📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

ترميد جثث الموتى ، محارق وشعائر جنائزية :جان بيار بايار -ترجمة : الحسن علاج

صورة لرجال مسن يظهرون في إطار غير رسمي، مع تعبيرات وجه ودية.

    تساءل الإنسان ، في كل الأزمان عن أصوله ومصيره . وبالرغم من إيمانه بخلود الروح ، فإن الكائن البشري ظل قلقا أمام الموت ؛ إن الانفصال عن المشرق يظل في غير متناولنا .

    هل يمكن لقولة سينيكا مواساتنا ؟

       هل تريد معرفة ما ستكون عليه بعد الموت ؟

       هناك حيث كان البشر قبل ولادتهم .

    ومن ثم فإن الشعائر الجنائزية متعددة ومتنوعة . تقدم بعض مقابر العصر الحجري القديم الدليل عن نظام الترميد . لقد تم إنجاز حرق الجثث إذن في مرحلة عصر الحجرالمنحوت .اكتشف البروفيسور غورجانوفيتش كرامبيرغر (Gorjanovic-Kramberger) بمدينة كرابينا الكرواتية ، مجموعة من الطبقات متضمنة لمواقد تسعة أوقدها الإنسان ، فوق ترسبات ذات أصل نهري . وقد تم العثور في تلك الأرمدة على ما يقارب خمس مائة من البقايا البشرية . اكتشف كل من مم . مارسيل دو بويوت(MM.Marcel de Puydt) وماكس لوهيست (Max Lohest) بمغارة سباي Spy) ( هيكلين عظميين لإنسان نياندرتال يرقدان إلى جانب سرير من الفحم الخشبي . وكان المدفن مغطى بطبقة من الطين . ويشير بول فيرنيرت Paul Wernert) ( الذي أستعير منه تلك المعلومات 1 ، إلى مواقع أخرى حيث نعثر على أثر تلك ” النيران الطقوسية ” ؛ مثل ” مغارة الأطفال ” بمغارات باوسي روسيه (Baoussé-Roussé) بالقرب من مقاطعة مونتون Menton) ( ، حيث تستند جميع الهياكل العظمية على مواقد ، وفي تماس مع الأرمدة .

    مما لاشك فيه أن هذا هو مكان تقليد الموقد الجنائزي . يشير فيرنيرت إلى النار الطقسية لإنسان نياندرتال ، نار موقدة على رفات الميت ؛ ويعتقد المؤلف أن طقس الموقد الجنائزي بدأ في الانحدار في عصر الحجر المصقول ، على أن شعيرة التحريق تمت استعادتها في مرحلة الإنشاءات الحجرية الضخمة .

    وبالرغم من هذا التوثيق المستفيض والقيم ، فإنني لن أشاطر بول فيرنيرت رأيه عندما كتب بأن ” الموقد الجنائزي تم ابتكاره من أجل تدفئة الميت الذي كان يشعر بالبرد ” . إنه إنكار ملكة دقة الملاحظة لدى كائنات كانت تعيش في اتصال عميق مع الطبيعة . تقدم لنا لوحاتهم الجدارية بشكل كاف البرهان على رغبتهم في التحليل ويبدو لي أنه من غير المجدي التركيز على هذه النقطة . ينبغي النظر في إحراق الجثث من زاوية أخرى ، وربما وبكل بساطة يتعلق الأمر بإجراء وقائي . أفكر بشكل خاص في الخاصية السحرية ، في ممارسة سحرية مكرسة لطرد الأرواح الشريرة ؛ وقد يذهب تفكيري أيضا إلى تطهير ما : تصعد رائحة الجسد المحترق حتى الله ، يعطره البخور ويجعله رائعا عند الرب . سوف نعمل على تقصي هذه الرمزية في تقاليد حديثة عهد جدا .

    تعتبر مراسم دفن رهبان ميانمار مثيرة للانتباه لأنها تجعلنا نفهم معنى الشعيرة . يتم تغطية الجسد المحنط بالشمع ، أو بثوب أبيض ملمع ومغطى بأوراق مذهبة ، أحيانا تتم تغطيته فقط بثوب الراهب لونه أصفر . يتم وضع تلك المومياء في ساق شجرة مجوف ويتم وضع الكل في تابوت مزخرف بمشاهد من حياة بوذا . بعد أن يتم عرضه لتكريمه من قبل المؤمنين ، يُنقل الجثمان على عربة يمكن الجدال بخصوصها ـ وينتصب على منصة يعلوها سرادق ، يحترق المجموع كليا بالنار ، تُدفن العظام بالقرب من معبد . ولما يكون الراهب ذا صيت كبير ، فإن عظامه المسحوقة يتم خلطها بزيت الخشب ؛ وبدلك تلك العجينة ، فإنه يتم محاكاة بوذا وعرضها في ضريح .

    امتد هذا العرف الديني إلى الطقوس الدنيوية ، وتبعا لنوعية الميت ، فإن التحضيرات تكون ضخمة بصورة أو بأخرى . لقد أثر هذا العرف في أدب القرون الوسطى الفرنسية . يتم غمر الزوجة أو الأم ، في حمام نار تطهيري ، ثم إن موضوعة الحداد التي تحمل عنوان ” معلم كافة المعلمين ” ترمي إلى تجدد الفرد .

 إن المعتنق الجديد الذي يتم رميه في محرقة ما يخرج وقد تحول ـ ماديا ومعنويا .  ليست النار ، في شعيرة الترميد ، عنصرا قاتلا أو مخربا ، بل عنصرا يسمح بشعيرة التجدد .

    لقد كتب بعض المؤلفين أنه عبر تلك الإشارات الشعائرية ثمة محاولة لتحرير النفس من غشائها الجسدي . وتعمل الصلوات ذاتها على تقليص مخاوف المتوفى ، وتسهل توبته . دون إنكار القوة السحرية لصلوات الجنازة أو الطقس الديني من أصل سحري حيث يؤثر النفوذ على مراكز القوة ـ وبشكل خاص على الضفيرة الشمسية والروح ـ يدرك المرء بصعوبة أن عقل الإنسان يمكن أن يكون عبدا للمادة . لابد من أن يأخذ المرء في حسبانه أن كل شيء متضافر في الطبيعة وعلى عقلنا أن يتصدى من تلقاء نفسه لعيوب الجسد المادي .

    لا أعتقد أن التحريق كان هدفه هو إبطال كل صلة بين الميت والأرض . سوف يكون ذلك متعارضا مع هذا التقليد حيث يتم ترميد الجسد في الموقد العائلي : استمر الرماد في المساهمة في الحياة الجماعية وقد أشار أمابل أودان (Amable Audin) 2 إلى أن القدماء كانوا يحرقون موتاهم حتى يتمكنوا من نقل رمادهم هناك حيث كانوا يهاجرون . حتى يتسنى لهم احترام الغطاء الجسدي والسماح له بالبقاء على قيد الحياة . يسمح هذا التطهير ، طقس الموت والقيامة بواسطة النار ، ببلوغ حياة فضلى ، أثيرية .

وهكذا نتوصل إلى تصور الموت الطوعي على المحرقة ، شعيرة ترقى إلى دورة أسطورة طائر الفينيق .

 يخبرنا كل من بلينيوس الأكبر Pline L’Ancien) (، سولان وكوينتوكورينتوس (Solin)(Quinte-Curce)( تاريخ الإسكندر ) ، بأن الموت الطوعي حرقا قد مارسته شعوب مختلفة ؛ فقد تم اعتبار الموت بعد عمر مديد موتا مخزيا ثم إن النار قد تدنسها جثة ما .   

لذلك فإن المحرقة لن تستقبل إلا رجالا أحياء . أشار فيلو اليهودي إلى أن كبار السن أو المرضى الذين لا أمل في شفائهم يتم حرقهم ويتحدث المؤرخ أونيسكريت Onésicrite) ( ـ وهو معاصر للإسكندر ـ عن التقليد البرهماني . كما أن أتار Atar) ( ، إله النار في فارس القديمة ، يعتبر أن حرق لحم ميت يشكل شتيمة كبرى لمبدأ الحياة . ومع ذلك فقد قيل في كتاب وصايا جعفر الصادق 3 ، بأن الأبدان الميتة يتوجب تعذيبها بالنار . فلن يبلغ الجسد الحياة الأبدية بدون ألم . تنضم الفكرتان إلى بعضهما البعض ، لأن الجسد الميت ، في واقع الحال ، لن ينال بعد مزيدا من الألم ليستحق تلك النعمة العظمى . كما أن الخميائي يعمل على تشويه المعادن كي تنتقل إلى وضع جديد .

    كما أنه يتم اللجوء إلى المحرقة الجنائزية في أزمنة تفشي الأوبئة الكبرى ؛ فقد قام اليونان ، تبعا لملحمة الإلياذة ، بحرق موتاهم بسبب الطاعون (مجلد 2 ، أ ، 52 ) . على أنه غالبا ما يظل الترميد إسهاما في التطهير . فقد قال يوربيديس بأن جسد كليتيمنيسترا طهرته النار التي تحرر العنصر الإلهي وتخلد الموتى . إن حرق هرقل في محرقة أويتا ، وسيلا قد ساهما في ذلك البعث4 . تقود النار المادية إلى مادة نارية نحو النار الإلهية والسماوية عاملة على جعلها شبيهة بالطبيعة الأثيرية . تسهل تلك التضحية الوصول إلى الله ؛ إن الإنسان الذي تضربه صاعقة زيوس يتأله ، لأنه يُصاب بالإظهار وطاقة النار الإلهية . إن الفيثاغوريين والرواقيين والأفلاطونيين الجدد الذين كانوا يؤمنون بالخلود النجمي ، كانوا يقولون بأن إقامة الأرواح النارية كانت تنتشر حول القمر .

    أصبح ترميد الجثث معتادا بمدينة إليوسيس ؛ فتبعا لبيكار Picard) ( ، فإن هذا الطقس قد تم التخلي عنه بأسرع ما يكون ، إذ مما لاريب فيه أن دميتر Déméter) ( ، الأرض ـ الأم ، وحدها قادرة على منح الحياة . وبفضل الدفن فإن حياة أخرى تولد ؛ إن حبة القمح التي تنمو ، تنمو مجددا ثم تموت ، تصبح أساس تصورنا وعبادة الموتى . ومع ذلك ، ففي مدينة إليوسيس ، شأنها في ذلك شأن أصقاع أخرى عديدة ، ثمة موتى يموتون حرقا بالنار طوعا . وهكذا قفزت إيفادني Evadné) ( من أعلى قمة الححر الحزين في المحرقة المشتعلة من أجل زوجها كاباني Capanée) ( ؛ كان هذا الموقد من صنع زيوس (يوربيدس) . لقد شكل موت هرقل حرقا غاية في الرمزية أكثر من طقس يصدر عنه ثم الفيلسوف الكلبي بريغرانوس ” احترق حيا ، بهدف أن يحل إلى جوار هفايستوس والفاتح هرقل ، كما قال لوسيان ” 5 . لكن ابتداء من القرن الثاني ، فقد تم استبدال التحريق بالدفن .

    سوف نميز ، في الهند ، بين احتفالات أجنيكايانا agnicayana) ( ، أو ترميد الموتى ، وأغنيبرافيزا agnipravésa) ( ، وهوالموت الطوعي حرقا لشخص حي . يتم الترميد الطوعي في جو من المرح ، لأن هذا التكريس يقود إلى حياة أسمى . يمثل الإله شيفا جوهر التضحية ، دلالة الحياة والحقيقة . وإلى جانب أن شيفا يشكل مظهرا للدمار ، فهو أيضا يعتبر تجليا للخلق . وهو أيضا استعادة لأسطورة ال” موت والنشور ” ضمنيا ؛ وتقود مستويات القوة الثلاثة ، دمار ، محافظة ، خلق ، إلى مستويات ثلاثة من الاستنارة . لا ينبغي اعتبار هذا الفعل مثل انتحار يضع حدا للجانب المؤذ للحياة . ترفع ملحمة الرامايانا من شأن الموت الطوعي حرقا بنار سارابانغا Sarabhanga) ( وساباري Sabari) ( .

وعلى غرار كلانوس ، فإن طبقة البراهمة كبار السن ينتظرون الموت بدون خوف أو يصعدون المحرقة مبتهجين . لقد عرفنا بأن كل تلك الرموز الطقوسية تهدف إلى تحقيق الخلود .

   لم يعد ترميد الأرامل إشارة على خيبة الأمل ، بل غبطة مطلوبة . إنه ابتهاج ووسيلة للفوز بالحياة الأبدية ، وبإمكان هذا الفعل أن يصبح فعلا جماعيا : يظهر احتفال الساتراSattra) ( هذا في مدرسة الثايثيريةTaittiriya) ( . لقد احتفل كوليبروك Colebrooke)     ( بتضحية الأرامل في مؤلفه حول واجبات أرملة مخلصة 6 ، إلا أن ماكس مولر Max Muller) ( يعترض على هذا الانتقال من كتاب الترانيم الريج ـ فيدا Rig-Véda) ( ويزعم بأن تلك العادة لم تكن قائمة في الفترة البدائية لتاريخ الهند 7 ؛ خلافا لذلك فهو لم يكلف نفسه عناء البحث عم الذي يجعل استعمالا شبيها يتمكن من الحدوث ، حتى وإن كان الأمر يتعلق بخطأ في تفسير النص . لقد تم تغيير جملة ” الأمهات هن الأوائل من يستطعن الصعود إلى الهيكل ” إلى ” النساء هن الأوائل اللواتي يكون بإمكانهن الصعود إلى لهب النار ” ، وذلك بتغيير عبارتي ” yonim agre) ( إلى yonim agneh) ( ، وتعبر agneh) ( عن النار ويونيم yonim) ( عن اللهب . وفي كتابه المرأة في الهند 8 ، قام لويس جاكوليوت Louis Jacolliot) ( باستنساخ نفس الأفكار بخصوص تلك ” العقيدة المتوحشة ” .

    تبعا لأغنبرافيزا تكون روح رجل ما يتمتع بصحة جيدة أقوى من روح  رجل واهن القوة ؛ فمن أجل نيل السماء في ظروف جيدة ، يدرك المرء أنه من الأفضل أن يموت بصحة كاملة ، سواء أثناء معركة ـ وهو ما يفسر انفصال المحارب الذي يسعى إلى الموت باعتباره توابا إلهيا ـ أو أثناء احتفال شعائري . ففي كل مرة ، فإن ذلك التكريس يظل بالنسبة إلينا غامضا إلى حد ما . لقد قال ديودور الصقلي (Diodore de Sicile) بأن البعض من معاصريه يفكرون في فعل جنون ، أو غرور ؛ ويعتقد آخرون بأنه ينبغي على الأشخاص امتلاك إيمان أكثر إخلاصا بهدف استصغار من الموت إلى هذا الحد . لقد عبر ديودور الصقلي عن إعجابه ، بما أن ذلك المجهود الواعي يقود إلى الكمال . يستجيب ذلك الإجراء الذي يتم تحضيره بعناية إلى عقيدة الخلوة الروحية asramas) ( ، أعني مراحل الحياة . يتم إنجاز ذلك المجهود الديني الذي يتضمن مراحل أربع ، من قبل النساك ـ وليس البراهمة .

   لقد تمت الإشارة فعلا إلى أغنيبرافيزا ، في النصوص القديمة مثل الأوبانيشاد upanishads) ( وغوتاما بوذا ، وكذلك فقد أشار بعض المشرعين الهنود إلى طرق ال” موت الطوعي ” التي تنحصر في الصيام ، الأسلحة ، النار ، السم ، الماء ، الموت شنقا والقفز من على صخرة عالية ؛ وتشير قوانين مانو ( 6 ، 32 ) ، وعقيدة جينا ( مع البالاـ مرانا ) إلى نفس الإجراءات ، في حين أن المهافيرا ( المعلم الروحي ) تزكي الميتات البطيئة التي تحصل بواسطة الشنق أو الصيام . منذ الفترة ما بعد الفيدية ، فإن تلك الميتات الطوعية حرقا تسمح ببلوغ طور أعلى ، الدرجة السامية للناسك ، وقد قام إدسمان Edsman) ( بالتعليق على المصادر اليونانية والهندية للأغنيبرافيزا 9 .

    ففي شعيرة أغنيكايانا ، يقوم المضحي رمزيا أمام مذبح النار فينال الخلود 10 .

    وتبعا للريج ـ فيدا ، فإنه بإمكان الموتى أن يدفنوا أو يحرقوا ؛ ويتم إنقاذ المبدأ الروحي ـ أسو asu) ( أو مناس manas) ( ـ بصفة دائمة . ويبدو أن الشمس لم تكن إلا مكان عبور ، لأنه لبلوغ النيرفانا ، لابد من السير مرارا وتكرارا حتى السماء . وتقول الديانة السلتية بسبع مرات على أقل تقدير ، لأنه ثمة سبع سموات من أجل عبورها ، لكن بإمكان الإنسان أن يُسقط شعيرة عبور ما . تظهر تقمصات الأرواح المتلاحقة ـ سامسارا ـ وعقيدة الخلاص تلك في الأوبانيشاد .

    أحيانا ، لا يكون ترميد الجسد كافيا . فكل ما كان ينتمي إلى الميت ينبغي تدميره . الملابس تحرق ، وكل الأمور الشخصية . السائل البشري الذي يتخلل القماش ، الخشب ، الحديد ، الحجر ؛ ليس من المستحسن حمل آثار شخص ميت ، لأنه قد يجذب جزءا من سيلانه ، سيلان مؤذ . يعتقد شعب الإسكيمو أن الكوخ ذاته يكون ملوثا ، ما يجعله محفوفا بالمخاطر . كذلك فقد اعتاد الإينوا ، وهم سكان اليابان الأصليون ، وشعب البينواس في مالاكا وكافة شبه جزيرة مالايو على حرق بيت الميت  11 ؛ ويكتفي شعب الكاشين ببورما بمظهر خادع ؟ فيحرق البيت ، فإنه يتم إحباط الروح التي يستحيل التعرف عليها فترجع صوب قبرها ؛ وفي حالة العكس فإنها تتردد على مقر سكناها ، تسحر ذريتها ، تعقم النساء ، تقتل المحاصيل ؛ إنها تتصرف عن حسد أو كراهية . لقد لاحظ فرايزر أنه لم يعد يتم حرق البيوت في الوقت الحالي ، على أنه في حالة وجود شخص طاعن في السن ، يبنى له له كوخ وفيه يموت ؛ وهذا هو المسكن الذي يتم حرقه . وبإفريقيا ، أمريكا وفي الهند ، تحتفظ العديد من القبائل بعادة ترك البيت .

    أعلنت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بأن الجسد ينبغي دفنه ، وليس ترميده : ” لقد جئت من التراب وإليه تعود . ” وفي الواقع ، فإن الكنيسة الرومانية سوف تقوم   بترميد موتاها ؛ وسوف لن تتوقف تلك الممارسة إلا في بداية القرن الرابع الميلادي . ثمة تمييع بواسطة الدفن ، ثم إن الخلود ينتج عن تلك الدودة التي تتكاثر في الرماد 12  . إنها إذن سيرورة تغبير طبيعي ليس مفَعّلا . لكن فقد سبق لنا أن رأينا أن العديد من المسيحيين ماتوا على المحرقة ، وبعد التحول ، فقد استحقوا السماء .

لقد قام آباء الكنيسة بالتعليق على أسطورة العنقاء ؛ ونشير إلى أن من بينهم ترتليانوس Tertullien) ( 13  وغريغوريوس اللاهوتي ( وصايا من أجل العفيفات ) 14.

    احتفظ التقليد المسيحي لفترة من الزمن بنمط ترميد موتاه وقد صالح بين شعائره وشعائر الأديان الأكثر قدما ؛ تحول شهداؤه إلى شهداء مقدسين . إن تقديم تفسير لقصيدة دراكونتيوس Dracontius) ( ( حوالي 500 ) ، التي تعتبر ” ترنيمة ثناء على الخلق المدهش لله 15 : ” يعيد الله تجديد الشباب المثالي لطائر الفينيق ، بواسطة النار ، ثم إن الشيخ الذي يتم حرقه يخرج من قبره في كامل قواه . ” وفي وقت لاحق خصصت المحرقة للكفار ، الساحرات حيث كان يبدو أن الجسد مسكون بالشيطان ، تشكل النار المطهرة التي تعيد لهم طبيعتهم الأصلية ، معمودية مُخلّصة حقيقية .

    فيما مضى ، كان يتم وضع وعاء الماء المقدس أو البخور في النعش ؛ وقد تم العثور في مقبرة بمقاطعة بونتواز Pontoise) ( ، على مزهريات مزينة بالفحم في تابوت ، كما أنه تلك القبور يعود تاريخها إلى عام    1618 16 فقط .ويُقال أنه أثناء مراسم دفن كلود لسكاربوت Claude Lescarbotte) ( ، ببلدة غيزا ، ببيكارديا 17 ، ثلاثة عشر شابا سوف يقوم كل واحد منهم ب” حمل ، إلى جانب شعلة مضاءة بثلاثة أرباع من الشمع ، وعاء مع النار والبخور ” ؛ وكان يُلقى بتلك الأوعية في القبر .

    غالبا ما نلاحظ في الإيقونوغرافيا المنحوتة للنواويس تمثل مشاعل مقلوبة ؛ إنه اللهب الذي ينطفئ . كل تلك الرموز لن تبرز إلا الحياة الجسدية ، بما أننا لاحظنا أن كل الأديان  تتحدث أنه عبر الموت ، تتوصل الروح إلى اجتياح حياة أخرى . كما لاحظ ذلك القديس أوبير ، فبدلا من أن ينقلب اللهب كان عليه أن يسمو أكثر جمالا وأكثر حيوية . لكن فالحياة البشرية والأرضية هي التي تنطفئ في القبر . لابد ، في السياق ذاته ، من الإشارة إلى فوانيس الموتى التي عثرنا عليها في الغالب في إقليم بواتو ، بناحية أوفرنAuvergne) ( وبإقليم بروفانس . ففي قمة هذا الصرح الصغير ، فقد تم الاعتناء ب” ضوء ” متواصل الاشتعال ( غالبا انطلاقا من زيت المزار ) ، آخر تكريم يُقدم إلى الميت ، حيث النظرة تكون متجهة نحو الشرق ؛ وفي الليل ، فإن ذلك اللهب يحدث تذكيرا : على الأحياء التفكير في أجدادهم ؛ وتصدر شعيرة الموتى تلك ـ تكتسي أهمية بالغة   في اليوم التالي بعيد جميع القديسين ـ عن شعيرة ضاربة في القدم ، يمكن ملاحظتها جيدا لدى السلتيين والرومانيين .

    لقد شكل التحريق منذ فترة زمنية طويلة الشكل المفضل لطقوس الدفن . لقد واجهت المسيحية صعوبات جمة من أجل القضاء على هذه الشعيرة في ليتوانيا . ففي عام 1370 ، وصف البطريرك فيلوثيوس Philothée) ( الليتوانيين ب” عبدة النار ” . لا يزال هذا الشعب في القرن الرابع عشر يحافظ على النار المقدسة في غابات يتعذر ولوجها : إن إخماد ذلك اللهب السرمدي والمقدس كان سيعتبر علامة خطر . لقد تم الاحتفاظ بأرمدة موتاهم في فوانيس وجرة موضوعة في مأمن في قمة تلك الصروح الأثرية .

    لطالما تمت الإشارة إلى البخور أثناء تلك الشعائر . وتعتبر المبخرة ” وعاء مخصصا لنقل الروائح الأرضية الأكثر صفاء صوب السماء ، تلك الروائح التي عبر بساطتها أو عبر خلط مواد عطرية عديدة ، تخصص من قبل القداس الإلهي لتقديم صلوات القديسين في حضرة الإله ” . كتب الكسندر روهييه (Alexandre Rouhier)18 أنه في حضارة الإنكا ، ” يتم حرق نبتة الكوكا في معبد الشمس ، كبخور ، في تبخيرات طقوسية ، لاسيما في فترة  مراسم الانقلاب الشمسي ” . وكانت تلك الممارسة ” تسهم في مران الملكات الخارقة للعادة للقساوسة ” . تسمح النار للعطر بالانفصال عن المادة ؛ وينجم عن هذا الاحتراق تطهير وولادة الكائن . وطيلة ذلك الطقس ، يقرأ القس :

    نقدم لك ، رباه ، كأس الخلاص ملتمسين عطفك جعله يصعد مثل عطر طيب في حضرة جلالك الإلهي من أجل خلاصنا وخلاص العالم بأكمله ،

ثم مضيفا :

    لتسمو صلاتي ، رباه ، في حضرتك مثل دخان البخور ولتحفنا رحمتك . ليضيء الرب بداخلنا  نار محبته وشعلة الشفقة الأبدية 17 .

    تسهم نار العطور تحت تأثيرالنار ، في شعائر القربان المقدس .

وفيما يتعلق بالتضحيات البشرية عبر النار ، فإن الرمزية تنتمي أكثر إلى مفهوم التضحية منه من مفهوم النار ؛ غالبا ما تظل قيمة وقوة الدم وحدهما موضع شك ؛ الحياة تنجب الحياة ، يتوجب على الضحية القدرة على نقل قوتها الحية  إلى الموضوع ؛ ثمة تحول إذن . يجسد الإنسان الإله ، بناء على ذلك فهو مُضحّى به مثل إله . إنه العثور هناك على أصل خير الأساطير . لقد بلغت تلك الفكرة الأساسية ذروتها في المسيحية ، حيث افتدى دم يسوع أرجاس مجتمعنا . بإمكاننا القول ، بشكل أعم أن الدعوة تسفر عن التضحية بالنفس .

    ختاما ، إن الترميد هو طقس جنائزي ضارب في القدم ؛ تكشف لنا الهند من خلال تقليد إله النار الساطعة agnipravésa) (، المظهر المطهر للموقد . فعبر نار التضحية ، يتوصل الإنسان إلى حالة فضلى ، تفوز روحه بالخلود . علاوة على ذلك ، لابد من التوسع في بعض الشعائر الدينية .

ــ

1 ـ دور النار في الطقوس الجنائزية للإنسان الأحفوري .  

2 ـ أودان Audin) ( ، الأعياد الشمسية ، ص 123 .

3 ـ Julius Ruska ,Arabische Alchemisten,2,p.77.

4 ـ يعتبر ماكس مولر ( بحث حول الميثولوجيا المقارنة ) أن نص هيرودوت يشير إلى أن هرقل هو إله شمسي (ص 114 ) .

5 ـ Edsman ,Ignis Divinus,p.245.

6 ـ في كتاب بحوث أسيوية ( كلكوتا ، 1795 ) ، جزء 4 ، ص 209 إلى 219 .

7 ـ بحث حول الميثولوجيا المقارنة ، ص 45 إلى 50 . فضلا عن ذلك فقد أشار ماكس مولرإلى دراسة غريم Grimm) ( حول  تقاليد حرق الموتى ، مقال روث Roth) ( حول طقوس الدفن بالهند ومقال ولسون Wilson) ( :” السلطة الفيدية المزعومة التي يتم استحضارها لتبرير انتحار الأرامل . “

8 ـ المرأة في الهند ، ص 105 ـ 106 . قدم جاكوليو Jacolliot) ( معلومات ذات أهمية بالغة حول تضحيات تلك الأرامل .

9 ـ كتاب Ignis Divinus) ( ، ص 270 وما يليها .

10 ـ انظر الفصل 14 : ” حرارة سحرية ” .

11 ـ فرايزر ، رهبة الموتى في الديانة البدائية Geuthner)  ( ، 1937 .

12 ـ الفصل الثالث ، ص 31 .

13 ـ الفصل السابع .

14 ـ اقتبسه إدسمان من كتاب Ignis Divinus) ( ، ص 195 .

15 ـ إدسمان Ignis Divinus) ( ، ص 195 .

16 ـ الأب أوجيه Abbé Auger) ( ، تاريخ ونظرية الرموز الدينية ، 1 ، 199 .

17 ـ وصايا من 1610 إلى 1617 ( حوليات أثرية ) ، فصل 19 ، 279 . نقله الأب أوجيه ، 1 ، 200 .

18 ـ دكتور أ . روييه (Docteur A.Rouhier) ، النباتات التنجيمية ، باريس ، ج.دوان G.Doin) ( ، 1927 ، ص 10 .

19 ـ Liturgia) ( ، الأب إغران L’abbé Aigrin) ( ، 1935 .

مصدر النص : كتاب جان بيار بايار  (Jean-Pierre Bayard) رمزية النار La Symbolique du Feu) (  دار نشر فيغا Véga,2009

جان بيار بايار Jean-Pierre Bayard) ( حاصل على الدكتوراه في الأدب ، مهندس ومؤرخ ومؤلف فرنسي ، ازداد بتاريخ 7 فبراير 1920 ووافته المنية في 5 من شهر مارس 2008 . من مؤلفاته نذكر : رمزية النار ( دار نشر فيغا 2009 ) ، الماسونية 1986 ، الطلاسم سيكولوجية وتأثير الرموز الواقية ، روحانية الماسونية 2014 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة