مكبث – وليم شكسبير
الفصل الرابــع
المشهد 1
كهف مظلم. قدر كبيريغلي. رعد.
(تدخل الساحرات الثلاث)
الساحرة1: ماءت القطة المخططة بالألوان ثلاث مرات.(1)
الساحرة2: ثلاثا، وانّ القنفذ مرة.
الساحرة3: الخطاف(2) يصيح: آن الأوان، آن الأوان.
الساحرة1: دوروا حول القِدر دوروا،
وارموا الاحشاء المسمومة فيه. –
هذه ضفدعة سبتت تحت حجر بارد
واحدا وثلاثين يوما بلياليها
تنز سما في ذلك السبات،
اجعليها تغلي في القدر المسحور اولا.
الجميع: الهبـي واستثاري
الهـبي فقاقيع القِدر تغلي.
الساحرة2: شريحة من لحم افعى الطين
في القِدر اغلوها وحمصوها،
عين سمندل الماء، واصبع ضفدع
صوف خفاش ولسان كلب
ولسان ثعبان وابرة دودة عمياء
ورجل سحلية كبيرة وجناح بومة صغيرة،
لعمل رقية سحر شديد،
كحساء الشيطان يغلي ويفور.
الجميع: الهبـي واستثاري
الهـبي فقاقيع القِدر تغلي.
الساحرة3: حراشف تنين وانياب ذئب
وذرار مومياء: احشاء قرش البحر المالح
وجذور الشوكران(3) أجتثت في الظلام،
كبد يهودي كافر،
مرارة معزى، قشرة من شجر الطقسوس،(4)
نُزعت ساعة خسوف القمر،
انف تركـي، وشفة تتري
وأصبع طفل خنقوه حين الولادة
ولدته عاهرة في حفرة؛
فلتثخن الطبخة
وضعي فيها احشاء نمرة
الى مافي القدر يفور.
الجميع: الهبي واستثاري
ففقاقيع القدر تغلي.
الساحرة2: وبدم القرد بردوها
السـحر تم.
(تدخل هيكاتة)
هيكاتة: اني شاكرة لكن صنيعكنّ،
ولكل منكن نصيبها مما سنكسب،
غنين حول القدر غنين
كالجن اسحرن كل ما ألقيتن فيه.
(موسيقى وغناء)
الساحرة2: ينبأني وخز بأبهامـي
أن شيئا لعينا آت من هنا(5)
افتحي ياأقفال
لكل طارق.
(يدخل مكبث)
مكبث: كيف انتن الآن ياخبيثات وشريرات الظلام الحالك!
ماتفعلن؟
جميعا: عمل لاأسم له.
مكبث: استحلفكن بالذي تمارسنه،(6)
اجبنني بفنكن ايا كان مصدره،
وان اطلقتن الرياح لتعصف
بالكنائس، وان جعلتن
الامواج الراغية تبتلع السفن في متاهاتها
وأن سحقت السنابل الخضراء، واُقتلعت الاشجار،
وانهدمت القلاع على رؤوس ساكنيها،
وانقلبت القصور والابراج رأسا على عقب، وان
دُمركنز بذور الحياة جميعه،(7)
حتى يمل الدمار دماره، اجبنني
لما اسألكن.
الساحرة1: تكلم.
الساحرة2: اطلب.
الساحرة3: سنجيب.
الساحرة1: اخبرنا اترغب سماع ماتبغي من افواهنا نحن،
ام من اسيادنا؟
مكبث: ادعيهم لأراهم.
الساحرة1: اسكبوا دم خنزيرة اكلت صغارها التسعة،
والقيا شحما سال من مشنقة القتلة في اللهيب.
جميعا: تعال، ان كنت في علا ام كنت في حضيض
وبسرعة اكشف عن نفسك وعملك.
(رعد. يظهر الطيف 1 على شكل رأس بخوذة)
مكبث: اخبرني ياقوة خفية، –
الساحرة1: يعرف افكارك
اسمع مايقول ولاتنبس ببنت شفة.
الطيف 1: مكبث! مكبث! مكبث! احذر مكدف،
احذر امير فايف. – اصرفوني. – كفى.
(ينزل)
مكبث: مهما تكن، اشكر تحذيرك لي.
لقد اصبتَ فيما اخشاه تماما، ولكن لي كلمة اخرى:
الساحرة1: انه لايؤمر: هذا غيره،
اقوى من الاول.
(رعد. الطيف 2. طفل دام)
الطيف 2: مكبث! مكبث! مكبث!
مكبث: لو كان لي آذان ثلاث لأصغيت بهم.
الطيف2: كن دمويا، جريئا، حازما، واسـخر
من قوة البشر، فما من رجل ولدته امرأة
ينال من مكبث.
(ينزل)
مكبث: اذن عش يامكدف، فيم خوفي منك؟
لكنني سأضاعف الوثوق من هذا الامر
وآخذ تعهدا من القدر: انك لن تعش،
لكي اقول للخوف الشاحب بأنك كاذب
ولكي انام رغم رعود الزمن بلا خوف.
(رعد. يظهر الطيف 3 على هيئة طفل فوق رأسه تاج ويحمل غصن شجرة بيديه).
ماهذا الذي يبدو كأبن ملك
مكلل الجبين الطفولي بتاج العرش؟
جميعا: اصغ ولاتتكلم معه.
الطيف 3 : كن شجاعا كالأسد، متكبرا، ولاتبالي بمن
يزعجك او يقلقك او اين يجتمع المتآمرون:
فلن يدحر مكبث ابدا مالم تزحف غابة (برنام) العظيمة الى قصره
قصر دنسنين العالـي.
(ينزل)
مكبث: هذا لن يكون ابدا:
من يستطيع زحزحة الغابة، ويأمر الاشجار
ان تهجر جذورها الضاربة في الارض؟ ياللنبؤات العذبة! ياللروعة!
ايها الموتى المتمردون على موتهم لن تقوموا بعد الآن حتى
تتحرك غابة (برنام)، ومكبث عالي المقام سيحيا
حياته الطبيعية ويموت ميتة طبيعية.(9) لكن
قلبي يخفق شوقا لمعرفة شئ واحد: اخبرنني (ان كان لسحركن
ان يعرف) هل يتولى احد من نسل بنكو حكم هذه المملكة يوما؟
جميعا: لاتسع لمعرفة المزيد.
مكبث: لابد من ان اطمئن، فأن رفضتن طلبي،
فلتحل عليكن لعنة ابدية! اخبرنني. –
لماذا يغوص هذا القِدر في الارض؟ ماهذه الاصوات؟
(موسيقى)
الساحرة1: اظهروا!
الساحرة2: أظهروا!
الساحرة3: اظهروا!
جميعا: اظهروا لعينيه واحزنوا فؤاده
كالظلال تعالوا وارحلوا.
(يظهر عرض لثمانية ملوك، آخرهم يحمل مرآة بيده يتبعهم شبح بنكو).(10)
مكبث (مخاطبا الملك الاول في العرض)
انك تشبه شبح بنكو: انزل!
ان تاجك يحرق عيني. (للملك الثاني) وشعرك،
جبينا مكللا بالتاج الذهبي، مثل الاول:-
(للساحرات) الثالث كسابقه:- عجائز قذرات!
لماذا ترينني كل هذا؟ – رابع؟ – يقلع عينيّ!
ماذا؟ ايمتد هذا الخط الى يوم القيامة؟
وآخر بعد؟ – سابع؟ – لن ارى المزيد:-
غير ان الثامن يظهر، يحمل مرآة
ليريني منهم العديد،
ارى احدهم يحمل كرتين وصولجانا ثلاثيا.(11)
ماأفظعه من مشهد! – الآن ايقنتُ انه حقيقة،
لأنه بنكو بشعره المخضب بالدم الذي قد جف عليه، يبتسم لي،
ويشير الى نسله. – ماذا! هكذا اذن؟
الساحرة1: اجل يامولاي، هكذا الأمر كله:- ولكن لماذا
يقف مكبث مشدوها هكذا؟
هيا يااختي لنشرح له صدره
ونريه ابدع متعنا.
سأسحر الجو ليعزف لحنه،
لتؤدين اغرب الرقصات،
عسى الملك العظيم يتكرم ويقول
اننا ادينا واجب الترحاب كما ينبغي.
(موسيقى. ترقص الساحرات ثم يختفين)
مكبث: اين هنّ؟ أذهبن؟ – لتكن هذه الساعة الخبيثة
ملعونة ابدا في تقويم الزمن:-
ادخل انت الذي في الخارج هناك!
(يدخل لينوكس)
لينوكس: ماذا تأمرون جلالتكم؟
مكبث: هل رأيت الساحرات؟
لينوكس: كلا يامولاي.
مكبث: اما مررن بك؟
لينوكس: لا، ابدا يامولاي.
مكبث: موبوء الهواء الذي يمتطينه،
وملعونون اولئك الذين يثقون بهن! – سمعت
وقع حوافر خيل: من مر من هنا؟
لينوكس: جاءكم فارسان او ثلاثة يامولاي بخبر،
لقد هرب مكدف الى انكلترا.
مكبث: هرب الى انكلترا؟
لينوكس: اجل يامولاي الكريم.
مكبث (جانبا): ايها الزمن انك لتمنع افعالي الرهيبة.(12)
لايتحقق الهدف الحثيث مالم
يقترن الفعل به. منذ هذه اللحظة، ستكون خواطر قلبي
طوع بنان يدي. وفي هذه الساعة بالذات
ولأتوج افكاري بأفعالي، سأنفذ ماأفكر به:
ساباغت قصر مكدف بهجوم،
واصادر مقاطعة فايف، ولأهبن رقاب زوجته واطفاله
وكل الأرواح التعيسة تلك التي من صلبه لحد السيف.
لن اتفاخر كالأبله.
هذا الشئ سأفعله قبل ان يبرد العزم.
لا مزيد من المشاهد! – (مخاطبا لينوكس) اين هم هؤلاء السادة؟
هيا خذنـي اليهم.
(يخرجان)
المشهد الثاني
فايف غرفة في قصر مكدف
(تدخل الليدي مكدف وابنها وروس)
الليدي مكدف: ترى مالذي جناه حتى يغادر البلاد هربا؟
روس: تصبري ياسيدتي.
الليدي مكدف: هو ماطاق صبرا:
كان هربه ضربا من الجنون: ان مخاوفنا التي تحثنا
على الهرب تظهرنا بمظهر الخونة، وان لم نكن كذلك.
روس: انك لاتدرين
أكان دافع هربه حكمته ام خوفه؟
الليدي مكدف: حكمته! ايترك زوجته واطفاله وقصره
وكل مايملك في مكان هو نفسه يلوذ منه بالفرار؟
انه لايحبنا: ويعوزه الشعور الانساني الطبيعي،
ان الصعو المسكين، اكثر العصافير صغرا، سيقاتل البوم
دفاعا عن صغاره في العش.
الخوف هو كل ماعنده، والحب عنده لاشئ،
كانت حكمته شحيحة كحبه عندا هرب
خلافا لكل منطق.
روس: ياابنة العم العزيزة،
اتوسل اليك ان تلوذي بالصبر، زوجك نبيل وحكيم وعاقل،
مدرك تماما لتقلبات الزمان هذا. لاأجرؤ على قول المزيد،
ولكنه زمن صعب حينما نكون خونة
ولاندري بأنفسنا؛ ونحن لاندري مما نخاف
فكل مايخيفنا ماهو الا اوهام تُشاع.
ونطفو فوق بحر هائج وعنيف.
في كل اتجاه نمضي – اسمحي لي ان اترككم:
لن يطول غيابي، وساعود مرة اخرى.
اذا بلغت امور قرار السوء وقفت او طفت الى ما كانت عليه.
(مخاطبا ابنها) ابن عمي الجميل
باركك الرب.
الليدي مكدف: له اب وماله اب.
روس: انه لمن الحماقة ان امكث اكثر من هذا
ان مكوثـي سيكون عارا عليّ واحراجا لك.(13)
فاذني لي بالانصراف توا.
الليدي مكدف: (مخاطبة ابنها) ياصغيري والدك قد مات:
فما الذي ستفعله الآن؟ وكيف تعيش؟
الابن: كما تعيش الطيور ياأمـي.
الليدي مكدف: اتعيش على الديدان والذباب؟
الابن: اعني على ما أحصل عليه كما تفعل الطيور.
الليدي مكدف: ايها العصفور المسكين! الا تخشى شبكة الصياد
او فخه او شراكه او مصيدته؟
الابن: ولم اخشاهم ياأمـي؟
لم تنصب هذه الشراك لصيد العصافير المسكينة.
ورغم كل ماتقولين فأن ابي ليس بميت.
الليدي مكدف: بلى، هو ميت. فكيف تتدبر امورك من دونه؟
الابن: وكيف تتدبرين انت امرك من دونه؟
الليدي مكدف: بمقدوري ان اشتري عشرين زوجا من اي سوق.
الابن: اذن فانت تشترينهم لتبيعينهم مرة اخرى.
الليدي مكدف: كلامك كله ذكاء،
ولعمري انك في حاجة الى هذا الذكاء لمثل هذا الموقف.
الابن: اكان ابي خائنا ياأمـي؟
الليدي مكدف: نعم كان خائنا.
الابن: وما الخائن؟
الليدي مكدف: الخائن هو من يحلف ثم يحنث بقسمه.
الابن: اكل من يحنث بقسمه خائن؟
الليدي مكدف: كل من يفعل ذلك خائن يجب ان يشنق.
الابن: وهل يجب ان يُشنق كل الذين يحنثون بقسمهم؟
الليدي مكدف: كلهم.
الابن: ومن يجب ان يشنقهم؟
الليدي مكدف: الرجال الشرفاء.
الابن: اذن فالكذابون والحلافون حمقى، لأن هنالك
مايكفي منهم للتغلب على الشرفاء وشنقهم.
الليدي مكدف: اعانك الله ياقردي المسكين! ولكن ماالذي ستفعله بلا اب؟
الابن: لو كان قد مات لبكيتيه انت، وان لم تبكي عليه فهذه
اشارة واضحة بأنه عما قريب سيكون لي اب جديد.
الليدي مكدف: ايها الثرثار المسكين ماأطيب كلامك!
(يدخل رسول)
الرسول: السلام عليك، سيدتي الرقيقة، انت لاتعرفينني،
ولو ان مكانتك الرفيعة معروفة تماما لديّ.
اخشى ان خطرا وشيكا يدنو منك
فأن تأخذي بمشورة رجل بسيط،
اتركي هذا المكان وخذي اطفالك معك.
اظن اني ابدي خشونة في اخافتك بهذه الصورة
وان افعل ماهو اسوأ من تصرفي الفظ هذا، سيكون
مثل الوحشية التي تنتظرك، فلتحفظك السماء!
لاأجرؤ على ان اطيل المكوث هنا.
(يخرج)
الليدي مكدف: الى اين اهرب؟
لم اتسبب باذى لأحد. لكنني اذكر الآن
اني أعيش في هذا العالم الارضي، حيث نمتدح الاساءة غالبا،
ويُفهم فعل الخير على انه ضرب من الحماقة: فيم اذن، وآأسفي،
الوذ بدفاع الانثى عن نفسها، بقولي لم اتسبب باذى لأحد؟
ماهذه الوجوه؟
(يدخل القتلة)
القاتل: اين زوجك؟
الليدي مكدف: عسى ان لايكون في مكان دنس
حيث يجده امثالكم.
القاتل: انه خائن.
الابن: كاذب ايها الوغد الاشعث!
القاتل: خذ يابيضة!
(يطعن الابن)
ياأبن الخيانة!
الابن: قتلني ياأمي:
ارجوك اهربـي!
(يموت)
(تخرج الليدي مكدف صارخة “قتلة!” ويتبعها القتلة).(14)
المشهد 3
انكلترا. غرفة في قصر الملك.
(يدخل ملكولم ومكدف)
ملكولم: لنجد لنا مكانا منعزلا
فنبكي مافي قلوبنا من شجن.
مكدف: بل احرى بنا ان نشهر سيوفنا الفتاكة وكرجال كرام
نمضي بخطوات عظيمة كخطوات الفاتحين لأنقاذ مسقط رأسنا.
في كل صباح جديد،
تنوح ثكالى اخريات، ويصرخ ايتام آخرون،
وتصفع وجه السماء احزان وليدة، فيدوي صداها
كأنما السماء تحس بآلام اسكتلندا فتصرخ:
مثلها صراخ الحزن.
ملكولم: احزن على ما أصدقه.
وما اعرف ساؤمن به، وما استطيع اصلاحه سأصلحه
حينما اجد الوقت الملائم له.
ماحدثتني به، ربما يكون كذلك.
ان هذا الطاغية، والذي مجرد ذكر اسمه يقرح السنتنا،
اعتقد الناسُ يوما انه شريف، وانت احببته كثيرا،
وهو لم يمسّـك بضر بعد. مازلت شابا يافعا، لكن
شيئا ما قد تناله بسببي، والحكمة
ان تقدم حملا ضعيفا، مسكينا، وبريئا لأرضاء اله غضوب.
مكدف: انا لست بغادر.
ملكولم: لكن مكبث غادر.
رب نفس كريمة فاضلة ترقد امام امر ملكي.
غير اني استمحيك عذرا عما المحتُ اليه،
لاتستطيع ظنوني ان تجعلك خلافا لما انت عليه،
فالملائكة مافتأت تتألق بنورها، ولو ان اشدها تألقا قد سقط، (15)
ورغم ان كل الخبائث تود ان تلبس ثوب الفضائل،
فالفضائل هي فضائل. (16)
مكدف: لقد فقدتُ آمالي.
ملكولم: ربما فقدتها حيث وجدتُ شكوكي.
لماذا تركت زوجتك واطفالك بهذه العجالة،
وهم اعز الدوافع وامتن روابط الحب، بلا داع؟ –
ارجوك لاتأخذ ظنوني تلويثا لشرفك،
ولكن افهمها على انها حفظا لسلامتي: قد تكون صادقا رغم ما أظنه.
مكدف: انزف، انزف ايها الوطن المسكين!
ايها الاستبداد الطاغي رسخ اسسك،
لأن الفضيلة لاتجرأ على ايقافك! ارتد ظلمك،
فملكيته قد آلت اليك. – وداعا يامولاي:
لن اكون ذاك النذل الذي ظننت
ولو اعطوني تلك البلاد التي في قبضة الطاغية،
وفوقها بلاد الشرق الغنيـة.
ملكولم: لاتدع كرامتك تجرح،
اني لا أتحدث عن خوف حقيقي منك.
اعتقد ان بلادنا تنوء تحت النير،
انها تبكي وتنزف، وفي كل يوم جديد
يُضاف جرح الى جراحها: واعتقد ايضا
ان هنالك سواعد مستعدة للقتال دفاعا عن حقي،
وهنا عرض ملك انكلترا الكريم عليّ بضعة الآف من الرجال.
ولكن رغم هذا كله، عندما ادوس رأس الطاغية بقدمي،
او احمل رأسه على سيفي، ستبقى بلادي
تعاني شرورا اشد من شرور الماضي،
وتزداد معاناتها، وبوسائل شتى اكثر مما مضى،
على يد من سيخلفه.
مكدف: ومن يكون ذالك الرجل؟
ملكولم: اعني نفسي، حيث قد غُرست فيها كل انواع الرذائل،
فاذا ما تفتحت، فان سواد مكبث سيبدو ناصعا كالثلج، ولسوف تجده
الدولة البائسة حملا وديعا مقارنة بشروري التي لا حدود لها.
مكدف: ليس في طوابير جهنم الهيبة نفسها شيطان اشد لعنة
بشروره ليفوق مكبث.
ملكولم: اوافقك الرأي، انه سفاح، شهواني وجشع وغدار ومخادع وعنيف
وحقود، فيه لمسة من كل خطيئة يمكن ان تُسمى،
اما فجوري انا فلا قرار
لاقرار له. فلا زوجاتكم ولا بناتكم، ولاأمهاتكم ولا خادماتكم بقادرات
على ان يملأن حوض شبقي. ولسوف تقهر رغبتي كل عائق عفيف
يحول دون تحقيق شهوتي: خير ان يحكمكم مكبث
من ان يحكمكم رجل مثلي.
مكدف: ان الافراط الذي لاقرار له
في الحياة طغيان، ولكم كان سببا
في ازاحة عرش سعيد قبل اوانه وسقوط العديد من الملوك.
ومع ذلك لاتخشى ان تأخذ لنفسك ماهو حقك،
فبوسعك ان تتمتع سرا بما طاب لك من الملذات
في حين تبدو باردا – وهكذا تخدع العالم بهذه الطريقة.
لدينا من النساء الشغوفات مايكفي، وحينها لن
تكون فيك طبيعة العقاب الذي يلتهم العديد
ممن سيكرسون انفسهم للمجد حين يرونك ميالا لأقتناصهم.
ملكولم: فضلا عن هذا، في طبعي السئ ثمة جشع لايرتوي يتنامى،
ولئن اصبحتُ ملكا، لقضيت على النبلاء طمعا في اراضيهم،
ومجوهرات هذا وبيت ذاك،
وكلما حصلتُ على المزيد، كلما ازداد نهمي، فأختلق القتال
دونما مسوغ حتى مع الطيبين والمخلصين
وابيدهم من اجل المال.
مكدف: ان هذا الجشع
يضرب في اغوار الارض جذوره المؤذية
اكثر من شبق كصيف عابر. (17) وقد كان الطمع دوما
السيف الذي ذبح ملوكنا، ومع ذلك، لاتخشى شيئا،
ففي اسكتلندا ارزاق وفيرة تروي شهوتك،
وهي لك وحدك. وكل هذه خفيفة الحمل
ان انت وازنتها مع فضائل اخرى.
ملكولم: لكن ليس لدي اي من هذه الفضائل: الفضائل
التي يتصف بها الملوك كالعدل والصدق والاعتدال والاتزان
والكرم والمثابرة والرحمة والتواضع
والحنو والصبر والشجاعة،
لامذاق لها عندي لكنني افيض بكل اصناف الجريمة،
استخدم كلا منها بأساليب شتى. بل انني، لو امتلكتُ السلطان،
لسكبتُ حليب الوئام في جهنم،
واحلتُ سلام الكون فوضى، وفصلتُ عرى كل وحدة على الارض.
مكدف: واسكتلنداه! واسكتلنداه!
ملكولم: فان كان رجلا كالذي وصفتُ، جديرا بالحكم فقل.
مكدف: جديرا بالحكم؟
كلا فهو ليس جدير بالحياة – ايتها الأمة التعيسة!
بحاكم مغتصب، صولجان ملطخ بالدم،
متى سترين ايام الهناء مرة اخرى،
طالما خليفة عرشك الشرعي يتهم نفسه بالأثم
ويكفر بنسبه العريق؟ كان والدك الملك
ملكا قديسا: والملكة التي حملتك ،
قضت زمانها في الركوع صلاة اكثر مما قضته في المسير،
وماتت في كل يوم عاشته. الوداع!
هذه الشرور التي نسبتها الى نفسك
قد نفتني عن اسكتلندا. فياقلبي،
ها هنا ينتهي رجاؤك!
ملكولم: مكدف، ان هذه العاطفة النبيلة
وليدة الاستقامة، محت من روحـي كل ريبة سوداء،
ووائمت بين افكاري وبين صدقك وشرفك.
لقد حاول الشيطان مكبث
ان يجرني بشتى المكائد لأقع في قبضته، غير ان حكمتي الرصينة
منعتني من التصديق المتهور. ولكن ليباركك الله في عليائه
مابيني وبينك! واني في هذه اللحظة
اضع نفسي رهن امرك، واسحب ماذممتُ به نفسي،
وانكر كل العيوب والتهم التي نسبتها الى ذاتي،
فهي غريبة عن طبعي. فما عرفتُ امرأة قط،
لم احنث بقسم ابدا، ولم اطمع حتى فيما هو ملكـي،
وما نقضتُ عهدا: ولاأخون الشيطان عند رديفه، وسروري
بالصدق لايقل عن سروري بالحياة. واول مانطقتُ كذبا
هو ماوصمتُ به نفسي. وما انا عليه فعلا
فهو لك ولبلدي المسكين ان يأمره:
وفي الواقع، وقبل قدومك، كان الشيخ ستيوارد
يستعد للتوجه الى اسكتلندا على رأس عشرة الآف محارب
بكامل الاستعداد. والآن لنذهب معا. وليجعل الله فرصة نصرنا
بحجم عدالة حربنا. لماذا تلزم الصمت.
مكدف: مثل هذه الامور الحسنة والسيئة في آن واحد،
يصعب التوفيق بينهما. (18)
(يدخل طبيب)
ملكولم: حسنا سنعود الى حديثنا عما قريب.
(مخاطبا الطبيب) رجاء، هل الملك قادم؟
الطبيب: اجل ياسيدي، هناك حشد من التعساء
ينتظرون منه الشفاء، داؤهم قد
اعجز امهر الاطباء، فاذا مالمسهم،
وقد وهبت السماء يديه هذه القدسية،
يشفون في الحال.(19)
ملكولم: شكرا ايها الطبيب.
(يخرج الطبيب)
مكدف: اي مرض ذاك الذي يعنيه؟
ملكولم: انه داء الملك: لهذا الملك الصالح قوة معجزة،
لقد شهدتُ عمله هذا منذ مكوثي هنا في انكلترا.
كيف يبتهل الى السماء من اجل هذا،
هو وحده يعلم كيف، غير ان اناسا مصابين بأغرب الأمراض،
تملؤهم الامراض والقروح ترثى لها العين،
ويأست منها الجراحة، يشفيهم،
بأن يعلق في رقابهم دينارا ذهبيا،
ويقرنه بالصلوات المقدسة، ويقال
انه سيورّث الملوك الذين يخلفونه بركة الشفاء هذه.
ومع هذه القدرة العجيبة له هبة سماوية في التنبؤ،
وهبات مختلفة تطوف حول عرشه
لتشهد بما لديه من فيض البركات.
(يدخل روس)
مكدف: انظر من القادم هنا.
ملكولم: ابن موطني، غير انني لاأعرفه.(20)
مكدف: ابن عمي الكريم، مرحبا بك هنا.
ملكولم: عرفته الآن. أسأل الله ان يزيل سريعا
كل الاسباب التي تجعلنا غرباء عن بعضنا البعض.
روس: آميـن ياسيدي.
مكدف: الاتزال اسكتلندا على ماكانت عليه؟
روس: واأسفاه ايها البلد المسكين!
يكاد يفزع من معرفة نفسه. لايمكن ان ندعوه آمنا،
ولكن قبرنا، حيث لاشئ يبتسم الا الذي لايعرف شيئا.
حيث الحسرات والانين والصرخات التي تمزق الهواء
تنطلق ولا من مجيب، واشد البلاء يبدو
قلقا عاديا: وحينما يسمع الناس ناقوس الموتى
قلما يسألون لمن يقرع، وحياة الطيبين
تنتهي قبل ذبول الازاهير في قبعاتهم،
فيقضون قبل ان يصيبهم مرض.
مكدف: ياللرواية، مفصلة وصادقة!
ملكولم: ماآخر الاحزان؟
روس: يسخر الناس ممن يروي فاجعة بعد ساعة،
لأن في كل دقيقة تولد فاجعة جديدة. (21)
مكدف: وكيف حال زوجتي؟
روس: بخير.
مكدف: وأولادي جميعا؟
روس: بخير ايضا.
مكدف: الم يعكر ذلك الطاغي سلامهم؟
روس: كلا: لقد كانوا آمنين مطمئنين حينما غادرتهم.
مكدف: لاتبخل عليّ بالتفاصيل، كيف تسير الامور؟
روس: عندما جئت الى هنا لأنقل الانباء التي اثقلت كاهلي،
اشيع بأن العديد من شرفاء الناس اعلنوا التمرد،
والدليل على صدقها اني رأيت جنود الطاغية تتحرك.
أزفت ساعة العون الآن. نظرة منك
ستخلق جنودا من الرجال، وتجعل نساءنا يقاتلن
لكي ينفضن عنهن ياسهن المرعب.
ملكولم: فليكن عزائهن اننا قادمون اليهن.
لقد اعطانا ملك انكلترا الكريم
سيوارد الباسل مع عشرة الآف مقاتل،
وهومقاتل مخضرم وصنديد ماشهدت مثله البلاد المسيحية.
روس: وددت لو انني استطيع الاجابة على هذا العزاء بمثله!
لكن فيّ كلمات يتوجب ان تنطلق نحيبا في فضاء الصحارى،
حيث لايطالها سمع.
مكدف: مامفادها
اتخص المصلحة العامة؟ ام هى حزن قلب واحد؟
روس: ما من فؤاد شريف الا وقاسمك اساها،
وان كان اغلبها يخصك وحدك.
مكدف: ان تخصني لاتخفها عني، قلها لي الآن.
روس: لاتدع اذنيك تحتقران لساني ابد الدهر،
لانه سيٌسمعهما افجع صوت سمعتاه ابدا.
مكدف: أكاد احزره!
روس: هوجمت قلعتك على حين غرة، وزوجتك واطفالك
قد ذبحوا بوحشية: ولئن اخبرتك كيف ذبحوا
فاني اضيف الى مصرع هؤلاء الظبية مصرعك انت.
ملكولم: ايتها السماء الرحيمة! –
مابك يارجل! لاتنكس قبعتك على عينيك: (22)
دع الحزن يفصح عن نفسه، فالحزن المكبوت
يهمس للقلب حتى يحطمه.
مكدف: واطفالي ايضا؟
روس: زوجتك واطفالك وخدمك وكل من وجدوه.
مكدف: قد حدث كل ذلك وانا غائب عنهم!
اقتلت زوجتي ايضا؟
روس: كما قلت لك.
ملكولم: لك العزاء: لنتخذ من ثأرنا العظيم دواء لنا
نشفي به احزاننا المميتة.
مكدف: ليس له اولاد. (23) اطفالي الحلوين كلهم؟
هل قلت كلهم؟ – ياطائر الجحيم! – كلهم؟
ماذا، افراخي الصغار كلهم وامهم، في انقضاض واحد؟
ملكولم: تقبلها رجلا.
مكدف: سأتقبلها رجلا، ولكن يجب ان احس اني رجل:
ليس لي الا ان اتذكر ماكان لي،
اثمن ماكان لي. – هل ابصرت السماء ذلك وماحرستهم؟
ايها الآثم مكدف! لقد دفعوا حياتهم من اجلك.
انا لاشئ، لقد ذبحوا لالذنوبهم بل لذنبي انا،
لترحمهم السماء الآن!
ملكولم: ليكن هذا حجر المسن لسيفك: ولينقلب حزنك غضبا،
لا تقنط القلب بل دعه يثور.
مكدف: آه لو كان بوسعي ان ابكي كالنساء،
وان اتبجح بلساني… ولكن ايتها السماء الرحيمة
قربي لي طريقي واجمعي بيني وبين شيطان اسكتلندا
هذا وجها لوجه، ضعيه في مدى سيفي، فأن نجا،
فليغفر الله ذنوبه ايضا.
ملكولم: هذا ديدن الرجال.
هلم نذهب الى الملك: فجيشنا على اهبة الاستعداد،
لايعوزنا سوى اذن الرحيل. مكبث
قد نضج وحان قطافه، وقوى السماء توشحت سلاحها.
خذ من العزاء ماتشاء
مااطول الليل الذي لايطلع عليه نهار.





