ترنيمة المرايا المنكسرة ونشيد البحر الأزلي / أ.حسناوي سيلمي

ثمة ليلٌ يأتيك لا يشبه ليل الآخرين؛ ليلٌ لا تولد فيه العتمة بل تولد فيه البصيرة. في ذلك الليل، تقف أمام مرآتك القديمة، فلا ترى الوجوه التي استوطنت ملامحك زمناً وذهبت، بل ترى لأول مرة وجهك أنت.. عارياً، عميقاً، ومكتفياً. هناك، على عتبة ذلك الصمت، يغادرك رعب الفقد الفاني، ويحل محله خوفٌ مقدّس: الخوف من تبديد النور الكامن فيك.لقد كنتَ في غابر الأيام مثل شاطئٍ بائس، يفرش رماله لكل موجة عابرة، ويرتعد خوفاً من جَزر البحر الذي يأخذ معه الأصداف والخطى.
كنتَ تظن أن هويتك تكتمل باحتشاد السفن حولك، ولو كانت تحمل حطاماً. كنتَ تخشى أن تنكسر المرآة فيضيع انعكاس الآخرين في عينيك.أما الآن، فقد أصبحتَ أنت البحر؛ عميقاً، غامضاً، لا يضيره مَن أرسى على شواطئه ومَن أَبحر بعيداً عنه.في محراب هذا الشفاء الشاهق، انكسرت المرآة التي كنتَ تستجدي منها ملامحك في عيون العابرين، وصارت قطعاً من الفضة لا تعكس إلا السماء. لم يعد الرعب أن يهجرك النورس، بل الرعب الأكبر أن يمر هذا الليل الطويل دون أن تصطاد روحك نجمةً بكرًا، أو فكرةً تمخر عباب وعيك. بات يخيفك أن يقتطع الآخرون من مادتك الخام—من مياهك العميقة—ليصنعوا منها بركاً راكدة للنقاشات العابرة، ولغو الحديث الذي لا يحمل ملح الحقيقة ولا لؤلؤ الحكمة.
الخوف الآن هو أن تسرق المجاملات الباردة عُمرك، أن يتسللوا إلى ليلك كصوصِ الوقت، فيطفئوا قنديلك الفريد ليوقدوا شموعاً صغيرة لثرثراتهم اليومية. تخاف على دقائقك الهاربة كحبات رملٍ تسقط من أصابعك في يمّ النسيان دون أن تترك أثراً في سفر الخلود.هذا الذهول الجديد، هذا الشحّ الشديد بوقتك وفكرك، هو “الشفاء الفلسفي الأسمى”. إنه يعني أنك أدركتَ أخيرًا أن العزلة ليست سجناً، بل هي المحيط الشاسع الذي يبتلع ضوضاء العالم ليمنحك هدوء الأعماق. لقد شُفيتَ تماماً من تَقديس الحضور المزيف، وعرفتَ أن خسارة العالم بأكمله في سبيل صون ساعة واحدة من التدبر الصافي، هي النجاة الوحيدة من الغرق.



