للإحتياط/الدكتورة فاطمة الديبي

أيامٌ ويحلّ عيد الأضحى، والبيت يغلي بالحركة. كان وجه الحاج أحمد واحة من السكينة لا يعكرها ضيق ولا يلوح عليها تذمّر؛ يتنقّل بين أركان البيت بخفة، يوزع الابتسامات والكلمات المشجعة.
انطلقت طقوس التنظيف السنوية قبل العيد بأسبوع، لتحول البيت إلى خلية نحل بعد أن قسمت أم محمد الأدوار بحزم؛ تكفلت غيثة بغسل الزرابي في السطح تجر الممسحة بنشاط، وانشغل التوأم (أنس وأمين) بنقل أواني النحاس والأثاث الثقيل، بينما كانت كنزة الصغيرة تمسح الغبار كالفراشة. وفي المطبخ، فاح سحر آخر؛ حيث تشرف الأم مع المهدي ومحمد على إعداد “كعب الغزال” وغْريْبة البَهْلة المعبقة برائحة ماء الزهر والمسكة الحرة. كان الحاج أحمد يمر بينهم في رداء منزلي خفيف، يدخل ليذوق أول حلوى تخرج من الفرن ويقول: «تبارك الله»، فتنتعش وجوههم بالرضا.
وفي منتصف ذلك الأسبوع نفسه، وامتثالاً لرغبته في تفادي الازدحام، قصدت العائلة السوق لشراء الملابس قبل العيد. في المحل، انتشر الأولاد كالعادة؛ والتوأم يتسابقان بين الأروقة بضحكات عالية، والمهدي يقلّب الأحذية بتؤدة، والأم توجّه وترشد، بينما يتهادى الحاج أحمد في الخلف يرقبهم بغبطة. حين جاءته غيثة تمسك فستاناً تسأله بعينيها، قال: «اختاري ما يناسبك». وحين وقف محمد أمام جلباب رمادي فاخر وأعاده مكانه صامتاً، اقترب منه الحاج أحمد وقال بهدوء: «خذه، فقد رأيتك تقف أمامه طويلاً». أما كنزة، فقد انتظرها بأناة حتى استقرّت على فستان وردي ذي شريط أنيق، ليومئ للبائع بجدية أب حانٍ: «هذا هو».
قبل العيد بأربعة أيام، استيقظ الحاج أحمد قبل الفجر على مهل، وقصد سوق الأغنام. مشى بين الحظائر بخطوات رجلٍ يتأمّل، حتى وجد خروفه في الحظيرة الثالثة؛ أبيض الجسد، واسع الصدر، عالي القامة، مع وجود هالة من السواد تحيط بالعينين والفم ونهاية الأذنين وأسفل الأرجل.. إنه “الصٌردي” الفاخر الذي يليق بلمّة عائلته. وبعد تفاوض هادئ تخلله كوب شاي بالنعناع مع البائع، صافح كلٌّ منهما الآخر بيدٍ راضية.
لم تكن المؤونة تُشترى دفعةً واحدة، بل على مهل. أحضر مستلزمات المروزية، وزيت الزيتون، والكمون البلدي، والكزبرة اليابسة، والفلفل الحار المجفف، والثوم، والقرفة، إضافة إلى باقي البهارات من فلفل أسود، وزنجبيل، وفلفل أحمر، وكركم، فضلاً عن البرقوق واللوز. وفي اليوم الأخير، انتقى الفاكهة بيده من السوق الشعبي بحرص. وكان آخر ما اشتراه دزينتان من قضبان الشواء الجديدة.
«للاحتياط»، قال لنفسه بصوت خفيض.
جلس الحاج أحمد بعد العشاء “وسط الدار”، يشرب شايه ببطء. نظر إلى أضواء البيت، وسمع ضحكات الأولاد تتصاعد، فتبدّد سكون البيت. مرّت في ذهنه، مرور البرق، صورة الممر المظلم في ذلك البيت الصامت؛ طفلٌ يترقب وقع خطوات لا تأتي؛ لا رائحة تعبق، ولا ثوب جديد ينتظره.
أغمض عينيه برهة، واستنشق هواء الليل المعبق برائحة ماء الزهر والنظافة، ثم فتح عينيه على زحام النعمة حوله. أخذ دزينتي قضبان الشواء الجديدة، ووضعها برفق إلى جانب التجهيزات الأخرى، ثم ابتسم في هدوء، وهو ينظر إليها.
غداً لن ينام الموقد.



