عندما تشرق العتمة / سميرة جدي -الجزائر

كانت العتمة في مدينتهم تشرق، لم تكن سوداء كما اعتادوا أن يعرفوها.
صباح كل يوم، كانت هناك أضواء منيرة تسطع في ساحة المدينة، تتدرج من أعالي الأبراج وتنعكس على الوجوه، حتى
يخيّل للناظر أن زمنًا جديدًا قد وُلد.
كان الناس يتدافعون اتجاهها وهم يتهافتون.
يقول أحدهم: هناك خلاصنا المرجو.
ويصيح آخر: من لا يلحق بهذا النور، فاته المستقبل.
وكانت المافتن والفتن تعرف كيف تتزين بأجمل الثياب.
إحداها تأتي في هيئة الحرية، فتخلع عن الإنسان حياءه.
وأخرى تتزيّن باسم النجاح، فتجعله يبيع مبادئه.
وثالثة ترفع شعار القوة، فتعلّمه أن الضعيف لا يستحق الرحمة.
ورابعة تهمس باسم الحب، ثم تزرع في القلوب السيطرة والامتلاك.
كل شيء كان لامعًا…إلا الأرواح.
في أحد الأزقة الضيقة، كان شيخ عجوز يجلس أمام نافذته، يراقب المدينة وهي تحتفل بذلك النور الدخيل.
سأله حفيده بفضول: لماذا لا تذهب معهم يا جدي؟
ابتسم الشيخ وقال: لأنني رأيت هذا النور من قبل… أعرفه جيدا.
الحفيد: أين؟
أشار الجد إلى السماء وقال: في كل زمن كانت العتمة تبحث عن طريقة لتخدع الناس. وحين عجزت عن الاختباء، تعلمت أن تشرق لتبهر أبصارهم.
لم يفهم الصبي ما قاله الجد.
وفي تلك الليلة، خرج مع أصدقائه إلى الساحة المكتظة.
كانت الأضواء أكثر بريقًا من أي وقت مضى، والموسيقى أعلى، والوعود أكبر.
وعلى منصة ضخمة وقف رجل مجهول، وقال للحشد المتجمهر: انظروا حولكم! لقد انتهى زمن القيود. لا تسألوا، لا تترددوا، لا تعترضوا… فقط اتبعوا الضوء.
صفّق له الجميع.
ما عدا الصبي… لم يصفق.
فقد لمح شيئًا غريبًا.
كلما ازداد الضوء سطوعًا، ازدادت ظلال الناس طولًا.
اقترب من أحد أصدقائه، فوجده يضحك، لكن عينيه كانتا مملوءتين بالذعر.
اقترب من آخر، فوجده يتحدث عن الحرية، بينما كان يخشى أن يقول ما يفكر فيه.
وعندما التفت إلى المنصة، رأى خلف الرجل المجهول أبوابًا سوداء تُفتح تباعا… واحدًا بعد آخر
فهم فجأة.
لم يكن الضوء يقضي على العتمة….
كان يفسح لها الطريق.
عاد الصبي إلى جده مسرعًا، وسأله: لماذا يصدّق الناس كل هذه البهرجة؟
أجابه الشيخ: لأن الباطل حين يأتي قبيحًا يرفضه البشر، أما حين يتعطر ويتزيّن ويتحدث بلغتهم، فإنهم قد يفتحون له أبوابهم بأيديهم.
ثم أطفأ مصباح غرفته.
قال الصبي بدهشة: لماذا أطفأته؟
قال الشيخ: لأريك الفرق بين النور الحقيقي والنور الذي يخدع العين.
فتح النافذة.
كان الفجر قد بدأ في البزوغ.
لم تكن فيه ألوان صارخة، ولا موسيقى صاخبة، ولا وعود كاذبة.
كان ضوءً هادئًا يتسلل ببطء، يكشف الأشياء كما هي.
قال الشيخ: النور الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصرخ كي تثق به. يكفيه أن يكشف الحقيقة.
وفي الخارج، بدأت أضواء الساحة تنطفئ واحدًا تلو الآخر.
وعندما انطفأت آخر شاشة، اكتشف الناس أن ما حسبوه مدينة مضيئة لم يكن سوى مدينة غارقة في الظلام.
أما الفجر…فكان يشرق بانسيابية هادئة.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل المدينة يتذكرون حقيقة واحدة:
ليست كل عتمة سوداء، وليست كل إضاءة نورًا؛ فبعض الفتن لا تأتي لتطفئ البصيرة، بل تأتي لتُبهرها حتى لا ترى.



