من أوراق أبي الطيب المتنبي – جمع وتحقيق محمد جبريل
٧٠
قضى منذ أيام — بعد مرض طويل — علي بن صالح الروذبادي، كاتب الأستاذ، فرح الناس لموته. قال لي عبد الرحمن السكندري عن صيحات مهللة وزغاريد، تناهت من ناحية الفسطاط. وقال السكندري إن الرجل حسَّن للأستاذ أن يوفر من اعتمادات الرواتب بخفضها. سخط عليه الناس. فلما لحقه المرض، تمنَّوا زواله. فلما مات، أعلنوا فرحتهم.
استصفى المحتسب أمواله. فاجأ الجميع بثروته الهائلة. ذهل لها المحتسب، وذهل لها الأستاذ نفسه، حين علم بأمرها. وذهل لها أهل مصر عندما ذاع خبرها بينهم.
قيل إنه ترك ثلاثة آلاف جرة مملوءة ذهبًا، وعقودًا وأكوابًا وأطباقًا من الذهب، وثيابًا وأمتعةً وطرائف قيمتها ملايين الدينارات، وأراضٍ زراعية وعقارات في مدن وقرًى كثيرة.
كنت في مجلس الأستاذ، صباح اليوم، لما أصدر أمره بمصادرة تركة الرجل، فلا يتبقَّى لورثته شيء.
۷۱
سألني ابن القاسم ظهر اليوم، وهو يرافقني في طريق العودة إلى البيت: على من تنبأت؟٣٧
كان يثقل عليَّ أن أُدعى المتنبي، دهرًا، إلى أن أنست بالتسمية.
قلت: على الشعراء.٣٨
قال: لكل نبي معجزته، فما معجزتك؟
قلت: هذا البيت:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بدُّ
٧٢
أقر كافور تولي عمر الهاشمي قضاء مصر (هل لذلك صلة بثورة القاضي ابن هلال، ومتولي الخراج ابن مقاتل؟)
قيل إن الرجل قدم للأستاذ مبلغًا من المال، حتى يقرَّ ولايته قاضيًا بدلًا من أخيه محمد بن الحسن الهاشمي.
ربما الشائعة كاذبة. ظني أنها كذلك. الأموال الهائلة التي تنفق على القصور والمطابخ والحفلات والأعوان، تنفي أن يكون الأستاذ ممن يقبلون الحصول على مبالغ — مهما عظمت — من رجال حكمه.
٧٣-٧٤
أخلى الأستاذ مجلسه — هذا المساء — إلا من كبار معاونيه. شنت الجماعات الوافدة٣٩ هجمةً مفاجئةً على قرية في الحدود. باغتوا الحامية المصرية، فقتلوا أفرادها، ونهبوا البيوت والدور، وسبوا النساء والأطفال.
تلاغطت الأحاديث عن الجماعات الوافدة. تضايق الناس في معاشهم، وتنغص عليهم حياتهم بإغاراتها المتعددة. تروع الآمنين، وتسلب الدور، وتدمر المحاصيل، وترتكب جرائم النهب والإيذاء، وتوسع من دوائر نفوذها.
ضاعف من كمد الناس وإشفاقهم وحسرتهم، إحساسهم بالخضوع لهذه الجماعات التي أتت من مناطق بعيدة، تنشر الدمار والموت الأسود، وتبشر — عجبًا —٤٠ بالمدنية والتقدم والعلم. غريبة عن البلاد وناسها ودينها إلا ما كان منها أسافل المجتمع إلى سنوات قريبة. كانوا رقيقًا أو كالرقيق، وإن استطاعوا — في غفلة من الدهر — أن يستولوا على ما ليس لهم.
٧٥
وقف — في موكب الأستاذ — هذا الصباح، ثلاثة رجال يتراوحون بين الكهولة والشيخوخة. يرتدون زي العامة.
قبل أن يدفعهم الجنود، وصلت استغاثاتهم إلى آذاننا — ونحن حول الأستاذ — بأن يكف أذى عماله عن الرعية.
سرى الكدر في وجه الأستاذ كبربشة العين. ثم تشاغل بالتحدث مع ابن الفرات، فلم أتبين حقيقة ما ينتويه.
٧٧-٧٨
فاجأ الأستاذ أعوانه وزوار مجلسه: مَن له ظلامة أو خصومة، فإن عليه أن يحضر بين يدَيه، ضُحى كل سبت. أمر، فألصقت منشورات — تتضمن المعنى نفسه — على أبواب المساجد والدور والحوانيت، وعلى الجدران والمقابر. نادى بذلك المنادون والمشاعلية في الشوارع والأخطاط.
تعددت أحكام عمر الهاشمي بإراقة الدماء لجرائم قتل واغتصاب، وسلب أموال اليتامى والأقوات. استولى الفقر والحاجة والمسكنة على الناس، وتفاقمت المظالم بمصادرة الأهالي، وتتبع أرباب الأموال، واستلاب ما بأيديهم من المال بالقوة.
أبدى الأستاذ اهتمامًا، لما روى له الشيخ سالم البرديسي، إمام جامع ابن طولون، بواعث فصله من وظيفته. حين فحش الأمر، وساءت السيرة، وكثر التجرؤ على الدماء، وإتلاف الأموال، سعى إلى القاضي في بيته: يا سيدي القاضي … مفروض أن هذه الأموال تنفق على المساجد والأسبلة وأعمال الخير.
قال الهاشمي: ومن أنباك بعدم إنفاقها في هذا الأمر؟
قال البرديسي: أعوانك يودعونها الخزائن في لحظة … ويخلونها منها في اللحظة التالية.
هتف القاضي: تتهم أعواني؟
قال البرديسي: هذا ما يحدث بالفعل.
أطل من عينَي القاضي شرر. قبل أن يواصل الشيخ حديثه، أسكته الهاشمي بإشارة من يده وعزله.
۸۰
كان موكب الأستاذ يخترق الشارع الرئيس، عندما تعالت صيحات من جانب الطريق: الله ينصر الوزير أبا اليمن قزمان!
غاب الاسم عن الأستاذ في المرة الأولى، فأصاخ سمعه. لم يرضخ كافور لانفعاله. أسلم نفسه لسرحة. ثم همس لعماله باستجوابهم، حتى يفصحوا عن الباعث، المحرض، لما حدث … قال لي عبد الرحمن السكندري إن المتآمرين اعترفوا — قبل أن ينالهم عقاب — أن القاضي الهاشمي هو الذي دفع لهم، وحرضهم على ما قالوه، ليوغر صدر الأستاذ على أبي اليمن.
أنصت كافور إلى الحكاية، حتى خاتمتها. ثم التفت إلى الهاشمي في مجلسه: لماذا حرضت الناس على ما فعلوه؟
قال الهاشمي: ربما اصطنع الموقف واحدٌ ممن نلته بعدالتكم … فأراد الإساءة لي!
عاد كافور إلى سرحته، وظل صامتًا.
۸۱–۸۳
دعاني أبو علي صالح بن رشدين، فزرته في بيته بالكوم الأحمر عند فم الخليج من الناحية الغربية.
لاحظت أن البيوت بلا نوافذ تطل على الطرق والشوارع، حرمات السكان هدف أساس، ينفذ الهواء والضوء من الأفنية التي تتوسط البيوت. المشربيات تغطي الفتحات والنوافذ. تحفظ حرمة أهل البيت من أنظار الغرباء. تأذن — في الوقت نفسه — بمرور الهواء. حتى المداخل تبدو متعرجةً — عمدًا بالطبع — فيصعب على النظرات العابرة أن تحيط بما يجري في صحن البيت.
وجدت في استقبالي مجموعة من المتأدبين. تلقوني — في البداية — أحسن لقاء، وأنزلوني أحسن منزل. التفوا حولي، يسمعون ويسألون، ويعيدون قراءة قصائدي. حتى تلك التي أسقطتها الذاكرة.
جلسنا خلف مشربية في مواجهة الاتجاه الشمالي. يهب من خصاصها الهواء الملطف من الأفنية المكشوفة في وسطها. تصفي الهواء والأتربة، وتكسر من حدة الضوء القوي.
فاجأني شيخ أطلق لحيته، فلم يُعنَ بتهذيبها: ماذا تقصد بهذه الكافوريات؟
– تعبير جديد!
– ماذا تقصد بها؟
– هل ترى غير المدح؟
– إنما هي — إذا أمعنا النظر — ذم واضح.
– كل الكلمات حمالة أوجه.
– إلا كلماتك!
أضاف فيما يشبه التحذير: إذا كان لؤلؤ قد أودعك السجن في حمص، فإن الأستاذ يفضل حسم القضايا بجز الرءوس.
لو أني هجوت المخصي٤١ ربما بدت قصائدي أكثر تعبيرًا عن واقع الحال. الحنين إلى حلب، والملل من أيامي، وما أراه وأنصت إليه، يكفل — ولو بالباطل — تسويد ديوان هجاء بكامله. مدْحُ الأستاذ قضيتي، فلا شأن لي بما يشغل الناس في حياتهم، أو ما يشكون منه، أتيت إلى الفسطاط لوظيفة محددة، وبوعد محدد. أمدح الأستاذ، فيهبني المقابل؛ ولاية صيدا، أو سواها من الإقطاعيات٤٢ أجاوز بها صفتي الحالية …٤٣
قال رجل، يشي لباسه بغربته عن مصر: يا أبا الطيب … ألا تدري موقعك بين شعراء العربية؟
سقط كوب الليمون — بتلقائية — من يدي: لي نفس تعرف قيمتها جيدًا.
قال الرجل: فما حاجتك إلى التكسب من قصائدك؟
كأنما الترحيب مقدمة لإهانتي. أمسكت نفسي عن الانفعال. ساعد على ذلك نظرة غضب، أطلت من عيني صاحب البيت إلى ضيفه.
علا صوت الرجل: يا أبا الطيب، ما أراك فقيرًا فتظل مادحًا للسلاطين والأمراء.
تذكرت معاذًا اللاذقي. قال لي قبل سنوات: والله إنك لشاب خطير، تصلح لمنادمة ملك كبير.
قلت: فهل أرسل قصائدي في سابلة الشوارع؟
– غريب أمرك يا ابن الحسين … تتنكَّر لماضيك كله، وتسقط آراءك، من أجل ولاية لن تنالها.
– الشعر حرفتي لا السياسة.
– إنما أنت مجرد مادح للسلطان.
– تهمة لا تعيبني!
ثم وأنا أضغط على الكلمات: أنا لا أمدح إلا الملوك.
فأين الكبرياء التي أدخلتك السجن؟٤٤
خالط صوتي ضيق: هل أظل في السجن لأرضيك؟
لاحظ ابن رشدين تهيُّئي للقيام، رافق نظرته الغاضبة هتاف: كأنك أوكلت إلى نفسك إصلاح أمور الناس.
أضاف، وهو يهزُّ كتفي الرجل، كأنه يهمُّ بضربه: اكتفِ بأن تصلح أمر نفسك!
أذكر أني ذهبت — في صباي — إلى بغداد، قادمًا من الكوفة. وكان معي خمسة دراهم. وأعجبتني الفاكهة في سوق بغداد، واعتزمت أن أشتريها بما معي من دراهم.
قلت للبائع: بكم تبيع هذه البطيخات الخمس؟
قال البائع: اذهب … فليس هذا من طعامك.
فوَّتُّ الإهانة، وقلت: يا هذا … دع ما يغيظ، واقصد الثمن.
قال: ثمنها عشرة دراهم.
لقسوة عباراته، لم أستطع مساومته. دفعت له ما كان بحوزتي من دراهم، لكنه رفضها … وخرج من الخان، تاجر شيخ، في طريقه إلى داره.
قصده بائع الفاكهة، ودعا له، وقال: يا مولاي … هذا بطيخ باكور … بإجازتك أحمله إلى البيت.
قال الشيخ: ويحك! … بكم هذا؟
قال البائع: بخمسة دراهم.
قال الشيخ: بل بدرهمَين.
وافق البائع. وأتبع موافقته بحمل البطيخات إلى بيت الشيخ، وعاد إلى دكانه مسرورًا.
قلت للرجل: يا هذا؟ … ما رأيت أعجب من جهلك … استمت عليَّ في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت. وكنت قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمَين محمولًا …
قال البائع: اسكت. هذا يملك مائة ألف دينار!
علمت أن الناس لا يكرمون أحدًا، إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار.
أزمعت — يومها — أن أواصل السير في طريق، أسمع الناس في نهايتها يقولون: إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار!
٨٤
مررت بمحمد بن موسى الملقَّب بسيبويه الموسوس، في دكان حائك، وأنا في طريقي إلى بيتي.
وقفت عليه: أيها الشيخ، أحب أن أراك.
قال: رعاك الله وحياك.
قلت: بلغني أنك أنكرت عليَّ قولي: «عدوًّا له ما من صداقته بدُّ» … فما كان الصواب عندك؟
قال: إن الصداقة مشتقة من الصدق في المودة … ولا يسمى الصديق صديقًا، وهو كاذب في مودته … فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في هذا الموضع. ولو قلت: ما من مداراته أو مداجاته، لأصبت. هذا رجل منا يريد نفسه قال:
أتاني في قميص اللاذ٤٥ يسعى
عدوٌّ لي يُلقَّبُ بالحبيبِ
قلت: أمع هذا غيره؟
قال: نعم.
وقد عبث الشرابُ بوجنتَيهِ
فصيَّر خدَّه كسنا اللهيبِ
فقلت له متى استعملت هذا؟
لقد أقبلت في زيٍّ عجيبِ
فقال الشمس أهدت لي قميصًا
مليحَ اللون من نسج المغيبِ
فثوبي والمدام ولون خدي
قريب من قريب من قريبِ
واصلت سيري مبتسمًا، وسيبويه يصيح عليَّ: أبكم الرجل وجلال الله.
ولم أكن كذلك، لكنني أردت النأي عن مناقشة لا طائل من ورائها.
٨٥-٨٦
التقيت بأحمد البلبيسي، ظهر أول أمس في سوق القناديل٤٦ خلف الجامع العتيق. يسبقه حراس، بأيديهم عصي، يدفعون الناس عن طريقه.
تنبَّه إلى وقوفي — وحارسي — في جانب الشارع. ألقى تحيةً تقطر ودًّا، ثم واصل السير.
بدت لي صورته غير مألوفة، وغريبة عن رؤيتي له في مجلس الأستاذ. كان الحياء توءمه؛ فهو صامت أغلب الوقت، لا يشارك في الأحاديث، ولا يدلي برأي، إلا إذا دعاه الأستاذ، فيبين عن سعة علم، وسرعة بديهة، وقوة حُجة.
تقضَّت الأيام — منذ زيارته لي في بيتي — دون أن نتحادث في أمر ما. إنما يستمع كلٌّ منا إلى الآخر في مجلس الأستاذ. تصوَّرت نفسي صديقًا له، خبيرًا به، عارفًا لأسرار حياته … لكن الصورة ما لبثت أن أبانت عن الوجه الآخر.
شغلتني الصورة الجديدة، المفاجئة، فهمني السؤال عنه، أفزعني ما سمعت، فلم أصدقه في البداية، أكدته روايات لا صلة بين أصحابها، فأعدت النظر إلى المسألة برمتها. هل يخفي الحياء المفرط امرأً آخر له السيرة نفسها التي يخشاها، ويكرهها الناس.
علمت أنه يتولى، إلى جانب قيادة البصاصين — وظيفته غير المعلنة — أمر الخراج. فوَّضه ابن حنزابة لجميع وجوه الحسبة٤٧ والسواح والأعشار والجوالي والأحباس والمواريث والشرطتين،٤٨ وأنه صارم غاية الصرامة، في التعامل مع التجار والباعة؛ فهو لا يستثني أحدًا من قرار إبطال الخمور — مهما ارتفعت أو انخفضت مكانته — فلا يترك رجاله بيتًا دون أن يكبسوه، ما داموا قد علموا أن فيه خمرًا. بل إن قسوته تمتد فتشمل هؤلاء الذين لا يعنون بنظافة بيوتهم من خارجها، أو كنس الطريق أمامها. وحين ضبط جزارًا يبيع لحمًا نتن الرائحة، أمره أن يبتلع من اللحم نيئًا. فلما جحظت عينا الجزار من كثرة ما أتخم، سار عنه، وإن خلف بعض أعوانه يباشرون إطعام الرجل من اللحم النيء، حتى يأتي عليه.
من وظيفته أنه يملأ الأهراء٤٩ بالغلال، ويطمئن إلى وصول المكوس٥٠ والديون إلى بيت المال، ويعاين المكاييل والموازين، ويأمر بإماطة الأذى عن الطريق، وينبه أولي الأمر إلى الأبنية العامة الآيلة للسقوط، ويأمر، فتوقد القناديل في سائر البلد على الحوانيت وأبواب الدور ونواصي الأخطاط. لا يمر في الشارع حمل تبن ولا حمل حطب. لا يسوق أحد فرسًا بها، ولا يمر بها سقاء إلا وراويته مغطاة. يجعل عدة من الخفراء، يطوفون بالشوارع والأخطاط لحراسة البيوت والدكاكين وغيرها. يشرف على أرباب الصناعات من نجارين وحدادين ونساجين ووراقين، وغيرهم ممن تتصل أعمالهم بالناس، حتى السقاءون ومعلمو الكتاتيب، ينضوون تحت سلطته، ويخضعون لتفتيشه. يسأل عن أسعار السلع ليتأكد من أنها مناسبة، يسبقه في طوافه بالأسواق موظف يحمل ميزانًا كبيرًا، يتبعه الجلادون، وبعض المعاونين. يعاين الموازين والمكاييل التي يستعملها التجار، حتى يتأكد من صحتها.
استخدم النواب في مصر الفسطاط وباقي المدن، يطوفون على أرباب الحرف والصناعات والتجارة، والموقدين بيوتهم ليلًا، ويختمون على قدور الهراسين، وعلى اللحوم، ويعاينون البضائع، يتشممونها، ويقلبونها، ويتأملون جودتها، ويتتبعون الطرقات، ويمنعون من المضايقة فيها، ويراعون ألا تحمل الراكب أكثر من وسق السلامة. وكذلك في حمولات البهائم، ويأمرون السقائين بتغطية الروايا، والحمالين بارتداء السراويلات الساترة لعوراتهم، وينذرون معلمي المكاتب، بألَّا يضربوا الصبيان ضربًا قاسيًا، ولا في مقتل، ويقفون على من يكون سيئ المعاملة، فينهونه عن أفعاله، وينظرون المكاييل والموازين.
فإذا أسرف بائع في تطفيف الكيل، ضربه النواب، وعزروه، وأشهروه على حمار وهو مكشوف الرأس.
علمت أن بواعث الخير لم تكن هي التي أملت عليه ما فعله. روى لي عبد الرحمن السكندري عن جرائم ارتكبها، وأباطيل نسجها لنفسه، وادعى أنها لصالح الجماعة. ساعده على خداع الناس — وخداعي — ما حرص عليه من رزانة ووقار؛ فهو يحسن الإنصات، ولا يتحدث إلا بما تمليه الضرورة، ويحفظ الكثير من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، ويكثر من الصوم والصلاة، ويعرض عن الهزل، وإن لم تغادر البسمة شفتَيه، ويميل إلى التواضع في مجلسه، حتى إنه كان يخفض الرأس في مواجهة محدِّثه، دون اعتبار لارتفاع مكانة المتحدث، أو انحطاطها.
ألزم كل من يدخل عليه، سواء أكان من الوجهاء، أو من عامة الناس، أن يحمل معه هدايا، ذهب أو أموال أو جارية أو عبد، لا ينظر في دعواه إلا إذا سبقته الهدايا.
سمى الرشوة حلوانًا ومكسًا؛ فهو لا يكاد يولي أحدًا وظيفة، ولا عملًا، إلا بمال، حتى جمع أموالًا عظيمة، ملأت خزائنه، وفرض من الضرائب والمغارم والمكوس ما أثقل كاهل الأهلين. شملت الضرائب كل إنسان، وكل شيء، فلم يبقَ شيء دون ضريبة وأوقع بالتجار من المغارم والمصادرات، ما جعلهم يجأرون بالشكوى، ويتمنون زوال أيامه.
تسلط على الناس بشراء ما يملكونه من محاصيل ومزروعات بالثمن الذي يحدده، ثم يبيعها إلى التجار بأضعاف ما دفعه.
تخلص من خصومه، أو كل من رفع صوتًا بالشكوى، بالقتل والسجن والتشريد والمصادرة.
لم يعُد يكتفي بأكل أموال الناس، وإنما راح يأكل أموال الدولة أيضًا. قيل إنه استغل كرم الأستاذ، فتسلط على بعض المساجد والمدارس والتكايا، في بلبيس وحولها. نقل أحجارها، وأنشأ بها وكالةً هائلةً تجاه ناحية سوق القناديل، تستقبل الوافدين من خارج البلاد، يقضون فيها أيام إقامتهم، لقاء أجرٍ معلوم.
زاد من عدد الأعوان والموظفين حتى ضاقت بهم العسكر،٥١ صاروا ينزلون إلى الفسطاط، يشوشرون، ويسرفون في المضايقة والإيذاء، والحصول على ما تبيعه الدكاكين، دون أن يدفعوا مقابلًا لها. وامتدت أيديهم إلى ما بأيدي الناس في الشوارع والأخطاط، وشلحوا ثيابهم، وتناولوهم بالكلمات النابية والضرب، وأسرفوا في لعب الصوالج٥٢ واللهو، بحيث خرجوا عن الحدود التي رسمها الشرع الشريف، فاستحقوا لعنة الله وغضبه، جزاءً وفاقًا للشرور التي ارتكبوها، والآثام التي وقعوا فيها.
فرضوا ضرائب باهظة، يجبونها تحت التهديد والوعيد، وانتشرت عقوبة التشهير والمناداة والتجريس٥٣ وتعرضت أرواح العباد وأموالهم للإزهاق والضياع والسلب. زادوا، فأهملوا المعاملات الديوانية تمامًا، وتجاوزوا على العورات، وفضوا البكارى، ولاطوا بالغلمان، وقتلوا النساء أمام أزواجهن.
ضج الناس، وتعددت شكاياتهم. تصل الشكايات إلى أحمد البلبيسي. يلتقط اسم الشاكي، وعنوانه، ويأمر بإحراق الأوراق، يصل الجند إلى مكان الشاكي في مساء اليوم نفسه، أو صباح اليوم التالي. يحاسبونه على فعل غير الذي تناوله في شكواه. يؤكدون التهمة بشهادة الشهود. ويتم العقاب بالإيذاء البدني في المكان، أو يقتاد إلى السجن.
قال السكندري في تأثر: إن الناس لم ينقموا على البلبيسي بقدر ما نقموا على الأستاذ؛ لأنه قربه إليه، وخلع عليه، وسلَّطه على الناس.
أردف في تأثره: إن الأستاذ ولَّى البلبيسي منصبه، وهو يعرف حقيقة أمره؛ فتعليمه لم يجاوز فك الخط، وحفظ القصار من سور القرآن، والتقاط ما وسعه من مجالس العلماء.
وقال السكندري: يضاعف من ألم الناس، وسخطهم، أن البلبيسي ليس مجلوبًا. وُلد في قرية بالقرب من بلبيس؛ فهو من عامة الناس. وإذا كان قد وصل إلى ما وصل إليه في غفلة الزمن، فإنهم لم يتوقعوا أن يكون سوط عذاب على أهله وقومه.
وحين تجرأَت أعدادٌ من الناس، ووقفت على أبواب الأستاذ، تلتمس منه التدخل لدفع هذا البلاء، ظلَّت الأحوال على ما هي عليه، بل إنه كلما استغاث أحد بالأستاذ، نالوه بالْعَنت والإيذاء، فلم يعُد للناس ملجأ يفزعون إليه.
۹۰
سئلت — للمرة الألف — هذا الصباح، في سوق الوراقين: ما حقيقة لقب المتنبي؟
قلت: هو من النبوة، أي المرتفع من الأرض.
۹۱
قال لي ابن القاسم، عصر اليوم: يا أبا محسَّد، أين المرأة في حياتك؟
قلت، وأنا أوسط٥٤ الهواء بامتداد أصابعي حاسمًا: لا موضع لها.
هتف في دهشة: معقول؟!
قلت: أنت ذكرت السبب: إني أب.
قال في دهشته: ألا يحتاج الآباء إلى النساء؟
قلت: معرفة المرأة تنتهي بوفاة الزوجة، إني أحترم ذكرى زوجي.
قال: ألست أنت القائل:
بأبي الشموس الجانحات غواربَا
اللابسات من الحرير جلاببَا
المنهبات عقولنا وقلوبنا
وجناتهن الناهبات الناهبَا
الناعمات القاتلات المحييات
المبديات من الدلال غرائبَا
وفاجأني بالسؤال: ألم تحب خولة بنت أبي الهيجاء، أخت سيف الدولة؟
غالبت المفاجأة، وارتباكي: لو أني أحببتها ما توانيت عن إعلان ذلك.
– راهب إذن؟
– لا رهبانية، لكن مشغولياتي كبيرة، فلا تتيح لي التفكير في الصغائر.
بدا على الرجل غضب واضح، لم آبه له، وانصرف.
۹٥
تمرست بالآفات حتى تركتها
تقول أمات الموت أم ذعر الذعرُ
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها
فمفترق جاران دارهما العمرُ
ولا تحسبن المجد زقًّا وقينةً
فما المجد إلا السيف والفتكة البكرُ
وتركك في الدنيا دويًّا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشرُ
•••
وأشنب معسول الثنيات واضح
سترت فمي عنه، فقبل مفرقي
وأجياد غزلان كجيدك زرنني
فلم أتبين عاطلًا من مطوقِ٥٥
وما كل من يهوى يعف إذا خلا
عفافي، ويرضي الحب والخيل تلتقي
۹۷
دخلت أحاديث الحرب — للمرة الأولى — مجلس الأستاذ. جاءت الأخبار بأن الجماعات الوافدة قد تحركت على البلاد من ناحية الحدود، فوصلت إلى ما بعد العريش. كانت المناطق — فيما يلي غزة — في يد العصابات الوافدة، تقطع على المسافرين الطريق، تأخذ أموال الناس تشن الغارات المفاجئة على مناطق الحدود قتلت — هذه المرة — جماعة كثيرة من الجند والأهالي المصريين. بدا كأنها تتهيأ لمواصلة السير داخل الأراضي المصرية.
أمر الأستاذ، فاتخذ قادة الجند حيطتهم، بتدعيم القلاع والحصون على الحدود، وفي مدن الداخل، وإقامة المراكز العسكرية، وشراء السلاح والذخائر، وتجنيد الأمراء. ولبست الجند آلة الحرب، وأخذت خيول الأمراء وأهل الدولة وأولاد الناس. وعني بتجهيز الشعير والزاد.
٩٨
فكن في اصطناعي محسنًا كمجرب
يبن لك تقريب الجواد وشدُّه
إذا كنت في شك من السيف فابله
فإما تنفيه، وإما تعدُّه
وما الصارم الهندي إلا كغيره
إذا لم يفارقه النجاد وغمدُه٥٦
١٠١-١٠٢
حصل في هذا اليوم من نهب الأموال والسطو على البيوت والحوانيت، واستباحة الأعراض، وانتهاك الحرمات، والاستهانة بأعراف الدين ما يطول شرحه، كأن القارعة أقبلت، فداخل الناس خوف عظيم، وباتوا في غاية الاضطراب، وترقب الشر.
قلت: لكل فعل فاعل.
قال عبد الرحمن السكندري: هذه نيران دائمة، مشعلها ووقودها أعوان البلبيسي.
روى لي السكندري ما لم يكن رواه عن أحمد البلبيسي، ارتكن إلى ثقة ابن حنزابة فيه مثلما ارتكن الأستاذ إلى ثقته في وزيره. استكثر من الأعوان، وأسند إليهم المناصب المهمة، وكبريات الوظائف، فتسلط على الأهالي بواسطتهم. كانوا أرذل الناس وأدناهم وأخسهم قدرًا، وأشحهم نفسًا، وأكثرهم إعراضًا عن الدين، وإقبالًا على الدنيا. غلبت السفالة على أخلاقهم، وارتفع — من بينهم — ستر الحياء والحشمة، وجهروا بالسوء من القول، وتفاخروا بالمعايب والأغلاط، وكثر تسلطهم على أرباب الدولة، يعبثون باسمهم، ويبطشون بسلطانهم، ويظلمون دون رادع.
ضايقوا الناس في معاشهم، وحرموهم الأمن والطمأنينة، وقطعوا الطريق على الأغنياء والعامة، واستولوا على دوابهم وأمتعتهم، وأطلقوا خيولهم في الحقول، فأكلت محاصيلها وخطفوا النساء والغلمان، وباعوهم بعضهم لبعض، أو لمن يشاء من الوجهاء والأعيان. وكانوا يهجمون على النساء في الحمامات، ويخطفون الأقمشة والبضائع من الأسواق، ومن أيدي الناس، وحتى من الفقراء والمتسولة، فلا يدفعون أثمانها. من يمتنع، فإنه يواجه الضرب، وربما القتل، ويدخلون البيوت — أيًّا كان أصحابها — فلا يغادرونها حتى يأخذوا ما يستطيعون أخذه من أموال ومتاع. من رفض أو أبدى المقاومة، آذوه، وألحقوا به ضررًا بليغًا.
انتقل فسادهم إلى خارج مصر الفسطاط، شنوا الغارات في الرملة وبلبيس والفيوم. روعوا الآمنين، وسطوا على دورهم واستلبوا محاصيلهم ومتاعهم، وما يملكون من كراع.٥٧
بالاختصار، فقد حصل للناس منهم غاية الأذى، وعظيم البلاء، حتى إنهم انتهزوا الفرص للنزول من العسكر والقطائع إلى الفسطاط، يشترون فلا يدفعون وينهبون، ويسرقون. لم يسلم من شرورهم حتى كبار أهل الدولة.
سألت عبد الرحمن السكندري: لماذا تسكتون عن مظالمه؟
قال: جعله ابن حنزابة موضع ثقته.
قلت: أبلغوا الأستاذ بأفعاله.
قال: أبلغناه، فعاب علينا الحقد الذي يشغله هدم الناجحين.
ذكر السكندري — فيما ذكر أثناء حديثي الليلة معه — اسم كافور الخادم. لاحظ مفاجأتي ودهشتي. قال وهو يغالب ارتباكه: أنا لا أنعته، لكن هذه بعض تسمياته.
۱۱۰-۱۰۹
تواترت الأنباء عن معارك في الحدود بين الجند المصريين والجماعات الوافدة. نودي في مصر ونواحيها بأن النفير عام في سبيل الله تعالى. ورسم بشد الخيول، ولبس آلة الحرب.
خرج الشبان والرجال إلى الميادين والشوارع والأخطاط، يتصايحون بالحرب. وقدم إلى مصر الفسطاط كثير من أهالي الإسكندرية والصحراء ومدن الصعيد إلى أسوان، يطلبون المشاركة في ردع الغزاة.
نزل الأستاذ إلى الميدان الواسع أمام قصره. عرض الجند وهم لابسون آلة الحرب، راكبون على خيولهم. خلع على القادة، وتبادل كلمات مباسطة مع العساكر.
أمر، فشقت مواكب الجند طريقها، بين ابتهالات الأهالي، ودعواتهم بالنصر المؤزر.
۱۱۸
وما أنا بالباغي على الحب رشوةً
ضعيف هوًى يُبغى عليه ثوابُ
وما شئت إلا أن أدل عواذلي
على أن رأيي في هواك صوابُ
وأعلم قومًا خالفوني فشرقوا
وغربت، أني قد ظفرت وخابوا
إذا نلت منك الود فالمال هينٌ
وكل الذي فوق التراب ترابُ
۱۲۱
كان الليل في أوله. نترقب هتاف الحاجب بمقدم أبي المسك. خاض الحضور في حوارات جانبية.
قال ابن حنزابة: يا أبا الطيب، ماذا تعني بقولك:
يترشفن من فمي رشفاتٍ
هن فيه أحلى من التوحيد؟
قلت ضاحكًا: لا أكثر من خيال شاعر!
قال: أعني الزندقة في المعنى؟
قلت: أنت تحمل الأمور أكثر مما تحتمل.
قال وهو يشيح بيده: بل هذا إفراط وتجاوز حد.
أضاف في تساؤل داهش: هل أعيتك المعاني؟
قال ابن القاسم في نبرة وعظية: للدين في حياة هذا الشعب قداسة، يرفض لأيٍّ كان أن ينال منها.
۱۲۸-۱۲۷
حقق جند الله ثأره.
كانت ساعة اشتجرت فيها الرماح، وصالت البطاريق، وتطايرت القسي والنشاب، وإن حسمت المعركة — في صورتها النهائية — بفوز جند الأستاذ على الجماعات الوافدة. قتلوا أعدادًا كبيرة، وأسروا أعدادًا أخرى، وغنموا غنائم عظيمة من خيل وسلاح وأمتعة وغير ذلك، وأفلحوا في طرد العدو إلى خارج الحدود.
أظهر الناس فرحًا زائدًا، ودقت البشائر أيامًا متوالية، ونودي بالزينة، فنصبت القلاع وأغلقت الأسواق، وزينت المتاجر، وأشعلت الشموع، ورفعت المصاحف على الرءوس، ونشرت الأعلام، ودقت الطبول، وبالغ الناس في الوقود، وأنفقوا الأموال الكثيرة في المآكل والمشارب والغناء واللهو، وكثر اللعب، وأخذت الجواري٥٨ في النيل زخرفها، وقامت بألعاب مختلفة، وتوالت الأفراح، وحضر أنواع الملاهي للترفيه عن الناس بألعابهم.
دخل الأستاذ إلى مصر الفسطاط في موكب عظيم. معه ابن الفرات وسمول الإخشيدي وكبار أهل الدولة، وأرباب العمامة والسيف والقلم، زينت له القطائع والعسكر والفسطاط، وكان له يوم مشهود لم يسمع مثله. ضج الناس بالدعاء والهتاف، ونثروا الذهب والفضة وفرشت الشقق الحرير. زاد في فرحة الناس أن هذه كانت أول هزيمة عرفت للجماعات الوافدة، منذ استوطنت مناطق الحدود. طالما شنوا الهجمات المباغتة، وخالفوا شروط السلم ونقضوا الاتفاقات وسلبوا، ودمروا، وحرقوا، واستلبوا الثروات واعتمدوا على أباطيل في الاستيلاء على أراض ليست لهم.
تواتر ورود المبشرين، ومعهم الأسرى ورءوس القتلى. يطاف بهم في شوارع الفسطاط. يقف الناس — أو يطلون من البيوت — لمشاهدتهم وقد تملكت الفرحة النفوس.
١٣٦–١٣٨
عظم ابن الفرات، وعلا محله وطار ذكره. كان الأستاذ لا يفارقه ليلًا ونهارًا، إلا إذا لزم جناح الحريم، فهو لا يصدر إلا عن رأيه، ولا يخليه من حضور مجلسه، ولا يتصرف في الأمور إلا بعد مشورته فيما يريد. وكان يرد على معظم سائليه: اسألوا ابن الفرات.
استوثق بينهما ود عميق، كأن كليهما مكمل للآخر، متمم لرئاسته، الأستاذ في الإمارة، وابن الفرات في الوزارة.
آلت إلى ابن الفرات مقاليد أمور البلاد والعباد، فلم يعد يتم أمر من أمور الدولة إلا باطلاعه وإذنه. صار صاحب الحل والعقد، واجتمعت فيه الكلمة، حتى إنه كان ينفذ الأمور — في معظم الأحيان — من غير مشورة الأستاذ. يجلس في القصر، يأمر وينهى وينظر في الأحوال، ويرتب العمال، ولا يُطلق شيء إلا بتوقيعه، ولا ينفذ إلا بما يأمر به، ويقرره، ويجتمع — كل ليلة — مع كبار موظفيه، ومن يثق فيهم للنظر في أحوال الناس.
ابن الفرات، دارس محب للعلم. أتابع حواراته في مجلس الأستاذ، فلا أمنع نفسي — ولو بيني وبينها — من الإعجاب به، لكنه — كما تيقنت — يحرص على اقتناء الأملاك والضياع والمسقفات والمعاصر والشون والمخازن والمراكب والعبيد والخدم والمماليك والجواري وغير ذلك. يحرص كذلك على التفرد، لا يحتمل المنافس. فإذا لمحه، سعى إلى التخلص منه بالقتل أو بالوشاية عند الأستاذ، إن بدا خصمه صعب الإزاحة.
أعجب ما سمعته عنه، أنه كان يهوى النظر إلى الحيات والثعابين وغيرها من الحشرات الزاحفة. جعل لها في داره قاعة، يعنى بها، ويطعمها، فراش من الحواة، والعديد من الخدم.
كان الحواة وصيادو الأفاعي يعرفون الطريق إلى داره، يعرضون عليه أنواعها الغريبة، وأجناسها التي بلا عدد، فيختار ما يستهويه منها، ويجزل لأصحابها العطاء.
بنى أعوانه على حبه لتربية الزواحف، قصصًا وحكايات صدقوها لكثرة ما لاكتها ألسنتهم، ونسبوا إليه السحر والطلسمات، يخيفون بذلك من يفكر في معاداته، أو السعي ضده، أو الوشاية به لدى الأستاذ.
وقال لي السكندري — يومًا — وهو يحدثني في أفعال ابن حنزابة: يبدو أن معاشرته للثعابين أصابته بأخلاقها!
زادت النفقات في الحرب. استأذن ابن حنزابة من الأستاذ أن يزيد الضرائب على مبيعات الناس وأسواقهم. أرجعت إلى تحامل السكندري تأكيده أن ابن حنزابة قاسمَ جامعي الضرائب ما حصلوا عليه.



