مقالات فكرية

ترميد جثث الموتى ، محارق وشعائر جنائزية :جان بيار بايار -ترجمة : الحسن علاج

صورة لرجال مسن يظهرون في إطار غير رسمي، مع تعبيرات وجه ودية.

    تساءل الإنسان ، في كل الأزمان عن أصوله ومصيره . وبالرغم من إيمانه بخلود الروح ، فإن الكائن البشري ظل قلقا أمام الموت ؛ إن الانفصال عن المشرق يظل في غير متناولنا .

    هل يمكن لقولة سينيكا مواساتنا ؟

       هل تريد معرفة ما ستكون عليه بعد الموت ؟

       هناك حيث كان البشر قبل ولادتهم .

    ومن ثم فإن الشعائر الجنائزية متعددة ومتنوعة . تقدم بعض مقابر العصر الحجري القديم الدليل عن نظام الترميد . لقد تم إنجاز حرق الجثث إذن في مرحلة عصر الحجرالمنحوت .اكتشف البروفيسور غورجانوفيتش كرامبيرغر (Gorjanovic-Kramberger) بمدينة كرابينا الكرواتية ، مجموعة من الطبقات متضمنة لمواقد تسعة أوقدها الإنسان ، فوق ترسبات ذات أصل نهري . وقد تم العثور في تلك الأرمدة على ما يقارب خمس مائة من البقايا البشرية . اكتشف كل من مم . مارسيل دو بويوت(MM.Marcel de Puydt) وماكس لوهيست (Max Lohest) بمغارة سباي Spy) ( هيكلين عظميين لإنسان نياندرتال يرقدان إلى جانب سرير من الفحم الخشبي . وكان المدفن مغطى بطبقة من الطين . ويشير بول فيرنيرت Paul Wernert) ( الذي أستعير منه تلك المعلومات 1 ، إلى مواقع أخرى حيث نعثر على أثر تلك ” النيران الطقوسية ” ؛ مثل ” مغارة الأطفال ” بمغارات باوسي روسيه (Baoussé-Roussé) بالقرب من مقاطعة مونتون Menton) ( ، حيث تستند جميع الهياكل العظمية على مواقد ، وفي تماس مع الأرمدة .

    مما لاشك فيه أن هذا هو مكان تقليد الموقد الجنائزي . يشير فيرنيرت إلى النار الطقسية لإنسان نياندرتال ، نار موقدة على رفات الميت ؛ ويعتقد المؤلف أن طقس الموقد الجنائزي بدأ في الانحدار في عصر الحجر المصقول ، على أن شعيرة التحريق تمت استعادتها في مرحلة الإنشاءات الحجرية الضخمة .

    وبالرغم من هذا التوثيق المستفيض والقيم ، فإنني لن أشاطر بول فيرنيرت رأيه عندما كتب بأن ” الموقد الجنائزي تم ابتكاره من أجل تدفئة الميت الذي كان يشعر بالبرد ” . إنه إنكار ملكة دقة الملاحظة لدى كائنات كانت تعيش في اتصال عميق مع الطبيعة . تقدم لنا لوحاتهم الجدارية بشكل كاف البرهان على رغبتهم في التحليل ويبدو لي أنه من غير المجدي التركيز على هذه النقطة . ينبغي النظر في إحراق الجثث من زاوية أخرى ، وربما وبكل بساطة يتعلق الأمر بإجراء وقائي . أفكر بشكل خاص في الخاصية السحرية ، في ممارسة سحرية مكرسة لطرد الأرواح الشريرة ؛ وقد يذهب تفكيري أيضا إلى تطهير ما : تصعد رائحة الجسد المحترق حتى الله ، يعطره البخور ويجعله رائعا عند الرب . سوف نعمل على تقصي هذه الرمزية في تقاليد حديثة عهد جدا .

    تعتبر مراسم دفن رهبان ميانمار مثيرة للانتباه لأنها تجعلنا نفهم معنى الشعيرة . يتم تغطية الجسد المحنط بالشمع ، أو بثوب أبيض ملمع ومغطى بأوراق مذهبة ، أحيانا تتم تغطيته فقط بثوب الراهب لونه أصفر . يتم وضع تلك المومياء في ساق شجرة مجوف ويتم وضع الكل في تابوت مزخرف بمشاهد من حياة بوذا . بعد أن يتم عرضه لتكريمه من قبل المؤمنين ، يُنقل الجثمان على عربة يمكن الجدال بخصوصها ـ وينتصب على منصة يعلوها سرادق ، يحترق المجموع كليا بالنار ، تُدفن العظام بالقرب من معبد . ولما يكون الراهب ذا صيت كبير ، فإن عظامه المسحوقة يتم خلطها بزيت الخشب ؛ وبدلك تلك العجينة ، فإنه يتم محاكاة بوذا وعرضها في ضريح .

    امتد هذا العرف الديني إلى الطقوس الدنيوية ، وتبعا لنوعية الميت ، فإن التحضيرات تكون ضخمة بصورة أو بأخرى . لقد أثر هذا العرف في أدب القرون الوسطى الفرنسية . يتم غمر الزوجة أو الأم ، في حمام نار تطهيري ، ثم إن موضوعة الحداد التي تحمل عنوان ” معلم كافة المعلمين ” ترمي إلى تجدد الفرد .

 إن المعتنق الجديد الذي يتم رميه في محرقة ما يخرج وقد تحول ـ ماديا ومعنويا .  ليست النار ، في شعيرة الترميد ، عنصرا قاتلا أو مخربا ، بل عنصرا يسمح بشعيرة التجدد .

    لقد كتب بعض المؤلفين أنه عبر تلك الإشارات الشعائرية ثمة محاولة لتحرير النفس من غشائها الجسدي . وتعمل الصلوات ذاتها على تقليص مخاوف المتوفى ، وتسهل توبته . دون إنكار القوة السحرية لصلوات الجنازة أو الطقس الديني من أصل سحري حيث يؤثر النفوذ على مراكز القوة ـ وبشكل خاص على الضفيرة الشمسية والروح ـ يدرك المرء بصعوبة أن عقل الإنسان يمكن أن يكون عبدا للمادة . لابد من أن يأخذ المرء في حسبانه أن كل شيء متضافر في الطبيعة وعلى عقلنا أن يتصدى من تلقاء نفسه لعيوب الجسد المادي .

    لا أعتقد أن التحريق كان هدفه هو إبطال كل صلة بين الميت والأرض . سوف يكون ذلك متعارضا مع هذا التقليد حيث يتم ترميد الجسد في الموقد العائلي : استمر الرماد في المساهمة في الحياة الجماعية وقد أشار أمابل أودان (Amable Audin) 2 إلى أن القدماء كانوا يحرقون موتاهم حتى يتمكنوا من نقل رمادهم هناك حيث كانوا يهاجرون . حتى يتسنى لهم احترام الغطاء الجسدي والسماح له بالبقاء على قيد الحياة . يسمح هذا التطهير ، طقس الموت والقيامة بواسطة النار ، ببلوغ حياة فضلى ، أثيرية .

وهكذا نتوصل إلى تصور الموت الطوعي على المحرقة ، شعيرة ترقى إلى دورة أسطورة طائر الفينيق .

 يخبرنا كل من بلينيوس الأكبر Pline L’Ancien) (، سولان وكوينتوكورينتوس (Solin)(Quinte-Curce)( تاريخ الإسكندر ) ، بأن الموت الطوعي حرقا قد مارسته شعوب مختلفة ؛ فقد تم اعتبار الموت بعد عمر مديد موتا مخزيا ثم إن النار قد تدنسها جثة ما .   

لذلك فإن المحرقة لن تستقبل إلا رجالا أحياء . أشار فيلو اليهودي إلى أن كبار السن أو المرضى الذين لا أمل في شفائهم يتم حرقهم ويتحدث المؤرخ أونيسكريت Onésicrite) ( ـ وهو معاصر للإسكندر ـ عن التقليد البرهماني . كما أن أتار Atar) ( ، إله النار في فارس القديمة ، يعتبر أن حرق لحم ميت يشكل شتيمة كبرى لمبدأ الحياة . ومع ذلك فقد قيل في كتاب وصايا جعفر الصادق 3 ، بأن الأبدان الميتة يتوجب تعذيبها بالنار . فلن يبلغ الجسد الحياة الأبدية بدون ألم . تنضم الفكرتان إلى بعضهما البعض ، لأن الجسد الميت ، في واقع الحال ، لن ينال بعد مزيدا من الألم ليستحق تلك النعمة العظمى . كما أن الخميائي يعمل على تشويه المعادن كي تنتقل إلى وضع جديد .

    كما أنه يتم اللجوء إلى المحرقة الجنائزية في أزمنة تفشي الأوبئة الكبرى ؛ فقد قام اليونان ، تبعا لملحمة الإلياذة ، بحرق موتاهم بسبب الطاعون (مجلد 2 ، أ ، 52 ) . على أنه غالبا ما يظل الترميد إسهاما في التطهير . فقد قال يوربيديس بأن جسد كليتيمنيسترا طهرته النار التي تحرر العنصر الإلهي وتخلد الموتى . إن حرق هرقل في محرقة أويتا ، وسيلا قد ساهما في ذلك البعث4 . تقود النار المادية إلى مادة نارية نحو النار الإلهية والسماوية عاملة على جعلها شبيهة بالطبيعة الأثيرية . تسهل تلك التضحية الوصول إلى الله ؛ إن الإنسان الذي تضربه صاعقة زيوس يتأله ، لأنه يُصاب بالإظهار وطاقة النار الإلهية . إن الفيثاغوريين والرواقيين والأفلاطونيين الجدد الذين كانوا يؤمنون بالخلود النجمي ، كانوا يقولون بأن إقامة الأرواح النارية كانت تنتشر حول القمر .

    أصبح ترميد الجثث معتادا بمدينة إليوسيس ؛ فتبعا لبيكار Picard) ( ، فإن هذا الطقس قد تم التخلي عنه بأسرع ما يكون ، إذ مما لاريب فيه أن دميتر Déméter) ( ، الأرض ـ الأم ، وحدها قادرة على منح الحياة . وبفضل الدفن فإن حياة أخرى تولد ؛ إن حبة القمح التي تنمو ، تنمو مجددا ثم تموت ، تصبح أساس تصورنا وعبادة الموتى . ومع ذلك ، ففي مدينة إليوسيس ، شأنها في ذلك شأن أصقاع أخرى عديدة ، ثمة موتى يموتون حرقا بالنار طوعا . وهكذا قفزت إيفادني Evadné) ( من أعلى قمة الححر الحزين في المحرقة المشتعلة من أجل زوجها كاباني Capanée) ( ؛ كان هذا الموقد من صنع زيوس (يوربيدس) . لقد شكل موت هرقل حرقا غاية في الرمزية أكثر من طقس يصدر عنه ثم الفيلسوف الكلبي بريغرانوس ” احترق حيا ، بهدف أن يحل إلى جوار هفايستوس والفاتح هرقل ، كما قال لوسيان ” 5 . لكن ابتداء من القرن الثاني ، فقد تم استبدال التحريق بالدفن .

    سوف نميز ، في الهند ، بين احتفالات أجنيكايانا agnicayana) ( ، أو ترميد الموتى ، وأغنيبرافيزا agnipravésa) ( ، وهوالموت الطوعي حرقا لشخص حي . يتم الترميد الطوعي في جو من المرح ، لأن هذا التكريس يقود إلى حياة أسمى . يمثل الإله شيفا جوهر التضحية ، دلالة الحياة والحقيقة . وإلى جانب أن شيفا يشكل مظهرا للدمار ، فهو أيضا يعتبر تجليا للخلق . وهو أيضا استعادة لأسطورة ال” موت والنشور ” ضمنيا ؛ وتقود مستويات القوة الثلاثة ، دمار ، محافظة ، خلق ، إلى مستويات ثلاثة من الاستنارة . لا ينبغي اعتبار هذا الفعل مثل انتحار يضع حدا للجانب المؤذ للحياة . ترفع ملحمة الرامايانا من شأن الموت الطوعي حرقا بنار سارابانغا Sarabhanga) ( وساباري Sabari) ( .

وعلى غرار كلانوس ، فإن طبقة البراهمة كبار السن ينتظرون الموت بدون خوف أو يصعدون المحرقة مبتهجين . لقد عرفنا بأن كل تلك الرموز الطقوسية تهدف إلى تحقيق الخلود .

   لم يعد ترميد الأرامل إشارة على خيبة الأمل ، بل غبطة مطلوبة . إنه ابتهاج ووسيلة للفوز بالحياة الأبدية ، وبإمكان هذا الفعل أن يصبح فعلا جماعيا : يظهر احتفال الساتراSattra) ( هذا في مدرسة الثايثيريةTaittiriya) ( . لقد احتفل كوليبروك Colebrooke)     ( بتضحية الأرامل في مؤلفه حول واجبات أرملة مخلصة 6 ، إلا أن ماكس مولر Max Muller) ( يعترض على هذا الانتقال من كتاب الترانيم الريج ـ فيدا Rig-Véda) ( ويزعم بأن تلك العادة لم تكن قائمة في الفترة البدائية لتاريخ الهند 7 ؛ خلافا لذلك فهو لم يكلف نفسه عناء البحث عم الذي يجعل استعمالا شبيها يتمكن من الحدوث ، حتى وإن كان الأمر يتعلق بخطأ في تفسير النص . لقد تم تغيير جملة ” الأمهات هن الأوائل من يستطعن الصعود إلى الهيكل ” إلى ” النساء هن الأوائل اللواتي يكون بإمكانهن الصعود إلى لهب النار ” ، وذلك بتغيير عبارتي ” yonim agre) ( إلى yonim agneh) ( ، وتعبر agneh) ( عن النار ويونيم yonim) ( عن اللهب . وفي كتابه المرأة في الهند 8 ، قام لويس جاكوليوت Louis Jacolliot) ( باستنساخ نفس الأفكار بخصوص تلك ” العقيدة المتوحشة ” .

    تبعا لأغنبرافيزا تكون روح رجل ما يتمتع بصحة جيدة أقوى من روح  رجل واهن القوة ؛ فمن أجل نيل السماء في ظروف جيدة ، يدرك المرء أنه من الأفضل أن يموت بصحة كاملة ، سواء أثناء معركة ـ وهو ما يفسر انفصال المحارب الذي يسعى إلى الموت باعتباره توابا إلهيا ـ أو أثناء احتفال شعائري . ففي كل مرة ، فإن ذلك التكريس يظل بالنسبة إلينا غامضا إلى حد ما . لقد قال ديودور الصقلي (Diodore de Sicile) بأن البعض من معاصريه يفكرون في فعل جنون ، أو غرور ؛ ويعتقد آخرون بأنه ينبغي على الأشخاص امتلاك إيمان أكثر إخلاصا بهدف استصغار من الموت إلى هذا الحد . لقد عبر ديودور الصقلي عن إعجابه ، بما أن ذلك المجهود الواعي يقود إلى الكمال . يستجيب ذلك الإجراء الذي يتم تحضيره بعناية إلى عقيدة الخلوة الروحية asramas) ( ، أعني مراحل الحياة . يتم إنجاز ذلك المجهود الديني الذي يتضمن مراحل أربع ، من قبل النساك ـ وليس البراهمة .

   لقد تمت الإشارة فعلا إلى أغنيبرافيزا ، في النصوص القديمة مثل الأوبانيشاد upanishads) ( وغوتاما بوذا ، وكذلك فقد أشار بعض المشرعين الهنود إلى طرق ال” موت الطوعي ” التي تنحصر في الصيام ، الأسلحة ، النار ، السم ، الماء ، الموت شنقا والقفز من على صخرة عالية ؛ وتشير قوانين مانو ( 6 ، 32 ) ، وعقيدة جينا ( مع البالاـ مرانا ) إلى نفس الإجراءات ، في حين أن المهافيرا ( المعلم الروحي ) تزكي الميتات البطيئة التي تحصل بواسطة الشنق أو الصيام . منذ الفترة ما بعد الفيدية ، فإن تلك الميتات الطوعية حرقا تسمح ببلوغ طور أعلى ، الدرجة السامية للناسك ، وقد قام إدسمان Edsman) ( بالتعليق على المصادر اليونانية والهندية للأغنيبرافيزا 9 .

    ففي شعيرة أغنيكايانا ، يقوم المضحي رمزيا أمام مذبح النار فينال الخلود 10 .

    وتبعا للريج ـ فيدا ، فإنه بإمكان الموتى أن يدفنوا أو يحرقوا ؛ ويتم إنقاذ المبدأ الروحي ـ أسو asu) ( أو مناس manas) ( ـ بصفة دائمة . ويبدو أن الشمس لم تكن إلا مكان عبور ، لأنه لبلوغ النيرفانا ، لابد من السير مرارا وتكرارا حتى السماء . وتقول الديانة السلتية بسبع مرات على أقل تقدير ، لأنه ثمة سبع سموات من أجل عبورها ، لكن بإمكان الإنسان أن يُسقط شعيرة عبور ما . تظهر تقمصات الأرواح المتلاحقة ـ سامسارا ـ وعقيدة الخلاص تلك في الأوبانيشاد .

    أحيانا ، لا يكون ترميد الجسد كافيا . فكل ما كان ينتمي إلى الميت ينبغي تدميره . الملابس تحرق ، وكل الأمور الشخصية . السائل البشري الذي يتخلل القماش ، الخشب ، الحديد ، الحجر ؛ ليس من المستحسن حمل آثار شخص ميت ، لأنه قد يجذب جزءا من سيلانه ، سيلان مؤذ . يعتقد شعب الإسكيمو أن الكوخ ذاته يكون ملوثا ، ما يجعله محفوفا بالمخاطر . كذلك فقد اعتاد الإينوا ، وهم سكان اليابان الأصليون ، وشعب البينواس في مالاكا وكافة شبه جزيرة مالايو على حرق بيت الميت  11 ؛ ويكتفي شعب الكاشين ببورما بمظهر خادع ؟ فيحرق البيت ، فإنه يتم إحباط الروح التي يستحيل التعرف عليها فترجع صوب قبرها ؛ وفي حالة العكس فإنها تتردد على مقر سكناها ، تسحر ذريتها ، تعقم النساء ، تقتل المحاصيل ؛ إنها تتصرف عن حسد أو كراهية . لقد لاحظ فرايزر أنه لم يعد يتم حرق البيوت في الوقت الحالي ، على أنه في حالة وجود شخص طاعن في السن ، يبنى له له كوخ وفيه يموت ؛ وهذا هو المسكن الذي يتم حرقه . وبإفريقيا ، أمريكا وفي الهند ، تحتفظ العديد من القبائل بعادة ترك البيت .

    أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بأن الجسد ينبغي دفنه ، وليس ترميده : ” لقد جئت من التراب وإليه تعود . ” وفي الواقع ، فإن الكنيسة الرومانية سوف تقوم   بترميد موتاها ؛ وسوف لن تتوقف تلك الممارسة إلا في بداية القرن الرابع الميلادي . ثمة تمييع بواسطة الدفن ، ثم إن الخلود ينتج عن تلك الدودة التي تتكاثر في الرماد 12  . إنها إذن سيرورة تغبير طبيعي ليس مفَعّلا . لكن فقد سبق لنا أن رأينا أن العديد من المسيحيين ماتوا على المحرقة ، وبعد التحول ، فقد استحقوا السماء .

لقد قام آباء الكنيسة بالتعليق على أسطورة العنقاء ؛ ونشير إلى أن من بينهم ترتليانوس Tertullien) ( 13  وغريغوريوس اللاهوتي ( وصايا من أجل العفيفات ) 14.

    احتفظ التقليد المسيحي لفترة من الزمن بنمط ترميد موتاه وقد صالح بين شعائره وشعائر الأديان الأكثر قدما ؛ تحول شهداؤه إلى شهداء مقدسين . إن تقديم تفسير لقصيدة دراكونتيوس Dracontius) ( ( حوالي 500 ) ، التي تعتبر ” ترنيمة ثناء على الخلق المدهش لله 15 : ” يعيد الله تجديد الشباب المثالي لطائر الفينيق ، بواسطة النار ، ثم إن الشيخ الذي يتم حرقه يخرج من قبره في كامل قواه . ” وفي وقت لاحق خصصت المحرقة للكفار ، الساحرات حيث كان يبدو أن الجسد مسكون بالشيطان ، تشكل النار المطهرة التي تعيد لهم طبيعتهم الأصلية ، معمودية مُخلّصة حقيقية .

    فيما مضى ، كان يتم وضع وعاء الماء المقدس أو البخور في النعش ؛ وقد تم العثور في مقبرة بمقاطعة بونتواز Pontoise) ( ، على مزهريات مزينة بالفحم في تابوت ، كما أنه تلك القبور يعود تاريخها إلى عام    1618 16 فقط .ويُقال أنه أثناء مراسم دفن كلود لسكاربوت Claude Lescarbotte) ( ، ببلدة غيزا ، ببيكارديا 17 ، ثلاثة عشر شابا سوف يقوم كل واحد منهم ب” حمل ، إلى جانب شعلة مضاءة بثلاثة أرباع من الشمع ، وعاء مع النار والبخور ” ؛ وكان يُلقى بتلك الأوعية في القبر .

    غالبا ما نلاحظ في الإيقونوغرافيا المنحوتة للنواويس تمثل مشاعل مقلوبة ؛ إنه اللهب الذي ينطفئ . كل تلك الرموز لن تبرز إلا الحياة الجسدية ، بما أننا لاحظنا أن كل الأديان  تتحدث أنه عبر الموت ، تتوصل الروح إلى اجتياح حياة أخرى . كما لاحظ ذلك القديس أوبير ، فبدلا من أن ينقلب اللهب كان عليه أن يسمو أكثر جمالا وأكثر حيوية . لكن فالحياة البشرية والأرضية هي التي تنطفئ في القبر . لابد ، في السياق ذاته ، من الإشارة إلى فوانيس الموتى التي عثرنا عليها في الغالب في إقليم بواتو ، بناحية أوفرنAuvergne) ( وبإقليم بروفانس . ففي قمة هذا الصرح الصغير ، فقد تم الاعتناء ب” ضوء ” متواصل الاشتعال ( غالبا انطلاقا من زيت المزار ) ، آخر تكريم يُقدم إلى الميت ، حيث النظرة تكون متجهة نحو الشرق ؛ وفي الليل ، فإن ذلك اللهب يحدث تذكيرا : على الأحياء التفكير في أجدادهم ؛ وتصدر شعيرة الموتى تلك ـ تكتسي أهمية بالغة   في اليوم التالي بعيد جميع القديسين ـ عن شعيرة ضاربة في القدم ، يمكن ملاحظتها جيدا لدى السلتيين والرومانيين .

    لقد شكل التحريق منذ فترة زمنية طويلة الشكل المفضل لطقوس الدفن . لقد واجهت المسيحية صعوبات جمة من أجل القضاء على هذه الشعيرة في ليتوانيا . ففي عام 1370 ، وصف البطريرك فيلوثيوس Philothée) ( الليتوانيين ب” عبدة النار ” . لا يزال هذا الشعب في القرن الرابع عشر يحافظ على النار المقدسة في غابات يتعذر ولوجها : إن إخماد ذلك اللهب السرمدي والمقدس كان سيعتبر علامة خطر . لقد تم الاحتفاظ بأرمدة موتاهم في فوانيس وجرة موضوعة في مأمن في قمة تلك الصروح الأثرية .

    لطالما تمت الإشارة إلى البخور أثناء تلك الشعائر . وتعتبر المبخرة ” وعاء مخصصا لنقل الروائح الأرضية الأكثر صفاء صوب السماء ، تلك الروائح التي عبر بساطتها أو عبر خلط مواد عطرية عديدة ، تخصص من قبل القداس الإلهي لتقديم صلوات القديسين في حضرة الإله ” . كتب الكسندر روهييه (Alexandre Rouhier)18 أنه في حضارة الإنكا ، ” يتم حرق نبتة الكوكا في معبد الشمس ، كبخور ، في تبخيرات طقوسية ، لاسيما في فترة  مراسم الانقلاب الشمسي ” . وكانت تلك الممارسة ” تسهم في مران الملكات الخارقة للعادة للقساوسة ” . تسمح النار للعطر بالانفصال عن المادة ؛ وينجم عن هذا الاحتراق تطهير وولادة الكائن . وطيلة ذلك الطقس ، يقرأ القس :

    نقدم لك ، رباه ، كأس الخلاص ملتمسين عطفك جعله يصعد مثل عطر طيب في حضرة جلالك الإلهي من أجل خلاصنا وخلاص العالم بأكمله ،

ثم مضيفا :

    لتسمو صلاتي ، رباه ، في حضرتك مثل دخان البخور ولتحفنا رحمتك . ليضيء الرب بداخلنا  نار محبته وشعلة الشفقة الأبدية 17 .

    تسهم نار العطور تحت تأثيرالنار ، في شعائر القربان المقدس .

وفيما يتعلق بالتضحيات البشرية عبر النار ، فإن الرمزية تنتمي أكثر إلى مفهوم التضحية منه من مفهوم النار ؛ غالبا ما تظل قيمة وقوة الدم وحدهما موضع شك ؛ الحياة تنجب الحياة ، يتوجب على الضحية القدرة على نقل قوتها الحية  إلى الموضوع ؛ ثمة تحول إذن . يجسد الإنسان الإله ، بناء على ذلك فهو مُضحّى به مثل إله . إنه العثور هناك على أصل خير الأساطير . لقد بلغت تلك الفكرة الأساسية ذروتها في المسيحية ، حيث افتدى دم يسوع أرجاس مجتمعنا . بإمكاننا القول ، بشكل أعم أن الدعوة تسفر عن التضحية بالنفس .

    ختاما ، إن الترميد هو طقس جنائزي ضارب في القدم ؛ تكشف لنا الهند من خلال تقليد إله النار الساطعة agnipravésa) (، المظهر المطهر للموقد . فعبر نار التضحية ، يتوصل الإنسان إلى حالة فضلى ، تفوز روحه بالخلود . علاوة على ذلك ، لابد من التوسع في بعض الشعائر الدينية .

ــ

1 ـ دور النار في الطقوس الجنائزية للإنسان الأحفوري .  

2 ـ أودان Audin) ( ، الأعياد الشمسية ، ص 123 .

3 ـ Julius Ruska ,Arabische Alchemisten,2,p.77.

4 ـ يعتبر ماكس مولر ( بحث حول الميثولوجيا المقارنة ) أن نص هيرودوت يشير إلى أن هرقل هو إله شمسي (ص 114 ) .

5 ـ Edsman ,Ignis Divinus,p.245.

6 ـ في كتاب بحوث أسيوية ( كلكوتا ، 1795 ) ، جزء 4 ، ص 209 إلى 219 .

7 ـ بحث حول الميثولوجيا المقارنة ، ص 45 إلى 50 . فضلا عن ذلك فقد أشار ماكس مولرإلى دراسة غريم Grimm) ( حول  تقاليد حرق الموتى ، مقال روث Roth) ( حول طقوس الدفن بالهند ومقال ولسون Wilson) ( :” السلطة الفيدية المزعومة التي يتم استحضارها لتبرير انتحار الأرامل . “

8 ـ المرأة في الهند ، ص 105 ـ 106 . قدم جاكوليو Jacolliot) ( معلومات ذات أهمية بالغة حول تضحيات تلك الأرامل .

9 ـ كتاب Ignis Divinus) ( ، ص 270 وما يليها .

10 ـ انظر الفصل 14 : ” حرارة سحرية ” .

11 ـ فرايزر ، رهبة الموتى في الديانة البدائية Geuthner)  ( ، 1937 .

12 ـ الفصل الثالث ، ص 31 .

13 ـ الفصل السابع .

14 ـ اقتبسه إدسمان من كتاب Ignis Divinus) ( ، ص 195 .

15 ـ إدسمان Ignis Divinus) ( ، ص 195 .

16 ـ الأب أوجيه Abbé Auger) ( ، تاريخ ونظرية الرموز الدينية ، 1 ، 199 .

17 ـ وصايا من 1610 إلى 1617 ( حوليات أثرية ) ، فصل 19 ، 279 . نقله الأب أوجيه ، 1 ، 200 .

18 ـ دكتور أ . روييه (Docteur A.Rouhier) ، النباتات التنجيمية ، باريس ، ج.دوان G.Doin) ( ، 1927 ، ص 10 .

19 ـ Liturgia) ( ، الأب إغران L’abbé Aigrin) ( ، 1935 .

مصدر النص : كتاب جان بيار بايار  (Jean-Pierre Bayard) رمزية النار La Symbolique du Feu) (  دار نشر فيغا Véga,2009

جان بيار بايار Jean-Pierre Bayard) ( حاصل على الدكتوراه في الأدب ، مهندس ومؤرخ ومؤلف فرنسي ، ازداد بتاريخ 7 فبراير 1920 ووافته المنية في 5 من شهر مارس 2008 . من مؤلفاته نذكر : رمزية النار ( دار نشر فيغا 2009 ) ، الماسونية 1986 ، الطلاسم سيكولوجية وتأثير الرموز الواقية ، روحانية الماسونية 2014 .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading