المهر بين الرمزية المختلفة والتعجيز الاناني للزواج: قراءة انتربولوجية في اختلال القيم الاجتماعية- ا.د حمام محمد

حين يقدِّم أهلُ العريس لأهل العروس مبلغًا ماليًا، فإن هذا الفعل في أصله لا يخرج عن كونه تعبيرًا رمزيًا يُعرف بالمهر أو الشرط، غير أنّ هذا المعنى الرمزي قد تحوّل – في كثير من الممارسات المعاصرة – تحوّلًا مفاجئًا أفقده حقيقته الجوهرية، وجرّده من دلالته الإنسانية والاجتماعية. لقد نسي الممارسون لهذا التقليد أنّ المقصود منه ليس تثمين المرأة بمعناها المادي، وإنما هو في أصله مساهمة في تحمّل مصاريفها وتكريم لها، لا أكثر.
إنّ هذا الشرط، في حقيقته الأولى، كان يهدف إلى تغطية ما يخصّ العروس من نفقات منذ اللحظة التي يتقدّم فيها أهل العريس إلى بيتها، باعتباره نوعًا من الاستيفاء المعنوي للجهود التي بُذلت في تربيتها وإعدادها. غير أنّ الواقع الاجتماعي اليوم يشهد تحوّلًا خطيرًا، حيث أصبح كل ما يتعلّق بالزواج مشروطًا بقيمة مادية، وكأنّ العادات الصامتة قد تنازلت عن معناها الأصلي، لتُختزل في فكرة الثمن لا غير، رغم أنّ الضمير الاجتماعي يرفض ذلك ضمنيًا، لكنه يسكت تحت مبدأ: “الكل آمن والكل عارف”.
وقد أخذ هذا الشرط في التوسّع محليًا، حتى غلبت فيه بعض المناطق على غيرها، ولا يُدرى إلى أين سيفضي هذا المسار مستقبلًا. بل إنّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنّ العروس التي تُكلّف ميزانية ضخمة قد لا يدوم استقرارها في بيت الزوجية إلا أيامًا معدودة، تعيش خلالها نكدًا واغترابًا، وكأنّ هذا البذخ لم يكن ضمانًا لنجاح العلاقة الزوجية.
إنّ مفهوم الشرط في ذاته يدلّ على الحدّ الفاصل بين القبول والرفض، بين المرور أو عدمه، وهو ما يجعل منه قيمة مادية متّفقًا عليها اجتماعيًا، تختلف باختلاف الأزمنة والمناطق. غير أنّ الإشكال يكمن في تحوّله إلى عائق حقيقي أمام الزواج، بل إلى أداة تعجيز تُضيّق على الشباب، وتُسهم في تفشي ظاهرة العنوسة، بدل أن تكون وسيلة تيسير.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ المبالغ المشروطة في الوقت الراهن تمثّل نوعًا من الإسراف، إن لم نقل تعجيزًا صريحًا، وهو ما يخالف التوجيه الديني الواضح؛ إذ يقول النبي ﷺ: «أعظمُ النكاحِ بركةً أيسرُه مؤونةً». كما يقول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: 32]، في دعوة صريحة إلى التيسير لا التعسير.
والمفارقة أنّنا نجد في مجتمعات مجاورة، بل وحتى في أسر قريبة، من يكتفي بالرمزية في المهر، فتكون النتيجة زواجًا أكثر استقرارًا، وربما أجمل من غيره، مما يدلّ على أنّ الجمال أو القيمة الإنسانية لا تُقاس بالمبالغ المالية، بل بحسن الاختيار وصفاء النية.
إنّ تعطيل حياة الشباب عبر ابتكار آليات التعجيز في الزواج يعكس خللًا قيميًا، تختلط فيه الأنانية بالمغالاة، ويُراد من خلاله تعويض نقص اجتماعي أو تحقيق مكانة وهمية. وهو في حقيقته نتاج لتقاليد مستحدثة داخل الأسرة، ناتجة عن أمراض الاستلاب الحضاري والتقليد الأعمى.
ومن منظور أنثروبولوجي، فإنّ هذه الظاهرة ليست معزولة، بل ترتبط بعوامل أخرى كالبطالة والهجرة والسعي المحموم لجمع المال، وكلّ ذلك من أجل مقاومة هذا الشرط المجحف، الذي يكاد يُحوّل الزواج إلى صفقة، تُباع فيها المرأة للرجل، ويُغفل في ذلك أنّ هذا الرجل هو بدوره ابن أسرة طالما انتظرت لحظة استقراره.
إنّ جذور المشكلة تكمن في تعنّت الأسرتين، وما يترتب عنه من تأخّر في سنّ الزواج لسنوات طويلة، مما يؤدي إلى انتشارٍ شبه منظّم للعنوسة، وإلى تفشي آفات اجتماعية متعدّدة، تنشأ أساسًا من التغاضي عن مصلحة الشباب المقبلين على الزواج.
وفي ضوء ذلك، يصبح من الضروري إعادة النظر في هذه الممارسات، والعودة إلى جوهر القيم التي تقوم على التيسير، والوعي بأنّ الزواج ليس ميدانًا للمباهاة، بل مؤسسة إنسانية تقوم على السكينة والمودة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].



