📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سيرة ذاتية

التعرُّف على دستويفسكي والزواج منه – آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا

٥

على هذا النحو بدأ واستمر عملنا. كنت أحضر إلى فيودور ميخايلوفيتش في حوالي الثانية عشرة لأعمل حتى الرابعة. وفي خلال هذه الفترة من الزمن كان يُملي عليَّ ثلاث مرات، تصِل المرة إلى ما يزيد قليلًا عن نصف الساعة، وبين الإملاء والآخر كنا نتناول الشاي ونتبادل الحديث. أصبحتُ أُلاحظ بسرور أن فيودور ميخايلوفيتش بدأ في الاعتياد على الطريقة الجديدة في العمل، وفي كل مرة كنتُ أحضر فيها كان يزداد هدوءًا. أصبح ذلك ملحوظًا على وجه الخصوص منذُ أصبح باستطاعتي أن أُحدِّد بدقة عدد الصفحات التي أكتُبها من الإملاء في مقابل عدد الصفحات في طبعة ستيلوفسكي. كانت كمية الصفحات التي تُضاف إلى العمل تجد استحسانًا كبيرًا من جانب فيودور ميخايلوفيتش وتبعث في نفسه السرور. كان كثيرًا ما يسألني: كم صفحة كتبنا بالأمس؟ وكم عدد الصفحات التي كتبناها إجمالًا؟ ما رأيك؟ هل سننجح في الانتهاء في الموعد المحدد؟»

في سياق حديثه الودِّي معي، كان، فيودور ميخايلوفيتش يكشف أمامي صورةً حزينةً ما من صور حياته. كان الأسى الشديد يتسرَّب إلى قلبي دون إرادة منِّي، عندما كان يقصُّ عليَّ ظروفه الصعبة والتي لم يستطع، كما يبدو، الخلاص منها مُطلقًا.

في البداية بدا لي أمرًا غريبًا ألا أرى أحدًا من أهل بيته. لم أكن أعرف مِمَّن تتكوَّن عائلته وأين تُوجَد الآن. فرد واحد من العائلة قابلتُه، ربما، في اليوم الرابع من وصولي. فبعد أن أنهيتُ عملي غادرت البيت، وإذا بفتًى في مُقتَبل العمر يستوقفني، رأيت فيه نفس الفتى الذي قابلتُه في بهو الشقة عند زيارتي الأولى لفيودور ميخايلوفيتش. عندما أمعنتُ النظر إليه عن كثب وجدتُهُ أقلَّ وسامةً مما بدا عليه عن بُعد. كان أسمر اللون، يميل وجهه للشحوب. عيناه سوداوان، بياضهما أصفر، كما أنَّ أسنانه كانت صفراء من أثر التدخين.

سألني برعونةٍ دون تكلُّف: ألا تعرفيننى؟ لقد رأيتك عند بابا. لم أشأ الدخول أثناء عملك، يدفعني الفضول أن أعرف حكاية الاختزال هذه، وبخاصة أنني سأبدأ في تعلُّمه بعد أيام. اسمحي لي.

أخذ من يدي الحقيبة بوقاحةٍ وفتحها وراح يتفحَّص ما بها من نصوص في الشارع مباشرة. ارتبكتُ بسبب هذه الوقاحة، حتى إنني لم أتمكن من الاعتراض.

شيءٌ مُضحك، مدَّ يده بإهمال وهو يعيد الحقيبة. قلتُ في نفسي «هل يمكن لإنسانٍ عطوف، دمث الخلق، مثل فيودور ميخايلوفيتش، أن يكون لديه مثل هذا الابن السيئ الخلق؟»

يومًا بعدَ الآخر راح دستويفسكي يُعاملني بلطفٍ ومودَّةٍ أكثر فأكثر. وكان كثيرًا ما يُسمِّيني ﺑ «اليمامة» (أحَبُّ أسماء التدليل إليه)، «آنَّا جريجوريفنا الطيبة»، «عزيزتي»، أما أنا فكنتُ أُرجِع هذه الكلمات لروح التسامح التي كان يُبدِيها تجاهي باعتباري عذراء في ميعة الصبا. وكان أكثر ما يُسعِدني هو أنني أُخفِّف من الجهد الذي يبذله، وكنتُ أرى كيف أن تأكيداتي أنَّ العمل يسير بنجاح وأن باستطاعته إنهاء الرواية في موعدها تُدخِل على قلبه السرور وترفع من روحه المعنوية. كنتُ فخورة للغاية، بيني وبين نفسي، أنني لا أساعد كاتبي المفضل فحسب، وإنما أؤثِّر إيجابًا على مزاجه. كل ذلك رفع من قدري أمام نفسي.

لم أعد أخشى «الكاتب الشهير» ورحتُ أتحدَّث معه بحرية وصداقة وكأني أتحدث مع أحدٍ من أعمامي أو مع صديقٍ قديم. استفسرتُ منه عن أحداثٍ مختلفة وقعَتْ له في حياته، وكان يُرضي فضولي عن طيب خاطر. حدَّثني تفصيلًا عن الشهور الثمانية التي قضاها سجينًا في قلعة بتروبافلوفسك،٢٠ وكيف كان يتبادل الحديث مع المساجين الآخرين من خلال الدقِّ على الحائط.٢١ حدَّثني عن حياته في المنفى، عن المجرمين الذين كان يَقضي معهم عقوبة الحبس. تذكَّر الأيام التي قضاها في الخارج، عن رحلاته ولقاءاته؛ عن أقاربه الأعزاء في موسكو الذين أَحَبَّهم بشدة.٢٢ أخبرَني بطريقةٍ ما أنه كان مُتزوجًا، وأن زوجته تُوفِّيت منذ سنوات ثلاث، ثم أطلعني على صورتها،٢٣ لم تُعجِبني صورتها، وقد أخبَرَني فيودور ميخايلوفيتش أنه قد جرى تصوير الراحلة وهي في أشد حالات المرض قبل وفاتها بعامٍ واحد. كان وجهها رهيبًا وكأنه وجه ميت تقريبًا. في أثناء ذلك علمتُ أن الفتى الوقح الذي لم يُعجبني ليس ابنًا لفيودور ميخايلوفيتش، وإنما هو ربيبه، ابن زوجته من زوجها الأول، ألكسندر إيفانوفيتش إيسايف، وقد سرَّني ذلك للغاية، كثيرًا ما كان دستويفسكي يتشكَّي من الديون ومن نقص المال ومن وضعه المادي الصعب، وقد تسنَّى لي فيما بعد أن أكون شاهدةً على المصاعب المالية التي عانى بشدةٍ من وطأتها.٢٤

كانت كل حكايات فيودور ميخايلوفيتش مطبوعة بطابع الحزن، حتى إنني لم أتمالك نفسي ذات مرة وسألته: فيودور ميخايلوفيتش، لماذا لا تتذكر سوى الأحداث التعيسة؟ الأفضل أن تحكي لي عن الأوقات التي كنتَ فيها سعيدًا.

– سعيد؟! أنا لم أذُق طعم السعادة في يوم من الأيام، على الأقل فإنني لم أستتشعِر تلك السعادة التي حلمتُ بها، والتي ما زلتُ أنتظرها. منذ أيام كتبتُ لصديقي البارون فرانجيل٢٥ أُخبره أنني على الرغم من كل الأحزان التي نزلَتْ بي ما زلتُ أحلم أن أبدأ حياةً جديدة سعيدة.٢٦ كم كان قاسيًا على نفسي أن أستمع إلى ذلك الحديث! بدا لي أمرًا غريبًا أن رجلًا موهوبًا، طيبًا، لا يجد، وقد تقدم به العمر، السعادة التي ينشدها، والتي ما يزال يحلم بها لا أكثر.

ذات مرة قصَّ عليَّ فيودور ميخايلوفيتش تفصيلًا كيف تقدَّم لخطبة آنَّا فاسيليفنا كورفين كروكوفسكايا،٢٧ وكيف كانت سعادته عندما تلقَّى موافقة هذه الفتاة الذكية الموهوبة، اللطيفة، ثم كيف أحزنه أن يتراجَع عن هذه الخطبة مُضطرًّا بعد أن أدرك أن سعادتهما المشتركة أمر مُستحيل بسبب التناقُض بين أفكارهما.٢٨

ذات مرة، وكان فيودور ميخايلوفيتش يمر بحالةٍ نفسية سيئة، إذا به يُطلعني أنه قد بات عليه الآن أن يسافر إلى الخارج، وأن أمامه ثلاث طرق: إما أن يتَّجه شرقًا، إلى القسطنطينية والقدس، وربما بقي هناك إلى الأبد؛ أو يذهب للخارج لينغمس في لعب القمار، الذي يُمكن أن يستولي على مشاعره كلية؛ وأخيرًا، أن يتزوج ثانية وأن يبحث عن السعادة والسرور والأسرة. كان التوصُّل لقرار في هذه القضايا، التي يَجب أن تُغير حياته الفاشلة رأسًا على عقب، هو الشغل الشاغل لفيودور ميخايلوفيتش، وعندما وجدَني مُهتمةً بأمره على نحوٍ ودِّي طلب منِّي أن أُقدِّم له النصح.

أعترف أن هذه الثقة التي أولاها لشخصي قد صعَّبت الأمر علي، لأن رغبته في الذهاب إلى الشرق،٢٩ ثم رغبته أن يُصبح مقامرًا بدت لي غامضةً وخيالية؛ ولمعرفتي أنه من بين معارفي وأقاربي هناك زيجات سعيدة، فقد نصحتُه أن يتزوَّج ثانيةً وأن يغتنم السعادة في جو الأسرة.

وهنا سألني فيودور ميخايلوفيتش:

هل تظنِّين أن بإمكاني الزواج ثانية؟ وأن هناك من تقبل الزواج منِّي؟ وأي زوجة عليَّ أن أختار: الذكية أم الطيبة؟

الذكية بالطبع.

أبدًا، إذا كان عليَّ أن أختار، فسأختار الطيبة التي تحنو عليَّ وتُحبُّني.

وفي سياق حديثِه عن زواجه المُفترَض، سألني فيودور ميخايلوفيتش لماذا لم أتزوج؟ أجبتُه بأن هناك اثنين قد تقدَّما لخطبتي، وأن كليهما رائعان، وأنني أُكِنُّ لهما كل مشاعر الاحترام، ولكنني لا أشعر بعاطفة الحُب نحو أيٍّ منهما، وأنني أودُّ أن أتزوج عن حب.

حتمًا عن حُب، أيَّدني فيودور ميخايلوفيتش بحماس قائلًا:

الاحترام وحدَه لا يصنع زواجًا سعيدًا.

٦

ذات يومٍ في منتصف شهر أكتوبر، وأثناء عملِنا عند مدخل باب غرفة المكتب، إذا بأبوللون مايكوف يظهر فجأة. كنتُ قد رأيتُ صوَرَهُ من قبل، ولهذا عرفتُه على الفور. داعب فيودور ميخايلوفيتش بقوله: إذن فأنت تعيش وفقًا للتقاليد القديمة. باب الشقة مفتوح على السُّلَّم، والخدم لا أثر لهم وكأنهم غادروا البيت!

كان من الواضح أن فيودور ميخايلوفيتش قد سُرَّ لحضور مايكوف فسارع لتعريف كلٍّ مِنَّا بالآخر، مُقدمًا إيَّايَ له باعتباري «مساعدته الغيورة»، مما أدخل السعادة على قلبي. وما إن سمع أبوللون نيكولايفيتش باسم عائلتي حتى استفسر منِّي إن كنتُ أمتُّ بصِلةِ قرابة بالكاتب سنيتكين، الذي تُوفِّي منذ أمدٍ قريب (وهو السؤال الذي اعتدتُ سماعه كلَّما قابلتُ أحدًا من الكُتَّاب). سرعان ما عبَّر مايكوف عن رغبته في الرحيل مشيرًا إلى أنه لا يريد أن يتسبب في تعطيل عملِنا. اقترحتُ أن نأخذ قسطًا من الراحة، وعندئذٍ قاده فيودور ميخايلوفيتش إلى حجرةٍ جانبية وراحا يتبادلان الحديث حوالَي عشرين دقيقة، بينما رحتُ أُعيد كتابة ما أملى عليَّ.

عاد مايكوف إلى غرفة المكتب ليودعني ثم طلب من فيودور ميخايلوفيتش أن يُملي عليَّ شيئًا. فأجابه إلى طلبِه وقام بإملائي نصف صفحةٍ من الرواية، وبعدها مباشرة قمتُ بقراءة ما كتبتُه جهرًا! راح مايكوف يتفحص باهتمامٍ النصَّ المُختزَل مُكرِّرًا:

لا أكاد أفهم شيئًا هنا بالمرة!

أعجبني أبوللون نيكولايفيتش كثيرًا، وكنتُ قد أحببتُه قبل ذلك بصفته شاعرًا، أما مديح فيودور ميخايلوفيتش ووصفه له دائمًا بالإنسان الطيب الرائع فقد أكَّد على انطباعي الجيد عنه.

كلما مرَّ الوقت، اندمج دستويفسكي في العمل، لم يعُد يُملي عليَّ شفاهة وهو يؤلف مباشرة، وإنما راح يعمل ليلًا ثم يُملي عليَّ من مخطوطته. كان كثيرًا ما ينجح في كتابة العديد من الصفحات، إلى حدِّ أنَّني كنتُ أُضطر للجلوس إلى أن يتجاوز الوقت منتصف الليل في إعادة كتابة ما أملاه، ثم أُعلن عليه في اليوم التالي بنبرة الانتصار عددَ الأوراق التي أُضيفت! كم كانت سعادتي عندما كنتُ أرى ابتسامة السرور على وجه فيودور ميخايلوفيتش استجابةً لتأكيداتي أن العمل يمضي بنجاحٍ وأنه سينتهي، بلا أدنى شك، في الموعد المحدد.

اندمجنا كلانا في حياة أبطال الرواية الجديدة، وأصبح لي، مثلما أصبح لفيودور ميخايلوفيتش، أصدقاء منهم وأعداء. حازت الجدة، التي خسرت ثروتها على إعجابي، كما حاز عليه أيضًا مستر أستلي. أما احتقاري فكان من نصيب بالينا وبطل الرواية نفسه والذي لم أستطع العفوَ عنه لقلَّةِ عزيمته وولعِهِ الفائق بالمقامرة.

كان فيودور ميخايلوفيتش في صف «المقامر» كلية، وكان يقول لي إنه هو نفسه قد عانى كثيرًا من نفس هذه المشاعر والانطباعات.٣٠ وأكد لي أن المرء يمكن أن يكون صاحب شخصية قوية وأن يثبت ذلك بحياته، وفي الوقت نفسه لا يمتلك القوة على أن يُخمِد في نفسه الولع بالقمار.

أحيانًا ما كنت أعجب لنفسي على جرأتي في التعبير عن وجهاتِ نظري في الرواية، لكنَّ أكثر ما كان يُدهشني هو هذا القدر الكبير من التسامُح الذي كان يستمع به كاتبٌ موهوب إلى ملاحظاتي وآرائي الطفولية تقريبًا. بعد هذه الأسابيع الثلاثة من العمل المُشترك تراجعَتِ اهتماماتي القديمة كلها لتُصبِح اهتماماتٍ ثانوية. لم أعُد أتردَّد على محاضرات الاختزال، وكان ذلك بموافقة أولخين، ولم أعد أذهب لزيارة أو رؤية معارفي إلا نادرًا، وانصبَّ جلُّ اهتمامي على العمل وعلى تلك المناقشات الرفيعة في أعلى صورها، والتي كانت تدور أثناء أوقات الراحة التي كانت تتخلَّل الإملاء. رحتُ دون إرادةٍ منِّي أعقد المقارنة بين فيودور ميخايلوفيتش وغيره من الشباب الذين تصادف أنِ التقيتُ بهم في المحيط الذي أعيش فيه. وكم بدَتْ لي أحاديثهم عندئذٍ فارغة وتافهة مقارنة بتلك الأحاديث الجديدة والآراء الأصيلة لكاتبي المُفضَّل.

كنتُ أتركه وقد طبعت أفكاره الجديدة أثرَها عليَّ، كان وجودي في البيت يبعث في نفسي الملل، كنتُ أجلس به في انتظار لقائي في الغد بفيودور ميخايلوفيتش، وكانت مشاعر الحزن تنتابني كلَّما اقترب العمل من نهايته، واكتنفني شعور بأن صداقتنا قد آنَ لها أن تنتهي. وكم أدهشني وأسعدني في الوقت نفسِه أن فيودور ميخايلوفيتش قد عبَّر لي عن الفكرة التي جاش بها صدري وكانت وراء قلقي.

– أتعلمين يا آنَّا جريجوريفنا٣١ فيم أفكر؟ ها قد جمعَتِ الأقدار بيننا وأصبحنا نلتقي كلَّ يومٍ في وئامٍ ومودة، وها قد تعوَّدنا أن نتبادل الحديث في حماسٍ وحيوية؛ ترى هل سينتهي كل ذلك بانتهاء الرواية؟ في الحقيقة إنه أمر مؤسف! لسوف أفتقدك كثيرًا. أخبريني كيف يمكن أن أراك؟

أجبتُهُ وأنا في حالةٍ من الإحباط: حسنًا، فيودور ميخايلوفيتش «مصير الحي يتلاقى». على أية حال فليس من الصعب أن يلتقي الناس بعضهم ببعض.

– ولكن أين؟

– في أي مكان، في مجتمع، في مسرح، في حفل …

– تعرفين أنني لا أرتاد المجتمعات أو المسارح إلا نادرًا. ثم ما جدوى هذه اللقاءات إذا لم يستطع المرء أن يقول أحيانًا ما يريد. لماذا لا تدعينني لزيارة أُسرتك.

– تفضل، سوف يسرُّنا حضورك، لكنِّي أخشي أن نكون أنا وأمي صحبة غير مُسلِّية لك.

– متى أستطيع الحضور؟

– سوف نتَّفِق على ذلك عندما نُنهي العمل، الأمر الأساسي بالنسبة لنا الآن هو إنهاء روايتك.

اقترب الأول من نوفمبر، موعد تسليم الرواية لستيلوفسكي، وهنا ظهر الخوف من أن يُفكر هذا الرجل في خدعةٍ يستخدمها لرفض تسلُّم المخطوطة ليحصل على الغرامة. هدَّأتُ من روع فيودور ميخايلوفيتش قدْر استطاعتي ووعدتُهُ أن أستعلم عما يجِب عليه أن يصنعه في حالة إذا ما تحقَّقَت شكوكه.

وفي مساء نفس اليوم طلبتُ من أمي أن تذهب إلى أحدِ معارفنا الذي يعمل بالمحاماة. وقد نصحَنا المحامي أن نُسلِّم المخطوطة إما إلى مُوثِّق العقود، وإما إلى قسم شرطة المنطقة التي يقطن فيها ستيلوفسكي، على أن يتم ذلك، بطبيعة الحال، مصحوبًا بتوقيع شخصيةٍ ذات صفة رسمية. نفس النصيحة قدَّمَها له القاضي العالمي فريمان (شقيق رفيقه في المدرسة) الذي كان فيودور ميخايلوفيتش قد توجَّهَ إليه لاستشارته.

٧

كان التاسع والعشرون من أكتوبر موعدًا لآخِر إملاءٍ لنا. كانت رواية «المقامر» قد اكتملت. ستة وعشرون يومًا من الرابع إلى التاسع والعشرين من أكتوبر كُتِبَت خلالها هذه الرواية. كتَبَها فيودور ميخايلوفيتش في سبع ملازم على عمودَين من القطع الكبير، أي ما يُعادل عشر ملازم من القطع العادي. كان فيودور ميخايلوفيتش سعيدًا للغاية بذلك وأخبرَني أنَّه وبعد أن يُسلِّم المخطوطة بسلام، ينوي أن يُقيم مأدبة غداء لأصدقائه (مايكوف، وميلبوكوف، وغيرهم) وأنه يدعوني مقدمًا للمشاركة في هذه المأدبة.

– هل ذهبتِ إلى أحد المطاعم من قبل؟

– لا، مطلقًا.

– حسنًا، فستأتين إذن إلى غدائي! أودُّ أن أشرب نخب صحة مُساعِدتي العزيزة!، فبدون دعمك لم أكن لأنهي الرواية في موعدها. إذن ستأتين؟

أجبتُه بأنني سأستشير أمي، وكنت قد قررتُ بيني وبين نفسي ألا أذهب. كنتُ أعلم أنه إذا تغلَّب عليَّ الحياء فسوف يبدو وجهي كئيبًا وقد أُفسِد عندئذٍ على الجمع بهجته.

في اليوم التالي، الثلاثين من أكتوبر، أحضرتُ لفيودور ميخايلوفيتش ما كتبناه بالأمس بعد صياغته. قابلني بترحاب خاص، حتى إن حُمرةً ما اندفعت في وجهه عندما دخلت. قرأنا معًا كالمُعتاد الأوراق المكتوبة وفرِحنا أنها بدَتْ أكثرَ عددًا مما توقَّعناه. أخبرني فيودور ميخايلوفيتش أنه سيُعيد اليوم قراءة الرواية فيُصلح بها ما ينبغي إصلاحه ثم يذهب بها غدًا إلى ستيلوفسكي. وهنا تحديدًا أعطاني الخمسين روبلًا وهو الأجر الذي تم تحديدُه. شدَّ على يدي بقوة وشكرَني بحرارة على تعاوني.

كنتُ أعلم أن الثلاثين من أكتوبر هو عيد ميلاد فيودور ميخايلوفيتش، ولهذا قررتُ أن أستبدل بثوبي الجوخ الأسود المعتاد ثوبًا من الحرير البنفسجي. كان فيودور ميخايلوفيتش، الذي طالَما رآني في ملابس الحِداد، مسرورًا لِما أبديتُه من اهتمام، وقد أثنى على ثوبي ووجد أن اللون البنفسجي ملائم تمامًا لي، وأنني أبدو أطول وأكثر رشاقة في هذا الثوب الطويل. راقَني أن أسمع ثناءَه، ولكن وصول أرملة أخي فيودور ميخايلوفيتش، إيميليا فيدوروفنا، التي جاءت لتهنئته، أفسد مُتعتي. قام فيودور ميخايلوفيتش بتعريف كلٍّ منَّا بالآخر وشرح لزوجة أخيه أنه بفضل مُساعدتي فقد تمكَّن من إنهاء الرواية في موعدها، وهو ما جنَّبه المُصيبة التي كانت تُهدِّده. وعلى الرغم من هذه الكلمات فقد عاملتني بجفاءٍ وتعالٍ، الأمر الذي أدهشني وحزَّ في نفسي. لم يرتح فيودور ميخايلوفيتش لهذا الجفاء الذي أبدَتْه زوجة أخيه، ومن ثم راح يُعاملني بودٍّ وترحاب زائدين. وبعد أن عرض عليها أوراقًا ما، دخل أبوللون نيكولايفيتش مايكوف. انحنى مُسلِّمًا ولكنه، كما يبدو، لم يتعرَّف عليَّ. وبعد أن توجَّه إلى فيودور ميخايلوفيتش سأله كيف تسير الأمور مع الرواية. لم يُجبْه فيودور ميخايلوفيتش، الذي لم يسمعه على الأرجح، إذ كان منشغلًا بالحديث مع زوجة أخيه. عندئذٍ قررتُ أن أجيب نيابة عن فيودور ميخايلوفيتش فأخبرتُه أن الرواية اكتملت بالأمس، وأنني أحضرتُ لتوِّي الفصل الأخير بعد إعادة كتابته. اقترب مايكوف ناحيتي على عجلٍ مادًّا يدَه إليَّ معتذرًا لأنه لم يعرفني للوهلة الأولى، وعزا ذلك إلى قصر نظره ولأنني كنتُ أبدو أقصر قامة في ثوبي الأسود.

راح يستفسر عن الرواية وسألني عن رأيي فيها. رحتُ أدلي بآرائي بفرحٍ عن العمل الجديد الذي أصبح عزيزًا علي، وأخبرتُه أنها تضمُّ بين ثناياها عددًا من الشخصيات الناجحة، المليئة بالحياة (الجدة، مستر أستلي، والجنرال العاشق). ذهبنا نثرثر حوالي عشرين دقيقة وكنت أتحدَّث على سَجيَّتي مع هذا الإنسان الرقيق الودود. كانت إميليا فيدوروفنا مندهشةً بل مصدومة بعض الشيء من اهتمام مايكوف بي، ولكنها لم تُغير من لهجتها الجافة معتبرة، على الأرجح، أنه من غير الجدير بها أن تُبدي بعض الودِّ تجاه … مُختزِلة.

سرعان ما غَادَرَنا مايكوف، فحذوت حذوه، رافضةً تحمُّل الصلَف الذي تُعاملني به إميليا فيدوروفنا، وقد حاول فيودور ميخايلوفيتش بشدة أن يُقنعني بالبقاء محاولًا بكلِّ الطرُق أن يُخفِّف من فظاظة زوجة أخيه. أوصلَني حتى المدخل وذكَّرني بوعدي بدعوته لزيارتنا، فأكدتُ له الدعوة.

– متى أستطيع الحضور؟ غدًا؟

– لا، لن أكون بالبيت غدًا، أنا مدعوة لزيارة صديقة في الثانوية.

– بعد غدٍ؟

– بعد غدٍ لديَّ محاضرة في الاختزال.

– إذن، الثاني من نوفمبر؟

– يوم الأربعاء سأذهب، على الأرجح، إلى المسرح.

– يا إلهي! كل أيامك مشغولة! أتدرين يا آنَّا جريجوريفنا، يُخيَّل لي أنكِ تتعمَّدين ذلك. الأمر ببساطة أنك لا ترغبين في زيارتي. أخبريني بالحقيقة!

– إطلاقًا، أؤكد لك! سوف تُسعِدنا رؤيتك عندنا. تعالَ في الثالث من نوفمبر، الخميس مساءً، الساعة السابعة.

– الخميس فقط؟ يا له من زمن طويل! سوف أفتقدك بشدة!

بالطبع لم آخُذ هذه الكلمات على محمل الجد.

٨

وهكذا ذهبَت سريعًا أيام الصفاء، وجاءت أيام الشقاء. كنتُ قد اعتدتُ طوال هذا الشهر أن أسرع الخطوَ بمرحٍ وسعادة لنبدأ العمل، مسرورةً بلقاء فيودور ميخايلوفيتش، أشعر بالحيوية والحماس في الحديث معه، حتى أصبح هذا الأمر حاجةً مُلحة بالنسبة لي. كل مشاغلي واهتماماتي العادية السابقة فقدَتْ معناها وبدت لي أمورًا فارغة لا حاجة لي بها. حتى زيارة فيودور ميخايلوفيتش المُرتقبة لم تعُد تُسعدني؛ بل إنها أصبحت مصدرًا لتعاستي. كنتُ أُدرك أنه لا أنا ولا أمي الطيبة يُمكن أن نكون جليسَين مؤنِسَين لهذا الإنسان الذكي الموهوب. وإذا كانت الأحاديث التي دارت بيني وبين فيودور ميخايلوفيتش أحاديثَ مُمتعة (هكذا كنتُ أفكر) فمردُّ ذلك فقط لأنها كانت تتناول موضوعًا مهمًّا لكلينا. أما الآن فسيأتي فيودور ميخايلوفيتش إلى بيتنا باعتباره ضيفًا، علينا أن «نُسلِّيه». رحتُ أفكر في الموضوعات التي يمكن أن تكون محورًا لحديثنا، وعذَّبَتني فكرة الانطباع الذي ستتركه الرحلة الطويلة الشاقة إلى البقعة النائية التي نسكن فيها، وعن الأمسية المُملَّة التي سيقضيها والتي سوف تمحو لدى فيودور ميخايلوفيتش، باعتباره إنسانًا مُرهف الشعور، ذكريات لقاءاتنا السابقة، وسوف يأسف على قبولِهِ الدعوة إلى هذه الصحبة المُملَّة.

وباعتباري إنسانًا مُحبًّا للحياة، حاولتُ أن أُسلِّي نفسي وأن أُزيل حَزَني، أو خوفي، إن شئنا الدقة. ذهبتُ لزيارة صديقة لي، وفي اليوم التالي ذهبتُ لمحاضرة الاختزال. قابلَني أولخين مهنئًا بانتهاء عملي بنجاح. كان فيودور ميخايلوفيتش قد كتب إليه يُخبره بذلك ويَشكُره على التوصية بمختزل، استطاع بفضلِه الوصول بروايته إلى نهايةٍ موفَّقة. وأضاف فيودور ميخايلوفيتش أن الطريقة الجديدة في العمل بدَت له مناسبة، وأنه قد عقد العزم على استخدامها في المستقبل.

وفي يوم الخميس، الثالث من نوفمبر، بدأتُ منذ الصباح في الإعداد لاستقبال فيودور ميخايلوفيتش. خرجتُ لشراء كمثرى من النوع الذي يُحبه وبعض الهدايا الصغيرة مثل تلك التي كان أحيانًا ما يُقدِّمها لى. كنتُ أشعر طوال اليوم بالقلق، وبحلول السابعة مساءً كان قلقي قد بلغ ذروته. دقَّت السابعة والنصف، ثم الثامنة، ولم يصل. عندئذٍ قررتُ أنه قد عدل عن رأيه في الحضور، أو ربما نسي وعده. وأخيرًا دق جرس الباب بعد طول انتظار وكانت الساعة قد بلغت الثامنة والنصف. أسرعت للقاء فيودور ميخايلوفيتش وسألته: كيف استطعت العثور علي، فيودور ميخايلوفيتش؟

أجاب بلطف: حسنًا، نبرتُك في الحديث تشِي بأنك غير سعيدة لعثوري عليك. أما أنا فأبحث عنك منذ السابعة، وقد طُفتُ بالحي كلِّه وسألتُ كلَّ من قابلت. الجميع يعرف أن شارع كوسترومسكايا موجود هنا. ولكنهم لايعرفون كيف يدلُّونك عليه.٣٢ شكرًا لله أن قيَّض لي رجلًا طيبًا صعد إلى جوار الحوذي وأرشده إلى الطريق.

دخلت أُمي فأسرعتُ بتقديمها إلى فيودور ميخايلوفيتش فقبَّل يدَها بظرفٍ وقال إنه مَدين لي بالمساعدة في العمل. شرعت أمي تصبُّ الشاي، بينما راح فيودور ميخايلوفيتش يحكي لي أثناء ذلك قدْر الخوف الذي عاناه حتى سلَّم المخطوطة إلى ستيلوفسكي، وكما تنبَّأنا فقد لجأ ستيلوفسكي إلى أسلوب التحايُل والمُخاتلة. سافر إلى الريف وأعلنت خادمته أنها لا تعلَم متى سيعود. عندئذٍ توجَّه فيودور ميخايلوفيتش إلى مكتب دار نشر ستيلوفسكي وحاول تسليم المخطوطة لرئيس المكتب، لكن هذا رفض قبولَها رفضًا باتًّا قائلًا إنه غير مُفوَّض بذلك من قِبل ربِّ العمل. تأخَّر فيودور ميخايلوفيتش في الوصول إلى مُوثِّق العقود، في الوقت نفسه لم يكن هناك أحد من رئاسة إدارة الحي موجودًا نهارًا فطلبوا منه المرور مساء. قضى فيودور ميخايلوفيتش النهار بأكملِه في خوف عظيم، وفي العاشرة مساء فقط نجح في تسليم المخطوطة في مكتب شرطة حي (ﻧ … سكي) وتسلَّم إيصالًا من المشرف.

جلسنا نتناول الشاي ونتبادل الحديث دون كلفةٍ وفي جوٍّ تسوده البهجة والمرح. كما كنَّا دائمًا. واضطررتُ لتنحيةِ الموضوعات التي كنتُ أفكر في طرحها جانبًا؛ إذ ظهرت هناك موضوعات جديدة مشوِّقة. سلب فيودور ميخايلوفيتش لبَّ أُمي، وهي التي كانت مضطربة بعض الشيء لزيارة كاتب «كبير» لبيتِنا. كانت لفيودور ميخايلوفيتش جاذبية آسرة، وكثيرًا ما تسنَّى لي فيما بعد أن أُلاحظ كيف أن بعضًا من الناس، الذين كانت لديهم آراء مُسبقة ضدَّه، سرعان ما ينبهرون به.

أخبرني فيودور ميخايلوفيتش، عرضًا، أنه يريد أن يستريح أسبوعًا ثم يبدأ في العمل في الجزء الأخير من «الجريمة والعقاب».

– أودُّ يا آنَّا جريجوريفنا الطيبة أن تُساعديني. لقد كان العمل معك يمضي في يُسر، وأودُّ في المستقبل أن أقوم بالإملاء وآمُل ألا ترفُضي أن تكوني زميلتي في العمل.

أجبتُ بقولى: أودُّ بكل سرور أن أساعدك، ولكني لا أعرف رأي أولخين في ذلك. ربما يُعيِّن لهذا العمل الجديد أحدَ تلاميذه أو إحدى تلميذاته.

– لقد اعتدتُ على طريقة العمل معك وأنا راضٍ عنها تمام الرِّضا. ربما كان الأمر سيُصبح غريبًا، لو أن أولخين أوصى بمختزلٍ آخر، كان من المُمكن ألا يسير عملُنا على نحوٍ حسن. بالمناسبة، ربما لا تكونين أنتِ نفسك راغبةً في العمل معي أكثر من ذلك؟ في هذه الحال، لن أكون لحوحًا بالطبع.

كان واضحًا أن كدرًا قد أصابَه، حاولتُ أن أُحفِّف عنه فقلتُ له إن الأرجح أن أولخين لن تكون لدَيه أسباب للاعتراض على العمل الجديد، وإن عليَّ، على أية حال، أن أُراجعه في ذلك.

في حوالي الحادية عشرة مساءً اعتزم فيودور ميخايلوفيتش الرحيل، ولدى مُغادرته البيت، أخذ عليَّ عهدًا أن أتفاوض مع أولخين عند لقائي به في أول محاضرة وأن أكتُب له. افترَقْنا على نحوٍ ودِّي خالص؛ وسارعتُ بالعودة إلى غرفة المائدة وقد شملتني السعادة من أثر حديثنا الحماسي. وقبل أن تمضي عشر دقائق إذا بالخادمة تدخل لتقصَّ علينا كيفَ أن شخصًا ما قد سرَق في الظلام، من الحوذي الذي أحضر فيودور ميخايلوفيتش، المخدَّة التي يضعها على مقعد العربة. كان الحوذي يائسًا ولم يُهدِّئ من روعه سوى الوعد الذي بذله فيودور ميخايلوفيتش له، بأن يُجزل له العطاء تعويضًا عن الخسارة التي حاقت به.

كنتُ ما أزال فتاةً غضَّة، وقد أصابني هذا الموقف بالجزع الشديد، وتصوَّرتُ أن مثل هذا الحدث سوف يؤثر على علاقة فيودور ميخايلوفيتش بنا، وأنه سوف يكفُّ عن زيارتنا في هذه البقعة النائية المُوحِشة، حيث يمكن أن يسطو عليه لصٌّ كما سطا على الحوذي. شعرت بالأسى حتى انهمرتِ الدموع من عيني من جراء إحساسي بأن هذا الحادث المؤسِف قد أفسد الانطباع الذي تركَتْه هذه الأمسية الرائعة التي قضيناها.

٩

في اليوم التالي لزيارة فيودور ميخايلوفيتش ذهبتُ إلى أختي ماريا جريجوريفنا سفاتكوفسكايا وقضيتُ اليوم بطوله عندها، وهناك حكيتُ لها ولزوجِها بافل جريجوريفيتش عن عملي لدى دستويفسكي. ولمَّا كنتُ أعمل نهارًا لدى فيودور ميخايلوفيتش، ثم أقوم على إعادة كتابة ما تمليتُه مساء، فقد كانت زياراتي لأختي ماشا٣٣ زياراتٍ خاطفة، ومن ثم فقد تجمَّعَت لديَّ حكايات كثيرة. كانت أختي تستمِع إليَّ باهتمامٍ بالِغ، وكانت تُقاطعني دائمًا لتستفسِر عن كافة التفاصيل، ولمَّا رأت حماسي الشديد قالت: لا جدوى، نيتوتشكا، أنت «مغرمة» بدستويفسكي، لكن أحلامَك لا يمكن أن تتحقَّق، وأحمد الله أنها لن تتحقَّق ما دام هذا الإنسان مريضًا إلى هذا الحد؛ فضلًا عن أعبائه الأُسرية وديونه!

اعترضتُ بشدة وقلتُ إنني لست «معجبة» على الإطلاق بدستويفسكي، وإنني لا «أحلم» بشيء، كل ما في الأمر أنني كنتُ سعيدة بتبادل الحديث مع شخصٍ ذكي وموهوب، وإنني مَدينة له لِما أبداه نحوِي من اهتمامٍ ومودة دائمة.

على أنَّ كلمات أختي قد كدَّرت صفوي، وما إن عدتُ إلى المنزل حتى رحتُ أسأل نفسي: هل ماشا أختي على حق؟ وهل أنا «مغرمة» فعلًا بفيودور ميخايلوفيتش؟ أليست هذه فعلًا بداية الحُب الذي لم أُجرِّبه بعد؟ يا له من حلمٍ مجنون من جانبي! وهل هذا مُمكن؟ وإذا كانت هذه بداية الحُب، فما الذي عليَّ أن أفعله؟ أليس من الأفضل أن أرفض اقتراحَه بالعمل بعُذرٍ لائق، وأن أنقطِع عن التفكير فيه، وأن أحاول نسيانَهُ شيئًا فشيئًا، وأن أعود إلى سكينتي السابقة التي كنتُ أنعم بها وأُقدِّرها دائمًا بعد أن انشغِل عنه بعملٍ ما؟ ولكن، أليس من الجائز أن تكون ماشا مخطئة، وأن لا خوف هناك من أي تهديدٍ لعواطفي؟ لماذا أفقد، في ظروف مثل ظروفي، عملي بالاختزال؛ هذا العمل الذي كنت أحلم به، وأفقد معه هذه الأحاديث الودودة الشيِّقة التي كانت تُصاحب هذا العمل؟

بالإضافة إلى ذلك، فمن المؤسف بشدة أن أترك فيودور ميخايلوفيتش دون عَون من مُختزل، إذ إنه تأقلم على هذا الأسلوب في العمل، وبخاصة أنني لا أعرف أحدًا، من بين تلاميذ أولخين أو تلميذاته (باستثناء اثنين يعملان بالفعل بانتظام) أستطيع أن أعهد إليه كليةً بالعمل بدلًا منِّي، سواء من ناحية سرعة الكتابة، أو الدقة في تسليم ما أُملِيَ عليه.

طافت كل هذه الأفكار برأسي وانتابني همٌّ شديد.

جاء يوم الأحد، السادس من نوفمبر؛ في هذا اليوم كنتُ قد عقدتُ العزم على الذهاب لتهنئة إشبينتي بعيد ملادها، لم أكن على صلةٍ حميمة بها، وإنما كنتُ أزورها في أيام الأعياد فحسب. مِن المتوقَّع أن يكون لدَيها اليوم ضيوف كثيرون. وكنتُ أتطلَّع إلى إزالة هذا الشعور المُضني، الذي لم يُفارقني طيلةَ الأيام الماضية. كانت هذه السيدة تعيش بعيدًا، بالقُرب من جسر الأرتشين، وكنتُ قد قررتُ زيارتها في ضوء النهار. جلستُ أعزف على البيانو، ريثما يرسلون أحدًا في طلَب حوذي. وبسبب صوت الموسيقى، لم أنتبه لجرس الباب، وإذا بوقْع أقدامِ رجل، حانت منِّي الْتفاتة، ولدهشتي وسروري، إذا بي أرى فيودور ميخايلوفيتش مقبلًا ناحيتي.

صافحَني فيودور ميخايلوفيتش ضاغطًا على يدي في قوة وهو يقول: انظُري يا آنَّا جريجوريفنا ماذا صنعت؟ لقد كنتُ أشعر بالوحشة طوال الأيام الماضية، ثم رحتُ أفكر اليوم منذُ الصباح، هل آتي إليك أم لا؟ وهل سيكون هذا لائقًا؟ ألن تبدو لك ولوالدتك زيارة مُتعجلة، إذ كنتُ هنا لتوِّي يوم الخميس فإذا بي أظهر ثانيةً يوم الأحد! عندئذٍ قررتُ ألَّا آتي مهما كلَّفَني الأمر، ثم ها أنا أمامك كما ترين!

– ما الذي تقول، فيودور ميخايلوفيتش! إنه لمن دواعي سرورنا أن نراك بيننا!

وعلى الرغم من تأكيدي على الترحيب به، فإننا لم نتمكَّن من مباشرة الحديث على النحو الذي تعوَّدْناه. لم يكن بمقدوري التغلُّب على اضطرابي فاكتفيتُ بالإجابة على أسئلة فيودور ميخايلوفيتش، حتى إنني لم أتوجَّه تقريبًا بأي سؤالٍ له. كان هناك أيضًا سبب آخر ظاهري راح يؤرِّقني، فلم نكن قد أعددْنا العدةَ لتدفئة صالتنا الرحبة حيث كنَّا نجلس، ومن ثم كانت البرودة تسودُها، وهو ما لاحظَه فيودور ميخايلوفيتش فقال: المكان لدَيكم بارد، وأنت نفسك باردة! وعندما لاحظ أنني أرتدي ثوبًا رماديًّا فاتحًا سألني إن كنتُ أعتزم الخروج.

عندما عرف أن عليَّ الذهاب الآن إلى إشبينتي، أعلن فيودور ميخايلوفيتش أنه لا يرغب في تعطيلي واقترح تَوصيلي بعربتِهِ حيث إنه سيسلُك نفس الطريق. وافقتُ وانطلقنا، وعند أحد المنعطفات الحادة أراد فيودور ميخايلوفيتش أن يُمسِكني من خصري، ولكنني، باعتباري فتاة من فتيات الستينيات، كان لديَّ تحذير من أي نوعٍ من أنواع إبداء الاهتمام من قبيلِ تقبيل اليد وإمساك السيدات من خصورهن وهلمَّ جرًّا. قلت له: من فضلك، لا تقلق، لن أسقط!

بدا أن فيودور ميخايلوفيتش قد أغضبَتْه كلماتي فقال: كم أودُّ الآن لو أنك سقطتِ خارج العربة!

انفجرتُ ضاحكةً وسرعان ما ساد السلام بيننا، ورُحنا نثرثر في مرحٍ ما تبقَّى من الطريق، وإذا بالهموم التي أثقلت روحي تنقشِع بعيدًا. عند فراقنا شدَّ فيودور ميخايلوفيتش على يدي وأخذ منِّي عهدًا أن أزورَه بعد يومٍ للاتفاق على العمل في رواية «الجريمة والعقاب».

١٠

الثامن من نوفمبر من عام ١٨٦٦م أحد أهم الأيام في حياتي. في هذا اليوم أخبرني فيودور ميخايلوفيتش أنه يُحبني وطلَب منِّي أن أكون زوجتَه. نصف قرنٍ مرَّ على هذا اليوم وما تزال تفاصيلُه واضحةً في ذاكرتي وكأنها حدثت منذ شهرٍ مضى.

كان يومًا صافيًا قارس البرودة. ذهبتُ إلى فيودور ميخايلوفيتش سيرًا على الأقدام، ولهذا تأخَّرتُ نصف ساعةٍ عن الموعد المُحدد. كان من الواضح أن فيودور ميخايلوفيتش كان ينتظرني منذ فترةٍ طويلة، وما إن سمع وقْع خطواتي حتى خرج مسرعًا إلى غرفة الاستقبال وقال بفرحٍ وهو يُساعدني على خلع غطاء رأسي ومعطفي: أخيرًا جئت!

دخلْنا معًا إلى غرفة المكتب. كانت الغرفة في هذه المرة مضاءةً أكثر مِن المعتاد. وقد لاحظتُ بدهشةٍ أن فيودور ميخايلوفيتش كان مضطربًا لأمرٍ ما. كان هناك تعبير على وجهه يشي بالتوتُّر والحماس، مما جعلَه يبدو أكثر شبابًا.

بدا فيودور ميخايلوفيتش حديثَه بقوله: كم أنا سعيد أنكِ جئت! كنتُ خائفًا أن تنسَي موعدنا.

– ولماذا ظننتَ ذلك؟ عندما أعد فإنني دائمًا ما أوفي بوعدي.

– سامحيني، أعلم أنك إذا عاهدتِ أوفيت. كم أنا سعيد لرؤيتك من جديد!

– وأنا أيضًا سعيدة لرؤيتك، فيودور ميخايلوفيتش، وبخاصة وأنت على هذه الحال من البهجة والسرور. لعلَّ أمرًا مُفرحًا قد حدث لك.

– نعم، حدث! لقد رأيتُ الليلة حلمًا رائعًا.

ضحكت قائلة: لهذا السبب فقط!

– من فضلك لا تضحكي. إن للأحلام أهميةً كبرى لدي. عندما أرى أخي المرحوم ميشا، وعندما أحلم بأبي على الأخص، أعلم أن مصيبةً تتهدَّدني.

– إذن اقصص رؤياك علي!

– هل ترين هذا الصندوق الكبير المصنوع من خشب الورد؟ إنه هدية من صديقي السيبيرى تشوكان فاليخانوف،٣٤ وهذا الصندوق عزيز على نفسي، فأنا أحفظ فيه مخطوطاتي, أشيائي التي لها ذكريات غالية عندي. هكذا رأيت فيما يرى النائم أنَّني أجلس أمام هذا الصندوق أتفحَّص ما به من أوراق، وفجأة إذا بشيءٍ ما يتلألا بينها، أنظر فإذا هو نجم صغير يظهر ثم يختفي. شدَّني الأمر فرحت أعيدُ تقليب الأوراق حتى عثرت على قطعة صغيرة من الماس ولكنها كانت تلمع بشدة.

– وماذا فعلت بها؟

– ما يُحزنني أنني لا أكاد أتذكَّر! لقد راحت الأحلام تترى، ولم أعد أتذكَّر ماذا حدث لها. لكنه كان حلمًا رائعًا!

– يبدو لي أن الأحلام عادةً ما تفسَّر على العكس. أبديتُ ملاحظتي وندمتُ على ما قلت، وسرعان ما تبدَّل وجه فيودور ميخايلوفيتش واعتراه الشحوب.

هنا علَّق فيودور ميخايلوفيتش على كلامي بنبرةٍ حزينة قائلًا: إذن أنت تعتقدِين أن السعادة لن تطرُق بابي؟ وإن هو إلا أمل كاذب؟ أجبت: لا أستطيع أن أفسِّر الأحلام، كما أني لا أومِن بها إطلاقًا.

أسفتُ للغاية لضياع المزاج المرح لدى فيودور ميخايلوفيتش، حاولتُ أن أعيد إليه مرحَه فأجبتُ على سؤاله عن أحلامي، كيف أراها، بأسلوب ساخر.

– أكثر ما أراه في أحلامي هو مديرة المدرسة الثانوية، وهي امرأة بدينة، تعقص شعرها على فَوْدَيها على الطريقة القديمة، وكانت دائمًا ما تُعاقبني على أتفهِ الأمور. حلمتُ أيضًا أنني أرى قطًّا أشقر، قفز فوقي فجأةً ذات مرة من خلف سياج حديقتنا ليُثير في قلبي الرعب.

– يا لكِ من طفلة، طفلة! راح فيودور ميخايلوفيتش يُكرر هذه الكلمة مُبتسمًا وهو ينظر إليَّ في حنان، ويا لها من أحلام! ثم سألني: حسنًا، وما الذي أسعدك في عيد ميلاد إشبينتك؟

– قضَينا وقتًا طيبًا للغاية. بعد الغداء راح الكبار يلعبون الورق، أما نحن، الشباب، فقد اجتمعنا في غرفة مكتب ربِّ البيت ورُحنا نثرثر جميعًا بحماس. وكان هناك طالبان لطيفان مرحان.

من جديد اكفهرَّ وجه فيودور ميخايلوفيتش. أصابتْني الدهشة هذه المرة لسرعة تغيُّر مزاج فيودور ميخايلوفيتش. فكرت، ولم أكن على علمٍ بخصائص الصرَع، ترى هل تُنبئ هذه التغيُّرات في المزاج بقُرب وقوع النوبة، عند ذلك شعرت بالرعب …

اعتدْنا منذ زمنٍ بعيد، أن يحكي لي فيودور ميخايلوفيتش، عندما أحضر إليه للاختزال، عما فعله خلال الساعات التي لم نتقابَل فيها. أسرعتُ عندئذٍ فسألته كيف قضى أيامَه السابقة، فأجاب: كنت أُفكر في روايتي الجديدة.

– حقًّا؟ وهل هي رواية شيقة؟

– شيقة للغاية بالنسبة لي! لكنني لا أستطيع أن أصل إلى نهايةٍ لها. هنا تبدو نفسية الفتاة الشابَّة مشوَّشَة. لو كنتُ في موسكو لسألتُ ابنة أختي سونيتشكا،٣٥ حسنًا، أما هنا فسوف ألجأ لمساعدتك.

رحتُ بفخرٍ أستعدُّ لمساعدة الكاتب الموهوب.

– ومن هو بطل روايتك؟

– فنان، تجاوز مرحلة الشباب، حسنًا، باختصار، في مثل عمري.

– احكِ، احكِ، تفضل. سألته وقد ازداد اهتمامي بالرواية الجديدة.

واستجابةً لطلَبي بدأ الارتجال الرائع في الانسياب، لم أسمع من فيودور ميخايلوفيتش على الإطلاق، لا مِن قبلُ ولا من بعد، هذا القصَّ المُفعم بالإلهام، مثلما سمعتُه في هذه المرة. وكلما استمرَّ في حديثه، كلَّما بدا لي على نحوٍ أوضح أن فيودور ميخايلوفيتش إنما يحكي حياته الشخصية، مُغيِّرًا، الشخصيات والظروف فحسب. كل ما حكاه هنا هو نفس ما حكاه لي من قبلُ على نحوٍ عابر، أو مُختصر. الآن فإن ما يقولُه على نحوٍ مُتصِل ومُفصَّل، إنما يُفسِّر لي الكثير من علاقته بزوجه الراحلة وبأقاربه.

احتوت الرواية الجديدة أيضًا على طفولةٍ قاسية، الفقد المُبكر للأب، الظروف القهرية (المرض الشديد)، التي أقصت الفنان عشر سنواتٍ عن الحياة وعن فنِّه المُفضَّل. العودة إلى الحياة (شفاء الفنان)، اللقاء بالمرأة التي أحبَّها، الشقاء الذي أورثه هذا الحُب للفنان، وفاة الزوجة والأقارب الأعزاء (الأخت الحبيبة)، الفقر، الديون …

الحالة النفسية للبطل، الإحساس بالوحدة، خيبة الأمل في ذوي القُربى، تعطُّشه لحياةٍ جديدة، حاجته للحُب، رغبتُه الملحة في العثور على السعادة، ثم تصويرها على هذا النحو من الحيوية والموهبة، حتى بات واضحًا أنها أمور تعكس في مُجملِها معاناة المؤلِّف ذاته، وأنها ليست ثمرةً من ثمرات خياله الفني فحسب.

عندما رأيتُ فيودور ميخايلوفيتش مُتجسدًا أمامي في بطلِه، لم أستطع أن أتمالك مشاعري حتى لا أُقاطعه بكلماتي: ولكن فيودور ميخايلوفيتش، لماذا تُهين بطلك على هذا النحو؟

– أرى أنه ليس شخصًا لطيفًا بالنسبة لك؟

– بالعكس، إنه لطيف للغاية، إن لدَيه قلبًا رائعًا، انظر، كم من التعاسة خصَّه القدَر بها، وكيف أنه احتملَها راضيًا! ولو أن أحدًا غيره عانى في حياته قدْر هذا الحزن لقسَتْ مشاعره على الأقل، أما بطلُك فما يزال يحبُّ الناس ويساعدهم. أبدًا، لقد صممتَ على ظُلمه.

– نعم، موافق، لدَيه بالفعل قلب طيب مُحب، وكم أنا سعيد أنكِ فهمتِه!

واصل فيودور ميخايلوفيتش قَصَّه قائلًا: وهكذا، وفي هذه الفترة المصيرىة الحاسمة من حياته، يلتقي الفنان في طريقِه فتاةً شابةً في مثل سنِّك أو أكبر بعامٍ أو عامَين، سنُسميها آنيا، بدلًا من أن نُسميها البطلة، هذا الاسم أفضل …

أكَّدت هذه الكلمات الاعتقاد لديَّ أنه يعني بهذه البطلة آنَّا فاسيليفنا كورفين-كروكوفسكايا، خطيبته السابقة، وفي هذه اللحظة نسيتُ تمامًا أن اسمي آنَّا، آنذاك لم أُفكر لحظةً واحدة، أن هذه القصة يُمكن أن تمتَّ لي بأي صِلة. فلعلَّ موضوع الرواية الجديدة (هذا ما تصورتُه) قد ظهر بتأثير الخطاب الذي تلقَّاه فيودور ميخايلوفيتش من آنَّا فاسيليفنا من الخارج والذي حدَّثني عنه منذ عدة أيام مضت.٣٦

لقد رُسِمت صورة البطلة هنا بحيث تختلف في صفاتها عن سمات البطل، فعلى حدِّ قول الكاتب، كانت آنَّا وديعة، ذكية، طيبة، مُحبة للحياة، وكانت تمتلك القدرة على التعامُل بلباقةٍ مع الناس. ولمَّا كنتُ أُولي الجمال الأنثوي في تلك السنوات قدرًا كبيرًا من الأهمية، فإنني لم أتمالك نفسي وسألته: وهل كانت بطلتُك على درجةٍ كبيرة من الجمال؟

– لم تكن بالطبع رائعة الجمال، ولكنها لم تكن قبيحة، وأنا أحبُّ وجهها.

تصورتُ أن فيودور ميخايلوفيتش قد باح بسرٍّ من أسراره، فانقبض قلبي. شعور بغيض راودني تجاه كورفين-كروكوفسكايا فقلت: على أية حال، فيودور ميخايلوفيتش، لقد جعلتَ من صاحبتِك آنَّا هذه نموذجًا مثاليًّا للغاية. هل هي فعلًا كذلك؟

– هي بالضبط كذلك! لقد خبرتها جيدًا!

ثم واصل فيودور ميخايلوفيتش قصته قائلًا: كان الفنان يلتقي بآنيا في الحلقات الفنية، وكلما زادت رؤيتُه لها، ازداد إعجابًا بها، وقوي إيمانُه بأنه يمكن أن يجد سعادته بالقُرب منها. على أنَّ حلمه بدا له مُستحيلًا. في الواقع ما الذي يستطيع أن يُقدمه رجل كهل مثله، مريض، مُثقل بالديون، لهذه الفتاة التي تفيض بالعافية والشباب وحُب الحياة؟ ألا يُعدُّ حُبها للفنان تضحيةً فظيعة من جانب فتاةٍ شابة، ألن تعضَّ إصبع الندم بعد ذلك إن هي ربطت مصيرها به؟ هل من الممكن، عمومًا، أن تكون هناك فتاة شابة، مُختلفة من حيث شخصيتها، فتاة في مثل عمرها، أن تُحِب الفنان الذي أبدعَتْه قريحتي، أليس في ذلك خطأ نفسي؟ هذا ما أردتُ أن أعرف رأيك بشأنه آنَّا جريجوريفنا.

– وما الذي يجعله مستحيلًا؟ إذا كانت آنيا التي أبدعْتَها كما تقول، ليست لعوبًا فارغة، وإنما تمتلك قلبًا طيبًا عطوفًا، فلماذا لا تُحبُّ فنانك؟ أما كونه مريضًا وفقيرًا، فهل يمكن أن يُحِبَّ المرء لمجرد المظهر والثروة؟ ثم أين هي التضحية من جانبها، إذا كانت تُحِبه، فسوف تكون هي أيضًا سعيدة، ولن تندَم أبدًا!

كنتُ أتحدث بحماس وحمية، بينما راح فيودور ميخايلوفيتش ينظر إليَّ بقلق.

– وهل تؤمنين بحقٍّ أن باستطاعتها أن تُحبه بإخلاصٍ طول العمر؟

ثم صمت برهة وكأنه مُتردِّد، ثم نطق بصوتٍ متهدج: ضعي نفسك دقيقة مكانها، تصوَّري أنني أنا هو هذا الفنان، وأنني اعترفتُ لك بحبي، وسألتك أن تكوني زوجتي. أخبريني بماذا كنتِ تُجيبين؟

علا وجه فيودور ميخايلوفيتش تعبيرٌ يشي بالقلق وعذاب القلب، فأدركتُ أخيرًا أن حديثنا ليس بالحديث المُتعلِّق بالأدب، وأنني سوف أهوي بضربة قاصمة تُصيبه في عزة نفسه وكبريائه، إذا ما جاءت إجابتي مراوغة. تأملتُ وجه فيودور ميخايلوفيتش العزيز إلى نفسي وقد غشِيَهُ الاضطراب ثم قلتُ له: كنتُ سأجيبك أنني أُحبك وسوف أُحبك مدى الحياة!

لن أنقل لكم هذه الكلمات الرقيقة المليئة بالحب، التي قالها لي فيودور ميخايلوفيتش في هذه اللحظات التي لا تُنسى، كانت هذه الكلمات بالنسبة لي كلمات مقدسة …

كنتُ مذهولة، واقعة تحت ضغط سعادتي الهائلة، ولفترةٍ طويلة لم يكن باستطاعتي أن أُصدِّقها. أذكر أن فيودور ميخايلوفيتش، بعد مرور ساعة، راح يُخبرني بخطط مستقبلنا ثم يطلُب رأيي فيها، وقد أجبته: وهل باستطاعتي الآن أن أناقش أمرًا من الأمور؟! إنني الآن في غاية السعادة!

وحيث إننا لم نكن نعرف على أي نحوٍ سوف تسير أمورنا، ومتى يمكن أن نعقد قراننا، فقد قرَّرنا ألا نُخبر أحدًا مؤقتًا، بهذا الأمر، باستثناء أُمِّي. وعدَني فيودور ميخايلوفيتش بالحضور لمنزلنا غدًا لقضاء السهرة معنا، وأخبرَني أنه سينتظر لقاءنا على أحَرِّ من الجمر.

صحِبني فيودور ميخايلوفيتش حتى المدخل، ثم ألبسني غطاء الرأس بعناية. كنتُ قد تهيأتُ للخروج، عندما استوقفَني بقوله: آنَّا جريجوريفنا، أعرف الآن لمن ذهبت الماسة.

– أما زلتَ تتذكَّر الحلم؟

– كلَّا، أنا لا أتذكَّر الحلم. ولكنني وجدتُه في النهاية، وقد عقدتُ النية على الاحتفاظ به طول العمر.

ابتسمتُ قائلة: أنت مخطئ، فيودور ميخايلوفيتش! أنت لم تعثر على ماسة، وإنما على حصاة عادية.

– لا، أنا على يقين، أنني لم أخطئ هذه المرة. أجابني فيودور ميخايلوفيتش بكل جدية وهو يُودِّعني.

١١

كان الفرح يملأ روحي، عندما عدتُ من عند فيودور ميخايلوفيتش، أذكر أنَّني كنتُ أهتف، تقريبًا بصوت مرتفع، طوال الطريق، غير عابئةٍ بالمارة: يا إلهي، يا لها من سعادة! هل هي حقيقة؟ هل هو حلم؟ معقول أنه سيُصبح زوجي؟!

لم يُعِدْني إلى صوابي سوى ضجيج المارة في الطريق، وتذكرتُ أنني كنتُ مدعوة على الغداء عند أقاربي، الذين كانوا يحتفلون بعيد ميلاد ابن عمِّي ميخائيل نيكولايفيتش سنيتكين. عرَّجت على محلِّ الخبز (كانت محال الحلوى قليلة آنذاك) لشراء كعكة للمُحتفَى به. كنت سعيدة للغاية، كلُّ الناس بدَوا لي طيبين، ودودين، كنتُ أودُّ لو قلتُ لهم شيئًا ما سارًّا. لم أتمالك نفسي فأبديتُ ملاحظة للسيد الألماني، الذي باعَني الكعكة: يبدو لون بشرتك رائعًا، وكذلك تسريحة شعرك!

وجدت ضيوفًا كثيرين لدى أقاربي، ولم تكن أُمِّي بينهم، على الرغم من أنها وعدت بحضور الغداء. وقد أحزنني عدَم حضورها، كنتُ أودُّ بشدة أن أُخبرها على وجه السرعة بفرحتي.

كان الغداء يُحيطه جوٌّ من المرح، ولكنني كنتُ أتصرَّف بشيءٍ من الغرابة، كنتُ أبتسم للجميع، تارة أستغرق في التفكير فلا أسمع شيئًا مما يُقال لي، وتارة أُجيب كيفما اتفق، بل إنني ناديتُ أحدهم باسم فيودور ميخايلوفيتش. راح الجميع يسخرون منِّي، فتعلَّلتُ بأنني مُصابة بصداع نصفي.

وأخيرًا وصلت أُمي الرءوم. انطلقتُ مُسرعةً نحوها عند المدخل، احتضنتُها وهمستُ في أذنها: هنئيني، أنا عروس!

لم أتمكَّن من أن أضيف شيئًا، حيث أسرع أهل البيت في استقبالها. أذكر أنَّ أُمِّي ظلت طوال الأمسية تتطلَّع إلى في فضول، دون أن تعلَم، على الأرجح، أيٌّ من الحضور المُعجَبين بي سوف يكون زوجي. عندما رجعْنا للمنزل فقط، استطعتُ أن أشرح لها أنني سأتزوج من دستويفسكي. لا أدري، هل كانت أُمِّي سعيدة بذلك، لا أظن. وكإنسانٍ خَبَرَ الحياة، عاش طويلًا في هذه الدنيا، لم يكن من المُمكن لأُمي إلا أن تتنبَّأ بأنني بسبب هذه الزيجة، سوف يكون عليَّ تحمُّل العديد من أشكال العذاب والحزن، سواء بسبب المرَض اللعين الذي يُعاني منه زوج المستقبل، أو بسبب نقص الموارد المالية. ولكنها لم تُحاول أن تثنيني عن عزمي (وهو ما فعله كثيرون فيما بعد) وإنني لمَدينة لها بذلك. ومن هو الذي كان بإمكانه أن يُقنعني برفض هذه السعادة الكبرى التي تنتظرني، والتي بدت لي، فيما بعد، سعادة حقيقيةً واقعية، على الرغم من العديد من الصعوبات التي واجهناها في حياتنا المُشتركة (مرض زوجي وديونه).

اليوم التالي، التاسع من نوفمبر، كان يومًا طويلًا أصابني بالضجر لم أستطع أن أشغل نفسي بشيءٍ ورحت أتذكر كافة تفاصيل حديث الأمس، بل إنني قمتُ بتسجيله في دفتر اختزالي.

وصل فيودور ميخايلوفيتش في الساعة السادسة والنصف، بادر بالاعتذار لوصوله قبل الموعِد المُحدَّد بنصف ساعة.

– لكنني لم أُطق صبرًا، لقد أردتُ أن ألتقي بكم بأسرع ما يمكن!

أجبت ضاحكة: Nous sommes logées à la meme enseigne.٣٧

– لم أفعل شيئًا طوال اليوم، ظللتُ أُفكر فيكَ وكم أنا سعيدة لحضورك!

سرعان ما استرعى انتباهَ فيودور ميخايلوفيتش أنني أرتدي ثوبًا فاتح اللون.

– كنتُ أُفكر طوال الطريق، إذا ما كنتِ قد خلعتِ ثوب الحداد٣٨ أم أنكِ ما زلتِ ترتدين الثوب الأسود، وها أنت في ملابس وردية!

– وهل يُمكن أن يكون الأمر على نحوٍ آخر وفي قلبي كل هذه السعادة! بطبيعة الحال سوف أظلُّ أرتدي ملابس الحداد في المجتمع، إلى أن نُعلن قراننا، أما في البيت فسأرتدي لك الملابس الزاهية.

قال فيودور ميخايلوفيتش: إن اللون الوردي مُناسب لك تمامًا، إنك تبدين فيه أكثر شبابًا كما لو كنتِ صبيةً صغيرة.

كان من الواضح أن ملامح الشباب تُثير قلق فيودور ميخايلوفيتش. رحتُ أضحك مؤكدةً له أنني سرعان ما أُصبح عجوزًا. وعلى الرغم من أن هذا الوعد كان على سبيل المزاح، إلا أنه سرعان ما تحقَّق في حياتي على نحوٍ كبير من السرعة، بفضل ظروفٍ كثيرة؛ أي أنني، إن شئنا الدقة، لم أهرم، وإنما انعكسَتِ الأحداث على مظهري، وصارت أحاديثي تتَّسِم بالوقار الشديد، إلى حد أن الفارق بيني وبين زوجي بدا غير ملحوظٍ تقريبًا.

دخلت أُمي، فقبَّل فيودور ميخايلوفيتش يدَها قائلًا: تعلمين، بطبيعة الحال، أنني طلبت يد ابنتك. وقد وافقَتْ أن تكون زوجة لي، وأنا سعيدٌ للغاية بذلك. ولكنني أودُّ لو أنك باركت هذا الاختيار. لقد حدَّثَتْني آنَّا جريجوريفنا عنك كثيرًا، حتى إنني تعودت على احترامك. أعدك أنني سأفعل الممكن والمُستحيل لكي تكوني سعيدة. وسوف أكون أكثر الناس لك إخلاصًا ومحبة.

وإحقاقًا للحق فعلى مدى أربعة عشر عامًا، هي عمر زواجنا، كان فيودور ميخايلوفيتش على عهده ودودًا محترمًا في علاقته بأمي، أحبها بإخلاص وتقدير.

ألقى فيودور ميخايلوفيتش خطابه القصير بحماسٍ ولكن على نحو متقطع قليلًا، وهو ما تحدث عنه فيما بعد. كانت أُمي في غاية التأثر، عانقَتْه وطلبت منه أن يُحبَّني وأن يشملني برعايته، حتى إنها انخرطت في البكاء.

سارعتُ بوقف هذا المشهد، الذي ربما كان مُربكًا لفيودور ميخايلوفيتش قائلة: ماما الحبيبة، هيا أسرعي بتقديم الشاي! إن فيودور ميخايلوفيتش يكادُ يتجمَّد من البرد!

جيء لنا بالشاي، أخذْنا مجلسنا على المقاعد اللَّيِّنة القديمة، وقد أمسكنا بالأكواب ورحنا نتحدَّث بكلِّ حماس وحيوية.

مرَّت حوالي ساعة، وإذا بجرس الباب يدقُّ وتُبلِغنا الخادمة بوصول اثنَين من الشباب، اعتادا زيارتنا. وفي هذه المرة أزعجَتْني بشدة هذه الزيارة، التي جاءت دون موعدٍ مُسبق، فطلبتُ من أُمي: من فضلك، اخرُجي إليهم وأخبريهم، أنني أعتذر عن استقبالهم حيث أشكو من الصداع.

قاطعني فيودور ميخايلوفيتش قائلًا: من فضلك، آنَّا نيكولايفنا، لا ترفُضي حضورهم، ثم توجَّهَ بالحديث إليَّ بصوتٍ منخفض: أودُّ أن أراك وسط صحبةٍ من الشباب. إذ إنني لم أركِ حتى الآن إلَّا بصحبتنا، بصحبة الكبار.

ابتسمت وطلبت دعوة الضيوف، قدَّمَتْهم إلى فيودور ميخايلوفيتش وذكرت له أسماءهم. أحسَّ الشابَّان بشيءٍ من الحرَج لهذا التعارف المفاجئ مع الروائي الشهير، ولكي أشرح لهما سبب الاحتفال الذي وجداه لدَينا، قلتُ للضيفَين إنهما جاءا في مناسبة الاحتفال بانتهاء عملِنا المشترك في الرواية الجديدة. كنتُ أودُّ لو لم أُشارك في الحديث المُشترَك، وأن أدفع إليه فيودور ميخايلوفيتش.

انتهزتُ فرصة السؤال الذي وجَّهَه لي أحد الشَّابَّين، بشأن ما إذا كان الصداع النصفي الذي انتابني بالأمس قد زال فقلت له: أنت المذنب في هذا الصداع، لقد كنتَ تُدخِّن بشراهة، أليس صحيحًا، فيودور ميخايلوفيتش، أنه لا ينبغي التمادي في التدخين؟

– إن شهادتي مجروحة، فأنا نفسي أُدخن كثيرًا.

– لكن هذا أمرٌ ضار بالصحة، أليس كذلك؟

– بالطبع، ضار، لكنه عادة يصعب التخلُّص منها.

كانت هذه هي الكلمات الوحيدة التي قالها فيودور ميخايلوفيتش، لم أستطِع بعدها أن أدفَعَه للمشاركة في الحديث الذي دار بعد ذلك. راح يُدخِّن وينظر إلي وإلى الضيوف بفضول. كان الشابَّان مُحرَجَيْن، بداهة فإن اسم دستويفسكي كان له أثرٌ شديد عليهما. قالا إن الجميع قد اتفقوا، بعد مُغادرتي لأقاربي بالأمس، عليَّ الذهاب لمشاهدة أوبرا «يوديف» لسيروف،٣٩ وقد فوَّضوهما لسؤالي عن اليوم المناسب لي للذهاب، حتى يَقوما بحجز شرفةٍ بالمسرح.

شرحتُ لهما بلطف، ولكن بصورة حاسمة، أنَّني لن أذهب إلى الأوبرا، إذ إنني سوف أبدأ على الفور في مذاكرة الاختزال، حتى ألحق برفاقي.

– حسنًا، وهل ستذهبين إلى الحفل الذي سيُقام في الخامس عشر من نوفمبر؟

– لن أذهب أيضًا إلى الحفل ولنفس السبب.

– لكنكِ كنتِ سعيدة للغاية في هذا الحفل في العام الماضي، قال الشابان.

– لقد حدث ذلك في العام الماضي! ومنذ ذلك الحين جرَتْ في النهر مياه كثيرة، قلتُ ذلك وكأني أُلقي موعظة.

أحسَّ الشابَّان أنهما ضيفان غير مرغوبٍ فيهما فنهضا للانصراف، فلم أعرض عليهما البقاء.

سألتُ فيودور ميخايلوفيتش بعد ذهاب الضيوف.

– حسنًا، هل أنت راضٍ عني؟

– كنتِ تُزقزقين كالعصفور. المؤسِف فقط، أنك أسأتِ إلى شعور مُعجَبِيك برفضك القاطع لكلِّ ما كان مَحلًّا لاهتمامك من قبل.

– ليكن! لستُ بحاجة لأحدٍ منهم الآن! أنا بحاجةٍ لشخصٍ واحدٍ فقط، الرائع، الحبيب، العزيز لديَّ، فيودور ميخايلوفيتش!

– إذن فأنا الحبيب والعزيز عليك؟ قالها فيودور ميخايلوفيتش، ومن جديد بدأ حديثُنا الودِّي الصريح، الذي استمرَّ طوال المساء.

كان زمنًا سعيدًا وعن هذا الزمن سوف أحكي ذكرياتي بامتنانٍ عميقٍ لمشيئة القدر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة