التعرُّف على دستويفسكي والزواج منه – آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا
٣
غادرتُ بيت دستويفسكي في حالةٍ مِن الحزن. لم يُعجِبْني، وترك لديَّ انطباعًا ثقيلًا. فكرتُ أنَّني على الأرجح لن أنجح في العمل معه، وشعرتُ أنَّ أحلامي في الاستقلال مُهدَّدة بأن تذهب أدراج الرياح … وكان أكثر ما آلَمَني هو تلك السعادة التي غمرَتْ أُمِّي ليلة أمس عندما علِمَتْ بحصولي على أول عملٍ في حياتي.
كانت الساعة حوالَي الثانية، عندما تركتُ دستويفسكي. كان بيتُه بعيدًا، فقد كنتُ أسكن بالقرب من سمولني في شارع كوسترومسكايا، في بيت أُمِّي آنَّا نيكولايفنا سنيتكينا. قررتُ الذهاب إلى بعض أقاربي، الذين يعيشون في حارة فونارني فأتناولُ معهم طعام الغداء ثُم أعود إلى دستويفسكي.
أبدى أقاربي اهتمامًا كبيرًا بمعارفي الجُدد، وراحوا يسألون عن كل كبيرةٍ وصغيرة تخصُّ دستويفسكي. مرَّ الوقت سريعًا في الحديث، وما إن اقتربَتِ الساعة الثامنة حتى كانت خُطاي تقودُني إلى منزل آلونكين، وعندما فتحَتْ لي الخادمة الباب سألتُها عن الاسم الأول لسيدها، وكنتُ قد عرفت مِن توقِيعِهِ على رواياته أن اسمَه فيودور، ولكن لم أعرف اسم والده. مرة أخرى طلبَتْ منِّي فيدوسيا (وهذا هو اسم الخادمة) الانتظار في غرفة الطعام ثم ذهبت لتُبلِغَ عن وصولي، وعندما عادت دعَتْني للدخول إلى غرفة المكتب. تبادلتُ التحية مع فيودور ميخايلوفيتش وجلستُ في المكان السابق بالقُرب من المنضدة الصغيرة، لكنَّ ذلك لم يرُق لدستويفسكي ودعاني للانتقال للجلوس إلى مكتبِهِ مؤكدًا أنه سيكون أكثر راحةً لي للكتابة. وأعترف أنني شعرتُ بإغراءٍ لا حدود له لدعوتي للعمل على المكتب الذي كتبَ عليه توًّا عملًا رائعًا مِثل رواية «الجريمة والعقاب».
انتقلتُ للجلوس، بينما شغل فيودور ميخايلوفيتش مكاني بالقُرب من المنضدة الصغيرة. ومرةً أخرى راح يَستفسِر عن اسمي وكُنيتي ثم سألني إن كنتُ أَمتُّ بصِلةِ قرابة لهذا الكاتب الشابِّ الموهوب سنيتكين الذي وافَتْهُ المنيَّةُ منذُ زمنٍ قريب، فذكرتُ له أن الأمر لا يعدو كونَهُ تَشابُهًا في الأسماء، فراح يسألني عن أفراد أُسرتي وأين تعلمتُ وما الذي دفعَني للعمل بالاختزال وهلمَّ جرًّا.
أجبت على كل أسئلته بوضوح وجديَّة وبخشونةٍ أحيانًا، كما أكد لي ذلك فيودور ميخايلوفيتش فيما بعد. كنتُ قد قررتُ أنه في حالة ما إذا اضطررتُ للعمل بالاختزال في بيوتٍ خاصة، أن أُحدِّدَ علاقتي منذ الدقيقة الأولى بيني وبين من لا أعرفهم جيدًا على نحوٍ عملي، مع تجنُّب رفع الكُلفة حتى لا تدفع الرغبة أحدًا مِن الناس أن يُوجِّهَ إليَّ كلمةً زائدة أو وقحة، حتى إنني لا أذكُر أنَّني ابتسمتُ مرةً واحدة وأنا أتحدَّث مع فيودور ميخايلوفيتش، وقد أعجبَتْهُ جِدِّيَّتي للغاية. وقد اعترفَ لي فيما بعدُ أنهُ كان يشعر بالسرور إلى حدِّ الدهشة من قُدرتي على التماسُك، ولِمَا كنتُ أتمتَّع به من رزانة. كان دستويفسكي مُعتادًا على مقابلة العدمِيِّين في المجتمع ورؤية سلوكهم الذي كان يبعث بالاستياء في نفسه، وفي الوقت نفسه كان سعيدًا أن يجِدَ في شخصيتي تناقضًا تامًّا مع النموذج السائد للفتيات الشابات آنذاك.
أثناء ذلك كانت فيدوسيا تُعِدُّ الشاي في غرفة المائدة ثم أحضرَتْ لنا كوبَين وكعكتَين وليمونًا. مرة أخرى دعانى فيودور ميخايلوفيتش للتدخين ثم قدَّم لي ثمار الكُمثرى.
بعد تناول الشاي اكتسب حديثُنا منحًى أكثر صراحة وودًّا، وقد خُيل لي فجأة أنني أعرف دستويفسكي منذُ زمنٍ بعيد؛ مما جعلني أشعر بالارتياح والسكينة.
ولسببٍ ما انحرف بِنا الحديث إلى قضية جماعة بتراشيفسكي٦ وإلى الحكم بالإعدام. وقد تحمَّس فيودور ميخايلوفيتش للحديث عن ذكرياته فقال:
أذكر كيف وقفتُ في ساحة سميونوفسكي وسط رفاقي مِن المُتَّهمين، وعندما رأيتُ الاستعدادات، عرفتُ أنه لم يتبقَّ لي في هذه الحياة سوى خمس دقائق، ولكن هذه الدقائق كانت تُساوي عندي سنين، بل عشرات السنين، هكذا خُيِّل لي أنها تُمثل زمنًا طويلًا: ألبسونا قمصان الإعدام ثم قسَّمونا ثلاثةً، كنتُ الثامن في الصف الثالث.٧ قيَّدوا الثلاثة الأُوَل إلى الأعمدة. وبعد دقيقتَين أو ثلاثٍ أُطلِق الرصاص على كِلا الصفَّين، كان مِن المُنتظَر أن يحلَّ دورنا. كم كنتُ أرغب في الحياة، يا إلهي! كم بدت الحياة عزيزة، كم مِن الأشياء الطيبة والجميلة كان من المُمكن صُنعها! تذكَّرت ماضيَّ كله الذي لم أستغلَّه على الوجهِ الأمثلِ تمامًا، وكم كانت لديَّ الرغبة أن أعيشه وأن أستمتع به مرة أخرى، طويلًا، طويلًا … وفجأةً سمعتُ نفير نوبة الرجوع فانتعشَتْ روحي، لقد فكُّوا وثاق رفاقي من الأعمدة ثُم أعادونا وقرءوا علينا حُكمًا جديدًا، فحُكِم عليَّ بأربع سنواتٍ أعمالًا شاقة. لا أذكر يومًا آخر أكثر سعادةً من هذا اليوم! رُحت أسير في زنزانتي في سجن الكسييفسكي وأنا أُغنِّي، كنتُ أُغني بصوتٍ مرتفع، هكذا كنتُ سعيدًا بالحياة التي وُهِبت لي، ثم سمحوا لأخي بأن يُودِّعَني قبل الفراق، ثم أرسلوني إلى الطريق الطويل عشيةَ الاحتفال بعيد ميلاد المسيح. ما زلتُ أحتفظ بالخطاب الذي أرسلتُهُ للمرحوم أخي٨ يومَ تلاوةِ الحكم، وقد أعاد ليَ ابنُ أخي الخطابَ منذُ فترة قريبة.٩
لقد تركت حكاية ميخائيل ميخايلوفيتش انطباعًا شديدًا في نفسي، لقد اقشعَرَّ بدَني، لكن ما أدهشني بقوة هو هذه الصراحة التي تحدَّث بها معي أنا الفتاة التي يراها للمرة الأُولى في حياته. هذا الرجل الذي يَشِي مظهره بالكتمان والقسوة يقصُّ عليَّ ماضي حياته بكلِّ هذه التفاصيل، وعلى هذا النحو من الصراحة والإخلاص، فالأمر جعلَني دون إرادةٍ منِّي في حالةٍ من الذهول. فقط فيما بعد، تعرفتُ على وضعه الأُسَري، وعندها أدركتُ السبب في هذه الثقة التي أولاها لي والصراحة التي تحدَّث بها، في هذه الآونة من حياته، كان فيودور ميخايلوفيتش وحيدًا تمامًا، مُحاطًا بشخصياتٍ تُكنُّ له العداء.١٠
كان يشعر أنه في أمسِّ الحاجة إلى أُناسٍ يُشاركونه أفكاره، أناس يَفترِض فيهم الطيبة والاهتمام. لقد أعجبَتْني الصراحة التي أبداها نحوي في اليوم الأول لمَعرفتي به وتركَتْ لديَّ انطباعًا رائعًا.
كان الحديث ينتقل بنا من موضوعٍ لآخر، ونحن لم نبدأ العمل بعد، وقد أثار هذا الأمر القلقَ في نفسي، تأخَّر الوقت، وعليَّ أن أقطع مسافةً طويلةً للعودة. كنتُ قد وعدتُ أُمِّي أن أعود إلى البيت مباشرةً من عند دستويفسكي. والآن أحسستُ بالخوف لكونِها ستشعُر بالقلق نحوي. تصورتُ أنه قد يكون من غير المناسِب أن أُذكِّر فيودور ميخايلوفيتش بالهدف الذي جئتُ من أجله، وكم كنتُ سعيدة عندما تذكَّرَ هو نفسه ذلك واقترح عليَّ أن نبدأ الإملاء. تأهبتُ للعمل، بينما راح فيودور ميخايلوفيتش يذرع الغرفةَ بخطواتٍ سريعة جدًّا، بشكلٍ عرَضي من الباب إلى المدفأة! بالإضافة إلى ذلك فإنَّهُ ما أن يَصِل إلى المدفأة حتى يَدُقَّ عليها مرَّتَين، وكان أثناء ذلك يُدخن، مستبدلًا سيجارةً جديدة بسيجارتِهِ التي لم يُكمِل تدخينها، بعد أن يضعها في المِطفأة التي كانت موضوعةً على طرف مكتبه.
وبعد فترةٍ قليلةٍ من الإملاء، طلب فيودور ميخايلوفيتش مِنِّي أن أقرأ عليهِ ما كتبتُهُ، وعندما قرأتُ عليه الكلماتِ الأولى استوقَفَني قائلًا: كيف «عادت من روليتنبورج»؟١١ وهل تحدثتُ عن روليتنبورج؟١٢
– نعم، فيودور ميخايلوفيتش، لقد أمليتَ عليَّ هذه الكلمة.
– مُستحيل.
– عفوًا، وهل هناك مدينة في روايتك بهذا الاسم؟
– نعم، الحدث يدور في مدينة للقمار أسمَيتُها روليتنبورج.
إذا كانت الكلمة موجودة فإنك لا شكَّ أمليتَها عليَّ؛ إذ مِن أين لي أن آتي بها؟
هنا تدارَك فيودور ميخايلوفيتش الأمر قائلًا: أنتِ على حق، لقد اختلط الأمر علي.
كنتُ في غاية السرور أنَّ سوء الفهم قد زال. أظنُّ أن فيودور ميخايلوفيتش كان غارقًا بشدةٍ في أفكاره، وأن هذا الخطأ قد وقع، ربما، نتيجةً لإرهاقه الشديد لاستمراره في العمل على مدى يومٍ كامل. بالإضافة إلى ذلك فقد أحسَّ هو نفسُه بذلك، ولهذا أسرع يقول إنه ليس بإمكانه أن يُواصِل الإملاء أكثر من ذلك، وطلب منِّي أن أُحضِر ما أملاه غدًا في الثانية عشرة، وقد وعدْتُهُ أن أُلبِّي طلبه.
دقَّت الحادية عشرة، وعندها تأهبتُ للذهاب، ولمَّا علم فيودور ميخايلوفيتش أنَّني أعيش في بيسكي قال إنه لم يتسنَّ له الذهاب مرةً واحدة إلى هذا الجزء من المدينة، وأنه لا يعلَم أين يقع هذا الحي. فإذا كان بعيدًا فهو على استعدادٍ أن يُرسِل خادمه لتوصيلي، وقد رفضتُ بالطبع فأوصلني فيودور ميخايلوفيتش إلى الباب ودعا فيدوسيا لتُضيء لي السُّلَّم.
عندما عدتُ إلى المنزل أخبرتُ أُمِّي وقد غمرتني السعادة كيف كان دستويفسكي صريحًا معي وفي غاية الطيبة، ولكنني، وحتى لا أُسبِّب لها أي إحساسٍ بالحزن، أخفيتُ عنها هذا الإحساس الثقيل بالهمِّ والذي لم أشعر به في حياتي من قبل، والذي ترك أثرَه في نفسي من جرَّاء كل هذه الأمور التي مرَّت بي اليوم. لقد كان الانطباع الذي ترسَّخ لدي، انطباعًا مؤلمًا تمامًا. فللمرةِ الأولى في حياتي أرى إنسانًا ذكيًّا، دمِثًا، ولكنه تعيس، إنسانًا هجره الجميع، ومِن ثَمَّ تولَّد في قلبي هذا الإحساس بالتعاطُف العميق والأسى البالِغ …
كنتُ مرهقةً للغاية فأسرعتُ على الفور إلى فراشي وطلبتُ أن يَتمَّ إيقاظي مُبكرًا حتى أتمكَّن من إعادة كلِّ ما أُملِيَ عليَّ وتسليمه لفيودور ميخايلوفيتش في الموعد المُحدَّد.
٤
استيقظتُ مبكرةً في اليوم التالي وعلى الفور جلستُ أعمل. كان ما لديَّ من إملاءٍ قليلًا نِسبيًّا، ولكنَّني أردتُ أن أُعيد كتابتَه بوضوح وجمال أكثر، وقد استغرق منِّي هذا وقتًا أطول، وعلى الرغم من أنَّني أسرعتُ بعد ذلك في الذهاب، فقد تأخَّرْتُ عن موعدي نصف ساعة كاملة.
وجدتُ فيودور ميخايلوفيتش في حالةٍ من الاضطراب الشديد.
قال لي مُرحِّبًا: لقد بدأتُ أفكر في أنَّ العمل لديَّ قد بدا لكِ صعبًا، وأنك لن تأتي بعد ذلك مُطلقًا. وفي الوقت نفسِهِ فأنا لم أُسجِّل عنوانك وخشيتُ أن أفقد ما أمليتُه عليك أمس.
أعربتُ عن اعتذاري بقولي: أنا في غاية الخجل لأنني تأخرتُ على هذا النحو، ولكنني أؤكد لك أنه لو اضطررتُ لرفض العمل لكنتُ قد أحطتك عِلمًا، بطبيعة الحال، ولكنتُ قد أعدتُ لك أصلَ ما أمليتَني.
وهنا راح فيودور ميخايلوفيتش يشرح لي الأمر قائلًا: إن ما أثار قلقي هو أنَّ عليَّ أن أنتهي من كتابة هذه الرواية الجديدة. ما أعرفه وحسب، أنها يَجِب ألا تقلَّ عن سبع مَلازم لتقديمها لدار نشر ستيلوفسكي.١٣
رحت أستفسِر منه عن كل شيءٍ تفصيلًا، بينما راح فيودور ميخايلوفيتش يشرح لي بكلِّ صراحة كيف ساقوه إلى هذه الورطة الفظيعة.
بوفاة أخيه الأكبر ميخائيل، أخذ فيودور ميخايلوفيتش على عاتقِه سداد كافة ديون مجلة «الزمن»،١٤ التي كان يُصدرها أخوه. كانت الديون على صورة كمبيالات، وقد راح الدائنون يُطاردون دستويفسكي بقسوة مُهدِّدين إيَّاه بالحجز على مُمتلكاته وبحبسه هو شخصيًّا في قِسم الديون. كان ذلك مُمكنًا في هذا الزمن.
بلغت الديون العاجلة ثلاثة آلاف روبل، أخذ دستويفسكي في البحث عن أموالٍ هنا وهناك دون أن يصِل إلى نتيجةٍ مُرضية. وعندما باءت كل محاولات إقناع الدائنين بالتريُّث بالفشل، ووقع فيودور ميخايلوفيتش في براثن اليأس، ظهر له فجأة فيودور ستيلوفسكي ومعه اقتراح بشراء حقِّ نشر أعماله الكاملة في ثلاثة مجلدات مقابل ثلاثة آلاف روبل؛ فضلًا عن ذلك، كان فيودور ميخايلوفيتش مُلزَمًا أن يكتب روايةً جديدة أيضًا في إطار هذا المبلغ.
كان موقف فيودور ميخايلوفيتش بالِغ الحرج، ومِن ثَم وافق على كافة شروط العقد، حتى يتجنَّب، فحسب، تهديده بالسجن.
تمَّ التعاقُد في عام ١٨٦٥م (صيفًا) وقد سلَّم ستيلوفسكي المبلغ المُتفق عليه لمُوثق العقود، الذي سلَّمَه بدوره للدائنين في اليوم التالي مباشرة، وهكذا عاد فيودور ميخايلوفيتش صفر اليدين. ولعلَّ ما زاد من إحساس دستويفسكي بالضَّيم أن هذه الأموال قد عادت إلى ستيلوفسكي مرةً أخرى، فقد تبيَّن أنه اشترى كمبيالات فيودور ميخايلوفيتش بثمنٍ بخسٍ من خلال شخصَين صوريَّين، ثم استعاد منهما نقوده. كان ستيلوفسكي يستغلُّ أدباءنا وموسيقيينا بمكرٍ ودهاء (بيسيمسكي، كريستوفسكي، جلينكا).١٥ كان باستطاعته التربُّص بالناس في لحظات مصائبهم ثم يُلقي عليهم شباكه. إن مبلغ ثلاثة آلاف روبل مقابل حق النشر هو مبلغ تافِه للغاية إذا ما نظرنا إلى النجاح الذي حققتْهُ روايات دستويفسكي، لكن الشرط الأكثر قسوةً تمثل في الالتزام بتسليم روايةٍ جديدة قُبيل الأول من نوفمبر ١٨٦٦م. كان على فيودور ميخايلوفيتش أن يدفع غرامةً باهظة، إذا لم يُسلِّم الرواية في الموعد المُحدَّد فإذا تأخر عن الأول من ديسمبر من نفس العام، يسقط حقُّه في مؤلفاته لتُصبِح ملكًا لستيلوفسكي إلى الأبد. وبطبيعة الحال فقد كان هذا هو ما يَرمي إليه هذا الوحش.
في عام ١٨٦٦م كان فيودور ميخايلوفيتش غارقًا في العمل في رواية «الجريمة والعقاب»، وكانت لدَيه الرغبة في إنهائها بحيث تخرج في صورةٍ فنية رائعة. تُرى من أين لهذا الرجل المريض القدرة على كتابة عددٍ آخَرَ من المَلازِم لروايةٍ جديدة؟
بعد أن عاد فيودور ميخايلوفيتش في الخريف قادمًا من موسكو، إذا به يسقُط فريسةً لليأس لعدم استطاعته، على مدى شهرَين ونصف، إنجاز الاتفاق الذي عقدَهُ مع ستيلوفسكي، وهنا اقترح أصدقاء فيودور ميخايلوفيتش؛ أ. ن. مايكوف، أ. ب. ميليوكوف، إ. ج. دولوجوموستيف١٦ وغيرهم، اقترحوا عليه، في محاولة منهم لإنقاذه من مُصيبته، أن يبدأ في وضع خطة لروايتِه، وكان كل منهم يودُّ لو أخذ على عاتقِه كتابة جزءٍ من الرواية، فلو أنَّ ثلاثة منهم أو الأربعة جميعهم عملوا معًا فربما نجحوا في إنهاء العمل في موعدِه؛ ولا يتبقَّى أمام فيودور ميخايلوفيتش سوى أن يُملي الرواية ثم يقوم بعد ذلك بتهذيبها ويُخلِّصها من أي اعوجاج. وقد رفض فيودور ميخايلوفيتش هذا الاقتراح مُفضلًا أن يدفع الغرامة أو يفقد حقوقَه الأدبية عن أن يضع اسمَه على مُؤلَّف ليس له.١٧
عندئذ راح أصدقاؤه ينصحونه بطلب العون من مُختزل. وقد تذكَّر أ. ب. ميليوكوف أنَّ من بين معارفه مدرس للاختزال اسمه ب. م. أولخين، ذهب إليه ميليوكوف وطلب منه مقابلة فيودور ميخايلوفيتش الذي على الرغم من الشكوك التي ساورته بشأن نجاح هذه الطريقة في العمل معه، فقد قرَّر اللجوء إلى مساعَدَة مُختزل نظرًا لاقتراب الموعد.
وعلى الرغم من قلة خبرتي آنذاك بالناس، فإن سلوك ستيلوفسكي قد أثار حفيظتي بشدة.
قدَّموا لنا الشاي، وشرع فيودور ميخايلوفيتش في الإملاء. كان من الواضح أن من الصعب عليه الاندماج في العمل، كان كثيرًا ما يتوقف، ويتأمَّل، ثم يطلب أن أقرأ عليه ما أملاه، وبعد ساعةٍ من العمل أعلن أنه مُتعَب وأنه يرغب في أن ينال قدرًا من الراحة.
بدأنا في تبادُل الحديث، كما فعلنا بالأمس. كان فيودور ميخايلوفيتش قلقًا وراح ينتقِل من موضوعٍ إلى آخر، ثم سألني من جديد عن اسمي لينساه بعد دقيقة. مرةً مرَّتَين عاد ليدعوني للتدخين على الرغم من أنه سمعني أقول له إنني لا أدخن.
رحت أسأله عن كُتَّابنا فانتعش وراح يُجيب على أسئلتي وبدا كأنه ابتعد عن الأفكار التي كانت تُلحُّ عليه بشدة. أخذ يتحدث في هدوء بل وبلهجة يشوبُها المرح. وإليكم بعض ما تذكرته من هذا الحديث.
كان دستويفسكي يَعتبر نِكراسوف١٨ صديق شبابه، وكان يُقدر موهبته الشعرية تقديرًا رفيعًا، كما أحب مايكوف، لا باعتباره شاعرًا موهوبًا فحسب، ولكن باعتباره من أكثر الناس ذكاءً وروعة. وعن تورجينيف تحدث فيودور ميخايلوفيتش باعتباره كاتبًا موهوبًا من الطراز الأول، ولكنه أعرب عن أسفه فقط لأن تورجينيف كان يقضي وقتًا طويلًا خارج روسيا، ومن ثم أصبحت معرفته بروسيا وبالشعب الروسي أقل.١٩
عدنا للعمل بعد استراحةٍ قصيرة وعاد دستويفسكي من جديدٍ لقلقه واضطرابه. كان من الواضح أن العمل لا يسير معه سيرًا حسنًا. لعلِّي أفسر ذلك بعدم تعوُّده على إملاء عمله على شخصٍ لا يعرفه بعدُ معرفة جيدة.
في حوالي الساعة الرابعة عزمتُ على الذهاب بعد أن وعدتُ بالحضور غدًا في الثانية عشرة بصحبة ما تملَّيتُهُ. ولدى مُغادرتي سلَّمني فيودور ميخايلوفيتش رزمة من ورق البريد السميك، سطوره تظهر بالكاد، كان هذا هو الورق الذي يستخدِمه فيودور ميخايلوفيتش عادة في الكتابة. وقد أشار إلى الأماكن التي ينبغي أن أُحدِّد عندها الهوامش.



