مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

من أزمة الشعر إلى ولادة علم الاستطيقا: الجماليات بين المنطق والخيال:عماد خالد رحمة – برلين

صورة لرجل في بدلة رسمية مع ابتسامة، يظهر خلفية داكنة.



عرف تاريخ الأدب والشعر على مرّ العصور أزمات متكررة، بعضها متعلق بالمفاهيم والمقولات النقدية، وبعضها الآخر متصل بطبيعة التحولات الإبداعية ذاتها. هذه الأزمات لم تكن عابرة، بل كانت لحظات انعطاف كبرى أعادت تشكيل الوعي الجمالي وأسست لعلم جديد يُعنى بما هو أعمق من البلاغة التقليدية: علم الاستطيقا أو علم الجمال. ومن هنا يمكن القول إن ولادة الاستطيقا لم تكن ترفاً فكرياً، بل استجابة لازمة لأزمة خانقة واجهت الأدب والشعر حين لم تعد البلاغة الكلاسيكية قادرة على احتواء طفراته وتحوّلاته.

_أزمة البلاغة الكلاسيكية:

لقد تأسس النظام البلاغي العربي واليوناني على منطق صوري صارم، ينظر إلى اللغة باعتبارها أداة للإقناع والإفهام. غير أن هذا التصور سرعان ما بدا عاجزاً أمام النصوص الإبداعية التي تجاوزت حدود البيان والمحسّنات إلى فضاء أرحب من الإيحاء والرمز والانزياح. ولعل هذا ما أشار إليه نيتشه حين قال إن “الفن هو نقيض الحقيقة المنطقية، إنه صناعة الوهم الضروري للحياة”. وهنا نلمح الفجوة بين البلاغة القائمة على الصنعة اللفظية والمنطق، وبين الشعر بوصفه فعلاً يتجاوز العقلانية نحو الحقيقة الجمالية.

_ ولادة علم الاستطيقا:

جاء الفيلسوف الألماني ألكسندر بومغارتن (1714–1762) ليضع مصطلح Aesthetica للمرة الأولى، محدداً إياه باعتباره علماً جديداً يهتم بالإدراك الحسي الجميل، ويمثل حدّاً فاصلاً بين المعرفة العقلانية الصارمة والمعرفة الغامضة التي يتيحها الحس والخيال. وقد اعتبر أن الفن لا يُقاس بموازين المنطق، بل بمقاييس الجمال. ثم جاء كانط ليؤسس الاستطيقا على مفهوم الحكم الجمالي الحر، الذي لا يخضع لغايات خارجية، بل ينبع من “اللذة غير المرتبطة بمصلحة”. وهكذا صار علم الجمال مجالاً مستقلاً يبحث في جوهرية الفن ومعناه.

_ الشعر والأدب كأفق للاستطيقا:

الأدباء الكبار لطالما استشعروا هذا الانفصال بين البلاغة والمنطق من جهة، وبين الشعر والفن من جهة أخرى. فالناقد العربي عبد القاهر الجرجاني سبق أن أشار إلى أن سر الشعر لا يكمن في الألفاظ مفردة، بل في “النظم” أي في طريقة التأليف التي تُحدث الأثر. وهو بذلك يقترب من الرؤية الاستطيقية التي ترى أن الجمال يتجاوز المنطق إلى تجربة كلية متعالية.
أما ت. س. إليوت فذهب إلى أن الشعر لا يُفسَّر بل يُعاش، لأن قيمته ليست في منطقه الداخلي بل في قدرته على إعادة تشكيل الوجدان الجمعي. في حين أكد مارسيل بروست أن الفن “هو الوسيلة الوحيدة للخروج من الذات لرؤية العالم بعيون الآخرين”.

_الاستطيقا كتحرير للفن:

إن جوهر الاستطيقا يكمن في تحرير الفن من هيمنة البلاغة الكلاسيكية والأنساق العقلانية الجامدة. فهي تجعل الفن مجالاً للحقيقة من نوع آخر: حقيقة تتجلى في الإيقاع، واللون، والخيال، والتجربة الداخلية. وكما يقول هايدغر: “الفن يكشف الحقيقة في صورة”. أي أن الفن ليس تزييناً للكلام، بل كشف للوجود في صورته الأعمق.

_أزمة الشعر كأفق للتجديد:
كل أزمة في تاريخ الشعر لم تكن سوى مخاض لولادة جديدة. فكما أسهمت أزمة البلاغة الكلاسيكية في ولادة علم الجمال، فإن أزمات الحداثة وما بعدها دفعت النقاد إلى تطوير مناهج جديدة كالأسلوبية، والتفكيكية، والهيرمينوطيقا، والفينومينولوجيا. كلها امتداد لتلك اللحظة المؤسسة التي انفصل فيها الفن عن المنطق، لينبثق علماً خاصاً بذاته، علم الاستطيقا.

_خاتمة:
إن أزمة الشعر والأدب لم تكن دليلاً على انحطاطهما، بل على العكس، كانت الشرارة التي دفعت إلى ابتكار علم الاستطيقا كإطار فلسفي لفهم جوهرية الفن. لقد أثبتت هذه الأزمة أن اللغة ليست محض أداة للمنطق، بل أفق جمالي رحب يكشف عن حقيقة مغايرة، حيث يلتقي العقل بالخيال، والوجود بالإبداع. وبذلك غدا الاستطيقا ليس مجرد علم للجمال، بل أفقاً لفهم الإنسان نفسه من خلال قدرته على الخلق الفني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading