📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

من أوراق أبي الطيب المتنبي – جمع وتحقيق محمد جبريل

۳۲۹

تفاقمت الأوضاع، فصارت أحوال المملكة ضائعة، والأسود لا يلتفت لشيء من ذلك. شرقت البلاد، وحصل للناس من العنت والضرر ما يفوق الوصف، فكرهوا معاونيه، وكرهوه لسكوته عن تصرفات المعاونين والأمراض وشدة الغلاء وعدم الأقوات وتضاعف المكوس، كثر الخوف من الحاضر، ومن قادم الأيام. بدا الناس في غاية الذل من الفقر والحاجة. وتضاعفت أعداد المتسولة في الشوارع والأسواق. وخرج الجميع إلى الصحراء، أهل الدولة وأرباب السيف والقلم والعلماء والصلحاء والفقراء والرجال والنساء والأطفال، وطائفة اليهود وطائفة النصارى، نصبوا في الصحراء منبرًا، صعد إليه قاضي القضاة، وخطب في الاستسقاء،٧٩ ودعا الله تعالى فردد الناس دعاءه، وأخذ التأثر البعض، فعلا نحيبه.

روى لي محسد، عن الناس في الأسواق: اشتروا طعامًا فاسدًا، لا تأكله القطط والكلاب.

تحادث الناس، أن أحد أعوان التهامي تقاضى مقابلًا ضخمًا، لقاء تفويتها، ونزولها في الأسواق.

۳۳۳

أحكم الجوع قبضته، فأكلت الناس بعضها بعضًا، وأكلت الميتة والكلاب والقطط. وكان إذا قوي القوي على الضعيف، يذبحه ويأكله. وسمعت عن زوجَين افترست الكلاب — بتأثير الجوع — طفلهما، وهما لا يستطيعان لها دفعًا. شدهما الإعياء إلى الأرض، فهما لا يقويان على الحراك. وصار الناس يخرجون جماعة، حتى لا يتعرضوا — كأفراد — إلى الخطف والذبح.

٣٣٥

أحَقُّ عافٍ بدمعِكَ الهممُ

أحدث شيء عهدًا بها القِدمُ

وإنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجمُ

بكل أرض وطئتها أممٌ

تُرعى بعبد كأنها غنمُ

٣٣٩-٣٤٠

لزمت بيتي، بعد ما بلغني ما حدث.

ماج الناس، وغلقت جميع الدروب والخوخ والأخطاط، وانتشر أهل الفساد في أرجاء المدينة، صغار التجار والعمال والصناع والباعة والسوقة، والسقايين والمكارين والمعدمين والمتعطلين والشحاذين، والأوباش والصعاليك والصبيان والزعار والعياق، والمنخرطين في مناسر الحرامية والحرافيش.

علا صوت في زحام المتظاهرين. شك مسعود — فيما روى لي — أنه لعبد الرحمن السكندري: اتبعوني إلى بيوت عمال كافور … ننهبها كما ينهبون بيوتنا، ونموت شهداء، أو ينصرنا الله عليهم.٨٠

سعى السواد الأعظم من الأهالي، وقفوا على أبواب الوجهاء والأعيان وأهل الدولة. طالبوا برفع الظلم والجور، ومنع العدوان، وكف الجباة، وقطع الفتنة، وإبطال الحوادث والمكوسات، وإقامة الشرع.

صاحوا: فلننهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا.

صعد البعض على المآذن، ينادي ويصيح، ويكثر من الدعاء على الظالمين، ويدق الطبول.

انتشر الناس في الشوارع والأخطاط. أطل من العيون غضب، وأمسكت الأيدي بالعصي والشوم وقطع الحديد، وما استطاعت التقاطه في مدها الصاخب.

كسروا حبس المعونة٨١ وأفرجوا عن المسجونين، وتفرقوا على بيوت الأمراء وحواصلهم، وانتهبوا ما وجدوا وشعثوا الدور، وأخذوا أبوابها، والكثير من أخشابها، وما استطاعت أيديهم الحصول عليه من أثاث ومتاع.

سلبوا من انفردوا به ثيابه، تخطوه، وأخذوا ما عليه وصاحوا: هذا لسوء أفعالكم، وظلمكم.

اقتحموا بيت الهاشمي، وأحرقوا بابه. نهبوا بسطه، وجميع قناديله وماله، ورياشه، ونهبوا ما في إسطبله من الخيل والبغال، وما في حواصله من برك ونحاس وسلاح وصيني وسكر وغير ذلك. نهبوا كل شيء، حتى الرخام والأبواب والشبابيك.

اقتحموا كذلك قصر الوزير ابن الفرات. كسروا بابه بالفئوس، وتسلقوا إليه من خارجه، وأتت النهاية على جميع ما في القصر من أثاث وتحف وأطعمة وأكسية وأموال، وحملوا أكياس الذهب والجواهر النفيسة، والأسلحة، وجرُّوا البسط خارج القصر، قطعوها بالخناجر والسكاكين، وتقاسموها.

اقتحموا دار موسى النجدي، كبير معاوني السيابي. عانوا وشاياته الظالمة، وقتله الأبرياء لغير جريرة. هجموا عليه، وقتلوه، وجروا جثته إلى الطريق، يصفعونها، ويبصقون عليها. ثم رُفع رأسه على رمح، وطاف به الناس في الشوارع، يتنافسون في ضربه، والبصق عليه.

قبض أهالي دمنهور على مندوب الوالي. ضربوه، وكتفوه، وحلقوا نصف لحيته، وأركبوه حمارًا. وجرسوه في موكب هائل، وطافوا به المدينة وهم يضربونه بالنعال، ويزفونه بالزغاريد والغناء والموسيقى. ثم قتلوه في النهاية.

ترصَّد بعض الغوغاء للتهامي، حتى رأوه قادمًا، فرجموه بالحجارة حتى كاد يهلك، لولا أن أنقذه بعض أعوانه، ودخلوا به بيتًا قريبًا.

اختفى السيابي في بيته، خوفًا من العامة أن تبطش به.

صار الأهالي يقبضون على كل مَن يرونه من أعوان ابن حنزابة أو الهاشمي أو التهامي، يعرونه، ويقتلونه حالًا. فإذا همَّ أحدهم بإيذائه قبل قتله، منعوه، وقالوا إنهم ما أرادوا إلا دفع الظلم، وعقاب الظالمين بما أنزل الله، لا بالقسوة والشناعة.

اشترطَت الأهالي على بقية الأعوان — حتى يتيحوا لأنفاسهم انتظامها — أن يتوبوا، ويرجعوا، ويلتزموا بما تذهب إليه الشريعة، ويبطلوا المظالم، ويكفوا عن مد أيديهم إلى أموال الناس، ويسيروا فيهم سيرة حسنة.

حمل الأهالي أسلحتهم، ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات والأزقَّة، وعلى أبواب البيوت، يطوفون في الأرجاء بالنبابيت والشوم، يعلنون ظلم الإخشيدي وفساده. جرت العادة منذ القديم، أن أهل البلد والفلاحين يعزلون الوالي الظالم. حتى الخليفة والسلطان إذا سار بالجور، فإن الناس يعزلونه ويخلعونه.

عرفت أن أعدادًا من الجند شاركوا الناس مظاهراتهم. عجز سمول الإخشيدي، قائد العسكر، عن إرضائهم، وأخفق في تلبية مطالبهم. ثاروا عليه، ونهبوا قصره، فلجأ إلى الاختفاء في مكان أخفق حتى أمراء المخصي في اكتشافه.

بلغ الخطر مداه المعلن، فطالب المحتشدون بعزل وزراء المخصي لقبح سيرتهم، وعتوهم على الأهالي، وترويعهم الآمنين، وإسرافهم في إراقة الدماء، وأخذ الأموال.

•••

قلت لعبد الرحمن السكندري: مفهوم أن يثور الأهالي ضد الجوع … ولكن لماذا نادوا برفض السلام؟

شاب صوته ارتباك: اسأل المتظاهرين.

قلت: قال ولدي محسد إنه ميز صوتك بين الحشود التي تجمعت أمام قصر ابن حنزابة.

قال السكندري: إني موظف في خدمة سيدي أبي المسك … فكيف أتظاهر ضد عماله؟!

قلت: أصارحك بأني — ذات يوم — كنت أخشاك … وها أنت ذا الآن تخشاني.

قال: ليس في الأمر خشية … فكلانا في خدمة سيد واحد!

قلت، وأنا أمد ساعدي لأحيط — مودة — بخصره: ثق أن انشغالي بالقضايا المصرية، يقل عن انشغالك بقول الشعر.

قال: لكنني لست شاعرًا.

قلت في حسم: وأنا … لا شأن لي بمشكلات الآخرين.

٣٥٢-٣٥٣

تلاشت الدولة، واضمحل أمرها، وظل الناس فوضى. اضطربت الأحوال بمصر الفسطاط وما حولها اضطرابًا شديدًا. انتهبت الأسواق، وأُحرق الكثير من الدور والأبنية، وسودت جدران البيوت والمقابر والمساجد، بعبارات ضد السلام الوشيك. داخل الخوف أعيان البلاد ووجهاءها، على نفوسهم وأموالهم وأهاليهم، وأفعمهم الحذر من وثوب أهالي البلاد. عملوا لحفظ دورهم ومتاعهم، وأقاموا الدروب في مطالع الأخطاط والسكك المفضية إلى حيث يقيمون، واستعدوا — وأعوانهم — للقتال عن الأنفس والمتاع والأملاك والحريم.

بدا الخطر ماثلًا في الأفق، لما اجترأ أسافل الناس على الأكابر. ذوى الخوف من مهابتهم، فصاروا يعاملونهم كأنهم في مثل قامتهم، أو دونها. طفق ذوو الأصول الطيبة يستعدون لريح السموم القادمة.٨٢ أقبلوا على تخزين الماء والمؤن في البيوت، وأسرفوا في شراء البقسماط والرقاق والدقيق والقمح والشعير.

وقال لي عبد الرحمن السكندري: لم يكن ما حدث إلا من فعل عماله،٨٣ حملوا الناس ما لا يطيقون، حتى تفاقم الأمر، وغادرت الأعصاب أجسامها.

٣٥٨-٣٥٩

هذا شعب محير، طُفت بشوارعه وأسواقه، وجلست إلى علمائه وأدبائه ووجوهه وناسه العاديين. يبدو ظاهره مخادعًا، فهو يحسن المجاملة والوفادة، وربما التملُّق، دائم الابتسامة والميل إلى الدعابة، كأنه لا يعنيه من أمر دنياه إلا أن يأكل ويشرب ويتناسل، ولا يعنيه من أمر آخرته إلا أن يموت موحدًا بالله، مؤمنًا بعقيدة الإسلام. صراعات الحكام وخلافاتهم ومؤامراتهم لا يعبأ بها، يطلب الحياة في يومه، وغدًا يوم آخر.

بالاختصار، فهذا شعب كأنه أسلم نفسه لمقود الذل، لكن النظرات التي تلتمع في الأعين، الأسئلة التي كأنها قيلت عفوًا، الملاحظات والتلميحات، والصمت الحزين الذي يعقب كل مجلس دعابة: اللهم اجعله خيرًا … ذلك كله يُحيرني، يجعل السؤال سادرًا: أين هي الصورة الأخرى الحقيقية لهؤلاء المصريين؟ …٨٤

أمر المخصيُّ أعوانه، فنادوا في الناس بالأمن والأمان، والبيع والشراء، شاركهم في المناداة بذلك حملة العمائم لما لهم من سطوة وتأثير. كلماتهم كأنها الوحي أو التنزيل.

سار في الشوارع والأخطاط، رجل على فرس، يقرأ من ورقةٍ أن الأستاذ قد أزال المظالم، وهو يأمر الناس بتقوى الله، وطاعة أولي الأمر، وأن لا أحد يشوش على أحد، والدعاء للأستاذ أبي المسك كافور بالنصر. ونُودِي — بعد انقضاء الصلاة في الجامع العتيق — بالأمان والماضي لا يعاد.

ضجَّ الناس بالدعاء للأستاذ، وقد كانوا مترقبين بلاءً كبيرًا ينزل بهم منه، لخروجهم عليه، ولكثرة ما ضربوا ودمروا، ومبالغتهم في سب المخصي، وإعلانهم بفاحش القول له.

٣٨٥–٣٨٧

أوفى النيل، وعاد إلى منسوبه الطبيعي، فعادت الأمور إلى أحوالها، وتوافرت الغلال والمحاصيل، وظهر ما كان مختفيًا من اللحم والخبز والبضائع والأطعمة، وانحطَّت الأسعار، وعاد الفلاحون والتجار للبيع والشراء.

قيل إن وفاء النيل لم يكن هو السبب في انحطاط الأسعار، لكن ابن حنزابة أفلح في تأجيل دفع الديون التي تكاثرت على البلاد، شحت الغلال والبضائع بما أحدثه نقص مياه النيل، قلت الأموال بالتالي، فصارت القروض المادية والعينية واجبةً من بلاد مجاورة وبعيدة، تدين بالإسلام والنصرانية، وبعضها تدين شعوبها بالكفر أو الزندقة، فلما أفلح ابن حنزابة في تأجيل دفع أقساط الديون — في مواعيدها — ذهبت الأموال في تعويض النتائج التي أحدثها غياب وفاء النيل.

قيل أيضًا إن المخصي بدأ يراجع نصائح معاونيه في السلام مع الجماعات الوافدة، يقلب ويعيد ترتيب الأمور، يناقش — مع أصوات معارضة — بدايات المشكلة، يتلمَّس جذورها، يتشوَّف توقعات المستقبل: من يضمن ألا تغادر الجماعات الوافدة ما وعدت به، فتعاود إغاراتها، تروع الآمنين، وتسلب الأراضي والدور والمخازن والأموال؟

كان الإخشيدي يميل — بطبعه — إلى السلم. يرغب في أن يسود السلام، حتى هؤلاء الذين وفدوا من أقطار بعيدة، واستوطنوا الحدود، فرحب بدعوتهم للصلح. أحب أن يفتح صفحةً جديدة، يمحو بها ما كان بين مصر وبينهم من عداوات، أسفرت عن معارك ودمار وقتلى. أعانه تأييد الناس على اتخاذ القرار، رحبوا بالاستقرار الذي غاب — لسنوات — عن حياتهم، أظهروا الفرحة وتهيَّئوا للرخاء القادم. وحين تصاعدت الأحداث، وجرى ما جرى، ناقش التحذيرات التي أهمل سماعها، والالتفات إليها. دعوى السلام لا أكثر من مكيدة، دبَّرها الأعداء فأحسنوا التدبير، الأطماع هي الأطماع، وما يعلنونه في الظاهر غير ما يعدون له في الخفاء، والخطر قائم وممتد. لم تعد التحذيرات — كما كانت — قطرات في موجات التأييد الكاسحة الغلابة، إنما هي وجهات نظر، تدبرت فرأت ما لم يدقق في رؤيته بقية الأهالي.

•••

هدأت الأحوال، فأمر الإخشيدي بالتحقيق في بواعث ما جرى، تأثرت نفسه في البداية، وأشربت بالعطف على المخالفين. انتوى أن يرسم بالعفو عنهم … لكن نفس ابن حنزابة لم تطاوعه على هذا الرسم، شدد على معاقبة الذين خرجوا على النظام، سرقوا وحرقوا ودمروا. حتى السلام الذي يضع حدًّا لهجمات العصابات الوافدة على مناطق الحدود، أعلنوا تشككهم فيه، ورفضوه.

نوديَ على الناس: فليأمن على نفسه من أخذ أو نهب شيئًا، ثم رده. أما من يكتم ما بحوزته، ولا يعلن عنه، فإن عليه أن يتحمَّل عاقبة فعلته. فإذا أقسم أحد أنه ليس لديه شيء، ثم ثبت عكس ذلك، ضرب بالسياط حتى لا يعاود جريمته!

تولى التهامي عقاب هؤلاء. أودع بعضهم الحبس لمدد تفاوتت بين القصَر والطول. وألزم البعض الآخر غرامات، ووضع آخرين تحت الضرب والجلد، كي لا يتكرَّر ما حدث.

لم يترك الإخشيدي ابن حنزابة على هواه، يفصل في الأمور بما يثبت الظلم، وإنما راجع بنفسه نتائج التحقيق، وسأل كثيرًا في أقوال المتهمين، ودفاعهم عن أنفسهم بأنهم لم يفعلوا ما فعلوا إلا لأن الجوع هدهم، فلم يكن أمامهم إلا أن يثوروا عليه، على الجوع لا على الأستاذ. كادت نفس الإخشيدي ترق، فيأمر برفع الأحكام، أو التخفيف منها.

سأل: هل عزَّت الأقوات بالفعل؟

قال ابن حنزابة: فكيف انتظمت أنفاسهم حتى اليوم؟!

قال الإخشيدي: لماذا صاحوا الجوع؟!

قال ابن حنزابة: هتفوا ضد السلام أيضًا.

شاب صوت الأسود غضب: لماذا؟

قال ابن حنزابة: كل الأسباب واجهة زائفة لهدف خبيث … هو الخروج على حكم سيدي أبي المسك.

تدبَّر الأستاذ ملاحظة ابن حنزابة. من يهاجمون أعوان الأستاذ اليوم، قد تسول لهم نفوسهم بأن يهاجموا قصر الأستاذ في الأيام المقبلة.

هزَّ المخصي رأسه في اقتناع. رفض تفسير ابن رشدين بأن ما جرى كان تعبيرًا عن غضبة الجياع على الظروف الصعبة. سمى ما حدث غضبة اللصوص. حطموا الدور، ونهبوا البيوت وسطوا على المتاجر والحوانيت، وخالفوا ما نص عليه الشرع بوجوب الخضوع للسلطان، من يريد أن يحتجَّ أو يشكو أو يتضرر، فإن أمامه السبيل الواضحة لذلك. ثمة العمال الذين يعد من صميم أعمالهم استقبال الأهالي، والاستماع إلى شكاياتهم، والأمر بحلها. القول بأن الموظفين يعنون بمصالحهم، ولا يعنيهم ما يشكو منه الناس، زعم تنقصه الأدلة. فليرجع قصته إلى القاضي، أو الموظف، أو الأستاذ نفسه، مجلسه يفتح أبوابه كل يوم سبت لمن يحمل مظلمة. لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا حجة بنقصان الطعام لإشاعة الفوضى والدمار الأسود، السبل التي ينبغي اتخاذها واضحة. لو أن كل امرئ اتخذ سبيله الخاص، فكيف تتحقق الفوارق بين الحاكم والمحكوم؟!

أما الهتاف — غير المتوقع — ضد السلام، فإنه يشي بالأيدي الخفية التي تحركت في الستر، همها الإفادة من معاناة الأهالي بما ينشر الفوضى والدمار، ويضع الغد في قبضة الظلام.

أنصت المخصي إلى مرافعة ابن حنزابة جيدًا. سأل، وناقش، وشدد على جلاء ما غمض. ثم هز رأسه في اقتناع بما صدر من أحكام، وأمر بتثبيتها.

۳۹۱-۳۹۰

ملومكما يجل عن الملامِ

ووقع فعاله فوق الكلامِ

ذراني والفلاة بلا دليلٍ

ووجهي والهجير بلا لثامِ

فإني أستريح بذي وهذا

وأتعب بالإناخة والمقامِ

ولما صار ود الناس خبًّا

جزيت على ابتسامٍ بابتسامِ

وصرت أشك فيمن أصطفيه

لعلمي أنه بعض الأنامِ

أقمت بأرض مصر فلا ورائي

تخبُّ بي الركاب ولا أمامي

وملَّنيَ الفراش وكان جنبي

يمل لقاءه في كل عامِ

قليلٌ عائدي سقمٌ فؤادي

كثيرٌ حاسدي صعبٌ مرامي

وزائرتي كأن بها حياءً

فليس تزور إلا في الظلامِ

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في عظامي

يضيق الجلد عن نفسي وعنها

فتوسعه بأنواع السقامِ

كأن الصبح يطردها فتجري

مدامعها بأربعةٍ سجامِ

ويصدق وعدها والصدق شر

إذا ألقاك في الكرب الجسامِ

يقول ليَ الطبيب: أكلت شيئًا

وداؤك في شرابك والطعامِ

وما في طبِّه أني جواد

أضرَّ بجسمه طول الجمامِ

تعوَّد أن يغبر في السرايا

ويدخل من قتام في قتامِ

فأمسك لا يطال له فيرعى

ولا هو في العليق ولا اللجامِ

تَمتَّع من سهاد أو رقاد

ولا تأمل كرًى تحت الرجامِ

فإن لثالث الحالَين معنًى

سوى معنى انتباهك والمنامِ٨٥

۳۹۳

هل تراني أخطأت بترك سيف الدولة؟ … السعي بالوشاية لا يختلف في مصر عما ألفت في بغداد، أتلفت — بعفوية — في كل مكان. أفتش عن الأعين المتلصصة، والآذان المتنصتة، حتى في القعدات الخاصة. أحس بفقدان الطريق. تمور التناقضات فيغيب الهدف.

وهكذا كنت في أهلي وفي وطني

إن النفيس غريبٌ حيثما كانا

٣٩٥-٣٩٦

أحاطت بي المؤامرات، فحاصرتني تمامًا. غيوم الخطر ظلَّلت سمائي. المأساة أطلت في نهاية الأفق.

بلغت السعاية مداها بيني وبين المخصي. لعب السعاة دورًا لا ينكر في التدبير ونصب الحبائل وتوسيع الهُوَّة وإحداث الفرقة، وشوا، وأفسدوا ما بيننا، وأضافوا كيدًا إلى كيد.

آثرت السلامة — يعلم الله! — وفضلت العافية، انتويت العودة إلى الشام، المؤامرات تتجدد بتجدد كل صباح. أحيا في جو قاتم بالدسائس، مختنق بالفتن، الجو نفسه الذي خلَّفتُه في الشام، وإن لم أعد أتيه على سيف الدولة — وهو من هو — أخاطبه في ندية، ولا أمدح حتى يلحف في الطلب، فلا أقدم له في كل عام سوى قصيدة واحدة، وربما اثنتين، حين يفضي به اليأس إلى مسارب الغضب.

سيف الدولة! … اشترطت عليه — لما عرفت للمرة الأولى طريقي إليه — ألَّا أكلَّف بتقبيل الأرض بين يدَيه، وألا أخلع سيفي في حضرته، وأنشده شعرًا إلا وأنا جالس، وأنشده طواعيةً؛ فلا أقول بيتًا واحدًا إلا إذا واتتني قريحتي. أخوض غمار الحرب، أفرح للانتصارات، أحزن للهزائم، أتبع فني، أتغنى بالخيل والليل والبيداء والسيف والرمح والطعن والضرب والسرى، والقنا والقواضب والقرطاس والقلم والبطولات، تطير قصائدي في الآفاق، تتردد في كل الأقطار.

هل فررت من ذلك كله، إلى عبودية العبد الأسود؟

•••

هذا عصر يمور بالدسائس والأحقاد والأهواء وفساد النفوس.

الشر يحيط بي من كل جانب، ألحظه في قصر الأسود، في بيوت الأصدقاء، في الأسواق، في الشوارع والدكاكين والمساجد، وأسفل أسوار بيتي، أرصاد وعيون ترافقني في كل مكان، لا تفارقني أينما حللت. لم يعُد أمامي سوى الرحيل، الفرار من هوان الحياة في ظل الأسود، ومؤامرات ابن حنزابة، وسفالات الأعوان، وعنت الأمور من حولي.

– هل يأذن لي مولاي بالعودة إلى الشام؟

ثنى نظرات متسائلة: لماذا؟

قلت: الحنين إلى مواطن الصبا.

– مللت الإقامة بيننا؟

– كل طائر يعود — يومًا — إلى عشه!

وهو يوسط الفراغ بيده: دعك من تعبيرات الشعراء. أكرَمْنا وفادتك، وأجزلنا لك الصلات … فما الذي بدلك؟

– لم أتبدل، إنما هو الحنين إلى موطني.

أطل من عينَيه غضب: من يضمن لي أن قصائد المدح لا يعقبها — في البعد — قصائد الهجاء والذم.

– يصعب أن أبصق في الإناء الذي أكلت فيه!

أشار بيده في جفوة: سأبلغك فيما بعد بقراري.

٤۰۰

بمَ التعلُّل؟ لا أهلٌ ولا وطنُ

ولا نديمٌ ولا كأسٌ ولا سكنُ

أريد من زمني ذا أن يبلغني

ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ

لا تلقَ دهرك إلا غيرَ مكترثٍ

ما دام يصحب فيه روحَك البدنُ٨٦

٤٠٢

فأين الشباب؟ وأين الزمان؟

٤٠٣-٤٠٤

الحزن — حتى الآن — لم يغادر النفوس. تأثرت كل البيوت مما جرى وكان، في انخفاض النيل، وما تلاه من أحداث.

مع ذلك، فقد كان التهيُّؤ لاستقبال العيد أشبه بالفريضة التي يحرص الناس عليها، لا يلغيها، أو يخفف منها حزنٌ مهما بلغ.

عيد النحر من الأيام المشهودة في مصر، تعطل فيه الدواوين، وتغلق الأسواق والدكاكين، وتأتي الناس من شمال الوادي وجنوبه، لمشاهدة الزينات والاحتفالات والمتفرجات.

كنت قد قررت السفر وانتهى الأمر. أعملت الحيلة، فأظهرت الرغبة في المقام بمصر، وإن بدأت في الإعداد للرحيل. لم أُعلم حتى غلماني شيئًا مما انتويته، وبدأت في إعداده، وإن أسررت بالأمر إلى بعض أصدقائي من أهل مصر، وطلبت المساعدة.

ها هو ذا عيد النحر يقبل، أنسب الظروف للفرار من الأسر. رسم السلطان أن يستقبل العيد بيوم، وتعد فيه الخلع والحملانات وأنواع المبار لرابطة جنده، ورابطة جيشه، وصبيحة العيد تفرق.

يرسل ليلة العيد حمل بغل من المال في صرر. مكتوب على كل صرة اسم من جعلت له، من بين عالم وزاهد وفقير ومحتاج.

بعد صلاة العيد يدخل المخصي إلى القصر الكبير، يجلس على تخت الملك، ويخلع بكساوٍ وأموال على الأمراء وأرباب الوظائف والأعوان، على العادة في كل سنة. يرتدي الجميع التشاريف والخلف والأقبية، ويركبون الخيول من الإصطبل السلطاني، بها سروج وكنابيش، ما بين ذهب وفضة، وتزوج الأيامى، وتنحر النحائر، وتفرق على أرباب الرسوم، وتعتق الرقاب، وغير ذلك.

٤٠٧-٤٠٨ 

العيد.

أُقيمَت الأفراح، ونصبت القلاع والقباب، وأوقدت النيران، وازدانت الشوارع والأسواق والقياس بالأنوار والبسط الثمينة، وامتلأت بالمآكل والمشارب والملابس الفاخرة، وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والرصف. وسارت فرق الملاعب والراقصين والمغنين والمهرجين. وعلت القصور والبيوت بأنواع الزينة. حتى الأخطاط والأزقة، علقت في مداخلها قناديل وشموع، وانشغل الناس بالبيع والشراء، وأعدوا أنفسهم لصلاة العيد.

اجتمع القراء والفقهاء، وأقيمت المطابخ، وهيئت المطاعم الكثيرة، ومدت الأسمطة العظيمة، وضربت الخيام حول الجامع العتيق للنزول للوضوء والصلاة.

بدا الجميع مشغولين بمراسم الاحتفال، وبما يوزعه عليهم المخصي من هدايا وصلات.

أوعزت لمحسَّد والتابعين، فدفنوا الرماح في الرمال، وراء المقطم، والزاد بما يكفي لعشر ليالٍ، وقِرب الماء بما يكفي لعشرين يومًا.

هذه هي الفرصة التي ربما لن يتاح لي فرصة بعدها.

٤٠٩-٤١٠

عيد بأية حالٍ عدت يا عيدُ

بما مضى أم لأمر فيك تجديدُ؟

أمَّا الأحبة فالبيداء دونهمُ

فليت دونك بيدًا دونها بيدُ

لولا العلا لم تَجُب بي ما أَجوبُ بها

وجناء حرف ولا جرداء قيدودُ

يا ساقيَيَّ أخمر في كئوسكما

أم في كئوسكما همٌّ وتسهيدُ؟

أصخرة أنا؟ ما لي لا تحركني

هذي المُدام ولا هذي الأغاريد؟

إذا أردت كُميت اللون صافيةً

وجدتها وحبيب النفس مفقودُ

ماذا لقيتُ من الدنيا؟ وأعجبه

أني بما أنا شاكٍ منه محسودُ

أمسيت أروحَ مُثرٍ خازنًا ويدًا

أنا الغنيُّ وأموالي المواعيدُ

إني نزلت بكذَّابين، ضيفهمُ

عن القرى، وعن الترحال محدودُ

جود الرجال من الأيدي وَجُودهمُ

من اللسان، فلا كانوا ولا الجودُ

ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهمُ

إلا وفي يده من نتنها عودُ

أكلما اغتال عبدُ السوء سيده

أو خانه، فله في مصر تمهيدُ؟

صار الخصيُّ إمام الآبقين بها

فالحُر مستعبَد والعبد معبودُ

نامت نواطير مصر عن ثعالبها

فقد بشمن وما تفنى العناقيدُ

لا تشترِ العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ

يُسيء بي فيه عبدٌ وهو محمودُ

ولا توهمت أن الناس قد فُقدوا

وأن مثل أبي البيضاء موجودُ

جوعان يأكل من زادي ويمسكني

لكي يقال عظيم القدر مقصودُ

من علَّم الأسودَ المخصيَّ مكرمةً

أقومه البيض أم آباؤه الصيد؟

أم أُذنه في يد النخَّاس دامية

أم قدره وهو بالفلسَين مردودُ٨٧

٤١٨-٤١٩

غادرت مصر — للمرة الأخيرة — فجر يوم الأضحى. تسلَّل قبلي محسد ومسعود والآخرون. الجميع في شاغل باستقبال العيد.

أرسلت إلى أبي بكر الفرغاني — أحد جلساء المخصي — أقول له: إني أجد وجعًا، وللأستاذ عندي رقعةٌ فيها كلام مهم، فتدفعها إليه عشية العيد عند العتمة إذا خلا؛ فقد هنَّيتُه بالعيد. وذكرت عذري في التأخير.

أخذ الفرغاني الرقعة. وخرجت من بيتي في اللحظة التالية، قاصدًا الصحراء، ومنها إلى خارج مصر.

انطلقت — بجوادي — عبر باب الصفاء — الباب الذي دخلت منه — إلى الرملة، فبني جعفر، على غيقة وسلمنت، إلى بلبيس. منها — بمعونة أصدقائي — إلى سيناء. اخترت التيه٨٨ الذي ضل فيه بنو إسرائيل. إلى أين؟ لم يشغلني السؤال بقدر ما شغلني الفرار من الأسد. الرحيل إلى بلاد الله غاية، تتضاءل أمامها كل الغايات.

ألحفت في الهرب، حتى أمنت طلب كافور. رفقت — بعد ذلك — بنفسي وإبلي وخيلي وعبيدي، فسرت معتدلًا، وترفقت بالقافلة. لم أقصد الكوفة مباشرة، وإنما عرجت على الحجاز، سرت فيها حتى قاربت مدينة الرسول، فلم أدخلها. تنقلت في مضارب الأعراب، أربعة أشهر ونيفًا، حتى اطمأننت إلى انعدام ما يريب، فخرجت إلى الشام، ومنها إلى الكوفة.٨٩

علمت أن المخصي بذل كل الوسائل للإتيان بي. كتب إلى عماله في سائر الولايات، وبذل ذخائر الرغائب لمن يبين عن موقعي. ترصدتني العيون بكل مرصد، ثارت ورائي البادية والحاضرة من كل جانب، لكن الأثر كان قد مسحته الرمال. قال بعض البادية: هبه سار، فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين: لعله سلك طريقًا تحت الأرض.

لم يعلم كافور نبأ رحيلي إلا ثاني أيام العيد، بعد يوم وليلة من انطلاقي. أطوي المفاوز وأجتاز الحلل والمياه، سعيًا إلى الخلاص.

وشعر مدحت به الكركدنَّ

بين القريض وبين الرقى

وما كان ذلك مدحًا له

ولكنه كان هجوَ الورى

في الطريق، قال لي صاحبي ابن يوسف: وما رأيك في الجولة القادمة يا أبا الطيب؟ … لقد هجرت سيف الدولة، وهجوته … وها أنت ذا تهجر كافورًا، وستهجوه … أقول: ترى إلى أين سيحل بك المطاف؟

قلت: لم يبقَ يا ابن يوسف — بعد أن يئست من الملوك، وبعد أن سدوا أبوابهم دوني — إلا أمران لا ثالث لهما؛ إما أن أنزل من القمة التي صعدت إليها بعد جهد وكد، وأعود إلى ما كنت عليه في بداية أمري، فأستجدي بشعري صغار الناس وطغامهم؛ أو أن أعود إلى الكوفة، فأقبع في داري، وأهجر الناس جملة، وأقيم بيني وبين الملوك سدًّا؛ فقد كفاني ما لقيت منهم، وكفاهم ما لقوا مني، ولي الآن ثروة تكفل الراحة والنعيم وهناء العيش.

٤٢٣

ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن

يسيء بي فيه كلب وهو محمودُ

جوعان يأكل من زادي ويمسكني

لكي يقال عظيم القدر مقصودُ٩٠

٤٢٩-٤٣٠

أفيقا خمار الهمِّ بغَّضني الخمرا

وسُكري من الأيام جنَّبني السكرا

تسر خليليَّ المدامة والذي

بقلبيَ يأبى أن أسرَّ كما سرَّا

لبست صروف الدهر أخشن ملبسٍ

فعرَّفني نابًا ومزَّقني ظفرا

وفي كل لحظ لي ومسمع نغمة

يلاحظني شزرًا ويسمعني هجرا

سدكت بصرف الدهر طفلًا ويافعًا

فأفنيته عزمًا ولم يفنني صبرا

أريد من الأيام ما لا يريده

سواي ولا يجري بخاطره فكرا

وأسألها ما أستحق قضاءه

وما أنا ممن رام حاجته قسرَا

ولي كبدٌ من رأي همتها النوى

فتركبني من عزمها المركب الوعرَا

تروق بني الدنيا عجائبها ولي

فؤاد ببيض الهند لا بيضها مغرَى

أخو هممٍ رحالة لا تزال في

نوًى تقطع البيداء أو أقطع العمرا

ومن كان عزمي بين جنبَيه حثَّه

وخُيل طول الأرض في عينه شبرا

صحبت ملوك الأرض مغتبطًا بهم

وفارقتهم ملآن من شنفٍ صدرا

ولما رأيت العبد للحر مالكًا

أبيت إباء الحر مسترزقًا حرَّا

ومصر لعمري أهل كل عجيبةٍ

ولا مثل ذا المخصي أعجوبة بكرا

يعد إذا عد العجائب أولًا

كما يُبتدا في العد بالإصبع الصُّغرى

فيا هرمل الدنيا ويا عبرة الورى

ويا أيها المخصي من أمك البظرا

نويبية لم تدرِ أن بُنيَّها النُّـ

ـوَيْبيَّ بعد الله يُعبَدُ في مصرا

ويستخدم البيض الكواعب كالدمى

ورومَ العِبِدَّى والغطارفة الغرَّا

قضاء من الله العلي أراده

ألا ربما كانت إرادته شرَّا

ولله آيات وليسَت كهذه

فإنك يا كافور آيته الكبرى

لعمريَ ما دهر به أنت طيبٌ

أيحسبني ذا الدهر أحسبه دهرا؟!

وأكفر يا كافور حين تلوح لي

ففارقت مذ فارقتك الشرك والكفرا

عثرت بسَيري نحو مصر فلا لَعًا

بها ولعًا بالسير عنها ولا عثرَا

فعاقبني المخصي بالغدر جازيًا

لأن رحيلي كان عن حلب غدرا

وما كنت إلا فائل الرأي، لم أعن

بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرَا

وقد أُرِيَ الخنزيرُ أني مدحته

ولو علموا قد كان يُهجى بما يُطرى

جسرت على دهياء مصر ففُتُّها

ولم يكن الدهياء إلا من استجرا

سأجلبها أشباه ما حملته من

أسنَّتها جردًا مقسطلة غبرا

وأطلع بيضًا كالشموس مطلَّة

إذا طلعت بيضًا وإن غربت حمرا

فإن بلغت نفسي المنى فبعزمها

وإلا فقد أبلغت في حرصها عذرا٩١

٤٣٢

ألحف محمد في تحذيري من العودة إلى بغداد. العراق يعاني سطوة الديلم.٩٢ خلع معز الدولة المستكفي بالله٩٣ وسمل عينيه. لم تعد بغداد هي بغداد، حاضرة الرشيد، زينة الدنيا، بهجة الأيام. شذاذ الآفاق يتحلَّقون الوزير المهلبي.٩٤

– هل تظن أن أولي الأمر في العراق يطمئنون إليك بعد كل ما فعله لك الإخشيدي، وما فعلته بالإخشيدي؟

أهل العراق لا ينسون. وسيف الدولة يعاني المرض وحرب الروم، والكوفة — مسقط الرأس والنشأة، وذكريات الصبا — توهمت أن إقامتي فيها ستمضي إلى آخر العمر … لكن توالي الأيام أتى بالعزلة والخمول، فضقت بكل شيء، أهملت النصيحة، وأمرت بشد الرحال، سعيًا إلى بغداد.

٤٣٤

كنت أسعد الناس حين التقيت بابن جني. لم يخفِ هو أيضًا سعادته. نقل عني الشعر الذي قلته في مصر، وبعد خروجي منها. سألني في أبيات منه، وقرأه عليَّ، وصل إلى قولي:

أغالب فيك الشوق والشوق أغلبُ

وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجبُ

وانتهى إلى قولي منها:

لحى الله ذي الدنيا مناخًا لراكبٍ

فكل بعيد الهم فيها معذَّبُ

قال لي: يعز عليَّ أن يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة.

قلت: حذرناه وأنذرناه، فما نفع الحذر. ألست القائل فيه:

أخا الجود أعطِ الناس ما أنت مالك

ولا تعطينَّ الناس ما أنا قائلُ

فهو الذي أعطاني لكافور، بسوء تدبيره، وقلة تمييزه.

قرأ عليَّ قولي في كافور:

وما طربي لما رأيتك بدعةً

لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب

قال: لم تزد على أن جعلته أبا زَنَّة.٩٥

٤٣٥

قبحًا لوجهك يا زمان فإنه

وجه له من كل لؤم برقعُ

أيموت مثل أبي شجاع فاتك

ويعيش حاسده الخصي الأوكعُ٩٦

٤٣٨–٤٤٠

هل عاد أبو الطيب القديم؟

توهَّم الوزير المهلبي أن نزولي في بغداد يغريه بأن أمدحه. قصائدي تخطئ طريقها لغير الملوك والأمراء. المخصي الذي هجوته بقصائد كأنها المدح، كان ملكًا، ألحف المهلبي في رجائه، ووسط الوسطاء، فألححت في اعتذاري. قيل لي إن الوزير أعدَّ لي عشرة آلاف درهم، وثيابًا كثيرة، مقطوعة، وصحاحًا، وفرسًا بمركب. يهبني ذلك كله عند مديحي له … لكن قريحتي لم تسعفني، أو لعلها أبت. لم أمدح غير الملوك. وكنت كذلك أنفر من سخافة المهلبي، وما اشتهر عنه من الهزل، واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عليه. أذهلني التحلل في مجلسه. حتى القضاة اجتمعوا فيه ليلًا، وشربوا الخمر، فبلغ بهم إلى غمس لحاهم بدنان الخمر، ورش بعضهم بعضًا بلحاهم الثملة.

حرض الرجل شعراء بغداد،٩٧ فأذيعت قصائد لهم، تهجوني وتنال من عرضي. غاظه ما تصور أني قصدته، ففرق ما كان أعده على الشعراء، وزادهم مدة إقامتي من الإحسان والعطاء.

جوابي عن السؤال: لماذا تركت لقاء الملوك؟ … القوة هي العلاج الوحيد لإزالة الحجاب بيني وبينهم. الملوك أرانب في قصائدي، مفتحة عيونهم نيام.

كان ذلك في الزمان القديم، فماذا جرى؟

أتذكر الرسالة التي دست أسفل باب بيتي في مصر الفسطاط: «الحياة أنفقت في مدح الولاة والأمراء والملوك. تخترع معاني الكرم والفتوة، فتنسبها إليهم. ترحل من بلد إلى بلد طلبًا لمنحهم وعطاياهم، تقف على أبوابهم انتظارًا لمنحهم، كأنك المهرج في مجالس اللهو والعبث …»

ضقت بكل ذلك. أبرمت بالإلحاح في طلب المدح. أريد حياة جديدة، مخالفة لما سبق.

لم أكن آمنًا في الكوفة ولا بغداد ولا حلب ولا الفسطاط. لم أكن آمنًا في أي مكان، في أي يوم. أنام وأتوقع ألا أصحو. أدخل على الملك يصحبني السؤال: هل تسعده قصيدتي، فيجزل لي العطاء، أو يرى في كلماتها ما يغضبه، فيدفع بي إلى السجن؟

لم تكن حياة دعة واطمئنان. أنجو من الموت تحت سنابك الخيل، أو بضربات السيوف، فأعاني الجواسيس والبصاصين والواشين والمؤامرات والذل والمهانة، النعل والخف، المطية ولباس القطن الخشن، وعلي الحاجب يجيزني على قصيدة بدينار، وأيام التشرد — عقب الخروج من السجن — خوفًا من السلطان. يصعب أن أدخل أرض الإخشيديين حتى لا يحدث ما حدث من قبل، فأدخل السجن. لا أستطيع أن أدنو من أرض ابن رائق في الشام، وأعالي الفرات. بدر يطاردني، وبدر أثير عند ابن رائق. أتخفى في البادية، حتى عن البدو أنفسهم. أستتر في الحواضر، فلا يعرفني أحد. سيف الدولة يضربني بالدواة في وجهي. أقف بين يدَي المخصي، وكنت أنشد جالسًا عند سيف الدولة.٩٨ ابن خالويه٩٩ يخرج مفتاحه من كمه، فيشجني به، حتى يسيل دمي، فيخضب وجهي. الأمير يرى فلا يصنع شيئًا. ابن الحجاج١٠٠ يمسك بلجام جوادي — بتحريض من المهلبي — وينشد شعرًا مقذعًا، ينال فيه مني، على ملأ من الناس، في جعبتي الصبر وحده، حتى ينتهي.

إلى أي حين أنت في زي محرمِ

وحتى متى في شقوةٍ وإلى كمِ؟

وإلا تمت تحت السيوف مكرمًا

تمت وتقاسِ الذل غير مكرمِ

فثب واثقًا بالله وثبة ماجد

يرى الموت في الهيجا جنى النحل في الفمِ١٠١

٤٤٥

العودة إلى سيف الدولة صعبة، بعد أن قلت فيه ما قلت، وأنا في ضيافة الأسود … وماذا تفيد قصائدي في الهزائم التي لحقت بسيف الدولة على أيدي البيزنطيين؟

٤٤٧–٤٥١

لست أدري، على أي نحو شغلني الأمر، ولا كيف، أو متى اتخذت قراري؟

وفدت الأنباء بثورات المصريين ضد كافور وأعوانه. انهار سلطانه، وانحل أمره، وخضع مطلقًا لعبث الجند، ولسطوة الأعوان والخدم. عجز حتى أن يجمع أطراف الدولة، ويحزم أمرها.

تبادل أعوانه مع العصابات الوافدة مذكرات ووثائق، ووقعوا أوراقًا. خفتت — بعدها — حمية الجند. توهموا السلام في قبضة اليد، ولم يفكروا في الآتي وقادم الأيام. ألفوا حياة الدعة والراحة، وانصرفوا إلى حياة المدن وتنمية الثروات. بنى سمول الإخشيدي مدينة بالقرب من بلبيس، أسكنهم بها، ووفر لها كل وسائل الراحة، المضارب والخيام قبالة — أو بالقرب من — البيوت، والحدائق تتوسط ذلك كله. الملاهي والاستراحات والمدارس والمستشفيات، أنشئت بعناية ملحوظة، فلا يحتاج الجند للنزول إلى المدن إلا للفسحة، أو للزيارة. أغدق سمول عليهم، أسبغ من فضله وإحسانه، فميزهم عن بقية الناس. زاد في مرتباتهم، فبلغت أضعاف ما كان يتقاضاه بقية موظفي المخصي. أضاف إليها علاوات ومنحًا وكسوات، تمنح أول كل عام. خصَّص رواتب يومية من اللحم والخبز والتوابل والعليق. فرق عليهم الإقطاعات الثقال، وخلع الملابس الفاخرة والخيول المطهمة، والعطايا الجزيلة، وأرضاهم بكل ما وسعه.

أدرك المخصي خطورة تدخل الجيش في الحكم، فرضيَ عن هذا الاتجاه، وشجعه، وموَّله من بيت المال، ومن أمواله أيضًا.

خشي الأهالي من ذلك الأمر بالذات. غدر العصابات الوافدة مشهور، ودعاواهم بالسلام لم تمنع جراد الحدود١٠٢ — في عهود سابقة — من أكل الأخضر واليابس. وحين علت الاحتجاجات بأن خيام الجند — أينما كانت — هي للإقامة المؤقتة، وتعلم فنون الحرب. أما العيش الدائم، ففي المدن والقرى، وحيث يسكن الناس … حين حدث ذلك، أعلن سمول الإخشيدي — ومن بعده ابن حنزابة — أن وظيفة الجند رد الأعداء، وحماية الأراضي والثغور، وتجميعهم في المدن الجديدة الجميلة، يعني الحياة في ظل العسكرية، فلا يتأثرون بلين الحياة في المدن.

•••

بدت العودة إلى مصر مطمحًا. تضاءلت أمامه كل الطموحات. لا نبوة ولا إمارة مقابل قصائد. أحن إلى الناس والنيل والأهرام والجوامع والمساجد والأديرة والكنائس، والمقطم والوادي والنواطير والسواقي.

قال لي محسد، وأنا أغادر مصر للمرة الأخيرة: كان الأهالي ينتظرون قصائدك في تنبيه كافور إلى مصالحهم … لا تمدحه ولا تذمه … اكشف له عما يريده الناس … عن احتياجاتهم، وما يبتغون.

•••

من بعيد، أتأمل ما جرى وكان. الملامح تبدو أكثر وضوحًا مما لو كنت داخلها. تحركات أهل مصر وسخطهم وشكاياتهم، وما يعتمل في النفوس من عوامل التمرد والثورة، السلاح الذي يجري تخزينه، المنشورات التي تروي عن الفساد والشرور والمظالم، الأحاديث الساخطة الرافضة الثائرة، منذ الغروب إلى مطلع الفجر، في الأماكن البعيدة والمعتمة، والتي لا يفطن إليها أعوان الأسود.

كل ما جرى هوامش في حياتي، زوائد أتخلص منها بالإهمال، وبهزِّ الرأس. الإمارة أجرت قصائد المدح للمخصي، أحالت السواد شمسًا.١٠٣ طالت المراوغة، فزاد الإصرار على ما أبتغي. أهملت حتى العيون والأرصاد التي لاحقت خطواتي.

من بعيد تغيرت الصورة، قسماتها وملامحها وألوانها وظلالها. يتوضح ما كنت أتغافله، أو أني لم أرَه. هؤلاء الذين لمحوا أو أبانوا، ثم انطلقوا في الشوارع ينادون بالثورة. هل يعيدون النفس الضائعة؟ هل يكرون الخيط إلى بدايته؟ لماذا عانيت الأسر والسجن؟ وما الذي بدل الأمور؟

الولاية هدف، طريقها محفوفة بالظلال والاستكانة وظلم الآخرين، حملني شنآن المخصي على أن أهجو المصريين، أرميهم بالجهل الفاضح. قال لي رسل عبد الرحمن السكندري: أي ذنب جناه المصريون فاستحقوا كل هذا التحقير والازدراء، ذكرني السكندري — بواسطتهم — أنني نزلت بمصر بغير دعوة من أهلها. لم يغرروا بي، وأطمعوني حيث لا مطمع، ولا وعدوني ثم أخلفوا ما وعدوا. هل إخفاقك في الحصول على ما ابتغيت، وما وعد المخصي بتلبيته، ذريعة للنقمة على المصريين، والانتقام منهم؟١٠٤ شتمت المخصي، فشتمت مصر معه، وأضحكت الأمم من أهلها وجهلها، أغاية الدين أن تحفوا شواربكم. أتذكر قول ابن رشدين ونحن جالسان في بيته المطل على النيل: يا أبا الطيب … أنت تطلب الولاية … فهل تطلب من المصريين أن يجاهدوا في سبيل ولايتك … هل يستحلون دماء من يحول دون فوزك بالولاية؟

يلومني رسل السكندري: ما لك لم تذكر الكرامة وعزة النفس، والأمة التي بلا رحم، والأعبد القزم وإحفاء الشوارب، والقفا الذي ينادي من يصفعه؟ لم تذكر ذلك كله يوم النزول إلى مصر، والنزول بساحة آمال كافور، تتملقه، وتسرف في مدحه. هل لو وليت صيدا أو مقاطعة في الصعيد، كنت تهجو المصريين؟ وهل كان المصريون — قبل أن يخلف المخصي وعده — إلا الأسد في مصر الشرى أو عرينه؟!

ألقيت قصائدي في السلاطين والأمراء، لا سواهم من الحكام والوزراء والقادة. فيما عدا فاتك — الذي استأذنت الإخشيدي في مدحه — فإن قصائدي اقتصرت على كافور، مآثره ومناقبه وعطاياه. لو أني عريت بقصائدي ابن حنزابة والقاضي بدرًا وأعوان السوء، لكان السهم أنفذ، والمرمى أولى بالإصابة، لو …١٠٥

يحدثني رسل السكندري: أنت صناجة العرب، ورب قافيتها الشرود، قصائدك ملأت الآفاق بالمدح، وشغلت الدنيا. فماذا لو حققت الفعل ذاته بإعلان الحدث المرتقب؟ تنشر ثورة المصريين على الطاغوت والطغمة الفاسدة؟ تمسي قصائدك الصوت الذي يرتفع في كل الأقطار. يتحدث عن سريان الدم في الجسد الذي توهموه مواتًا؟ انبلاج الفجر من الليل الذي طالت رقدته؟

٤٥٨

إذا استشفيت من داءٍ بداءٍ

فأَقتلُ ما أعلَّك ما شفاكَا

وأنى شئت يا طرقي، فكوني

أذاة، أو نجاة، أو هلاكَا

٤٦٠

أثر فيَّ سؤال عضد الدولة.١٠٦

كان الرحيل إلى مصر قد احتواني تمامًا، فهززت رأسي، أتعجل الموافقة.

استأذنت عضد الدولة في المسير عنه، أقضي حوائج في نفسي وأعود. لم تكن العودة في نيتي ولا تهيأت لها، السفر إلى مصر — عبر الصحراء — هدفي الذي لن أتحول عنه.١٠٧

أذن لي عضد الدولة، أمر فخلعت عليَّ الخلع الخاصة، وقيدت إليَّ الحملان الخاصة وأعاد صلتي بالمال الكثير.

قضيت ليلتي الأخيرة أناوش الشعر، ويناوشني، يهمني أن أرد للرجل بعض ما أسداه لي. هذه — وإن كان لا يعلم — قصيدتي الأخيرة إليه، من واجبي أن أمدحه بما وسعني من حقه أن يصل إليه امتناني:

فلو أني استطعت خفضت طرفي

فلم أبصر به حتى أراكا

لن أنام ليلتي، حتى أستكمل ما بدأت.

٤٦٢

من لا تشابهه الأحياء في شيمٍ

أمسى تشابهه الأموات في الرممِ

عدمته وكأني سرت أطلبه

فما تزيدنيَ الدنيا على العدمِ

ما زلت أضحك إبلي كلما نظرت

إلى من اختضبت أخفافها بدمِ

أسيرها بين أصنام أشاهدها

ولا أشاهد فيها عفة الصنمِ

حتى رجعت وأقلامي قوائل لي

المجد للسيف ليس المجد للقلمِ

اكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به

فإنما نحن للأسياف كالخدمِ

أسمعتني ودوائي ما أشرت به

فإن غفلت فدائي قلة الفهمِ

من اقتضى بسوى الهندي حاجته

أجاب كل سؤال عن هلٍ بلمِ١٠٨

٤٦٤

وقرت بغالي بكل شيء من الذهب والفضة والطيب والتجملات النفيسة والكتب الثمينة والأدوات الكثيرة. إن سافرت، لا أخلف في منزلي درهمًا، ولا شيئًا يساويه. كنت أكثر إشفاقًا على أوراقي: انتخبتها، وأحكمتها قراءةً وتصحيحًا.

٤٦٥

غير أن الفتى يلاقي المنايا

كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا

ولو انَّ الحياة تبقى لحيٍّ

لعددنا أضلنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموت بدٌّ

فمن العجز أن تكون جبانَا

نزلت — لساعات — في بيت أبي نصر. لقيني هاشًّا باشًّا، وأحسن الترحيب بي. رويت له عن ابن العميد١٠٩ وعضد الدولة. ما أفاء كلاهما علي من رعاية وحسن وفادة. سألني وأنا أغادره: على أي شيء أنت مجمع؟

– على أن أتخذ الليل مركبًا، فإن السير فيه يخف علي.

– هذا هو الصواب.

أضاف: والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة، الذين يعرفون هذه المواضع المخيفة، جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد.

أدهشتني الكلمات، فسألت: لم قلت هذا القول؟

دارى انفعاله: لتستأنس بهم.

قلت: أما والجراز في عنقي،١١٠ فما حاجة بي إلى مؤنس غيره.

– الأمر كما تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك.

أظهرت قلقي: تلويحك ينبئ عن تعريض، وتعريضك ينبئ عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب.

قال: أتدري يا أبا الطيب، أنت لم تحسن كسب ود الناس. لو أنك جاملتهم، واتبعت سياسة المداراة، لكففت عن نفسك عداوة الكثيرين.

استطرد في تألم: إن هذا الجاهل فاتكًا الأسدي١١١ كان عندي منذ ثلاثة أيام. وهو غير راضٍ عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة. وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضًا نحو العشرين من بني عمه، قولهم مثل قوله.

قال تابعي مفلح: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلًا يسيرون بين يديك إلى بغداد.

غاظني تدخل الخادم فيما لا شأن له به، شتمته شتمًا قاسيًا، وقلت: والله لا أرضى أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. إنه عزائي عن الخفراء والمبذرقين.

قال أبو نصر: وأنا أوجه قومًا من قبلي في حاجة، يسيرون بسيرك، وهم في خفارتك.

– والله لا فعلت شيئًا من هذا.

وضغطت على الكلمات: يا أبا نصر، أبخرء الطير تخشيني ومن عبيد العصا تخاف علي؟! والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات، وبنو ضبة متعطشون بخمس١١٢ والماء يلمع كبطون الحيات، وما جرؤ لهم خف١١٣ ولا ظلف١١٤ أن يرده. معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين.

قال: قل إن شاء الله!

قلت: هي كلمة مقولة، لا تدفع مقضيًّا ولا تستجلب آتيًا.

وانصرفت غير آبه، وإن أعملت فكري — فيما بعد — فانتويت السير في الجانب الأيسر من دجلة. تصحبني أسرتي، ويحرسني عبيدي، ويؤنسني الطريق، هؤلاء الذين يقيمون على جانب النهر.

إذا كانت السلامة تصحبني في أعمال فارس، فهل تفارقني في بلاد العرب؟

٤٦٩

هذا هو الثلث الأخير من شعبان،١١٥ هل يتاح لي الوصول إلى مصر قبل شهر الصوم.

١  لاحظنا أن المتنبي لم يشِر إلى تاريخ كل حادثة بتوقيتها. ربما لأن كتابة المذكرات والسيَر الذاتية — بصورتها الحالية — لم تكن معروفةً آنذاك. وقد فضلنا — بديلًا لذلك — أن نشير إلى الأوراق بأرقامها المسلسلة.
وبداية الأوراق من الصفحة السادسة، بما يعني أن المتنبي كتب تمهيدًا، أو مقدمةً، استغنى عنها فيما بعد، أو أنها فقدت مع أوراق أخرى، سيأتي ذكرها في حينه.

٢  بلبيس: هي مدينة بلبيس الحالية. كان بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ. وقد ذكرها المتنبي، فقال:

جزى عربًا أمسَت ببلبيس ربها

بمسعاتها تقرر بذاك عيونها

كراكر من قيس بن عيلان ساهرًا

جفون ظباها للعلا وجفونها

٣  الفسطاط: هي أول مدينة بناها العرب في مصر. وقد بناها عمرو بن العاص (٢١ﻫ) وكان موقعها بين القاهرة ومصر العتيقة.

٤  يقول صاحب «الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي» (ص۱۱۰، ۱۱۱): «وكافور هذا، عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين، قبيح القدمين ثقيل البلد، لا فرق بينه وبين الأمَة. وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال:
رأيت أمَةً سوداء تأمر وتنهى. وكان هذا الأسود لقومٍ من أهل مصر يعرفون ببني عياش، يستخدمونه في مصالح السوق. وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلًا إذا أراد النوم. فإذا أراد منه حاجة، جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح. وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه، فيضحك، فقالوا: هذا الأسود خفيف الروح. وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة. ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صفي. وتقيد الأسود بخدمته، وخدمة والدته فقرَّب من شاء وأبعد من شاء، فنظر الناس إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فتسابقوا إلى التقرب إليه وسعى بعضهم ببعض حتى صار الرجل لا يأمن أهل داره على أسراره، وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده. ثم ملك الأمر على ابن سيده، وأمر ألا يكلمه أحد من مماليك أبيه، ومن كلَّمَه أتلفه. فلما كبر ابن سيده، وتبين ما هو فيه، جعل يبوح بما في نفسه في بعض الأوقات على الشراب، ففزع الأسود منه، وسقاه سمًّا فقتله، وخلت مصر له.»

٥  أخطاط مفردها «خط»، وهي الحارة. وكانت هذه هي التسمية إلى إنشاء القاهرة.

٦  أبو الحسين الناشئ: شاعر مجيد من أهل بغداد، له قصائد كثيرة في أهل البيت. وكان من الشعراء المقربين إلى سيف الدولة.

٧  أبو القاسم الزاهي من أهل بغداد، كان من أشهر شعراء عصره. أكثر قصائده في مدح آل البيت، وإن كتب مدائح في سيف الدولة والوزير المهلبي وغيرهما.

٨  أبو علي الحاتمي هو محمد بن الحسن المظفر. كان من المهتمين بنقد الشعر، وخدم سيف الدولة مع أبي علي الفارسي وابن خالويه وأبي الطيب اللغوي وغيرهم. وكان على صلة بالوزير المهلبي. ويضمر كل منهما للمتنبي عداءً شديدًا.

٩  هكذا بياض في الأصل.

١٠  صيدا: إحدى مدن الشام. وبقية الكلمات مطموسة.

١١  ابن طغج هو أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج، أمير الرملة من قبل الإخشيد. اتصل به المتنبي سنة ٣٣٥ﻫ.

١٢  ابن الفرات (۹۲۱–۱۰۰۱م) هو جعفر بن الفضل بن جعفر، من بني الحسن بن الفرات. ظل وزيرًا مدة ولاية كافور. ثم قبض عليه ابن طغج — عقب موت كافور — ثم أطلق سراحه، فنزح إلى الشام. يكنى بابن حنزابة، نسبة إلى أم أبيه الفضل.

١٣  ابن الخصيب هو قاضي مصر زمن كافور الإخشيدي. كانت له قدرة عالية على الرد على العلماء المعاصرين له، ووضع المؤلفات الخاصة بتلك الردود. وكان عظيم المكانة لدى كافور.

١٤  الكندي مؤلف كتاب «فضائل مصر» الذي أفاد منه المقريزي كثيرًا، وابن القاسم شاعر غنائي مشهور، والنجيرمي عالم النحو الشهير.

١٥  زرابي: شلت.

١٦  محمد بن طغج الإخشيدي (…−٩٣٥م) من أصلٍ إيراني. تولى الحكم في مصر وسوريا في القرن العاشر الميلادي.

١٧  القباب: الهوادج.

١٨  الجامع العتيق: المقصود به جامع عمرو بن العاص.

١٩  هذا هو مطلع القصيدة الأولى التي ألقاها المتنبي مدحًا لكافور. وقد أخذ النقاد عليها — فيما بعد — أنها بدأت بذكر الموت في مجال المدح.

٢٠  سريع المدمعة: أي أن عينَيه سريعتا الاستجابة للدمع.

٢١  المارستان: المستشفى.

٢٢  الحبوس: أوقاف لوجه الله.

٢٣  عبد الرحمن السكندري: خلَت كل المراجع من ذكر هذا الاسم. ومرد غياب الرجل عن كتب المؤرخين — في تقديرنا — أنه لم يكن من أهل الدولة، أو المشهورين في زمانه، وإن كان تأثيره في تطورات الأحداث واضحًا، كما سيأتي.

٢٤  ترة: ثأر.

٢٥  بقية الجملة غير واضحة.

٢٦  البصَّاص في زمن المتنبي، هو المخبر، أو الشرطي السري، في أيامنا الحالية.

٢٧  عيد الغطاس: عيد لأقباط مصر، يشارك فيه المسلمون. يوافق الحادي عشر من طوبة. يحرص فيه البعض على أكل أطعمة معينة، وعلى الغطس في النيل، اعتقادًا أن في ذلك أمانًا من المرض، وطردًا للداء.

٢٨  هكذا بياض في الأصل.

٢٩  ابن جني: وُلد بالموصل، وتوفِّي ببغداد في ٣٩٢ﻫ. وكان من أئمة النحو والعربية. وكان يحضر عند المتنبي في حلب كثيرًا، ويناظر في النحو. قال فيه المتنبي: هذا رجل لا يعرف قدره كثيرٌ من الناس … وقال: ابن جني أعرَف بشعري مني.

٣٠  لعل المتنبي كتب هذَين البيتَين، قبل أن يستكمل القصيدة (ثاني قصائده في مدح كافور) وقد ألقاها — فيما بعد — بمناسبة بناء قصر كافور الجديد بالقطائع، بإزاء الجامع على بركة الفيل، بالقرب من حي طولون.

٣١  تشبيه السواد بالشمس جاء في قصيدة المتنبي. أما تشبيه الزلازل برقصات الفرح، فقد جاء في قصيدة لابن القاسم.

٣٢  جبل يشكر: يُشرف على النيل، وعليه جامع ابن طولون، وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل إن موسى (عليه السلام) ناجى ربه عليه بكلمات.

٣٣  المصالحة هي أن يُفرض على الوارثين أموال باهظة، لتمكينهم من تركة مورثهم.

٣٤  الأحباس: الأوقاف.

٣٥  يشير إلى أنه كان لا يجلس عند كافور، بل ينشده وهو واقف.

٣٦  هذان البيتان من قصيدة للمتنبي، كتبها بعد أربعة أشهر من دخوله مصر. وكان الإخشيدي يحسن وفادته، وإن لم يكِل إليه أمرًا. ومن الواضح أن أبا الطيب كان يستحث الإخشيدي على إنجاز ما وعده به.

٣٧  تختلف اجتهادات المؤرخين في تسمية المتنبي: هل كانت لادعائه النبوة، أو لسببٍ آخر؟ وعمومًا، فإن ادِّعاء المتنبي النبوة، مشكوك فيه لأنه يرجع إلى ثلاث روايات شفاهية. فضلًا عن أن ديوان المتنبي لا يشير — على أي نحو — إلى دعوى النبوة.

٣٨  تؤكد الروايات المختلفة أن أبا الطيب أفاد — إلى غير حد — من ذاكرة قوية، وقدرة على الحفظ والاستيعاب، وحرص على التعلم والتثقف. وقد انعكس ذلك كله في قصائده؛ فهو قد قرأ لفطاحل الشعراء منذ الأعشى وامرئ القيس، إلى أبي تمام، مرورًا بدهبل وزهير والأسعر والأخطل والفرزدق وأبي نواس وبشار والبحتري، وغيرهم إلى زمانه.

٣٩  تخلو كل المصادر التاريخية من ذكر الجماعات الوافدة، وما سببته من مضايقات، دفعت كافورًا إلى حربها، والحد من شرورها، ثم الدخول معها في معاهدة صلح. ولعل تلك الأحداث من صنع خيال أبي الطيب، أو لعلها كانت أحداثًا هامشية مع بعض قبائل الرحَّل، جسَّمها المتنبي على هذا النحو.

٤٠  هكذا في الأصل.

٤١  المخصي: واحدة من التسميات التي كانت تطلق على كافور الإخشيدي.

٤٢  هل كتب المتنبي هذه الأوراق؛ بحيث تجد سبيلها إلى النشر يومًا … أو أنه كتب ما كتب لمجرد التنفيس عما يشغله، ويضيق به … هذه الفقرة ترجح الرأي الثاني.

٤٣  هكذا بياض في الأصل.

٤٤  المؤكد أن الثورة كانت بعض أخلاق المتنبي، منذ ثورته على نظام الحكم في الكوفة، وسعيه الدائب إلى تغييره. وقد دفع من حريته زمنًا في السجن، لقاء دفاعه عن مبادئه.

٤٥  اللاذ: ثياب من حرير، تنسج بالصين تسميها العرب والعجم.

٤٦  سوق القناديل: سوق كبيرة في الفسطاط كانت تحتكر التجارة والمعاملات.

٤٧  الحسبة: هي أمر بالمعروف، إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر، إذا ظهر فعله. وقد شرع الله الحسبة على عباده. وهي تتفق مع القضاء في أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيما يتعلق بحقوق الأفراد، من الغش في الكيل والميزان والدس والتدليس، وتقصر عنها أن والي الحسبة ليس له أن يفصل في الدعاوى المتعلقة بالعقود والمعاملات، إلا إذا أسند إليه السلطان ذلك، فيجمع بين القضاء والحسبة.

٤٨  كل هذه مصادر لبيت المال.

٤٩  الأهراء: مخزن القمح.

٥٠  المكوس في اللغة العربية: الجباية.

٥١  الفسطاط والقطائع والعسكر، كانت تشكل — في مجموعها — مصر الفسطاط.

٥٢  الصوالج: لعبة البولو الحالية.

٥٣  التجريس: هو وضع المتهم، أو المحكوم عليه، بالمقلوب على حمار معلق به جرس، والطواف به في الشوارع.

٥٤  التوسيط: تعبير يطلق على ضرب الجسد بالسيف، في منتصفه.

٥٥  الأشنب: الأبيض الأسنان، الثنيات: الأسنان التي في مقدم الفم، المفرق: موضع افتراق الشعر من الرأس، الأجياد: جمع جيد، العنق العاطل: الذي يخلو من الحلي، المطوق: الذي تطوق بالحلي، الحب: المحبوب.

٥٦  ظن المتنبي أن الإخشيدي يشك في كفاءته، فهو يطلب إليه أن يجربه في هذه القصيدة التي كتبها في العام الأول لمقدمه.

٥٧  الكراع: هي الدواب من مثل البقر والجاموس والخيل والحمير.

٥٨  الجواري: المراكب.

٥٩  يقال إن المتنبي نظم في ابن حنزابة قصيدته التي مطلعها:

بادٍ هواك صبرت أم لم تصبِرَا

وبكاك إن لم يجرِ دمعك أو جرى

لكن الرجل لم يمنح أبا الطيب ما كان ينتظره منه، فلم ينشده إياها وأنشدها فيما بعد، في مجلس ابن العميد، وتلقَّى مقابلًا لها ثلاثة آلاف دينار.

٦٠  بعد وفاة الإخشيد، آلت الأمور إلى كافور. وحاول فاتك أن يُنازعه الملك والوصاية على ابن الحاكم الراحل. ثم قنع بالحياة في إقطاعية له بالفيوم.

٦١  الأسود: من التسميات التي كانت تطلق على كافور الإخشيدي.

٦٢  أبو شجاع فاتك الرومي: مملوك رومي الأصل. كان رفيق كافور في خدمة الإخشيد. فلما مات مخدومهما، وتقرر كافور في خدمة ابن الإخشيد، رفض فاتك الإقامة في مصر، حتى لا يكون كافور أعلى منه مرتبة، فانتقل إلى الفيوم. التي كانت إقطاعًا له، واتخذها مسكنًا.

٦٣  بقية الكلمات مطموسة.

٦٤  لم يرد اسم الشيخ عبد القوي السروجي في كل المراجع التاريخية أو تلك التي تناولت سيرة المتنبي. ولعله من الشخصيات التي أهملتها الأقلام؛ لأنها — في تقديرهم — كانت غير ذات أثر حقيقي.

٦٥  التنوخيون: اسم لعدة قبائل، تجمعوا قديمًا بالبحرين، وتحالفوا على التآزر والتناصر، وأقاموا هناك، فسموا تنوخًا: والتنوخ الإقامة.

٦٦  هكذا بياض في الأصل.

٦٧  لعل سخط المتنبي على الإخشيدي هو الذي أملى عليه هذه الكلمات التي تبدو مجافيةً للواقع.

٦٨  تؤكد المصادر التاريخية أن تغني المتنبي بفروسيته لم يكن عن غلو أو كذب؛ فقد كان — بالفعل — فارسًا شجاعًا. ولم يقرِّبه سيف الدولة منه إلا بعد أن كان ضمن جنوده في معاركه مع الروم. وفي موقعة دارت الدائرة على سيف الدولة، ففر جنده ما عداه في ستة نفر من بينهم أبو الطيب، صمدوا، واخترقوا صفوف العدو، وكُتبت لهم النجاة.

٦٩  عمر بن أبي ربيعة: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي. كان فاسقًا، ويتعرض للنساء في طريقهن للحج، ويشبب بهن. وقد أنكر — لحظة وفاته — كل الحكايات التي نسبها إلى العديد من النساء العربيات، وأنها كانت مجرد خيالات شاعر.

٧٠  المقصود بالعبد الأسود: كافور الإخشيدي.

٧١  الرملة بفلسطين. كانت تابعة لحكم الإخشيد. أميرها — آنذاك — الحسين بن طغج.

٧٢  بقية القصيدة في ديوان المتنبي. وأغلب ظننا أن هذه الحادثة كتبها المتنبي بروح من المبالغة، أو أنها مدسوسة على هذه الأوراق.

٧٣  وهو الخرتيت، حيوان عظيم الجثة، غليظ الجلد، أسوده، قصير القوائم. له قرن واحد.

٧٤  ما هو أشد عليَّ مكانًا.

٧٥  هذه الأبيات من قصيدة للمتنبي. قالها بعد أن رفض كافور خروجه إلى الرملة.

٧٦  في المصادر التاريخية، أن لقاء المتنبي وفاتك جاء مصادفة، دون إعداد سابق.

٧٧  هكذا بياض في الأصل.

٧٨  الثابت تاريخيًّا، أن نقصان النيل، وما نتج عنه من انخفاض في المحاصيل وتفشي المجاعات والأوبئة، حدث بعد رحيل أبي الطيب المتنبي عن الديار المصرية؛ فقد قدم إلى مصر في ٣٤٦ﻫ. وغادرها في ٣٥١ﻫ، بينما قصر الفيضان في ٣٥٢ﻫ. ثم قصر — للمرة الثانية — في ٣٥٦ﻫ، بما يؤكد أن أبا الطيب المتنبي لم يكن شاهدًا على قلة ورود المياه، وما أسفر عنه من نتائج. ولعل أحداث مصر وصلته حيث يقيم، فتناولها كأنه رآها رؤية العين.

٧٩  صلاة الاستسقاء كي يغيث الله المسلمين بالأمطار.

٨٠  تؤكد روايات المؤرخين أن المتنبي — إبان إقامته في مصر — لم يشهد قلاقل أو اضطرابات من أي نوع، وإنما كانت الحياة هادئة، وادعة، والإدارة حكيمة، والحدود آمنة وممتدة — أيضًا — إلى فلسطين، وبعض مدن الشام وبلاد وراء البحر الأحمر. ولعل تلك القلاقل والاضطرابات التي أشار إليها أبو الطيب، مبعثها خياله الشعري، لا الحقيقة الموضوعية.

٨١  حبس المعونة: كان يعرف أولًا بدار الشرطة. ويقع قبلي الجامع العتيق. جدده عيسى بن يزيد الجلودي في عصر المأمون (۳۱۲ﻫ) ثم عرف في ۳۸۱ﻫ باسم المعونة. وتحول إلى مدرسة في عهد الناصر صلاح الدين الأيوبي.

٨٢  يعني القلاقل والاضطرابات التي يتوقع حدوثها.

٨٣  يقصد موظفي كافور الإخشيدي.

٨٤  هنا الفقرات مطموسة.

٨٥  في عام ٤٨٣ه أصابته الحمى. وهذه الأبيات جزء من قصيدة كتبها في وصف تلك الحمى.

٨٦  هذه الأبيات، مطلع قصيدة كتبها أبو الطيب عندما زاد إحساسه بالحصار، وصعب عليه الفرار من مصر.

٨٧  هذه الأبيات من آخر قصيدة كتبها المتنبي قبل الفرار من مصر.

٨٨  التيه: الموضع الذي ضل فيه موسى (عليه السلام) وقومه. وهي أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال السراة من أرض الشام.

٨٩  دخل أبو الطيب الكوفة في ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة.

٩٠  هذان البيتان من قصيدة للمتنبي — كما سبق — قبل فراره من كافور الإخشيدي.

٩١  هذه القصيدة قالها المتنبي في واسط (بين البصرة والكوفة).

٩٢  بلاد الديلم: تقع في شمال شرق الدولة الإسلامية. وصار للجنود الديلم، في أواخر الدولة العباسية، شوكةٌ وسيطرة على الخلفاء.

٩٣  أبو القاسم عبد الله المستكفي بن المكتفي بن المعتضد. وقد حمل جند الديلم المستكفي إلى دار معز الدولة، فاعتقل بها، وخلع من الخلافة، ونهبت داره، وسُملت عيناه. ولم يزل في دار السلطنة معتقلًا، حتى تُوفِّيَ سنة ٣٣٨ه.

٩٤  المهلبي الوزير: هو الحسن بن محمد بن عبد الله بن هارون، من ولد المهلب بن أبي صفرة. كان كاتب المعز بن بويه. ثم أصبح وزيره.

٩٥  أبا زنة: كنية القرد.

٩٦  هذان البيتان من قصيدة للمتنبي، بعد سماعه بوفاة فاتك.

٩٧  من شعراء بغداد الذين حرضهم المهلبي ضد المتنبي: ابن الحجاج، وابن سكرة، والحاتمي.

٩٨  يشير أبو الطيب إلى أنه كان يشترط على سيف الدولة أن ينشده قصائده وهو جالس، بعكس الحال في مجلس الإخشيدي.

٩٩  ابن خالويه: هو أبو عبد الله الحسين بن خالويه. من كبار أهل اللغة، وله كتب كثيرة في اللغة. أصله من همدان ودخل بغداد، ثم انتقل إلى الشام، واستوطن حلب، وتوفِّي بها في ٣٧٠ﻫ.

١٠٠  ابن الحجاج: هو حسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد الحجاج النيلي البغدادي، أحد شعراء العصر البويهي.

١٠١  هذه الأبيات الثلاثة، كتبها أبو الطيب في صباه. بالتحديد، بعد عودته من البادية. ولعله استعادها لأنها أجادت التعبير عن الرحلة التي كان يعد لها نفسه.

١٠٢  المقصود — هنا — عصابات الحدود.

١٠٣  لعله يعني قصيدته الشهيرة، التي جاء فيها، في مدح الإخشيدي:

تفضح الشمس كلما ذرت الشمـ

ـس بشمسٍ منيرة سوداء

١٠٤  في قراءاتنا للمصادر التاريخية، فإن بعضها يذهب إلى أن المتنبي تجاوز بهجائه كافورًا إلى الشعب المصري. ومعظمها يؤكد أن المقصودَ بكل هجائه — حتى الأبيات التي مست الشعب المصري برذاذها — كافورٌ وحدها.

١٠٥  بقية الكلمات مطموسة.

١٠٦  عضد الدولة: أبو شجاع قنا خسرو بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن أبي شجاع الديلمي، من أعقاب سابور ذي الأكتاف. نسبه ينتهي إلى ملوك بني ساسان. وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، وأول من لقب شاهنشاه. وكان أديبًا محبًّا للشعر والشعراء.

١٠٧  خلت كل المصادر من الجهة التي كان يقصدها المتنبي في ختام رحلته، لكنه — في هذه الأوراق — يصرح بتلك الجهة.

١٠٨  بقية القصيدة، وشرحها، في الديوان.

١٠٩  ابن العميد: هو أبو الفضل محمد بن الحسين العميد يلقب بالأستاذ الرئيس، وكاتب الشرق. كان وزيرًا لعضد الدولة البويهي. صاحب طريقة الشعر المنثور. توفي سنة ٣٦٠ﻫ.

١١٠  الجراز كغراب السيف القاطع.

١١١  سمي فاتكًا لسفكه الدماء، وإقدامه على خوض المعارك.

١١٢  الخمس من أظماء الإبل، وهو أن ترد الإبل يومًا، ثم ترعى ثلاثة أيام، ثم ترد في اليوم الرابع.

١١٣  الخف: الإبل.

١١٤  الظلف: ذو الحوافر كالبقر والغنم.

١١٥  لعله يقصد شعبان ٣٥٤ﻫ الموافق ٩٦٥م. ففي هذا الشهر لقي أبو الطيب المتنبي مصرعه على أيدي فاتك ورجاله. والثابت تاريخيًّا أن المتنبي صادف في طريقه من شيراز إلى بغداد، فالكوفة، فاتك بن أبي جهل الأسدي، على رأس جماعة من أعوانه. وكان أبو الطيب قد هجاه ببائية معروفة، فهجم للانتقام. وتؤكد الروايات أن أبا الطيب تلقى التحذير من تربص فاتك به في «واسط»، وأن أبا نصر الجبلي قال إن فاتكًا الأسدي الذي هجاه المتنبي في الكوفة، قبل سفره إلى ابن العميد يريد به السوء، ونصح له أن يرجئ سفره، أو يستصحب عددًا كافيًا من الحرس، فأبى المتنبي، وواصل رحلته، وليس معه إلا ابنه وغلمانه، حتى لقيه فاتك وأعوانه في النعمانية بالقرب من دير العاقول. وحين هم أبو الطيب بالفرار من وجه مهاجميه قال له أحد غلمانه: لا يتحدث عنك الناس بالفرار وأنت القائل:

فالخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فقال له المتنبي: قتلتني قتلك الله.
ودار قتال، قتل فيه أبو الطيب وابنه وكل أعوانه. وكان في الواحدة والخمسين من عمره. واستولى فاتك وأعوانه على كل ما كان مع المتنبي من متاع وأوراق وأموال. ومن جملة ما كان معه ديوانا أبي تمام والبحتري بخطه.
وقيل إن من بين ما عثر عليه في متاعه، قصيدتان في هجاء كافور، ومدح سيف الدولة، إحداهما تقول:

قطعت بسيري كل يهماء مفزعِ

وجبت بخيلي كل صرماء بلقعِ

وثلمت سيفي في رءوس وأذرع

وحطمت رمحي في نحور وأضلعِ

وصيرت رأيي بعد عزميَ رائدي

وخلفت آراءً توالت بمسمعي

ولم أتَّرك أمرًا أخاف اغتياله

ولا طمعت نفسي إلى غير مطمعِ

وفارقت مصرًا والأسيْود عينه

حذارَ مسيري تستهل بأدمعِ

ألم تفهم الخنثى مقالي وأنني

أفارق من أقلى بقلب مشيعِ

ولا أرعوي إلا إلى من يودني

ولا يطَّبيني منزل غير ممرعِ

أبا النتن كم قيدتني بمواعد

مخافة نظم للفؤاد مروعِ

وقدرت من فرط الجهالة أنني

أقيم على كذب رصيف مضيعِ

أقيم على عبد خصي منافق

لئيم رديء الفعل للجود مدعي

وأترك سيف الدولة الملك الرضا

كريم المحيَّا أروعًا وابن أروعِ

فتًى بحره عذب ومقصده غنًى

ومرتع مرعى جوده خير مرتعِ

تظل إذا ما جئته الدهر آمنًا

بخير مكان، بل بأشرف موضعِ

أما هذه الأوراق، فلم تشر إليها رواية ما، حتى قُيض لمؤلف هذه السطور أن يعثر عليها، ويسعى إلى تحقيقها وتقديمها.
وقد استعنت في تحقيق هذه الأوراق بمصادر ومراجع، من بينها ديوان المتنبي (وقد أحلت القارئ إلى الديوان في شرح القصائد التي تتضمنها الأوراق) الشعر والشعراء لابن قتيبة، الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ليوسف البديعي، مع المتنبي لطه حسين، النجوم الزاهرة لابن تغري بردي، خطط المقريزي، بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس، يتيمة الدهر للثعالبي، المتنبي لمحمود محمد شاكر، ذكرى أبي الطيب للدكتور عبد الوهاب عزام، أبو الطيب المتنبي لمحمد كمال حلمي، المتنبي لشفيق جبري، الأعداد الخاصة بالمتنبي من مجلات: الهلال (١٩٣٥م) المقتطف (١٩٣٦م) دار العلوم (۱۹۳٦م) المورد العراقية (۱۹۷۷م).

هنداوي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة