطالبها في كل مرة بأن تكون قادرة على الاحتمال، ولا يجعل ضعفها سببا للابتعاد عنها.
تبدو كفّا المحبوب في القصيدة أشبه بوعد صامت. لا نعرف إلى أين سيقود الطريق، ولا ماذا ينتظر العاشقة في نهايته، لكننا نشعر أنها مستعدة للسير ما دامت اليد التي تمسك بها لن تتركها في منتصف العتمة.
وهنا يطل سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا يحدث حين يصبح هذا الأمان مرتبطا بإنسان واحد إلى هذا الحد؟ هل يحرر الحب الذات من خوفها، أم يجعلها أكثر حساسية تجاه احتمال الفقد؟
لا أرى في القصيدة إجابة محسومة، وهذا ما يجعل تجربتها قابلة للقراءة من أكثر من جهة. فالحب يمنح الإنسان طمأنينة طال انتظارها، لكنه يكشف أيضا عن مناطق هشاشة ربما أمضى سنوات وهو يحاول إخفاءها. وحين نجد من نأمن إليه، نكتشف أحيانا أن قدرتنا على إخفاء أوجاعنا كانت أكبر من قدرتنا على تجاوزها.
وتصل ماجدة إلى واحدة من أكثر لحظات النص حميمية حين تقول:
«كُن أملي… إذا تعبت من الطريق وصوتي… إذا خانني البوح وكتفا أعلّق عليه قلقي»
هنا أشعر أنها تقترب من أكثر مناطقها صدقا. إنها لا تطلب من حبيبها كلاما جميلا، ولا تعده بعالم خال من المتاعب. كل ما تريده أن يكون موجودا حين تتعب، وأن يمنحها صوته حين تعجز عن التعبير، وأن تجد عنده متسعا لقلقها.
كم هو متعب أن يضطر الإنسان إلى شرح ألمه في اللحظة التي يكون فيها عاجزا عن الكلام. وكم يبدو الحضور ثمينا حين يأتي من شخص يفهم أن الصمت أحيانا أصدق من الشرح، وأن الدموع قد تقول ما تعجز عنه جمل كاملة.
أعجبتني صورة الكتف الذي تعلّق عليه الشاعرة قلقها، لأن القلق هنا يخرج من وحدته الداخلية ويجد مكانا يستريح فيه. ثمة رغبة في اقتسام العبء، وفي أن تتوقف المرأة، ولو قليلا، عن حمل العالم على كتفيها.
ولعل هذه الحاجة من أكثر الحاجات الإنسانية صدقا. فنحن لا نبحث دائما عمن يحل مشكلاتنا، وقد لا ننتظر منه جوابا عن أسئلتنا. نريد أحيانا أن نجد من يجلس إلى جوارنا بينما تظل الأسئلة معلقة، ومن لا يشعر بالضجر حين نكرر حكاية الوجع نفسه، ومن يفهم أن بعض الأحزان تحتاج إلى رفقة طويلة قبل أن تهدأ.
لكن الشاعرة تمضي في اعترافها إلى منطقة أكثر حساسية:
«كُن لي عمرا… فإني بك أعيش»
هنا يصبح المحبوب أكثر من رفيق للحياة؛ إنه الحياة التي تتمنى الشاعرة أن تجد نفسها فيها. وفي هذه العبارة حرارة العاطفة حين تبلغ أقصاها، وفيها أيضا خوف خفي من أن يكون الفقد أكبر من قدرة القلب على الاحتمال.
حين نحب بهذه الكثافة، يصبح حضور الآخر جزءا من طريقتنا في فهم العالم. نعتاد صوته حتى نراه في تفاصيل أيامنا، ونربط أشياء كثيرة بوجوده،
أنا حرف مؤجّل
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
أنا المبتدأ في القصيدة
وأنتَ الخبر
وأنتَ اكتمال المعاني
إذا تكسّر الحرف واعتذر
أجيء إليكَ كطفل أضاع الطريق
فتفتح كفّاك دربا من الضوء
وينحني القدر
أنتَ الطمأنينة حين يفيض التعب
وأنت الدعاء الذي يسكن بين الضلوع حين ينبثق الفجر
إذا ضحكتَ
أشرقت في صدري الفصول الأربعة
وصار المساء ربيعا
وصار الحنين قمرا
فكن كما أنت…
نبضا لا ينتهي
فأنا بدونك حرف مؤجل ينتظر
كُن أملي…
إذا تعبت من الطريق
وصوتي…
إذا خانني البوح
وكتفا أعلّق عليه قلقي
كُن لي عمرا …
فإني بك أعيش
لا أريد من الدنيا كثيرا
أريدك أنت…
يدا لا تتركني
واسماً أنتمي إليه
وعمرا أعيشه
إن كان للعمر عمر
كُن عكازي … !
إذا خانتني قوتي
واسمي … !
إذا ناداني الضياع
كُن العمر كلّه
فما العمر دونك إلا صراع مميت
بين شذرات القدر
فأنا المبتدأ في قصيدتي
وأنتَ… أنتَ… أنتَ الخبر



