📰 آخر الأخبار
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان
أَنتِ الصَّبَاحُ /أحمد أبوراشدThree Poems By Park Chul Unجناح الضوء / عارف عبد الرحمنأنواع الكوميديا الحديثة/محمد عنانيمنذ أنْ رحلَ ساعي البريد لا توجد رسالة صادقة/غدير حميدان الزبون-فلسطينعرفاء الصف / جواني عبدالThe day you arrive /Elisa Mascia - Italyالدولة والشعب / حميد المصباحيمنتدى الكتاب بالمكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية/شدري معمر علي/ الجزائرOCEANS AND GLOW / Dr. Nancy Denniss-SYDNEYMy legends said...and then/ Hani Al-Fahham / Yemenالمتبقي من ألفاظ الشتيمة ومجازات خطاب الفتنة/كريم عبيدعلويبعد أن تنتهي الحرب، من يعيد الإنسان إلى نفسه؟سُليمان عبد الدايمنينوى تهمل أبناءها من المبدعين - اكرم توفيقنظرة / زهرة بن عزوز~ الجزائرالحب المتوهج يرفع التواصل إلى أعلى درجات الرمزية/محمد الجلايدي- القنيطرة- المغرب Like Flowing Water ~ Kim Eun-sim- KoreaTwo Poems By Lee Hyo- SeoulTwo Poems By Kwak Hyeran-Korea غزالة شريدة / سالم الياس مدالوللغياب اسم / زاهر الأسعد - فلسطينThe power of Belief /Prof.Dr.Deswita Refika, Indonesiaالخاطرة الادبية وسلطة النخبة/الدكتور عبدالكريم الحلولهذا السبب أزلت لحيتي؟! د.محمد نبيل كبهاإنكسار الحلم / جميلة مزرعاني- لبنان

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
دراسات أدبية

من أوراق أبي الطيب المتنبي – جمع وتحقيق محمد جبريل

١٤١

قال لي ابن القاسم: كيف تصدر قصائدك؟

قلت: تصدر عن فني.

– وإلى من تتجه بها؟

– حيث تختار مشيئتي.

وهو يلون صوته: ألم تراودك مشيئتك في اختيار الوزير ابن الفرات؟

كتمت دهشتي: ماذا تعني؟

– إنه من النفوذ كما ترى … فلماذا لا تخطب وده بإحدى قصائدك؟

كيف أمتدح وزيرًا — ولو كان ابن حنزابة — وأنا أعد نفسي للولاية؟!

علا صوت الدهشة: أنا أمدح ابن الفرات؟!٥٩

قال: أعرف أنك مدحت من لا يرقون إلى مكانته!

غالبت التوجس: هل كلفك بما قلت؟

قال في ود: إنما أردت توثيق حبل الود بينك وبينه.

قلت: فإذا لم أمدحه؟

وهو يرفع راحتَيه: هذا شأنك … ولا تضع كلماتي في غير إطارها!

١٤٣

هل أصبحت القضية، أني لم أمدح ابن حنزابة؟!

١٤٦-١٤٧

تنقلت عينا مسعود بين الباب ومجلسي. الليل في منتصفه، أو بعده بقليل. ربما أطلت السهر للقراءة أو الكتابة، أو لمغالبة الأرق. يغلق الباب الخارجي والمشربيات، عقب صلاة العشاء، فلا أنتظر زوارًا. توالت الطرقات، فأطلَّت من عيني مسعود حيرة. ألف ترددي في الموافقة على فتح الباب للطارق، أعاني الفضول والتلصص ونظرات الشك والأسئلة التي لا تنتهي. أبانت انفراجة الباب عن وجه لم أشاهد صاحبه من قبل. حتى الزي يخالف ما اعتاد ارتداءه أبناء مصر، لعله لأبناء الصحراء أو الساحل، أو مناطق بعيدة عن المدن. دفع بأوراق، وسلم، ومضى.

همس مسعود في دهشة: مَن؟! … فاتك مولى الإخشيد؟٦٠

– هو ما ذكرت!

– المجنون؟

– هل هو كذلك؟

– هذه تسميته في الناس.

– لا تكن كببغاء.

قاوم تردده: ماذا يطلب؟

– لقائي!

أنساه خوفه التأدب: ربما أراد ابن حنزابة توريطنا … لم أعد بشيء.

– لم أعد بشيء.

سلم الرجل ما بيده، ومضى.

١٤٩

عرض قائد الجند على الأستاذ أوراقًا، بها عشرة أبيات، قالوا إنهم عثروا عليها في دكان بسوق الوراقين.

أعطيت انتباهي، وتذكرت عبد الرحمن السكندري: هل يكون هو كاتب الأبيات؟

قرأ قائد الجند ما في الورقة. أبيات ناقصة، أقرب إلى السذاجة، وإن بدت في غاية القسوة. تنعت الأستاذ بالأسود، والمخصي، والخادم، والمجنون …

سرت في وجه كافور زرقة، فصار مخيفًا. أيقنت بالعقاب الذي سيحلُّ بالسكندري لو أنه كتب هذه الأبيات. استعاد الاسم من قائد الجند.

ارتاحت نفسي لذكر الاسم الأول: بدر، أو شمس، لم يكن هو عبد الرحمن السكندري.

أهملت سماع بقية الاسم، وتنهدت مرتاحًا.

۱٥۱

قال لي شاب ملتحٍ، التقيت به — للمرة الأولى هذا المساء — بين صلاتَي المغرب والعشاء في جامع ابن طولون: حتى تدرك ما نعانيه، فلا بد أن تحسَّ — مثلنا — أن مصر هي وطنك.

تمنيت لو أني استغنيت عن الحارسَين اللذَين يرافقانني أينما ذهبت، كأنهما التأكيد على السجن الذي أحيا داخله. لا أستطيع أن أخلو بأحد، ولا بنفسي. يحرصان على السماع أكثر من حرصهما على الإمساك بسلاحَيهما.

۱٥٣–۱٥٥

مثل غلبة النهار — أو الليل — دون أن يدري المرء متى ولا كيف حدث ذلك، تبين لي الحياة في مصر الفسطاط عن أسرارها: الأستاذ هو الزعيم، والقائد، والمعلم. يحرص الجميع على إعلان ذلك، وتأكيده في خطبهم وتصريحاتهم وأحاديثهم المعلنة. حتى ابن حنزابة الذي طالت قامته — أحيانًا — قامة الأستاذ. كان يحرص على وضع الهالة المتألقة فوق رأس أبي المسك. كل الإنجازات والتشريعات والقرارات، ما صغُر منها وما كبُر، ما يتصل بالسياسة العامة والحياة اليومية للمواطنين، إنما جرت بتوجيهات الأستاذ، الزعيم والقائد والمعلم، نذر نفسه لأبناء الوطن، يُعنى بالتفصيلات الدقيقة في حياتهم، يتلقَّى الأخبار والتقارير عما يجري في المكاتب والأسواق، ينقلها إليه الأعوان والبصاصون، يضعون الصورة كاملة أمامه يومًا بيوم، فلا تفوته شاردة ولا واردة. يأخذ قراره في ضوء حاجات الأهالي وذوي المصالح، لا يرضخ لوشاية أو تحريض أو ضغط من أي نوع. القرار قراره، يأخذه بكامل الوعي، وبضمير لا يعتوره قلق. المشورة لمجرد الاستنارة والإفادة من تعدُّد الآراء، يستعيدها، ويقلبها، ويتوصَّل — ختامًا — إلى الرأي الذي يميل إليه. يأمر بصياغته في مرسوم يمهره بتوقيعه، أو بختمه، بنفسٍ راضية.

زاد ابن الفرات وأعوانه، فنسبوا إلى الأستاذ ما لم يكن — بالتأكيد — يعلم به. حتى عمليات الإعدام والاعتقال والمصادرة والتعذيب، تُنسب إلى الأستاذ، وتمهر بتوقيعه أو ختمه. كيف وافق عليها وهل وصلت إليه الوقائع كاملة؟ أو أنه جرى عليها تحريف، إضافة وحذف وزيف، غير ملامح الصورة، نقص منها، أو أضاف إليها؟ … اقترابي من مجلس الأستاذ، ومن معاونيه، أتاح لي التعرف إلى الصورة على حقيقتها، دون زواق أو تهاويل.

خطب المشايخ في المساجد بأن المخصي هو ظل الله على الأرض. وضع الله في يده مفاتيح خزائنه فيها، إن شاء فتحها، وإن شاء ظلَّت مغلقة.

مصر الفسطاط ليست مدينة الأستاذ، ولا ابن الفرات والأمراء والوزراء والأعوان، ولا مدينة المشايخ. إنها مدينة ناسها، وإن اختفى ذلك في خضم الصراعات والدسائس والاغتيالات التي كانت صورة الحياة في الطبقة الحاكمة كلها.

الشوارع عامرة بالحوانيت، والحوانيت غاصَّة بأنواع المآكل والمشارب، والناس — في الشوارع والأخطاط والأزقة والميادين والمتاجر والبيوت — كأنه لا يعنيهم شيء، لا تستوقفهم الأحداث التي تمور في بلادهم، لا شأن لها بهم، ولا شأن لهم بها. انصرفوا إلى اهتبال فرص التمتع باللذات، وأسلموا قيادهم لسواهم، يخطط ويدبر ويحمي الثغور ويرد الأعداء، وما عليهم إلا أن يحظوا بما وفَّرته لهم الدولة من أسباب الأمن والأمان. فإذا دعاهم أولو الأمر لإظهار الفرحة — في مناسبة ما — بالغوا في إظهار الزينة، ونصب القلاع، وإيقاد الشموع والقناديل.

أما إذا زاد أعوان الأستاذ من عنتهم ومظالمهم، فإن المصريين يُؤثرون الصمت. لا تبين الوجوه عما تضطرم به النفوس. ربما همسوا بالنكتة، أو لمحوا بالكناية والتورية، لكنهم يرفضون المعاداة الصريحة، المعلنة.

ذلك ما كنت أتوهَّمه في البداية. ثم توضح لي — بالمخالطة والمعاشرة والملاحظة عن قرب — أن الفسطاط لا تهب الغرباء أسرارها بسهولة. الواجهة الصامتة اللاهية، تخفي باطنًا صاخبًا موَّارًا. تلاقت الهمسات التعليقات العفوية، الملاحظات العابرة، الرقاع التي تدس تحت الأبواب، المتاجر التي تغلق بلا سبب، البيوت التي تدهمها الشرطة في أوقات شتى، أبانت عن الحقيقة التي لا تقبل الشك أو التأويل. فيما يجري ويحدث، فإن الإخشيدي يشارك بالصمت، وأعوانه يشاركون بالمظالم والمؤامرات والأفعال الشنيعة. يهمسون في أذنه، فيحسن الإنصات، يرفعون إليه التقارير الكاذبة فيصدقها، يزينون له الأمور فيتوهم أنه يمشي في الطريق الصواب.

زادت الرقاع التي طالما دست تحت باب بيتي، تنبهني إلى ما يجري ويدور، تطالبني — بحق اقترابي من كافور — أن أنبهه، وأشير عليه، بإهمال الهمسات المغرضة، رسم الوسائل التي تعين الأهالي على قسوة أيامهم، محاسبة الظالم والمخطئ والمسيء.

قراري الذي لم أتحوَّل عنه أني ما جئت إلى مصر إلا لمدح كافور، والعودة بهدايا وأموال، وصك تنصيبي على ولاية صيدا. أجلس إلى علماء دين وأدباء ومتعلمين، يكتفون بالتلميح إلى الظروف الصعبة، أجول في الأسواق، أطالع وجوه الناس، أتعرَّف في القصائد والكتابات النثرية إلى ما بين السطور، أجالس النساخين، يحدثونني عما خافوا نسخه. أعرف البصاصين والأرصاد والجواسيس في الشوارع والأسواق وحنايا الأزقة. أميزهم — حالًا — مهما أجادوا التنكر، واصطناع مظاهر الناس العاديين. أكتفي — في كل شيء — بالمشاهدة والإنصات. المتنبي صفة كاذبة، ضاع من عمري لقاءها عامان في السجن، فهل أضيع بقية عمري في قضايا لا تهمني؟ من يرفض، فإن عليه أن يعلن رفضه بالطريقة التي تحلو له، بالوسيلة التي يستطيعها، لا شأن للآخرين برفضه وفعله.

١٥٧

أرى لي بقربي منك عينًا قريرةً

وإن كان قربًا بالبعاد يشابُ

وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا

ودون الذي أملت منك حجابُ

وفي النفس حاجات وفيك فطانةٌ

سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ

١٥٨

قال لي عبد الرحمن السكندري: لو أنك تابعت القصة من بداياتها، ربما تبينت ارتباطها الوثيق بما جرى وكان. أبو المسك لم يخضع الأمور في يوم وليلة. كان معلم ابن الإخشيد، فوصيه. لم يرد لهذه الوصاية إلا حين اطمأن أولو الشأن لذلك … ثم رافق الأيام في تواليها، حتى أصبح له الأمر كله، كمن سار إلى هدفه عبر مسالك غير مطروقة، فتجنب الرفض أو النكير أو الثورة، مما كان لا بد أن يلتقي به لو أنه سار إلى هدفه في العلن، وأمام أعين الناس … لقب الأستاذ لا يعني التفاخر ولا التواضع. إنما هو حيلة، حتى لا يتهمه الناس باغتصاب لقب السلطان، أو الأمير، بعد أن اغتصب كرسي الحكم لنفسه. وكان وصول تقليد من الخليفة إليه أمرًا غير مؤكد.

١٦١

هل غادرت الشام، وقطعت الفيافي والقفار، لأمدح الأسود؟!٦١

١٦٩

تكررت رسائل أبي شجاع فاتك الرومي.٦٢ أرفض لقاءه، كي لا أقع في شباك الخديعة. عانيت أحاييل الجواسيس والدساسين وذوي الأغراض الدنيئة. لم أعُد أثق في إنسان، ولا تصرف مهما تلفع بالبراءة. أضاف إلى ترددي ما علمته من اندفاعه وتهوره، لا يدبر قدمه — قبل الخطو — موضعها، يسبق فعله عقله وتدبيره …٦٣ لما اتخذت قراري — بتوالي الرسائل — ظل القرار مؤجلًا. خشيتي من بصاصي المخصي، كأنها النيران التي لا سبيل إلى اقتحامها، الطريق التي ينبغي ألا ينظر المرء فيها وراءه، الغرفة الواحدة والأربعون، المغلقة.

۱۷۲

دعا الأستاذ، فأدخل خمسة من الفقهاء في الأصفاد، وألقوا بين يدَيه، أمر الأستاذ كبيرهم — شيخ في حوالَي السبعين – بالتحدث عما سأله عنه، وصدع بالإنكار عليه، وأنه غير أهل للقيام بأمر الرعية، وعدَّد له ما يقوم به أتباعه من أعمال السلب والنهب والظلم للمسلمين.

أنصت الأستاذ في هدوء، وإن تسلل إلى ملامح وجهه غضب، وقال في صوت خفيض: هل هذا ما تقولونه لأهل البلاد؟

قال الشيخ: بل هذا ما سمعناه … ونحن نعيده على مسمعكم.

أمر الأستاذ، فسيروا بالأصفاد إلى حيث يجري التحقيق معهم، والتيقُّن إن كان لهم أعوان بين أهل الدولة، أو أن الكلمات واجهة لأفعال تدبر في الخفاء.

بسط ابن القاسم أوراق قصيدة ليلقيها بين يدي الأستاذ. سحب أبو المسك ذيل ردائه، ومضى إلى داخل القصر، فأُلغِيَ المجلس هذه الليلة.

۱۷٥

ألفت استقبال البوابين وأصحاب الأخبار. يُرجفون بأن الإخشيدي ولَّاني هذا الإقليم أو ذاك من أقاليم الصعيد. لم أعد أثق بأحاديث عن وقائع مختلقة، وسراب في صحراء مجدبة، وأكاذيب أوعز بها الأسود، فرددتها الألسنة.

قال لي ابن القاسم، ونحن نغادر الجامع العتيق، عقب صلاة الجمعة: سألت الأستاذ: لماذا لم تولِّ أبا الطيب ولاية؟

قلت لمجرد المسايرة في الحديث: وبماذا أجابك؟

– قال: إنه وهو فقير معدم قد ادعى النبوة بعد النبي … فكيف به بعد أن يلي، ويصبح له أتباع وأنصار؟!

أردف في ابتسامة عابثة: إنه لا يأمن أن تستقل بولايتك، أو أنك ترثه في مصر كلها بعد مماته.

هل خلت مصر من الرجال، حتى يخلص ملكها لهذا الخصي؟!

۱٨٥-۱٨٦

أيقظني الخدم في غير الموعد الذي ألفت الاستيقاظ فيه. كانوا قد فتحوا الباب للشيخ عبد القوي السروجي،٦٤ وأجلسوه في غرفة جانبية. جهزت نفسي في دقائق. خاطب تساؤلي الصامت: مررت بجوار بيتكم، فصعدت لأسلِّم.

ناديت على الخدم، فأتوا بالإفطار والمشروبات. رافق جلسته حديث عن سوء الأحوال، ودسائس أهل الدولة، وضيق الناس.

عزفت عن المشاركة والتعقيب، أو حتى هز الرأس. كنت أعلم عن هؤلاء الذين يشكون جور الحاكم وعسفه، لينقلوا عن الذي أنصت، ما قالوه هم. دانت أمور البلاد للبصاصين، يرون ما يشغلهم رؤيته، ويغضُّون الأبصار عما يريدون تفويته وعدم إذاعته.

يبلِّغون الأسود بالأحوال على نحوٍ غير دقيق، يؤكدون تبليغاتهم بتقارير الشرطة والبصاصين، يعطي الرجل توجيهاته في ضوء ما عرض عليه، ينفذون الأقل منها على النحو الصحيح، يهملون ما ليس في صالح أهوائهم. في الأغلب، فإنهم يسيئون التبليغ والفهم والتنفيذ. يصطنعون الهجوم — أحيانًا — ضد المخصي، يسودون به الصفحات، ينسبونه إلى من شغلتهم قضايا أيامهم، لا تعنيهم ولاية ولا وزارة، يواجهون الموت لقاء أفعال دبرها غيرهم. أتذكر منافسي عند التنوخيين٦٥ صنعهم هجاء الحسين بن إسحاق التنوخي، أضافوه إلى غربتي …٦٦

بدوا كعصابة جعلت همها تسويد حياة الناس، وتبغيضهم في أيامهم، وتبغيضي في أيامي أنا أيضًا، استأثروا لأنفسهم بحكم البلاد. كافور واجهة تخفي المئات من الحكام الحقيقيين. تمكنوا من أرقى الوظائف، أبناء البلاد مقيدون في تبعية الأرض. لا شأن لهم بما يجري. يدفعون المكوس والضرائب، يخرجون للمواكب، يشهدون حمَّامات الدم، تنتقل من القصور إلى الشوارع. يكتفون بالفرجة، أو يلوذون بالفرار.

كنت أفر — أحيانًا — إلى الصحراء. أعايش البدو والأعراب، تستهويني الفطرة والصفاء، والبعد عن كل ما يشين.

توقِّيًا للمجهول، أمر المخصي بمنع الركوب بالسلاح، مهما بلغت مكانة الراكب. شدد على مراقبة صناع الأسلحة وتجارها. هدد من يشتري سلاحًا دون أن يكون له به حاجة بالشنق. بالغ في التحرز على نفسه، فصار يأخذ بالظنة، ويعاقب بالشبهة، ويصدق كل وشاية، ولا يثق بأي أحد مهما كان قريبًا منه، ومنع المشاهدين لموكبه عند ركوبه إلى المناطق المختلفة، من الجلوس في الطرقات، وألزم الناس إغلاق طاقات البيوت عند مروره، وكان يخلو إلى نفسه أيامًا كاملةً في البستان الكافوري، المطل على الخليج. ثم لم يعد يبيت ليلتَين في مكان واحد، وربما هجر مخدعه الوثير إلى خيمة أحد الخدم.٦٧

١٨٨

دعاني عبد الرحمن السكندري إلى زيارة منطقة الجيزة والأهرام، قال: أنت لم ترَ قبور ملوك القبط وأكابرهم.

اعتذرت، لا لمشغولية، فقد أصبحَت الأيام مللًا متصلًا، إنما لأني كنت أتعجل اليوم الذي يأذن لي فيه المخصي بالرحيل. ذوت الأماني، فلم يعد يشغلني إلا العودة من حيث أتيت، الفرار من السجن الذي أودعت فيه نفسي.

حلب!

أحنُّ إليها، وإلى سيف الدولة، الحركة والحياة والحرب والتغني بالسيوف والرماح والقنا والنصال والدروق والحجوف، والدروع والكراغندرات والجواشن والزرديات والخوذ، والقنطاريات والأسنة والقسي …٦٨

ما جدوى الولاية في ظل المخصي؟!

۱۹۰

فاجأني الرقم لما أبلغني به عبد الرحمن السكندري، مات متولي الخراج أبو بكر محمد بن علي بن مقاتل، عندما أجروا التفتيش في بيته، وجدوا ثلاثمائة ألف دينار مدفونة. كل قصائدي لم تتح لي هذا المبلغ … فما جدوى الشعر والأقلام والورق والمحابر؟!

۱۹۱

روى لي محسد — مساء اليوم — واقعةً غريبة، أبانت عن اضطراب أحوال البلاد، وتفرق شمل الوزراء والقادة، وانصرافهم عن مراعاة الأهالي، حرَّض عمر الهاشمي أعوانه، فوقفوا في طريق موكب المخصي، حتى إذا مر، دعوا لأحمد البلبيسي. تأثر الإخشيدي تأثرًا بالغًا. توهم أن البلبيسي قد أصبحت له في نفوس الناس هيبة، فهم يدعون له بدلًا من الدعاء للسلطان. أكمل كافور سيره، وقد تملكه الغضب، بحيث لزم الصمت. لم يكلم أيًّا من معاونيه، حتى وصل إلى المكان المنشود. كان أول ما رسمه — فور استقراره — إلقاء القبض على البلبيسي، وإيداعه الحبس، حتى ينظر في أمره.

١٩٥-۱۹٦

بعد رفع سماط الأطعمة الفاخرة والأشوية من الخراف والأوز والدجاج والغزلان، مد سماط الحلويات والفاكهة. وعندما اطمأن المخصي إلى خلوه مما كان يحفل به، خلع على بعض القضاة والفقهاء وأهل الدولة. وأشار إلى شعرائه، فأنشدوا قصائدهم. لم تصادف الكلمات — في نفسه — هوًى، وإن أظهر الإعجاب. كلمات كأنها الشعر في حفاظها للقافية والوزن، لكنها تفتقد المعاني، أو أن معانيها ساذجة. أمرَ، فنُودي على حسن السيابي من خارج القاعة. لم يكن من المأذون لهم بحضور مجلس الأستاذ.

– ماذا لديك يا حسن من أمر مهم؟

شمل الرجل تردد، كأنه راجع نفسه فيما انتوى أن يتحدث به.

هتف الأسود في لهجة آمرة: تكلم!

قال السيابي: لقد حلمت …

قاطعه المخصي في غضب: تحسبني مفسرًا للأحلام؟!

– حلمي بشأن معاركنا مع الجماعات الوافدة.

– هل قضيت عليهم في منامك؟!

– كأننا عقدنا معهم صلحًا لإيقاف الدماء.

– نحن نؤثر السلام، وإن كنا لا نؤثر السلامة.

واتت السيابي جرأة: فإذا أمكن تحقيق السلام؟

ركز الإخشيدي عينَيه على السيابي، لا تطرفان: ماذا لديك؟

قال السيابي: لا شيء … فقط أتمنى لو جاوزت محاولات الصلح حيز الحلم إلى امتدادات الواقع.

شاب صوت المخصي حدة: دعك من التحدث بالألغاز … هل نمد يدنا لمن يشغلهم قطعها؟

قال السيابي: معلوماتي تؤكد أنهم يرغبون في الصلح أضعاف رغبتنا فيه.

قال المخصي: والأرض التي استولوا عليها؟

قالوا: كل شيء قابل للتفاوض.

– فإذا أصموا آذانهم عن صوت العقل؟

– نحن لن نهمل استعداداتنا.

سكت المخصي عن الحوار، فتصور الحضور كأنه وافق على السير في الدرب الجديد.

٢١٦-٢١٧

جرت أحاديث السلام، فظهر من شخصية حسن السيابي ما كان خافيًا. تكرر ظهوره في مجلس الأستاذ، وفي المناسبات. لم يعُد يستتر وراء أعوانه. سافر إلى مناطق الحدود، وإلى بلاد أخرى بعيدة وقريبة، للتباحث مع الجماعات الوافدة، في وسائل إحلال السلام. علا نجمه، فساوى ابن حنزابة. عامل الناس أحاديثه كأنها تصدر عن الأستاذ. رويت عن حياته الخاصة أعاجيب، كأنه جسد أكاذيب ابن أبي ربيعة٦٩ فلم تعُد كذلك؛ فهو يميل إلى اللهو والطرب والتشاغل باللذات وشرب الراح. يولع بحب الملاح وسماع الغناء. يعاشر أرباب الملاهي. يشرب الخمر في رمضان ويفسق بالمردان. لا يرعوي عن مغازلة نساء الفقراء، ويسعى إلى الإيقاع بهن، بصرف النظر عن خسة الوسائل، ولا يصلي. عنده جوقة جوارٍ مغنيات، يضربن الدفوف، ويعزفن بالطنابير، ويشدون أحلى الشدو. إن لعبت الخمر برأسه، ذهب عقله، فمضى يفعل ما لا يليق بمنصبه ولا وقاره، ويعاقب لأهون الأسباب، ويعاقب — أحيانًا — بلا أسباب محددة.

قيل إنه كان يدفع للرواة، كي ينشدوا في الساحات والميادين ما يؤلفونه من قصائد تدين خصومه، تظهر سخط الناس عليهم، ورفضهم لمظالمهم. يتوقع أن ينقل الأرصاد ما يسمعونه إلى الأستاذ، فيقضي بعقاب الخصوم.

أسرف في القتل والجور وخراب البلاد. قُتل من الناس — في السر والعلانية — ما لا يكاد يُحصى.

شدد أعوانه على الأهالي. يتهمون لغير سبب، ويشون بمن لا يغادر بيته، أو دكانه. ينالونه بأخطر التهم، وأنه ضد ولاية الأستاذ، أو أنه ضد السلام الوشيك. تُغيِّب السجون آلافًا من عابري السبيل، والذين في حالهم، وابتعدوا عن كل ما يثير الريب.

قال عبد الرحمن السكندري: لا أبرِّئ الإخشيدي مما يفعله معاونوه … إنه هو الذي اختارهم، وعليه أن يحسن رقابتهم.

قلت: تلك أفعال السيابي وأعوانه.

قال: السيابي لا يعمل لحسابه … إنه موظف في ولاية يرأسها الإخشيدي.

۲۱۸

أجاد السيابي تصوير قائد الألوف، في هيئة الذي يطمح إلى إزاحة كافور، وتولي الحكم. نقل أعوانه الصورة إلى داخل القصر. تغيرت نفس الأستاذ. نقل إليه أعوان السيابي محاولات قائد الألوف المعلنة لاجتذاب الجنود إليه. لم يكن بيته يخلو من زوار يحملون الرتب المختلفة. وزاد في العطايا، وفي الخلع، لمقدمي المئين، ومقدمي الألوف.

أمر كافور بعزل قائد الألوف. صار للسيابي الحل والربط في قصر الإخشيد. هو الذي يقبل ويرفض ويقرر. لا يظهر علانية، ولا يوقع على أمر. وكان يخترع المراسيم، يؤلفها، وينسبها إلى المخصي.

عرفت أنه كان يشغل — قبل أن يقربه الإخشيدي إليه — وظائف متعددة، ثم ظل فيها. لا أدري كيف يسعفه وقته ولا جهده على شغلها، وإن قال لي السكندري إن الرجل يسافر إلى قريته في المنوفية، ويعهد بوظائفه إلى نواب عنه.

أمر الأستاذ، فنودي في البلاد والطرق والأسواق، أن الصلح بين مصر والجماعات الوافدة قد انتظم، فلا حرب بعد الآن. ومن أراد من أحد الجانبَين أن يدخل مدنَ الآخَر، فلا تثريب عليه.

۲۲۱-۲۲۰

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة