من أوراق أبي الطيب المتنبي – جمع وتحقيق محمد جبريل
الفرار من العبد الأسود اختياري الوحيد.٧٠ البحث عن طريق العودة في عصي المنافذ والدروب. البصاصون والأرصاد والجواسيس في كل مكان. خطواتي محسوبة، وآثاري مترسمة، وأنفاسي كأنها قد سجلت في دفاترهم. شملني ما انتظم الأهالي؛ الفحص عن أحوالهم، والاستقصاء لأخبارهم. عيون السيابي وأرصاده يُنبئونه بكل شيء، والجواسيس يتفنَّنون للوصول إلى ما يريدون معرفته، حتى لو كان في داخل البيوت والحجرات المغلقة. قال: لو استطعت أن أراقب قلوب الناس، لفعلت. حتى النساء اللائي يعملْنَ في البيوت أو يبعْنَ ما تحتاجه العوائل من السلع، دفعهن إلى التجسس على أحوال الناس، وإبلاغ أعوانه بما يدور داخل الجدران. حتى التعليقات العفوية، قد تضمر وراءها نياتٍ خبيثة، فهي تنقل إلى الأعوان كما قيلت. يتدبَّرون معانيها ودلالاتها، يتعرفون إلى جوانب البراءة والدناءة، ما ينبغي تفويته وما يستحق المؤاخذة والعقاب.
ربما أخذ السيابي بالظِّنَّة، ساوى بين البريء والمدان، أجرى الغدر والظلم والبطش، فباتت تلك صورة سياسته. أسرف في ألوان التعذيب والتقتيل، كالتوسيط بالسيف نصفَين، والقطع نصفَين، والإجلاس على الخازوق، والتمزيق، وقطع الأيدي والأرجل واللسان، والصلب، والحرق، والتغريق في النيل، والتسمير على لعبة من الخشب والسلخ والعصر بالمعصرة، ونعل القدمَين بالحديد كما تنعل الخيل، والتسعيط بالماء والملح والخل والجير، والضرب بالمقرعة أو السوط أو العصا على الرأس أو القدمَين، وقلع الأضراس ودقها في الرأس، وإلباس الرأس خوذة محمية، والشوي بالنار، والدفن في التراب حيًّا، وكحل العينين بالنار، وتعليق اليدين، وربط القدمين بأثقال حتى تنخلع الأعضاء، ويموت السجين.
•••
استأذنت في لقاء المخصي: أزمعت — بعد موافقتكم — أن أخرج إلى الرملة.٧١
قال: خيرًا؟
وأنا أظهر التذلل: أقضي مالًا كتب لي به.
أشاح بيده: نحن نوجه من يقضيه لك.
قلت: ليتني أقضيه بنفسي.
بدل حركة يده. واصل هزها في الهواء: أقسمت عليك ألا تخرج.
أضاف بلهجةٍ مترفقة: أريدك أن تظل بيننا.
٢٢٥−٢٢٦
جاءني سمول الإخشيدي قائد العسكر. تبعه مشاعلي يحمل رأسًا على رأس رمح. كانت الأنباء قد سبقت وصول الرأس، صاحبها شبيب بن جرير العقيلي، والي معرة النعمان، أراد أن يقتطع الشام من حكم الإخشيديين، فهاجم دمشق بقوات. كاد يحقق ما انتوى، لولا السم الذي دس له في الطعام. سرى تأثيره في أثناء القتال، فسقط عن فرسه، وتشرذم — بالتالي — جنوده.
أعاد قائد العسكر روايات، تباينت — أعلم بكذبها — عن مقتل العقيلي: امرأة من دمشق رمته من حالق بحجر رحًى. تعثر جواده، فسقط ميتًا. كتفه كسرت، فبدأ هجومه قبل تمام الشفاء، فوقع حتف أنفه. قتله الصرع لإدمانه الشرب.
كنت أعلم بكذب كل الروايات، الرواية الصحيحة الوحيدة، هي ما أنبأني به القادمون من الشام: قتل شبيب غيلةً وغدرًا. رثيت العقيلي، ولم أهنِّئ الأسود:
عدوك مذموم بكل لسانِ
ولو كان من أعدائك القمرانِ
ولله سر في عُلاك، وإنما
كلام العِدَى ضرب من الهذيانِ
أتلتمس الأعداءُ بعد الذي رأتْ
قيامَ دليل أو وضوح بيانِ
رأت كل من ينوي لك الغدرَ يُبتلى
بغدر حياة أو بغدر زمانِ
برغم شبيب فارق السيف كفه
وكانا على العلات يصطحبانِ
كأن رقاب الناس قالت لسيفه
رفيقك قيسي وأنت يماني
فإن يك إنسانًا مضى لسبيله
فإن المنايا غاية الحيوانِ
وما كان إلا النار في كل موضعٍ
يثير غبارًا في مكان دخانِ
فنال حياةً يشتهيها عدوه
وموتًا يشهي الموت كل جبانِ
…٧٢
۲۲۸
علمت من ابن رشدين أنه لما استمع الأسود إلى بيت القصيدة التي رثيت فيها شبيب بن جرير العقيلي:
وقد قَتل الأقرانَ حتى قتلته
بأضعف قِرْن في أذل مكانِ
قال الأسود: لا والله، بل بأشد قرن في أعز مكان.
بدا الموت وشيكًا، كأنه لامس جلدي. دفع إليَّ المخصي بأوراق، تبينت في سطورها خطي.
۲۳۰-۲۲۹
– هذه كلماتك.
من الذي أوصلها إليه؟ … ناقشت حسن السيابي فيما آلت إليه الأمور، وما رأيته في حياة الناس. أبديت تخوفي من احتمالات المستقبل. طلب أن أسجل ملاحظاتي في أوراق، ليسهل تأملها، والتدقيق فيها، والعودة إليها إذا اقتضى الأمر.
خلوت إلى الأوراق ليلة، حتى مطلع الفجر. احترزت، فلم أروِ عما سمعته، وما أكثره. رويت الأحداث التي وقعت لي، أو شاهدتها.
زدت فاقترحت ما ينبغي من حلول، كتبت ما كتبت حسبةً لوجه الله، أرضيت ضميري، فلا شأن لي بما يجري. توالي الأيام يقرب رحيلي من مصر، الناس والعادات والتقاليد والموروثات مما يغاير مألوف حياتي، ونظرتي إلى الأمور. لا بد أن أفترق عنه في يوم من الأيام.
أنا شاعر في بلاط الأستاذ، أحضر مجلسه، أصادق الوزراء والقادة والصفوة، أعبر الشوارع على جوادي، فلا أكاد أبصر ما على الجانبَين، ولا من يلامسه الجواد من بشر وحيوان، وإن لامس التعاطف — أحيانًا — هؤلاء الذين يتحدثون باللغة نفسها التي أتحدث بها. يعجبون بقصائدي، يحرصون على تدوينها لدى الوراقين، تنطق نظراتهم باللوم والشك والأمل في الفهم والتفهم. أجاوز النظرات، فلا شأن لي حتى بهؤلاء الذين دفع السيابي بهم، فأنا أراهم أمام بيتي، وفي الشوارع والأخطاط، وبعد أن أغادر مجلس الأستاذ، أو مجالس الأصدقاء، في المساء المتأخر.
توقعت أن يفعل الرجل مثلما فعلت، فيُرضي ضميره. يستعين بملاحظاتي في التأكيد على ما يرى أنه الصواب، وما يقترح فعله … لكنه — في خسة — رفع الأوراق إلى المخصي.
عاود الأستاذ السؤال: أليسَت هذه أوراقك؟
قلت: بلى.
جز أسنانه: تتآمر ضدي؟!
علا صوتي، فجاوز التأدب الذي تفرضه حضرة الأستاذ: ما أتيت إلا لمدحكم.
– تمدح في العلانية … وتتآمر في السر!
– من رفع الأوراق إليكم هو الذي طالبني بتسويدها.
صرخ: أملى عليك ما كتبته!
قلت: إنما طلب بعض آرائي للاستنارة، فكتبت له ما أراد.
تقلَّصت بشاعة وجهه، فبدا كأنه الموت: أيكما يطلب منصبي؟
وأنا أعاني خطورة موقفي: أنا شاعركم الذي نذر نفسه وكلماته للإشادة بمناقبكم.
– هذا إنذار أول وأخير … أنت تبيع مدحك لنا، ونحن نشتريه … فادَّعِ النبوة، وانشد الولاية، حيث لا تكون أرضي.
أردف في حسمٍ باتر: ستتذكر أيام سجنك في حمص كأنها النعيم، إذا دسست أنفك ثانيةً فيما لا شأن لك به.
هذا رجلٌ ألِفَ التآمر. حتى عرش مصر، وليَه بعد أن دس السم لأونوجور، ليصبح «كافور» في عهد سلفه علي هو الآمر الناهي، حتى مات. لا يدري أحد إن كانت ميتته طبيعية، أم أن يد المخصي دست له السم مثلما فعل في أخيه.
هذا الرجل، الأسود، الخادم، المخصي، الكركدن٧٣ يشعر — كما أرى — أنه أضأل من أن يتولَّى إمارة مصر. حتى السكة لم يحاول أن ينقش عليها اسمه؛ فهو قد اطمأن إلى وضعه كوسط بين الأمير والوصي على العرش.
٢٣٠
أي مكان أرتقي
أي عظيم أتقي
وكل ما قد خلق الله
وما لم يخلقِ
محتقر في همتي
كشعرة في مفرقي
٢٣٣-٢٣٤
لم أعُد ألقى المخصي إلا أن يركب، فأسير معه في الطريق. لا أتردَّد على قَصره، ولا أجلس في مجلسه، ولا أمدحه، حر أنا في الظاهر، سجين في الحقيقة. أفلح أعوانه في ملئه غيظًا مني، وحقدًا عليَّ، فسد بابه دوني.
بدا بين أعوانه كالمحجور عليه، لا يتصرف في الأمور إلا بموافقتهم، يبلغونه بما توصلوا إليه، فيعلنه أو يمهره باسمه. ربما صدر المرسوم باسمه، دون أن يعلم متى ولا لماذا ولا من الذي أصدره. ملكوا زمام الحكم بدلًا منه، يعزلون ويولون سائر الموظفين، كبارهم وصغارهم، يفرضون الغرامات والإتاوات، والأسود يعجز حتى عن توبيخهم على ما يرتكبون باسمه. ليس له أمرٌ ولا نهي، رغم الهالة التي أجادوا رسمها حوله. استبدوا بشئون الحكم، فبدا مسكينًا لا حول له ولا قوة، وإن أكثر من الخطب والتصريحات التي تؤكد قوته، وأنه يأخذ قراراته من نفسه، ويتدبرها في رأسه، ولا يستمع إلا إلى ما يمليه عليه ضميره.
بدا لي — قبل أن أعتزل مجلسه — كأنه يدرك كل شيء، كأنه يحيط بأحوال الناس وشكاياتهم ومطالبهم، يلم بالأوضاع في الأسواق والوكايل والخانات ودواوين الحكم. يرد الشاكي روايته، فيعلق بما ينبئ عن الفهم والمتابعة، يصدر القرار الصحيح العادل، لكن التنفيذ يتوه في الدواوين والأوراق والأضابير. يتوه صاحب الشكاية معه، فيقعده اليأس عن المطالبة بحقه، يتصور أن الأستاذ ضحك عليه، ليصرفه، وأنه يحمي هؤلاء الذين استلبوه حقه، وأسرفوا في ظلمه، وإن تيقن العارفون أنه واجهة، أجاد التخفي وراءها المحاسيب والأعوان ومتسلقة الحكم. الجثة الهائلة، والبشرة الحالكة السواد، والعينان الحمراوان، والأنف الأفطس، والشعر الأكرت، الأشعث، والزعيق، والشخط، والنطر، والتهديد بالويل والثبور … ذلك كله مما يخدع البسطاء، والذين لا يعلمون، يخدع الضعف الكامن في أعماقه، يتصور نفسه صاحب الأمر والنهي، والقاضي بالظلم والعدل، وما ينبغي أن تساس به الرعية، لكن القرار الحقيقي في أيدٍ خفية أجادت المداهنة والملق والتلون، وهبطت بحرمة الدولة والمخصي إلى دركٍ اضطرب معه ميزان الخلق، وتلاشت روح المسئولية. اعتبروا أنفسهم فوق القانون والأعراف. توقَّع الناس أن تمتدَّ صراعاتهم إلى كافور، فتعزله.
۲۳۷
كنت إذا دخلت على كافور أنشده، يضحك لي، ويبش في وجهي إلى أن أنشدته:
ولما صار ود الناس خبًّا
جزيت على ابتسام بابتسامِ
فما ضحك بعدها في وجهي، إلى أن تفرقنا. فعجبت من فطنته وذكائه.
٢٤٠
هل هي خاتمة المطاف؟ … هل انتهت رحلة الطموح في ظل العبد الأسود؟
٢٤٥
ظل النيل على نقصانه، فطاف المنادون في شوارع مصر، يأمرون الناس بالصوم ثلاثة أيام، والخروج إلى الجامع العتيق، أو الصحراء، لصلاة الاستسقاء. صعد الكثيرون إلى جبل المقطم؛ فالدعوات عليه مجابة. عم الناس الحزن والقلق، وارتفعت أسعار المحاصيل الزراعية، وزاد السقَّاءون في أثمان النقلات، وتوجه القضاة والعلماء — بتكليف من الأستاذ — إلى مقياس الروضة، حيث أسرفوا في تلاوة القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، والابتهال إلى الله العلي القدير بزيادة النيل.
٢٤٨
لم أعد أسمع عن أحمد البلبيسي. لم أحاول كذلك أن أسأل عنه، حتى لا يساء فهمي. الهدف يبتعد، ولعله توزع بحيث غابت تفصيلاته. ما يشغلني الآن أن تتوضح التفصيلات، ثم أسعى — بدأب — في اتجاهها.
فاجأني ابن رشدين — عند زيارته لي هذا الصباح — بما أذهلني. ظلت نفس المخصي متغيرة على البلبيسي، فأمر بقطع لسانه، وتسميل عينَيه، وبتر ذراعَيه، ومنع الطعام عنه حتى الموت. زاد، فصادر أمواله وممتلكاته، وإن رسم بإجراء راتب لأهل البلبيسي، يعينهم على ضرورات الحياة.
٢٤٩
أتحلف لا تكلفني مسيرًا
إلى بلد أحاول فيه مالَا
وأنت مكلفي أنبى مكانًا٧٤
وأبعد شقةً وأشد حالَا
إذا سِرنا عن الفسطاط يومًا
فلقِّني الفوارس والرجالَا
لتعلم قدر من فارقت مني
وأنك رمت من ضيمي محالَا٧٥
۲۸۳
دعاني الأستاذ إلى لقائه — عقب انتهاء مجلسه — لاطفني، وخلع عليَّ، ووعدني أن يبلغني كل ما في نفسي.
٢٨٦
هبط منسوب النيل، فأنذر بكارثة. في ناحية الروضة مقياس، إذا حان الفيضان، بشر الناس بكل زيادة. وإذا تأخر عن الموعد، أبلغ القائم على المقياس بذلك. بلغ المقياس — كما علمت — اثنتي عشرة ذراعًا وأصابع. علا صوت الغلاء، فأصم الآذان، وشحطت الغلال، وارتفع الخبز من الأسواق، ووقفت الأحوال، أعلن الناس سخطهم لزيادة الأسعار، وتعسف الكتبة والجباة، وخرج العامة في مظاهرات، يصنعون كلامًا ويلحنونه، معناه وفحواه فقدان الحيلة أمام ارتفاع الأسعار، وصلوا إلى الجامع العتيق في يوم جمعة، وازدحموا عند المحراب، فمات العديد تحت الأقدام. تحدث إمام الجامع عن صلاة الاستسقاء، وأن لها شروطًا، هي: رفع المظالم، وترك الذنوب، والرجوع إلى الله، كي ينزل الغيث رحمة بالناس. رفض الإمام — تبعًا لذلك — أن يؤم المصلين في صلاة الاستسقاء … حذره جنود المحتسب من المصير الذي يتهدده، إذا أصر على رفضه، فلم يعبأ بتهديداتهم. دخلوا عليه الجامع، وفقَئوا العينَين اللتَين شاهدتا ما تحدث عنه اللسان، وقطعوا اللسان الذي جاهر بالمؤاخذة والرفض، ثم فصلوا الرأس عن الجسد، وحمله مشاعلي طاف به شوارع مصر وأخطاطها، كي يعتبرَ من تسول له نفسه التمرد والثورة.
•••
قلت لمعاون المحتسب، وهو يشرف على نقل الطعام إلى داخل بيتي: الجوع في الشوارع … مع ذلك، فإن الطعام يصل إليَّ في موعده.
قال الرجل، وهو يطمئن إلى ترتيب الصناديق والأوعية: أنتم من أعوان أبي المسك … لا يجري عليكم ما يجري على العامة!
۲۹۰
حدث ما أوشك توالي الأيام أن يقذف به في لجج اليأس. قابلت فاتكًا في الصحراء.٧٦ نسيت المخاوف والمحاذير، وإن اجتهدت في الابتعاد عن الأعين المتلصصة. لا أدري أين الموقع على وجه التحديد. صحبني الرسول في غبشة الليل. تلفت يمنة ويسرة أحاذر البصاصين … ما كدت أنصت إلى صدى الهدوء ورائي، في بداية الطريق إلى الصحراء، حتى أطلقت لجوادي العنان أتعجل اللقاء.
أعادَتني الخيمة التي وقف فاتك على بابها، يُحيط به الأعوان، وضوء القمر، إلى سِنِي النشأة في البادية. أحببته وأنا أقبل عليه.
خالف الرجل كل ما كنت أعددت نفسي للتحدث فيه. سأل عن أحوالي وقصائدي الجديدة، وأصدقائي في مصر. تحدث عن المرض الذي يقاومه من زمن، وكاد يهزمه، بدا بسيطًا وشهمًا وودودًا وطيبًا، عكس الصورة التي أجاد أعوان حسن السيابي — من سواهم؟ — رسمها.
أجزل لي العطاء دون أن يطلب المدح، فأثار إعجابي. أمر أقرب أعوانه إلى مجلسه، فصحبني — على رأس جماعة — إلى نهاية الصحراء.
فاتك. واحة ظليلة، جديدة، في صحراء قاحلة.
٢٩٣
وقد أُريَ الخنزيرُ أني مدحته
ولو علموا قد كان يُهجى بما يُطرى
۳۰۰-۲۹۹
أعلم أن المخصي يتملَّكه الحقد عليَّ منذ مدحت أبا شجاع فاتكًا الرومي الإخشيدي، بقصيدتي التي أولها:
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ
فليسعد النطق إن لم تسعد الحالُ
استأذنته في مدح الرجل، وافق وفي نفسه شيء، لم يظهره. كان يكره فاتكًا في باطنه ويخافه، وأخبره أرصاده بسؤال فاتك عني، والرسائل المتبادلة بيني وبينه. حتى اجتماعنا بالصحراء، وهداياه إليَّ، كان عبد الرحمن السكندري يبلغني بكل ما يتبادله الأرصاد عني، وكل ما رفعوه إلى المخصي.
بدأت الوشايات تعمل عملها. مع أن الجواسيس والبصاصين يترصدون بي عند كل انحناءة طريق منذ دخلت مصر، فإني أعاني — الآن — تهمة التجسس لفاتك. أجبره كافور على اللواذ بمقاطعته في الفيوم، فأرسل إليه الأعوان في مصر. يلتقطون الأنباء، يتلمَّسون مواطن القوة والضعف. ربما استطاع أن يستوليَ على ملك مصر لنفسه.
لم يكن ذلك كله مما يدور لي ببال، النبوة تهمة عانيت ويلاتها، نظرات التوجس والشك والسخرية. الولاية مطلبي العادل، ترقى بي إليه همتي وقصائدي.
علم كافور — بواسطة بصَّاصيه الذين أجاد حسن السيابي بثَّهم في كل مكان — بلقائي مع فاتك. أمر فأقاموا الأرصاد والعيون. اهتموا بحركاتي وسكناتي اهتمامًا عظيمًا أتشمم رائحتهم، وأتسمع أنفاسهم. زادوا فكادوا لي، ونصبوا الحوائل، ومشوا إلى الضراء، أتوقع منهم الغدر في كل لحظة.
مع أني حرٌّ في الظاهر، محسوب على الأستاذ، وصديق لأهل الدولة وأرباب السيف والعمامة، فإنه من الصعب أن أتنقَّل حيث أشاء، أو أتصل بمن أريد. غاب الوهم أني كنت مقربًا من المخصي.
أحاطت رقابته كل من يدخلون قصره. جعل رقباء على الرقباء. كانت التقارير تُرفع إليه عن أقرب وزرائه. توجس من الغدر والتآمر، فخصص من يتذوق طعامه قبل أن يأكل لقمته الأولى، ويقاسمه كأس شرابه في كأس أخرى.
قيل إنه أمر بقتل القاضي إبراهيم العسال لتوه، وفي فراشه. أبلغت عنه زوجه أنه عاب على الأستاذ بعض تصرفاته. نسي الرجل أن معظم زوجات خدم السلطان عيون له عليهم. تدين المرأة بحياتها المترفة لعطايا الأسود وهباته.
قررت أن أحسم الأمر. يصعب أن تمضي الأمور على نحو لا يمنح، ولا يعطي، كأنها السيف فوق الرأس، لا يقطع ولا يرفع.
طلبت الإذن بلقائه.
قال في لهجة تقاسمها الغضب والسخرية: أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين، سمت نفسك إلى النبوة … فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع … فمن يطيقك؟!
توافد الجلساء، ودارت الأحاديث، فلم أشارك، حتى انتهى الوقت.
لماذا أرقت ماء وجهي إذن؟ … ولماذا كتبت القصائد مدحًا لعبد خصي؟ … ولماذا عانيت — ولا زلت — نظرات الاتهام؟!
٣٠٥
وأسود مشفره نصفه
يقال له أنت بدر الدجى
البيت كأنه الوحي. لا أدري إن كان أتاني في يقظة أو منام، هل أسبق، أو ألحق به، أبياتًا أخرى؟
۳۱۱
بيتان — لي — أتذكَّرهما:
وما الدهر إلا من رُواة قصائدي
إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدَا
فسار به من لا يسير مشمِّرًا
وغنَّى به من لا يغني مغرِّدا
۳۱۸-۳۱۷
أعطى الجميع انتباههم لابن رشدين، وهو يروي أحداث اليوم الغريب في قصر المخصي.
امتلأ المكان — على سعته — بالوزراء والوجهاء والأعيان، على سيماهم توتر وقلق، وهمساتهم تعلو عما تحياه المدينة من قلاقل واضطرابات. اشتد الغلاء، وندرت الغلال، وانتشر القحط وتفشى الوباء، وفشا الموت، فعجز الناس عن تكفين موتاهم، وعن دفنهم، فاكتفوا بإلقائهم في قاع النيل.
نادى الحاجب، فدخل كافور. أضاف الغضب إلى قسمات وجهه ما غيَّر من ملامحها.
قال: لقد استحدثتُ في هذا البلد ما لم يكن فيه من قبل؛ أقمت الدور، وشققت الشوارع، وبنيت الأسبلة والأحواض، واستمعت إلى شكايات الناس، وانتصفت للمظلوم من الظالم، وجريت على الجميع بما وسعني، وحققت أول انتصار على الجماعات الوافدة … فماذا يريد هؤلاء الحرافيش والزعر؟
لاحظ ابن رشدين صمت الجميع، فناوشته نفسه في الكلام. قال: يا سيدي الأستاذ … شاهدت بنفسي ما يحياه الناس من ظروف قاسية.
لكزه الجالس بجانبه، فآلمه، لكن الأسود هز رأسه، يحثه على المتابعة.
قال ابن رشدين: لو أن الحضور هنا — وسواهم من السراة — تنازلوا عن الأقل مما يملكون، لعاد الرخاء، وأفاد بنعمائه الجميع.
أطل من عينَي كافور تساؤل غاضب: لهذا جعلت المكوس … الغني يدفع بما يعين الفقير على تحمُّل مشاق حياته.
قال ابن رشدين: المكوس يدفعها الفقير، ويترفع عن أدائها الغني.
قال المخصي في غضبه: تثيرني المبالغة.
قال ابن رشدين: هذه هي الحقيقة التي يعلمها موظفو الحسبة جيدًا.
نقر الأسود على الأرض بسيفه، وقال: سأتحقق من هذا الأمر … وبعدها لكل حادث حديث.
وانصرف في زحام الأتباع والأعوان.
نظر ابن رشدين إلى من لكزه: حسن السيابي، سبق سؤاله عن فعلته التي غاب مبررها: هل جننت؟
أردف محذرًا: قد يدفع رأسك ثمنًا لحماقتك.
هز ابن رشدين كتفَيه: إنما أتينا لنبذل النصيحة، وهذا ما فعلته.
تضاعف يقيني أن الأحوال الصعبة لا يقع وزرها على الإخشيدي وحده. هؤلاء الذين يزينون له الأمور، يضعونها في إطارات الورد، يجعلون كل شيء في غاية البهجة، يدارون أفعالهم بالحديث عن الاستقرار …٧٧
يعلمون أن زوال الشمس السوداء يعني زوال شموسهم؛ فهم يدافعون عنه بالحق، وبالباطل. يبررون ما يفعله يسيغونه، يبرزون فائدته وجدواه.
قيل إنه لما تولى الرشيد الخلافة، وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فطلبها لنفسه، فقالت: لا أصلح لك؛ لأن أباك قد طاف بي. وأرسل الرشيد إلى قاضيه أبي يوسف، فقيه الأرض وقاضيها كما كان يسمَّى. سأله الرشيد: أعندك في هذا شيء؟! … وأتاه جواب القاضي: اهتك حرمة أبيك، واقضِ شهوتك، وصيره في رقبتي. أصدر القاضي فتواه، للحاكم لا لله. وهو ما يفعله أعوان الإخشيدي.
۳۱۹
لم يروِ لي عبد الرحمن السكندري ما حدث. إنما رأيته بنفسي. أديت ركعتَي التحية للجامع العتيق، أفزعني صراخ وشتائم وهتافات، تساقطت حصباء وأحجار على موكب يقترب من الجامع، احتميت بأحد الأعمدة، اتقاء المقذوفات أن تصيبني.
وصل الموكب إلى داخل الجامع. بدا في قلبه محمد بن عبد الله بن الخصيب. كان قد تقلَّد القضاء صباح اليوم نفسه، فهو لا بد قد قدم ليبدأ عمله.
صعد الرجل إلى المنبر، وذكر الله، وصلى على رسوله. ثم قال: من الذي ينقم عليَّ وقد عمرت الأحباس، ووفرتها، وفرقت في مستحقيها، وما ضبط أحد قط أنني ارتشيت أنا ولا أبي!
أثار الأستاذ ما حدث في مائدة غداء، دعانا إليها. بدا عليه غضبٌ لما فعله الناس، تغيرت سحنته، فبدت شائهة: لقد أرسلت أحد غلماني يسأل عنه، فيعرف الناس أني أرفض إيذاء عمالي.
٣٢١-٣٢٢
أسرف النيل في النقصان، فاشتد الغلاء، وعزَّت الأقوات، وعظمت الرزايا، وتفاقم اضطراب الناس، وعلا ضجيج الفقراء والمعوزين، وشمل الخراب أكثر معمور مصر، وفشت الأمراض، واشتد الموت في الناس، فعجز الأهل والحانوتية عن تكفينهم ومواراتهم، وانتقصت الأعمال، ونهبت الضياع، وماج الناس وصاحوا، كما في عهود سابقة: الجوع … الجوع … وتعذر وجود الخبز في الأسواق، فاختطفه الناس من الأفران، وكثر المعروض مما في داخل البيوت — درءًا للحاجة — فلم يجد مَن ينظر إليه، أو يشتريه، وترك الكثير من مالكي الأرض بلادهم، وزروعهم، وباعوا بيوتهم وعبيدهم، وخرجت النساء حاسرات الوجوه، لا يعرفْنَ أين يذهبْنَ وأطفالهن في أيديهن، وانشغل كل شخص بحاله دون سواه، كأنه يوم الحشر العظيم.٧٨
٣٢٥-٣٢٦
حين تولى عبد الحكيم التهامي أمر الخراج بدلًا من البلبيسي، التزم الليونة والمطاوعة والاستجابة لمطالب الأهالي. نُودي في مصر بإبطال المكوس الزائدة، وتفرق غالبية الكتاب وأرباب الشرط من مقاعدهم التي كانوا يجلسون بها، يُساعدون المختصين في أخذ المكوس.
بدا تخفيف المكوس عن العامة أمرًا ملحًّا، بدونه لا يصح حكم ولا يستقيم عدل. توالي فرض المكوس أضحى ظاهرة، ضاق بها الخاصة والعامة، تمنى الجميع زوالها، أو التخفيف منها. اجتهد الجباة في تحصيلها، دون شفقة، وبلا هوادة.
أمر التهامي، فأحضر السادة والوجهاء وكبار الأعيان، ما في ملكهم من ذهب وفضة، وحلي نسائهم. حتى أواني البيوت المصنوعة من الذهب أمر بإحضارها.
رسم لأعوانه بطلب التجار وأرباب الأموال، أخذ زكوات أموالهم، وما عليهم من مكوس. وأمر قاضي القضاة الحنفية بتحليفهم على ما يزعمون أنه ملكهم.
لما أسرف النيل في نقصانه، وزاد الشح والجدب ونقص الغلال، أمر التهامي أعوانه، فدعوا الناس في الأسواق والشوارع والأخطاط، إلى ترك الإسراف في المآكل والمشارب والثياب، وتحزيم البطون، والتدبر جيدًا فيما ينبغي، وما لا ينبغي، إنفاقه من مال.
زاد، فدعا الناس إلى ترك أشياء مما هم فيه من الترفُّه. قابلوا دعوته بسخرية وتشنيع، وتفاقم طعنهم وهزؤهم بأهل الدولة، وأكثروا من القول الفاحش في الأستاذ، وشاع التهجم على مقامه.
ثم فرض التهامي من الضرائب الفجائية ما لم تشهد البلاد له مثيلًا. أمر بجباية إيجار العقارات لأشهر عديدة، قادمة. لم يقتصر الأمر على الدور والحوانيت، وإنما تعدَّاه إلى الحمامات والسواقي والطواحين والسفن والدواب، وكبس أعوانه البيوت بالمشعل والشمع، يكتشفون ما أخفاه الناس، فيحصلون عليه، يعتبرونه مقابلًا للضرائب التي تعددت مسمياتها.
اشتد سخط الأهالي بسبب ما اتخذ من طرق تعسفية لجمع أموالهم، بالحق وبالباطل. وكثرت الأوراق التي كانت تدفع من تحت الأبواب، دون أن يعرف كاتبوها، تنعى على الإخشيدي فساد أعوانه، وتطلب زوال حكمه، وتدعو الله أن ينفرج الضيق الذي عانوه في أيامه، ويتبدل الحال، ويعود الرخاء. وأبطل المشايخ الأذان والصلاة، وأقفلوا أبواب المساجد، وطلع بعض الأهالي فوق المنارات، يكثرون من الدعاء على الظالمين، وأقفل غالبية أهل الأسواق دكاكينهم.
نزل معاونو التهامي إلى الأسواق، ينادون بالأمان، ويفتحون الحوانيت، فتصدى لهم رجال ونساء وأطفال، ضربوهم بالشوم والنبابيت، ورجموهم بالحجارة، فشهروا السيوف في الوجوه المفعمة بالغضب، ولاذوا بالفرار.
۳۲۷
قال لي ابن رشدين إن الأستاذ هجر قصره الجديد، القريب من بركة قارون، ومن جامع ابن طولون.
كنت قد ألقيت في مناسبة افتتاحه قصيدة، فقال ابن رشدين لدهشتي المتسائلة: لم يطق العفونة المنبعثة من المياه الراكدة أمامه.



