النثر الفني

توقٌ إلى عصر الحجر – مصطفى عبدالملك الصميدي-اليمن

صورة لرجل يرتدي بدلة رسمية ذات لون داكن، وقميص أبيض مع ربطة عنق داكنة. يعبر عن مظهر مهني وجدي.

أتنفَّس عصراً تتناسل فيه الوجوه كمرايا السراب،

عصراً تحتار في أدرانهِ روحي

وما ملكتْ يداها من هَرمٍ

تسقيه بارات دمي المسموم

منذ فجر وجودي …

أُعيدُني قسراً إلى رفوفِ الغابرين،

أستعيد حزماً من سرديات ضوءٍ كاذب

لثورة العصر …

أجرجرُ ذاكرتي نحو أبواب صَدِئة

كتبها البارود بلغةٍ واحدة،

أُسَاءلها عن نوايا الجمال الذي خلَّفَته

في خيالِ الأرض،

عن قَصْفِ من ذهبَ إلى أهلهِ يَتَمَطّى،

عن صَفْرِ من تَربصتْ به ريب المنون…!

ها هو الباب الكبير

مُصفد بورود حُمْر الدماء،

تُفتح على مصراعيه، في الخيال، في الواقع،

أدخل في دهاليزها المقدسة،

كالأمواج تصطفق الجماجم

تدمدم بالمخططات والمعاهدات وقراءة التلمود،

بالحروب المقدسة.. بالنفوس المكدسة،

بمسابقاتِ ملوك اللون الأبيض…

أتوقُ إلى حوار بقامة عمري،

أسأل “مائة عامٍ مضى” عن ثورة التحرير،

النور والتنوير،

ما تكرَّمتْ به من إرثٍ ووصايا،

ما تركتهُ في صدر من اتخذ بعضهم بعضاً سُخْرِيا،

أخذ نَفَساً عميقاً قبل أن أكبُر عبثا،

الآن تضيئني المرايا بما كتمَتْهُ العصور،

ولكن ماذا عن عقودٍ قضيتها

على سراب موشومٍ بالحبر،

وأوراق بلا جذور؟!

ها أنا أفرغُ ملكاتي من خليط الأكاذيب:

أَخَرَائِط مشروخة، وعروش من طين؟!

هكذا أنهي التساؤل بحزنٍ وريث

مُغلِقاً الباب خلفي. 

☆☆☆

أطفئ النور

بأطراف تنهيدة يتردد صداها

في جدران الروح كحكاية خُذِلَتْ ألف مرة…

أشعل شمعة من ثوبٍ عتيق،

حالِماً بعصرٍ جديد له رائحة الغبار

وطعم الخشب!

أسرح في خيالٍ ليتهُ يعود واقعا:

أحلم بنداء يُعاجلني.. يسقط كالصاعقة

على كتفيّ المثقلتين برأسٍ تعبَّأتْ فيه شموس خائبة

لا دفء فيها،

أخلعهُ كما يخلع الخريف أوراق السنديان،

أركنه في ظل ما قبل وَهْمٍ عَلَّبَته حضارة الماكدونالدز،

وضروبها السمينة من لحومنا.

أزرع مكانه عصراً حجرياً،

جاف من كل لون سوى المطر،

مكتوبٌ بالصحراء والجبل،

مقروءٌ بالخيل والسيف

له ملامح الميدان وصوت الحمام

وسحنة التراب، وتجاعيد الحدود التي لا تُباع

غصباً عن دمنا…

يستظل بالنخيل،

يصنع من سعافها سقف الخيام

يتكئ على حجر.. يشرب بحجر،

يأكل بصحن من حجر،

ينام على الصوف والحشائش

يتحاور بلسان تدخله الجِنة،

يحارب من أجل الله،

من أتى رماله غازيا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading