📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
سيرة ذاتية

التعرُّف على دستويفسكي والزواج منه – آنَّا جريجوريفنا دستويفسكايا

١٢

لم يستمر قرار كتمان نبأ خطبتنا عن أقاربنا ومعارفنا أكثر من أسبوع. فقد انكشف سِرُّنا على نحو مفاجئ تمامًا.

كان فيودور ميخايلوفيتش قد استأجر حُوذيًّا بالساعة، من السابعة إلى العاشرة. ولمَّا كان يُحب البسطاء، فقد راح يتحدَّث مع الحُوذي بشكلٍ عادي إبان الطريق الطويل إلينا والعودة. ولشعوره بالحاجة إلى مَن يُشاركه سعادته، فقد أخبره عن زواجه المُرتقَب. إلا أنه، وبعد عودته من عندنا إلى بيته، اكتشف أنه لا يحمِل نقودًا في جيبه، فأخبر الحوذي أنه سيُرسِل له النقود مع الخادمة. عندما خرجت الخادمة، وجدت ثلاثةً من الحُوذية يقفون لدى الباب، فلم تعرِف لمن منهم عليها أن تدفع الأجرة، فسألت مَن منهم أحضر الآن «السيد الكبير»؟

– العريس؟ أنا أحضرتُه.

– أي عريس؟! السيد الذي عندنا ليس عريسًا.

– لا، بل عريس! هو نفسه أخبرني أنه عريس. وقد رأيتُ عروسه، عندما فتحوا له الباب. خرجَتْ لتُودِّعَه وهي فتاةٌ مرحة، كانت تبتسم طوال الوقت!

– وأنت من أين أحضرتَ السيد؟

– أحضرتُه من سمولني.

كانت فيدوسيا تعرف عنواني، ومن ثم حزرت مَن هي عروس سيدها، فأسرعت بالخبر إلى بافل ألكسندروفيتش.

قصَّ عليَّ فيودور ميخايلوفيتش هذا المشهد بأكمله في اليوم التالي (وكان قد استوضح الأمر بحذافيره من فيدوسيا) وقد ظلَّ هذا المشهد باقيًا في ذاكرتي بتفاصيلِهِ إلى الأبد. وعندما سألتُه عن الانطباع الذي تركَهُ خبر خطبتنا على ربيبه، اكفهر وجهه، وبدا أنه يُريد أن يتجنَّب أسئلتي. صممتُ على معرفة التفاصيل، وهنا ضحك فيودور ميخايلوفيتش وقصَّ عليَّ أن «باشا»٤٠ دخل إلى حجرة مكتبه صباح اليوم، مُرتديًا أبهى ملابسه وقد وضع على عينَيه نظارة زرقاء، وهو لا يرتدي هذه الأشياء إلا في المناسبات الخاصة. أخبَرَه أنه عرف بشأن زواجه المُقبل؟ وأنه مذهول، ومندهش ومستاء لأنه لم يُفكر في أخذ نصيحة وموافقة «ابنه» عند اتخاذ هذا القرار الذي يَمَسُّه مباشرة.

وطلب من «أبيه» أن يتذكَّر أنه قد أصبح «عجوزًا»، وأن لا سِنُّهُ ولا صحتُهُ يَسمحان له بأن يبدأ حياة جديدة؛ وذكَّره أن عليه التزاماتٍ أخرى وهلمَّ جرًّا.

كان بافل ألكسندروفيتش يتحدث، على حدِّ قول فيودور ميخايلوفيتش «مزهوًّا بنفسه، بتعالٍ وبلهجة الواعظ». وقد أثار هذا الأسلوب حفيظة فيودور ميخايلوفيتش فصاح فيه وطرَدَه من غرفة المكتب.

عندما ذهبتُ إلى فيودور ميخايلوفيتش بعد يومَين (وكنتُ قد علمتُ أنه أُصيب بنوبةٍ من نوبات الصرع)، لم يأتِ ربيبُه إلينا. كان ينقل شيئًا ما إلى غرفة الطعام مُحدثًا جلبةً عالية، صارخًا بغضب في الخادمة، حتى يُشعِرَني بوجوده في البيت. وفي الزيارة التالية لي (بعد أسبوع) دخل بافل ألكسندروفيتش إلى غرفة المكتب فهنَّأَني بجفاءٍ وبطريقةٍ رسمية، نتيجة لعقاب زوج أُمِّه له على الأرجح، ثم جلس صامتًا ما يقرُب من عشر دقائق، وكانت الإهانة والغضب واضحَين على وجهه. لكن فيودور ميخايلوفيتش كان يبدو في هذا اليوم في حالة نفسية رائعة، وكنت أنا أيضًا مسرورة؛ كِلانا كان سعيدًا لأننا لم نُعطِ أيَّ اهتمامٍ لأسلوب بافل ألكسندروفيتش الفظ المُتحفظ. وعندما لاحظ، فيما بعد، أنَّ مظهره القاسي لا أثر له علينا، وإنما يُثير عليه غضب فيودور ميخايلوفيتش، تحوَّل سخطه إلى رقةٍ، وراح يتحدَّث معي بأدبٍ ولطف، متحينًا الفرصة، مع ذلك، ليوجه إليَّ قولًا ما لاذعًا.

١٣

سرعان ما ولَّت أيام خطبتنا السعيدة. ظاهريًّا، فقد مرَّت هذه الأيام وكأنما يُشبه بعضها بعضًا، فبسبب العمل المُجهد بالاختزال، لم أعُد أزور أحدًا، ولم أعد أدعو أحدًا لزيارتي. توقفتُ عن التردُّد على حفلات الموسيقى أو الذهاب إلى المسرح، باستثناء السهرة التي قضيتُها في مشاهدة مسرحية «موت إيفان الرهيب» التي كتبَها الأمير ألكسي تولستوي.٤١

كان فيودور ميخايلوفيتش يُقدِّر المسرحية تقديرًا رفيعًا،٤٢ وقد أراد أن يُشاهدها معي. حجز لنا شرفةً في المسرح ودعاني أنا وإميليا فيدوروفنا وابنتها وأبنائها، وكذلك دعا بافل ألكسندروفيتش. كان الأمر سيُصبح أكثر إمتاعًا لو أنني تبادلتُ مع فيودور ميخايلوفيتش انطباعاتنا عن المسرحية، لكن المزاج العدائي المُوجَّه ناحيتي من جانب هؤلاء الناس قد أصابَنِي بالكدَر. كانت إميليا فيدوروفنا تُبدي نفورها منِّي صراحة، حتى أُصِبتُ في النهاية بحالةٍ من الحزن الشديد، الأمر الذي لاحظَه، على الفور، فيودور ميخايلوفيتش، الذي راح يسألني عما بي فتعللتُ بالصداع.

وعلى الرغم من هذه الأمسية غير المُوفَّقة فإنها لم تفسد سعادتي. كان إحساس بالبهجة يملأ روحي. في السابق كان هناك دائمًا ما يَشغلني، والآن ليس لديَّ ما أفعله. أيامٌ بطولها لا أُفكِّر في شيءٍ سوى فيودور ميخايلوفيتش، أتذكَّر أحاديثنا معًا وأظلُّ أنتظِر على أحَرِّ من الجمر مَجيئه اليوم. كان يأتي عادةً في الساعة السابعة، وأحيانًا في السادسة والنصف. ولدى حضوره يكون السماور٤٣ مُعدًّا بالماء المغلي. وعندما حل الشتاء، كنتُ أخشي أن يتعرَّض لنزلة بردٍ أثناء رحلته الطويلة إلينا. وما إن يدخل إلى الغرفة، حتى أُسرع إليه بكوبٍ من الشاي الساخن.

كنت أرى أن حرصه على زيارتي يوميًّا، فيه تضحية كبيرة. وإشفاقًا عليه، حاولت، على عكس رغبته، أن يأتي يومًا بعدَ يوم. لكن فيودور ميخايلوفيتش أكَّد لي أن حضوره إليَّ هو متعة كبيرة بالنسبة له، وأنه يشعر بالحيوية والسكينة النفسية عندما يكون بصُحبتي، ولكنه سوف يَمتنِع عن الحضور يوميًّا إذا ما طلبتُ منه ذلك، ما دامت الزيارات تُضجِرني. كان يقول ذلك من قبيلِ المزاح؛ إذ كان يعلم كم كانت تُسعدني دائمًا.

كنا نجلس بعد احتساء الشاي في مقاعدنا القديمة، وعلى المائدة الصغيرة التي كانت تفصل بيننا أنواع مختلفة من الحلوى. كان فيودور ميخايلوفيتش يأتي كل مساءٍ بالحلوى من Ballet (محل الحلوى المُفضَّل لدَيه). ولمَّا كنت على علم بظروفه المادية، فقد حاولتُ إقناعه بألا يحضر معه أي حلوى، ولكنه كان يرى أن هدايا الخطيب إلى خطيبتِهِ هي عادة قديمة حسنة ينبغي الحفاظ عليها.

وبدوري كنتُ أحرص على توفير الأصناف التي كان فيودور ميخايلوفيتش يُحبها مثل الكمثرى والزبيب والتمر والمشمش المُجفَّف والباستلا، وجميعها بكمياتٍ قليلة، ولكنها دائمًا طازجة وشهية. كنت أذهب بنفسي إلى المحلات بحثًا عن شيءٍ أُدخل به السرور على قلب فيودور ميخايلوفيتش، فكان يُعبِّر عن دهشته ويؤكد أن أحدًا لا يُمكِنه أن يعثر على مثل هذه الأشياء اللذيذة، إلا هذه الفتاة النهمة. وكنتُ أذكر أنه هو الشَّرِه، وهكذا لم نستطع أن نجزم من فينا في هذا الشأن يتغلَّب على الآخر.

عندما اقتربتِ الساعة من العاشرة بدأتُ أحثُّ فيودور ميخايلوفيتش على العودة إلى منزله. كانت البقعة التي يُوجَد بها بيت أمي موحشة، وكنتُ أخشى أن يقع له مكروه. في الأيام الأولى كنتُ أقترح على فيودور ميخايلوفيتش أن يقوم البواب بتوصيلِه، ولكنه كان يرفض الاستماع إلى ذلك، فكنت آمر البواب أن يتبعه سرًّا على مسافة خمس عشرة أو عشرين خطوة، حتى يصِل إلى المنعطف المؤدي إلى شارع سلونوفايا، حيث يزدحم بالحركة.

في بعض الأحيان، لم يكن فيودور ميخايلوفيتش يتمكَّن من الحضور إلي، إما لأنه يُشارك بالحديث في الأمسيات الأدبية، أو يكون مدعوًّا على الغداء. وفي مثل هذه الحالات كنَّا نتفق ليلَتَها على أن أقوم أنا بزيارته في حوالي الساعة الواحدة وحتى الخامسة. أتذكَّر بكلِّ حنانٍ كيف كان يسعى لإقناعي بالبقاء «عشر دقائق أخرى، ربع ساعة» ثم يقول مُتشكِّيًا: فَكِّري يا آنيا، سوف يمرُّ يوم وليلة لن أراك فيها!

أحيانًا ما كان يأتي إلينا في التاسعة أو التاسعة والنصف من مساء نفس اليوم، بعد أن ينسلَّ من بين الضيوف، أو بعد أن يقرأ محاضرته، ثُم يقول لنا بفرحٍ عارم: هربت، كما يهرب التلميذ! لنجلس معًا ولو نصف ساعة! بالطبع كنتُ أشعر بسعادةٍ طاغية لرؤيته مرةً أخرى في نفس اليوم.

كان دستويفسكي يأتي لزيارتنا بشوشًا، سعيدًا ومرحًا. وكثيرًا ما كنتُ أشعر بالحيرة تجاه هذه الأسطورة التي شاعت حول كونه عبوسًا كئيبًا. وقد تسنَّى لي أن أقرأ وأن أستمع إلى هذه الأسطورة من معارفي.٤٤ وبالمناسبة أتذكَّر الحادثة التالية: ذات مرة قال لي فيودور ميخايلوفيتش في معرض سؤاله عن ب. م. أولخين مدرس الاختزال: يا له من رجل عبوس!

فابتسمتُ قائلة: حسنًا، تصوَّر ماذا قال لي بافل ماتتفيفيتش (أولخين) عنك؟ «أعرض عليك العمل لدى الكاتب دستويفسكي، لكنِّي لا أعرف كيف ستتعامَلين معه، لقد بدا لي رجلًا كئيبًا عبوسًا!» وها أنت الآن تقول عنه نفس ما قاله عنك! والحقيقة أن كليكما بعيدٌ كلَّ البُعد عن الكآبة والعبوس، وإن بدَوْتُما فقط على هذا النحو.

– وبماذا أجبتِ على أولخين آنذاك؟ سألني فيودور ميخايلوفيتش بفضولٍ شديد.

– قلت له: ولماذا ينبغي عليَّ التعامُل مع دستويفسكي؟ سوف أسعى جاهدة أن أقوم بالعمل الذي كلَّفَني به على خير وجه، أما دستويفسكي نفسه فإنني أُكِنُّ له احترامًا كبيرًا، بل إنني أخافه!

– إذن، وعلى الرغم من تحذير أولخين، فقد سارت أمورنا على أفضل وجه، وإلى أبد الدهر، أليس كذلك ياعزيزتي أنيتشكا؟ سألني فيودور ميخايلوفيتش وهو يُربِّت عليَّ برقة.

وإذا كان فيودور ميخايلوفيتش يأتي إلينا بنفس راضية، فقد كنتُ أستقبله بكثيرٍ من المرح والعبث والثرثرة. كان صوتي يصلصل كالجرس، أنفجر بالضحك لأبسط دُعابة، وعندئذٍ كان فيودور ميخايلوفيتش يضرب كفَّيه ثم يصيح متعجبًا بطريقة ساخرة: حسنًا، كيف سأتصرَّف مع هذا الطفل، أخبريني من فضلك؟ وأين ذهبت آنَّا جريجوريفنا الرزينة، الصارمة أحيانًا، حتى تكاد أن تكون قاسية، آنَّا التي كانت تأتي إليَّ لنقوم بالاختزال؟ أكاد أجزم أنهم استبدلوها خلسة!

عندئذٍ اتَّخذتُ على الفور مظهر الأهمية، وبدأتُ أتحدث معه بلهجة شديدة الجدية. وسرعان ما انتهى الأمر بأن انفجرنا معًا بالضحك.

وبالمناسبة، فأنا لم أكن دائمًا مرحة. كان السخط الشديد ينتابني، عندما يقوم فيودور ميخايلوفيتش بدور «العجوز المُتصابي». كان باستطاعته أن يتحدَّث ساعاتٍ طويلة بلسان وأفكار بطلِه، الأمير العجوز من قصة «حلم العم». كان يُصرح بأفكارٍ مبتكرة ومفاجئة للغاية، يتحدث بمرح وعبقرية، لكن هذه القصص، بلهجة المُتصابي، والتي لا تليق إطلاقًا بعجوز، صدمَتْني، فَرُحْتُ أنتقل بالحديث إلى موضوع آخر.

ما الذي لم نتحدث فيه في هذه الشهور السعيدة! لقد رحت أسأله تفصيلًا عن طفولته، عن شبابه، عن كلية الهندسة، عن نشاطه السياسي، عن المنفى في سيبيريا، وعن عودته من هناك …

قلت له: أودُّ أن أعرف كل شيء عنك، أن أرى ماضيك بوضوح، أن أُدرك روحك بأسرها!

راح فيودور ميخايلوفيتش بكل رضًا يستعيد ذكريات طفولته الهادئة السعيدة، وتحدَّث بحماس عن أمِّه.٤٥ كان يُحب أخاه الأكبر ميشا حبًّا جمًّا، وكذلك أُختَه الكبرى فارينكا.٤٦ أما إخوته وأخواته الصغار فلم يتركوا لدَيه انطباعًا قويًّا. سألتُه عن الأشياء التي كان مولعًا بها، وقد بدا لي أمرًا غريبًا، بناء على ذكرياته، أنه لم يَمُرَّ في شبابه بتجربةٍ عاطفية جادَّة تجاه امرأةٍ ما. ولعلِّي أُفسِّر ذلك أنه بدأ حياته الفكرية مُبكرًا للغاية. لقد ملك الإبداع حواسَّه جميعًا، ومن ثم جاءت حياته الخاصة في المرتبة التالية. وبعد ذلك اندمج بكل أفكاره في التاريخ السياسي، الذي كلفه ثمنًا باهظًا.٤٧

جربت أن أستفسر منه عن زوجته الراحلة، لكنه كان يُفضل ألا يتحدث عنها. ومن المُثير للفضول أنه على مدى سنوات زواجنا التالية، لم يتحدَّث إطلاقًا عن ماريا دميترييفنا، باستثناء مرة واحدة تحدَّث فيها عن واقعةٍ حدثت في جينيف سآتي على ذكرها لاحقًا.٤٨

أما ذكرياته عن خطيبته آنَّا فاسيليفنا كورفين-كروكوفسكايا فقد تحدَّث عنها برِضًا أكثر نسبيًّا. وعن سؤالي حول سبب فسخ خطبتهما، أجاب: آنَّا فاسيليفنا واحدة من أفضل النساء اللاتي قابلتهنَّ في حياتي. كانت شديدة الذكاء، ناضجة، تمتلك ثقافةً أدبية واسعة، وكان لدَيها قلب طيب ورائع. كانت فتاة تمتلك خصالًا خُلقية رفيعة؛ على أن أفكارنا كانت على طرفَي نقيض، وكان من المستحيل أن تتراجع عن أفكارها، بل كانت مُتمسكة بها بشدة. ولهذا كان من الأرجح ألا ينجح زواجنا. أحللتُها من وعدها، وتمنيتُ لها، مُخلصًا، أن تقابل الرجل الذي يُشاركها أفكارها وأن تجد سعادتها معه!

ظلَّ فيودور ميخايلوفيتش طوال عمره على علاقةٍ طيبة بآنَّا فاسيليفنا، وكان يَعتبرها صديقًا مخلصًا. وعندما تعرَّفتُ على آنَّا فاسيليفنا، بعد مرور ستة أعوامٍ من زواجي، انعقدَتْ أواصر الصداقة بيننا وأصبح كلٌّ منَّا يُكنُّ مشاعر الحب والمودة للآخر. وقد تبيَّن لي أن ما قاله فيودور ميخايلوفيتش عن عقلها النابه وقلبها الطيب وخصالها الأخلاقية الرفيعة صحيح تمامًا. وقد كان مُحقًّا أيضًا، وبنفس القدر، فيما يتعلق باستحالة أن يعيشا معًا في وئام. كانت آنَّا فاسيليفنا تفتقِر إلى السماحة اللازمة لاستمرار الحياة الزوجية الهادئة. وبخاصة إذا ما قُدر لها أن تتزوَّج من رجل مريض، سريع الغضب، على النحو الذي يكون عليه أحيانًا فيودور ميخايلوفيتش نتيجة لمرضه. بالإضافة إلى ذلك كانت آنَّا فاسيليفنا منشغلةً تمامًا آنذاك بصراع الأحزاب السياسية، بحيث لا يتبقَّى لديها وقت كبير لرعاية الأسرة. وقد تغيَّرت بمرور الزمن. وأذكُر أنَّني رأيتها زوجة رائعة وأمًّا رءومًا.

كان مصير آنَّا فاسيليفنا كورفين-كروكوفسكايا (أخت صوفيا فاسيليفنا كوفاليفسكايا الشهيرة)٤٩ مصيرًا محزنًا. فبعد انفصالها عن فيودور ميخايلوفيتش سافرت للخارج والتقت بشابٍّ فرنسي يُدعى السيد جاكلار، مؤمن بنفس أفكارها السياسية. وقد أحبَّتْه وتزوَّجا. وفي أثناء كومونة باريس كان جاكلار من أنصار الكومونة المُتحمِّسين، أُدرِج اسمَه في قائمة المحكوم عليهم بالإعدام. وقد تم القبض عليه وسجنه في أحد القلاع بالقرب من الحدود الألمانية. وهنا قام والد آنَّا فاسيليفنا بدفع رشوةٍ قيمتها عشرون ألف فرنك للشخص المُكلَّف برقابته، فهيَّأ له الفرصة للهرب إلى ألمانيا.٥٠

بعد ذلك قام جاكلار-كورفين (بعد أن أضاف اسم عائلة زوجته إلى اسمه وفقًا للتقاليد الأجنبية) بالسفر مع أسرته إلى بطرسبورج، حيث عمل بتدريس الأدب الفرنسي في ثانويات البنات. عاش جاكلار في ودٍّ ووئام مع زوجته، لكنه شعر بالحنين إلى وطنه وهو ما أثار الخوف في نفس آنَّا فاسيليفنا. وسرعان ما تدهورت أحوالهما المادية، وقد أنفق مبلغًا كبيرًا من الدوطة التي دفعتها آنَّا فاسيليفنا على عملية إجهاض، ولسوء الحظ، لم يبقَ لهما بعد مرور بضع سنوات سوى بيتٍ في جزيرة فاسيليفسكي مرهون مقابل مبلغٍ كبير من المال. كان للإفلاس الذي حاق بهما أثره الشديد على آنَّا فاسيليفنا حتى إنها، وهي المُعتلة الصحَّة، راحت تذبُل بشدة. وهنا عاد بها زوجها، الذي كان ما يزال يمتلك الحق في العودة للوطن، إلى باريس وكانا يعودان من حينٍ لآخر إلى بطرسبورج لقضاء بعض الأعمال، وأثناء مرضها الأخير نجحتُ، ومن خلال قنسطنطين بوبيدونوستسيف، أن أُقدِّم خدمةً لآنَّا فاسيليفنا تمثَّلت في تقديم التماسٍ لزوجها، الذي أُبعِد عن العاصمة لمدة يومَين للاشتباه السياسي، بحيث تُتاح له بضعة أسابيع يتمكن خلالها من تدبير أموره ومصاحبة زوجته المريضة وطفلهما للسفر للخارج.٥١ توفيت آنَّا فاسيليفنا في باريس عام ١٨٨٧م.

١٤

في واحد من أحاديث المساء سألني فيودور ميخايلوفيتش: آنيا، أخبريني، هل تتذكَّرين هذا اليوم، عندما أدركتُ للمرة الأولى أنك تُحبينني؟

أجبت بقولي: هل تعلم يا عزيزي أنني أعرف اسم دستويفسكي منذ طفولتي، لقد أحببتُك، وإن شئت الدقة، أحببتُ أحد أبطالك منذ أن كان عمري خمسة عشر عامًا.

ابتسم فيودور ميخايلوفيتش دون أن يأخذ كلماتي على محمل الجد.

واصلت حديثي قائلة: بجد، أنا أتحدَّث بجد! كان أبي عاشقًا للقراءة، وعندما كان الحديث يدور عن الأدب الحديث كان يقول دائمًا: «حسنًا، وماذا عن الكُتَّاب اليوم؟ في زماني كان هناك بوشكين٥٢ وجوجول٥٣ وچوكوفسكي!٥٤ ومن الشباب كان هناك الروائي دستويفسكي، مؤلف «الفقراء»، وكان موهبة حقيقية. لكنه انزلق، للأسف، في السياسة فوقع في سيبيريا. والآن لا حسَّ ولا خبر!»

أذكر أننا ذهبنا في صيف ١٨٦١م إلى بيترهوف.٥٥ وفي كل مرة كانت أمي تذهب فيها إلى المدينة للتسوق، كنَّا نستعطفها أنا وأختي أن تعرج على مكتبة تشيركيسوف٥٦ لشراء العدد الجديد من مجلة «فريميا» (الزمن). كانت تركيبة أسرتنا على النسق الأبوي، ومن ثم تُصبح المجلة في حوزة أبي أولًا. ولمَّا كانت صحة أبي المسكين ضعيفةً آنذاك، وكثيرًا ما كان يغلِبه النعاس وهو جالس يقرأ على كرسيِّه بعد الغداء، كتابًا أو صحيفة، فقد كنت أتسلَّل إليه ثم آخُذ منه الكتاب بهدوء، وأهرع إلى الحديقة لأجلس تحت شجيرةٍ ما حتى استمتع بقراءة روايتك دون ازعاج. ولكن، هيهات، لم يكن دهائي ينجح! كانت أختي ماشا تأتي إلي، وبحكم أنها الأكبر سنًّا، كانت تأخذ منِّي الكتاب الجديد، مهما كانت توسُّلاتي بالسماح لي بأن أستكمل قراءة فصل من «المذلون». واصلت حديثي قائلة: إذن كنتُ حالمة مثالية، وكان أبطال الرواية بالنسبة لي شخوصًا حية. كنت أكره الأمير فالكوفسكي، وأحتقر أليوشا لضعف إرادته، وأواسي العجوز إيخمينيف، كما كنتُ أُشفِق على نيللي و… لم أُحب ناتاشا … انظر، حتى أسماء أبطالك ما تزال صحيحة في ذاكرتي!

قال فيودور ميخايلوفيتش ملاحظًا: لم أعُد أتذكَّرهم، وعمومًا فإنني أتذكر موضوع الرواية بشكلٍ غير واضح.

أجبت بذهول: هل حقًّا نسيتَهم؟! يا له من أمرٍ مؤسِف! لقد كنتُ مُتيَّمة بإيفان بتروفيتش، الذي كانت أحداث القصة تدور على لِسانه. ورفضتُ أن أفهم، كيف استطاعت ناتاشا أن تُفضل أليوشا التافه على ذلك الرجل الرائع، وكنت أقول في نفسي وأنا أقرأ «إنها تستحق ما هي فيه من تعاسة، لأنها رفضت حُب إيفان بتروفيتش، الذي كنتُ أتعاطف معه، مع مؤلِّف الرواية. كنتُ أتصوَّر أنه هو نفسه دستويفسكي، الذي يحكي القصة الحزينة لحُبِّه الفاشل … إذا كنتَ قد نسيت، فإن عليك حتمًا أن تُعيد قراءة هذه الرواية الرائعة. ثم واصلت القول: بالمناسبة، أتذكَّر أنك سألتني، ذات مرة، في بداية تعارفنا: هل وقعتِ في الحب؟ فأجبتُك: «لم أُحب شخصًا بعينه، ولكني أحببتُ أحد أبطال روايتك وكان عمري خمسة عشر عامًا. فسألتني: «أية رواية؟» وهنا أسرعت بتغيير دفة الحديث: أحسستُ أنه من غير اللائق أن أُسمِّي بطل روايتك. بإمكانك أن تأخذ ذلك باعتباره نوعًا من دلال الآنسات اللائي يرغبن في الظهور بمظهر العليمات بالأدب. كنتُ أودُّ أن أكون مُستقلة تمامًا.

كم من الدموع ذرفتُ وأنا أقرأ «مذكرات من البيت الميت»! كان قلبي مليئًا بالتعاطُف والأسف على دستويفسكي، الذي تحمَّل هذه الحياة القاسية في المُعتقل. لقد جئتُ للعمل معك بدافع هذه الأحاسيس التي ذكرتُها لك. كنتُ أودُّ بشدة أن أُقدم لك يد العون ولو بشيءٍ ما يخفف عن إنسان متاعبه، إنسان أُعجِبت بأعماله إعجابًا كبيرًا وقد حمدت الله أن أولخين اختارني للعمل معك ولم يختر أحدًا آخر.

عندما لاحظتُ أن تعليقاتي بشأن رواية «مذكرات من البيت الميت» قد أثارت الشجون لدى فيودور ميخايلوفيتش، أسرعتُ بتغيير دفة الحديث وقلتُ له مازحة: أتعرف، لقد اختارني القدَر لأكون زوجة لك، فعندما كان عمري ستة عشر عامًا، كانوا يُنادونني نيتوتشكا نيزفانوفا.٥٧ فآنَّا، وهو اسمي، هو نيتوتشكا تدليلًا، ولمَّا كنت أذهب كثيرًا لزيارة أقاربي دون دعوة، فقد رأوا أن يُسمُّوني نيتوتشكا نيزفانوفا تمييزًا لي عن أي نيتوتشكا أُخرى ولمعرفتهم بولعي بروايات دستويفسكي. وأنت فلتُسمِّني نيتوتشكا. توجَّهتُ بهذا الطلب إلى فيودور ميخايلوفيتش فأجاب: لا! إن نيتوتشكا بطلة روايتي قد عانت كثيرًا من الأحزان في حياتها، وأنا أُريدك أن تكوني سعيدة. الأفضل أن أُسمِّيَك آنيا، وهو الاسم الذي يروقني!

في مساء اليوم التالي، طرحت على فيودور ميخايلوفيتش بدوري، السؤال الذي كان يشغلني منذ فترة طويلة، والذي كنتُ أخجل من طرحه: متى أحسَّ أنه يُحبني، ومتى قرَّر أن يخطبنى؟

راح فيودور ميخايلوفيتش يستعيد ذكرياته، وقد أثار حزني أنه اعترف لي، أنه لم يلاحظ إطلاقًا ملامح وجهي في الأسبوع الأول لتعارفنا.

تعجبت قائلة: كيف لم تلاحظ؟ ما معنى هذا؟

– إذا قام أحدهم بتعريفك بشخصٍ جديد، فقلتِ له بضع عبارات تقليدية، فهل من المعقول أن تتذكَّري وجهه؟ كلَّا بالطبع! وأنا بطبعي دائم النسيان. وهو ما حدث أيضًا في هذه المرة: تحدَّثتُ معك، رأيتُ وجهك، وما إن خرجتُ حتى نسيته، ولم أكن لأتذكر إذا ما سألني سائل إن كنتِ شقراء أو سمراء. ولم أنتبِه إلى جمال عينَيك الرماديَّتَين وابتسامتك الطيبة الصافية إلا في نهاية شهر أكتوبر. ثم رحتُ بعد ذلك أُعجَب بوجهك كله، وكلما مرَّ الوقت، ازددتُ بك إعجابًا! أما الآن فلا أرى في الدنيا وجهًا أجمل من وجهك! ثم أضاف بسذاجة: جميلة في عيون الجميع. استمرَّ فيودور ميخايلوفيتش في ذكرياته قائلًا: أذهلتني، عند زيارتك الأولى، مدى اللباقة التي تتمتَّعِين بها، وكذلك تعامُلك الجاد، والذي يصِل إلى حد الخشونة تقريبًا. قلت لنفسي: يا له من نموذجٍ لفتاة رزينة وعملية! وكم كانت سعادتي أنَّ لدَينا في مجتمعنا هذا النموذج. أذكر أنني ذات مرة قلتُ لفظًا أخرقَ دون قصد، فنظرتِ إليَّ نظرةً أصبحتُ بعدها أزن كلامي خوفًا من أن أُغضبك، بعد ذلك أدهشني وشدَّ انتباهي سلامة النية التي تتدخَّلين بها في شئوني الخاصة، وهذا التعاطف الذي تُبدِينه تجاه المصائب التي تتهدَّدني. كنتُ أظن أن أقاربي وأصدقائي يُحبونني، وأنهم مُتحمِّسون، يشتعلون غيظًا، لأنني يمكن أن أفقد حقوقي الأدبية، كانوا ساخطين على ستيلوفسكي، مُستائين، يُلومونني لأنني وقَّعتُ على هذا العقد (كما لو كان بإمكاني ألا أُوَقِّع عليه!) ينهالون عليَّ بالنصائح، يُواسونني. أما أنا فكنت أشعر أن كلَّ ذلك ما هو إلا «كلام، كلام، كلام» وأن لا أحد منهم أعطى الأمر أُذنًا صاغية، وأنني إذا فقدت حقوقي، فإنني أفقد بذلك آخِر ما أملك … وهذه الفتاة الغريبة، التي عرفتها للتو، راحت، منذ اللحظة الأولى التي اطَّلَعَت فيها على أوضاعي، تُساعدني بالعمل لا بالكلام، دون أن تتنهَّد أسفًا، أو تصرخ، أو تبدي أساها. وعندما استقرَّ عملُنا بعد عدة أيام. انتعشت الآمال في روحي، التي كانت مسكونةً باليأس التامِّ تقريبًا، وقلتُ لنفسي «لعلَّني أستطيع أن أُسلِّم العمل في موعده، إذا ما استمرَّ العمل على هذا النحو!» كانت تأكيداتك، أنَّنا حتمًا سننجح (تذكرين، كيف كنَّا نحسب معًا عدد الأوراق التي كتبتِها)، مؤكدة هذا الأمل، واهبةً لي القوة على مواصلة العمل. وكثيرًا ما كنتُ أحدث نفسي، مُتحدثًا معك: «يا له من قلبٍ طيب لدى هذه الفتاة! إنها لا تكتفي بالحديث، وإنما تشعر فعلًا بالأسى تجاهي، وتودُّ أن تُخرِجني من الكرب الذي أنا فيه.» كنتُ أشعر بوحدةٍ موحشة، حتى إنني ما إن وجدتُ إنسانًا يتعاطف معي بإخلاص حتى شعرتُ بالسعادة الكبرى.

ثم واصل فيودور ميخايلوفيتش حديثه قائلًا: أظنُّ أن حُبي لك بدأ منذ هذه اللحظة، بعد ذلك أعجبني وجهك الحبيب. أحيانًا كنتُ أضبطني مُتلبسًا بالتفكير فيك؛ ولكن عندما انتهينا فقط من «المقامر»، وتنبَّهتُ إلى أننا لن نلتقي يوميًّا، وأدركتُ أنني لا أستطيع العيش بدونك. عندئذٍ قررتُ أن أتقدَّم لخطبتك.

سألته باهتمام: ولكن لماذا لم تتقدَّم لخطبتي ببساطة كما يفعل الآخرون، وإنما اخترعتَ هذه الرواية المُثيرة؟

أجاب فيودور ميخايلوفيتش وقد أخذه التأثُّر: تعلمين يا يمامتي آنيا، أنني عندما أدركتُ مكانتك عندي، انتابني إحساسٌ عميق باليأس، وبدت لي نِيَّتي الزواج منك جنونًا مُطبقًا! انظري كم نحن مختلفان! يكفي الفارق في العمر! فأنا في الواقع لستُ سوى عجوز، وأنت لستِ سوى طفلة. أنا مريض ومرضي لا براءَ منه، عبوس وعصبي؛ وأنت مليئةٌ بالصحة والعافية، نشيطة ومُحبة للحياة. أنا عشت زمني تقريبًا، عانيتُ في حياتي الكثير من الحزن. وأنت عشتِ دائمًا حياةً رغدة، وما يزال المستقبل أمامك. وأخيرًا، فأنا فقير ومُثقل بالديون. ما الذي تنتظرينه من جراء عدم التكافؤ هذا؟ إما أن نكون تعساء، أو ننفصِل بعد أن نُمضي معًا بضع سنوات من العذاب، أو نتآلف ما تبقى لنا من العمر ونُصبح سعداء.

كنتُ أشعر بالألَم وأنا أستمع إلى فيودور ميخايلوفيتش وهو يحطُّ من قدر نفسه، فانبريتُ مُعترضةً بحدة: يا عزيزي، إنك تُهوِّل الأمور! إن عدم التكافؤ الذي تفترضه بيننا غير موجود. إذا أحب كلٌّ منَّا الآخر بقوة، فسنصبح أصدقاء وسوف نكون سعداء أبد الدهر. إن ما يُخيفني شيء آخر، حسنًا، كيف لمن هو مثلك، موهوب، ذكي، مُثقف، أن يتَّخِذ لنفسه فتاةً بلهاء رفيقًا في الحياة، فتاة تمتلك قدرًا مُتواضعًا من العلم مقارنة بك، على الرغم من أنني حصلتُ في الثانوية على الميدالية الفضية الكبرى (كنت أفتخر كثيرًا بهذه الميدالية آنذاك)، وعلى أيِّ حال فأنا لم أبلغ هذا القدْر من الثقافة، الذي يؤهلني أن أقف إلى جانبك على قدَم المساواة. أخشى ما أخشاه أن تكتشِف سريعًا ما بي من نقص، فتشعر بالملل ثم تأسف على أنني غير قادرة على فهم أفكارك. هذا هو عدم التكافؤ، الذي هو أسوا من كل تعاسة!

أسرع فيودور ميخايلوفيتش في تهدئة خاطري. ظلَّ يمدحني كثيرًا. ثم عُدنا إلى الحديث المفضل لدي، الحديث عن الخطوبة.

قال فيودور ميخايلوفيتش: تردَّدتُ كثيرًا كيف أخبرك. عجوز يفتقد الوسامة يتقدَّم لخطبة فتاةٍ شابَّة فلا يجد قبولًا. أمر يمكن أن يُثير الضحك، ولم أكن أرغب في أن أكون مُضحكًا في نظرك. قد تقولين لي فجأة إنك مُغرمة بشخصٍ آخر، فيخلق رفضك فتورًا بيننا، وإذا بعلاقة الودِّ السابقة تصبح أمرًا لا يُحتَمل، وعندئذٍ أَفقِدُك كصديق، ويضيع منِّي الشخص الوحيد الذي عاملني بإخلاصٍ طوال العامَين الآخيرين. أقول لك مرةً أخرى إنني كنتُ أشعر بوحدة مُوحشة، ولو أنني فقدتُ صداقتك ومساعدتك، لأصبح الأمر قاسيًا على نفسي. ومِن ثم فكرتُ أن أعرف مشاعرك، بعد أن أقصَّ عليك خطة رواية جديدة. كان من الأسهل عليَّ أن أتحمَّل رفضك؛ إذ كنتُ سأعتبر أن الحديث يدور هنا حول أبطال الرواية وليس عنَّا.

وبدوري، رحتُ أحكي له كم عانيتُ كثيرًا أثناء هذه الخطوبة الأدبية، بسبب عدم فهمي، وغيرتي، وحسدي لآنَّا فاسيليفنا وهلمَّ جرًّا.

أخذَتِ الدهشة فيودور ميخايلوفيتش الذي قال: إذن فقد أخذتُكِ بغتةً وحصلتُ على موافقتكِ قسرًا! بالمناسبة، في رأيي أن الرواية التي قصصتُها عليك آنذاك، هي من أفضل القصص التي كتبتُها على الإطلاق، إذ حققت على الفور نجاحًا كبيرًا وحققت التأثير المطلوب!

١٥

في نشوة انطباعتنا السعيدة الجديدة نسينا، أنا وفيودور ميخايلوفيتش، العمل على إنهاء «الجريمة والعقاب»، في الوقت الذي كان قد تبقَّى كتابة الجزء الثالث من الرواية بأكمله. تذكَّر فيودور ميخايلوفيتش هذا الأمر في نهاية نوفمبر، عندما طلبت هيئة تحرير مجلة «البشير الروسي» تكمِلة الرواية. ولحُسن الحظ، فإن المجلَّات في تلك السنوات كانت نادرًا ما تصدُر في موعدها، بل إن «البشير الروسي» ذاتها كانت مشهورة بتأخُّرها في الصدور، فعدد نوفمبر يصدُر في نهاية ديسمبر، وعدد ديسمبر يصدر في مطلع فبراير وهلم جرًّا، ولهذا كان أمامنا مُتَّسع من الوقت.

أحضر إليَّ فيودور ميخايلوفيتش خطاب هيئة التحرير وطلب منِّي النصيحة. اقترحتُ عليه أن يغلق عليه بابه أمام الضيوف، وأن يعمل نهارًا من الثانية وحتى الخامسة، وبعدها يقوم بإملائي من مخطوطته عندما يحضر إلينا.

هكذا قُمنا بتنظيم عملنا، فبعد أن نتحدَّث حوالي ساعة في شتَّى المواضيع، أجلس إلى المكتب، بينما يجلس فيودور ميخايلوفيتش إلى جوارى ويبدأ في الإملاء، الذي يقطعه أحيانًا بعض الحديث وإطلاق النكات والضحك. سار عملُنا على أكمل وجه، وتمَّت كتابة الجزء الثالث من «الجريمة والعقاب» والمكوَّن من سبع ملازم في خلال أربعة أسابيع. وقد أكَّد لي فيودور ميخايلوفيتش أنه لم يحدُث له إطلاقًا أن عمل على هذا النحو من السهولة، وعزا هذا النجاح إلى مساعِدته.

انعكس المزاج النشيط والمرح لفيودور ميخايلوفيتش في تلك الفترة إيجابيًّا أيضًا على صحته. فقُبَيل زفافنا بثلاثة أشهر لم تُهاجمه نوبات الصرع سوى ثلاث أو أربع مرات. وقد أسعدَني هذا الأمر كثيرًا وبثَّ في روحي الأمل في أنه كلما كانت الحياة أكثر هدوءًا وسعادة، خفَّت حدة المرض، راحت النوبات الأسبوعية تقلُّ عامًا بعد الآخَر مع انخفاض حدَّتِها. بالطبع فإنَّ الشفاء التامَّ من الصرع كان أمرًا مُستبعدًا، وبخاصة أن فيودور ميخايلوفيتش لم يسعَ للعلاج؛ مُعتبرًا أن مرضَه لا براء منه. ولكننا اعتبرْنا أن تراجُع عدد النوبات وانخفاض حدتها هو هبة إلهية، فقد جنَّبَه ذلك في الحقيقة المزاج الرديء والاكتئاب، اللذَين كانا يستمران أحيانًا أسبوعًا كاملًا كنتيجةٍ حتمية للنوبة؛ فضلًا عن الدموع والمُعاناة التي كنتُ أعيشها في أثناء وجودي عند ظهور نوبات هذا المرض الفظيع.

كانت أُمسياتنا تمضي دائمًا في سكينةٍ ومرَح، لكن إحداها مرَّت بنا، فجأة، على نحو عاصف.

حدث ذلك في نهاية شهر نوفمبر. جاء فيودور ميخايلوفيتش، كعادته، في الساعة السابعة، وفي هذه المرة كان يرتجِف بشدة من البرد. وبعد أن تناول كوبًا من الشاي الساخن، سألَني إن كان لدَينا كونياك أجبتُ بالنفي، ولكنني أخبرتُهُ بوجود خمر الشيري الجيد. وعلى الفور قمتُ بإحضاره فعبَّ منه ثلاث أو أربع كئوس كبيرة دفعةً واحدة، شرِب بعدها كوبًا من الشاي الساخن، وعندئذٍ فقط سرى في جسده الدفء. تعجبتُ كيف نال البرد القارس من فيودور ميخايلوفيتش على هذا النحو، ولم أعرف تفسيرًا لذلك. على أنني سرعان ما أدركتُ السبب. فعند مروري بمدخل البيت لقضاء أمرٍ ما، لاحظتُ أن فيودور ميخايلوفيتش يضع على المِشجَب بالطو خريفيًّا من القطن، بدلًا من البالطو الشتوي ذي الفراء، الذي اعتاد أن يرتدِيَه. عدتُ أدراجي على الفور إلى غرفة الاستقبال وسألته: ألم تكن ترتدي البالطو الفراء عند مجيئك اليوم؟

– لا … بالطو الخريف. أجاب فيودور ميخايلوفيتش محاولًا التهوين من الأمر.

– الآن فهمتُ لماذا كنتَ ترتجف من البرد. سأُرسل سيميون الآن بهذا البالطو ليحضر لك الفراء.

– لا داعي! من فضلك، لا داعي! سارع فيودور ميخايلوفيتش بالإجابة.

– كيف لا داعي عزيزي؟ سوف تُصاب بنزلة بردٍ في طريق العودة، سوف يكون الجوُّ أكثر برودةً بحلول الليل.

صمت فيودور ميخايلوفيتش، بينما واصلتُ الإصرار، وفي النهاية اعترف قائلًا: ليس لدي بالطو فرو …

– كيف؟ هل سُرقت؟

– لا، لم يَسرقني أحد، ولكن اضطررتُ لرهنِه.

اندهشت، ومن ثَمَّ رحتُ أتحرى منه الحقيقة بشدة، حتى راح فيودور ميخايلوفيتش يحكي لي، كُرهًا، ربما، أن إميليا فيدوروفنا حضرت إليه هذا الصباح وطلبتْ منه أن يُنقِذَها من المصيبة، بأن يدفع عنها دينًا عاجلًا مِقداره خمسين روبلًا. وكذلك طلب ربيبه مبلغًا من المال يحتاجُه أخوه نيكولاي ميخايلوفيتش، الذي أرسل خطابًا له بهذا الشأن. لم يكن لدى فيودور ميخايلوفيتش نقود، فقرَّروا أن يرهنوا البالطو الفرو عند أقرب محلِّ رهونات مؤكِّدين لفيودور ميخايلوفيتش أن ذوبان الثلوج مستمرٌّ وأن الجو دافئ وأنه يستطيع أن يقضيَ بضعة أيامٍ مُرتديًا بالطو الخريف حتى يحصل على نقود من مجلة «البشير الروسي».

كنت في حالة شديدة من الإحباط والاستياء من جراء قسوة المشاعر لدى أقارب فيودور ميخايلوفيتش. قلتُ له إنني أُقدر رغبته في مساعدة أقاربه، ولكنَّني أرى أن من المُستحيل أن يُضَحُّوا بصحته وربما بحياته أيضًا.

بدأتُ حديثي بهدوء، لكن غضبي وحُزني راحا يتصاعدان مع كل كلمة من كلامي؛ فقدتُ السيطرة على مشاعري ورحتُ أتحدَّث كمن فقد عقله، دون أن أتخيَّر تعبيراتي، رحتُ أؤكد له أن عليه التزامات نحوي، فأنا عروسه، وأنني لن أتحمَّل صدمة موته، أجهشتُ بالبكاء، وأخذتني حالة هيستيرىة منَ النحيب والصراخ. كان فيودور ميخايلوفيتش حزينًا للغاية، عانَقَني وقبَّل يديَّ ورجاني أن أهدأ. سمِعَتْ أمي بكائي. شعرتُ بالخجل فاعتذرتُ لفيودور ميخايلوفيتش. وفي معرض شرحه لِما حدث، أخبرَني أنه اضطُرَّ في الشتاء الماضي لرهن البالطو الفرو خمسَ أو ستَّ مرات. وكان يسير مُرتديًا بالطو الخريف.

أكد لي فيودور ميخايلوفيتش وهو في حالةٍ شديدة من الخجل والارتباك قائلًا: لقد تعودتُ على مثل هذه الرهونات، ولهذا لم أُولِ أيَّ أهميةٍ لهذا الأمر هذه المرة أيضًا. لو كنتُ أعلم أنك ستأخُذين هذا الأمر على نحوٍ مأسوي، لَما كنتُ قد سمحت لباشا، مهما حدث، أن يأخذ البالطو لرهنه.

انتهزتُ فرصة ندم فيودور ميخايلوفيتش وأخذتُ عهدًا عليه ألا يتكرَّر هذا الأمر مرةً أخرى. وهنا عرضتُ عليه ثمانين روبلًا لاستعادة البالطو، ولكنَّهُ رفض رفضًا باتًّا.

عندئذٍ رحتُ أتوسَّل إليه أن يبقى في البيت وألا يُغادره إلى أن تصِل النقود من موسكو. وافق فيودور ميخايلوفيتش على «الحبس المنزلي» بعد أن أخذ عهدًا عليَّ أن أزوره كلَّ يومٍ في الواحدة وأبقى لدَيه حتى موعد الغداء.

لدى وداعي لفيودور ميخايلوفيتش، طلبتُ منه مُجددًا أن يَصفح عنِّي على هذا «المشهد المسرحي» الذي قمتُ به أمامه اليوم.

أجاب فيودور ميخايلوفيتش قائلًا: رُبَّ ضارة نافعة! الآن تأكد لي إلى أي حدٍّ تُحبينني، لم يكن باستطاعتك البكاء على هذا النحو، لو لم أكن عزيزًا عليك!

أحطتُ رقبة فيودور ميخايلوفيتش بشالي الأبيض وأرغمتُهُ أن يُطلِقَه على كتفَيه. قضيتُ بقيةَ المساء تُعذِّبني فكرة أن فيودور ميخايلوفيتش قد يَهجرني، إذا ما عرف أنَّني قادرة على أداء مثل هذه «المشاهد» أو أفزع من أن يُصاب بنزلة بردٍ في الطريق، أو يُصاب بمرضٍ خطير، لم أنم تقريبًا، استيقظتُ مبكرًا وفي الساعة العاشرة هاتفتُ منزل فيودور ميخايلوفيتش تليفونيًّا. طمأنَتْني الخادمة وأخبرتْني أن السيد قد استيقظ من نومه وأنه لم يشتكِ من أي مرضٍ بالليل.

أستطيع القول إن هذه الأمسية، كانت الوحيدة «العاصفة» قبيل زفافنا بثلاثة أشهر.

استمر «الحبس المنزلي» لفيودور ميخايلوفيتش أسبوعًا، وكنتُ أذهب لمقابلته وكتابة ما يُمليه عليَّ من «الجريمة». وفي إحدى تلك الزيارات أدهشني تصرُّفه للغاية، ففي غمرة عملنا ارتفعت أصوات قادمة من أرغن الشارع اليدوي، كان يصدح بموسيقى أغنية La donna est mobile من أوبرا «ريجوليتو». توقف فيودور ميخايلوفيتش عن الإملاء وراح يصيخ السمع وإذا به فجأة يأخذ في ترديد هذه الأغنية مستبدلًا اسمي بالكلمات الإيطالية.

«آنَّا جريجوريفنا!» … كان يُغني بصوتٍ حسَن من طبقة التينور خافِتٍ بعضَ الشيء. بعد أن انتهت الأغنية، اقترب فيودور ميخايلوفيتش من كوة النافذة وقذف بعُملة من خلالها، وسرعان ما اختفى عازف الأرغن. أجاب فيودور ميخايلوفيتش على استفساري بقوله إن عازف الأرغن لاحظ، بداهة، بعد أي أغنية تحديدًا يُلقون عليه بالنقود، وها هو يأتي كل يومٍ ليقف أسفل النافذة ليعزف فقط هذه الأغنية من «ريجوليتو». ثم أردف قائلًا: أما أنا فأسير دائمًا وأنا أترنَّم باسمك العزيز على موسيقى هذه الأغنية!

ضحكتُ وتظاهرتُ بالغضب لأن فيودور ميخايلوفيتش وضع اسمي مكان الكلمات الساذجة، ولكني رحتُ أؤكد أن الاستقرار والثبات من طباعي، فإذا ما أحببت، فإنني أحبُّ إلى الأبد. ضحك فيودور ميخايلوفيتش وقال: سنرى، سنرى!

استمعتُ إلى هذه الأغنية من الأرغن ومن فيودور ميخايلوفيتش في اليومَين التاليين، واندهشتُ لدقة التطابُق بين غنائه وبين اللحن. بداهة فقد كانت لدَيه أذن موسيقية جيدة.

بقدْر تنوُّع مضمون أحاديثنا اليومية طوال هذه الفترة، فإنها لم تتطرَّق أبدًا إلى موضوعاتٍ فاحشة أو بذيئة. ولعلَّه كان من الصعب على أي شخصٍ أن يتعامل مع تواضُعي العذري وخجلي، على نحوٍ أكثر تحفظًا ورقة، على النحو الذي تعامل به معي خطيبي. ويمكن وصف تعامُله معي من خلال الكلمات التي وردت في خطابه الذي كتبَه إليَّ بعد زفافنا.٥٨

«لقد وهبك الله إياي، حتى لا يضيع سُدًى شيء من فطرتك وثراء روحك وقلبك، وإنما على العكس من ذلك، ليزداد ثراءً وبهاءً؛ وهبني إياك لكي أتطهَّر بك من خطاياي العظيمة، بعد أن أُقدمك إلى الله وقد أصبحتِ ناضجة، تعرفين طريقك، طاهرة مُصانة من كل دناءة من شأنها أن تُميت الروح.»

وفي جميع الأحوال فقد وضع فيودور ميخايلوفيتش نصب عينَيه أن يَحميني من كل الانطباعات المسيئة. أذكر ذات مرة، وكنتُ في إحدى زياراتي له أنني رحتُ أتصفَّح رواية باللغة الفرنسية، كانت موضوعة على مكتبه. اقترب منِّي وسحب الرواية بهدوءٍ من بين يديَّ. قلت له: إنَّني أفهم اللغة الفرنسية. دع لي هذه الرواية لأقرأها.

فأجاب: ليست هذه الرواية! ما الداعي لتلويث مخيلتك؟!

وحتى بعد زفافنا، كان فيودور ميخايلوفيتش يتخيَّر لي بنفسه الكتب، ولم يكن يسمح مُطلقًا أن أقرأ الروايات العابثة، تحدوه الرغبة أن يأخذ بيدي في طريق تطويري أدبيًّا. كان هذا التحكُّم يُغضبني أحيانًا، وكنتُ أحتجُّ عليه بقولي: ولماذا تقرؤها أنت نفسك؟ ولماذا تلوِّث مخيلتك؟ فكان يجيب: أنا رجل لديَّ مناعة. هذه الكتب ضرورية لي باعتبارها مادة لعملي. على الكاتب أن يعرف كل شيء وأن يفحص كلَّ شيء. ولكنني أؤكد لك أنني لا أتلذَّذ بالمشاهد الماجنة، بل إنها كثيرًا ما تُثير في نفسي النفور.

لم تكن هذه عبارات إنشائية يقولها، وإنما كانت الحقيقة.

بهذا الشعور بالنفور كان فيودور ميخايلوفيتش ينظُر إلى الأوبيرتات التي كانت سائدةً في هذا العصر. لم يكن يذهب إلى المسرحيات الهزلية، ولم يكن يسمح لي بمشاهدتها. كان يقول لى: إذا الظروف سمحت لنا أن نذهب إلى المسرح، فينبغي علينا أن نتخيَّر المسرحية، التي يمكن أن تترك لدى المشاهد انطباعًا راقيًا نبيلًا، وإلا فإنها ستُلوث روحه بالتفاهات!

وخلال حياتي معه والتي امتدَّت أربعة عشر عامًا، ترسَّخ لديَّ إيمان عميق أنه كان واحدًا من أكثر الناس حكمة. وكم أحزنني أن أقرأ أن إيفان تورجينيف، الكاتب الذي أحبَّه، قد رأى في فيودور ميخايلوفيتش شخصًا ماجنًا، وسمح لنفسه أن يُسمِّيَه «الماركيز دي ساد الروسي».٥٩

١٦

كان الموضوع الرئيسي والأعز علينا، أنا وفيودور ميخايلوفيتش، بطبيعة الحال، هو مُستقبل حياتنا الزوجية.

أصبحت فكرة أنني لن أفترق عن زوجي، وأنني سوف أُشاركه عمله، وأن تُتاح لي الفرصة للعناية بصحَّتِه، وأن أتمكَّن من حمايته من أولئك المُتطفِّلين الذين يُثيرون قلقَه واضطرابه، صارت بالنسبة إليَّ هي الفكرة المُسيطرة، إلى حد أنني كنتُ مستعدةً أحيانًا أن أنخرط في البكاء لو تبيَّن لي أن هذه الفكرة لن تتحقَّق على وجه السرعة. كان زواجُنا مُتوقفًا بصورة رئيسية على ما إذا كان موضوعنا مع «البشير الروسي» سينجح أم لا. وقد قرَّر فيودور ميخايلوفيتش أن يُسافر مع أعياد الميلاد إلى موسكو وأن يعرض على كاتكوف روايته الجديدة. لم يكن لدَيه شكٌّ في أن هيئة تحرير «البشير الروسي» لديها الرغبة في أن يُصبح من العاملين بها، إذ إن رواية «الجريمة والعقاب» التي نُشِرت بها عام ١٨٦٦م، قد تركت انطباعًا كبيرًا في الحياة الأدبية وجذبت إلى المجلة العديد من المشتركين الجدد.٦٠ كان السؤال المطروح هو: هل سيتوفر لدى المجلة أموال فائضة لإقراضِنا مبلغًا في حدود بضعة آلاف، فإذا لم نتسلَّم هذا القرْض فسيُصبح تدبير أمورنا المالية المستجدَّة أمرًا مستحيلًا. وقد افترض فيودور ميخايلوفيتش أنه في حالةٍ ما إذا فشلنا مع «البشير الروسي» فإن عليه، بمجرد إنهائه ﻟ «الجريمة والعقاب»، الشروع في كتابة رواية جديدة، وأنه سيكون لزامًا عليه، بعد أن ينتهي من الجزء الأكبر منها، أن يعرضها على مجلةٍ أخرى. كان الفشل في موسكو يُهددنا بتأجيل زواجنا لمدةٍ طويلة قد تصل إلى عامٍ بأكمله. وقد تملَّكَني حزنٌ عميق عندما باغتتني هذه الفكرة.

كان فيودور ميخايلوفيتش يُشاركني دائمًا همومه. ولم يكن يرغب في أن يُخفي عني أي شيء، حتى لا تُفاجئني بشدة صروف الحياة القاسية، التي تنتظر كِلَينا في المستقبل. كنتُ مُمتنة له لصراحته، ورحتُ أفكر في كافة الوسائل، من أجل تخفيف الديون التي كانت تُعذِّبه. وسرعان ما أدركتُ أن سداد الديون على الوضع الذي نحن فيه الآن أمر مُستحيل تمامًا. وعلى الرغم من قِلة خبرتي بالحياة العملية، وأنَّني كنتُ أعيش في أسرةٍ ميسورة، استطعتُ أن ألاحظ على مدى الشهور الثلاثة التي سبقت زواجنا أمرًا كدَّرني للغاية. لقد لاحظتُ أنه ما إن تظهر لدى فيودور ميخايلوفيتش نقود، حتى تظهر في الوقت نفسه لدى جميع أقاربه، أخيه، زوجة أخيه، ربيبه، أبناء أشقائه، احتياجات، ليست مفاجئة فحسب، وإنما عاجلة أيضًا. وهكذا لم يتبقَّ من الثلاثة آلاف وأربعمائة روبل، التي تسلَّمها من موسكو مقابل «الجريمة والعقاب»، سوى ما لا يزيد عن ثلاثين، أربعين روبلًا؛ فضلًا عن أنه لم يُسدِّد كمبيالةً واحدة من ديونه، وإنما سدَّد فوائدها فقط. ومن جديد تبدأ هموم فيودور ميخايلوفيتش. من أين يحصل على نقود لتسديد فوائد الديون، ومن أين له أن يعيش وأن يَسدَّ مطالب أقاربه العديدين. هذا الوضع راح يُعذبني عذابًا حقيقيًّا. كنتُ أهدئ نفسي بفكرة أنَّني بعد الزواج سوف أتسلَّم مقادير إدارة البيت في يدي، وأنني سوف أُنظِّم مسألة إعطاء الأقارب النقود، بعد أن أُحدِّد لكلٍّ منهم مبلغًا محددًا سنويًّا. كان لدى إميليا فيدوروفنا أبناء بالغون كان بإمكانهم مساعدتها.٦١ أما نيكولاي ميخايلوفيتش،٦٢ الأخ الأصغر لفيودور ميخايلوفيتش، فكان معماريًّا موهوبًا، وكان باستطاعته، إن أراد، أن يعمل. وكان ربيبُه يبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، وقد حان الوقت أن يتَّخِذ لنفسه عملًا جادًّا بدلًا من اعتماده الكامل على زوج أُمِّه المريض والمُثقَل بالديون.

كنتُ أفكر، في غضبٍ، في هؤلاء العاطلين، إذ أرى أنَّ هموم فيودور ميخايلوفيتش الدائمة بشأن النقود كانت تُفسِد مزاجه الطيب وتؤثر تأثيرًا ضارًّا في صحته. كانت أعصابه تتوتَّر بشدة من جرَّاء الضغوط المستمرة؛ ومن ثم كانت نوبات الصرع تزداد. كان ذلك قبل ظهوري في حياته، بعدَها تغيَّر الأمر بعض الوقت. لكنِّي كنتُ أحلم أن يتعافي تمامًا عندما نعيش حياتنا معًا في المستقبل، وأن يظلَّ مُحتفظًا بنشاطٍ ومزاج حسن.

بالإضافة إلى كل ذلك، كان فيودور ميخايلوفيتش، المُكبَّل بالديون، مضطرًّا لعرْض عمله بنفسه على المجلات، وبطبيعة الحال، كان يتقاضى مقابل أعماله مبالِغَ أقلَّ بكثيرٍ مما كان يتقاضاه كتابٌ آخرون يعيشون في رغد، مثل تورجينيف وجونتشاروف.٦٣ فبينما كانوا يدفعون لفيودور ميخايلوفيتش مائة وخمسين روبلًا مقابل الملزمة الواحدة في رواية «الجريمة والعقاب»، كان تورجينيف يتقاضى من مجلة «البشير الروسي» ذاتها خمسمائة روبل على الملزمة لرواياته.٦٤

أما أكثر ما كان يُشعر فيودور ميخايلوفيتش بالضَّيم فكان اضطراره، بسبب الديون التي لا تنتهي، للإسراع في عملِه. لم يكن لدَيه الوقت أو القدرة على تنقيح أعماله، وكان ذلك يُصيبه بحزنٍ عظيم. كثيرًا ما كان النقَّاد الغِلاظ يُوجِّهون له سهام انتقاداتهم للقصور الشديد في شكل رواياته، ولأن الرواية الواحدة تضمُّ بين ثناياها عدة روايات، وأن الكثير من هذه الأحداث غير مُكتمل.٦٥ الأرجح أن النقَّاد لم يكونوا يعرفون، الظروف التي كان فيودور ميخايلوفيتش مضطرًّا للعمل تحت وطأتها. كان يحدث أن يتم طبع الفصول الثلاثة من الرواية، ويجري العمل في جمع الفصل الرابع، وننتهي من كتابة الفصل الخامس، بينما تكون باقي الفصول في طَور التفكير. كم مرة رأيتُ فيها فيودور ميخايلوفيتش قد سقط فريسةً لليأس، عندما أدرك، فجأة أنه «أفسد الفكرة التي كان يعتزُّ بها كثيرًا، وأنَّ إصلاح الخطأ قد بات مُستحيلًا».٦٦

كنت أشعر بالأسف على الوضع المالي الصعب الذي يُعاني منه خطيبي، فرحتُ أطمْئِن نفسي بفكرة أنَّني في المستقبل القريب، بعد عام، سوف يُصبح بإمكاني مُساعدته بشكلٍ جذري، وذلك بعد أن أتسلَّم يوم بلوغي سنَّ الرشد، البيت الذي تركَه لي والدي حسب وصيَّته.

كان والداي يَمتلكان، منذ نهاية الأربعينيات، قطعتَي أرض كبيرتَين. (حوالي هكتارين)، يقعان في شارِعَي ياروسلافسكايا وكوسترومسكايا، يُوجَد في قطعةٍ منهما بيتان من الحجر، كل منهما من طابقَين، نُقيم فيهما، وثلاثة بيوت خشبية مُلحقة بهما. وفي قطعة الأرض الأخرى بيتان من الخشب، أحدهما أُعطِيَ لأختي ضمن جهاز زفافها، والآخر خُصِّص لي. يمكن بعد بيعه أن نَحصُل على ما يزيد على عشرة آلاف روبل، كنتُ أريد أن أُسدِّد منها جزءًا من ديون فيودور ميخايلوفيتش، لكن وللأسف الشديد، لم يكن بإمكاني أن أفعل ذلك قُبَيل بلوغي سنَّ الرشد. حاوَلَتْ أمي إقناع فيودور ميخايلوفيتش أن يُصبِح وصيًّا علي، ولكنَّه رفض ذلك الأمر بإصرار قائلًا: هذا البيت بيت آنَّا، لتأخُذه في الخريف عندما تبلُغ الحادي والعشرين من العمر. لا أريد أن أتدخَّل في شئونها المالية.

كان خطيبي فيودور ميخايلوفيتش يرفض دائمًا مساعداتي المالية، وكنتُ أقول له إننا ما دُمنا نُحب بعضنا البعض، فإنَّ كلَّ شيء ينبغي أن يكون مُشتركًا بيننا فكان يُجيب: بالطبع، هذا ما سيكون عندما نتزوج، أما الآن فأنا لا أريد أنا آخُذ منك روبلًا واحدًا.

أعتقد أن فيودور ميخايلوفيتش كان يدرك جيدًا زيف مطالب أقاربه في بعض الأحيان، ولكنه، على الرغم من أنه لم يكن قادرًا على رفض طلباتهم، لم يكن يوافق إطلاقًا على تلبية هذه المطالب من مالي الخاص. وحتى الألفا روبل اللذان خصَّصَهما والداي لتجهيزي رفض المساس بها وأقنعني بشراء كل ما أرغب في شرائه لبيت المستقبل. أتذكر بكل الحنين كيف راح فيودور ميخايلوفيتش ينظر إلى السكاكين والملاعق الفضية التي اشتريتُها لتوِّي ثم راح يَرصُّها في عُلَبِها، ودائمًا ما كان يُثني على اختيارى. كان يعلم أن مديحَه يجعلني أتهلَّل وأنتشي من السعادة.

كان يحب النظر إلى ثيابي الجديدة بصفةٍ خاصة، وعندما كانوا يُحضرونها من عند الخياطة كان يُرغمني على قياسها وأن أستعرِضَها أمامه. وكان يُعجَب ببعض الفساتين (على سبيل المثال ذات اللون الأحمر الداكن) إلى حدِّ أنه كان يَطلُب منِّي أن أظلَّ بها طوال السهرة.

كان فيودور ميخايلوفيتش يصر أيضًا على أن أجرب ارتداء قبعاتي، وكان يرى أنها تُلائمني تمامًا. كان يحاول دائمًا أن يقول كلامًا طيبًا ودودًا وكان ذلك يبعث في نفسي السرور. كم كان قلبه المحب مفعمًا بالحنان والإخلاص!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة