تقوم فكرة ( السياحة الخضراء ) على الأخذ ببعض الاتجاهات الرامية إلى الاهتمام بالبيئة الطبيعية و ما تزخر به من حياة نباتية وحيوانية مختلفة و عناصر متميزة و تنوع بيولوجي ( حيوي ) أولا , و المحافظة عليها و تنميتها على نحو مستدام وفقا لضوابط و أسس الاستدامة المعروفة ثانيا , مع الحيلولة دون تلوثها على قدر المستطاع ثالثا , و تخفيف حدة الآثار السلبية التي قد تتركها بعض الممارسات السياحية التقليدية عليها رابعا , و تجنب مثالبها و عيوبها خامسا . و يمكن تحقيق كل ذلك من خلال تكييف أنشطة و برامج الشركات السياحية المعنية لتغدو خضراء و صديقة للبيئة و مستوعبة لاهميتها من جانب ( البرامج السياحية الخضراء ) , و مجدية اقتصاديا من جانب آخر , و بما يتماشى مع هذه الاتجاهات التي باتت ضرورية في الوقت الراهن , مع الارتقاء بمستوى الوعي البيئي لدى السواح و غيرهم , فتكون بذلك : أولا – قائمة على جملة من الحلول المبتكرة و النماذج الحديثة ل ( مبادرات مستدامة ) بهذه الاتجاه , مثل إيجاد طاقة بديلة جديدة مستمدة من الرياح أو الشمس أو مياه الينابيع المعدنية الساخنة و مياه البحر , و ذلك لتغطية احتياجات ( المشاريع السياحية الصديقة للبيئة ) . و تقديم الأطعمة المعتمدة على المنتوجات الزراعية المزروعة بالوسائل التقليدية و غيرها . ثانيا – محققة لمبدأ الاستغلال الأمثل لمكونات هذه البيئة و الاستثمار الرشيد لل ( أرث الطبيعي و الحضاري ) القائم و توسيعه و تكثيفه و تنويعه , باعتبارها مغريات ( مشوقات – مجذبات ) سياحية مهمة تدخل و بفاعلية في المعادلة التي تربط السياحة بالبيئة . ثاثا – جاعلة السياح على علم بأهمية البيئة الطبيعية عموما , و بالنسبة للنشاط السياحي و مدى ارتباطه بالبيئة على وجه الخصوص باعتبارها أرضية شاسعة و خصبة , تستوعب العديد و العديد من الأنشطة و الفعاليات السياحية في ظل تنامي وعي هؤلاء بأهمية هذا الجانب . رابعا – ضامنة لبيئة طبيعية نظيفة و مريحة و خالية من التلوث بأنواعه . مع طرح السبل و الكفيلة بحفظها و ادارتها على نحو رشيد و مستدام . خامسا – مستوعبة لمعالجات تخص مواضيع جوهرية في الوقت الراهن , مثل إدارة النفايات , صلبة كانت أو سائلة و الأخذ بالاتجاهات القائمة على المعالجة و إعادة التدوير , و التقليل من انبعاثات غاز الكربون التي تساهم النشاطات السياحية في توليد ( 5 % ) منه عالميا , و المحافظة على التنوع البيولوجي ( الحيوي ) الذي بات مهددا خلال الأعوام ال ( 20 ) الأخيرة بسبب هذه النشاطات بدليل تزائد السياحة الموجهة إلى المناطق الغنية بهذا التنوع بنسبة ( 100 % ) . و إدارة المياه التي تزداد ندرة يوما بعد يوم لعدة أسباب . و صارت تشكل مشكلة فعلية فائمة بعينها , مع إيجاد السبل المثلى للتخلص من المياه غير المرغوبة , و ذلك باستخدامها في الحدائق بطرق علمية آمنة , أو لتصنيع السماد العضوي المستخدم في استنبات و انتاج المحاصيل الزراعية الصحية التي باتت مرغوبة الآن لأسباب كثيرة . و بإمكاننا أن نسوق هنا العديد من الأمثلة على هذه الحلول و النماذج التي تزداد و تنتشر يوما بعد يوم . و منها مشروع السيدة ( مليكة حكار ) و زوجها الذي أطلق قبل أعوام في منطقة ( الشعيبات ) ب ( دكالة ) في ( تازوران ) جنوب مدينة ( الدار البيضاء ) المغربية , و هو عبارة عن استراحة قروية روعيت فيها خصائص المجتمع المحلي القائم فيها , و باعتماد مجموعة شروط و تفاصيل تخص جوانب الخدمات و الإقامة و الاطعام و الشراب و الترفيه و الترويح و غيرها كثيرة . و كلها منسجمة و متماشية مع المبادئ و الأسس البيئية , مثل إيجاد طاقة بديلة عالية المستوى لتوفير قدر وافر من الإضاءة , و استخدام المياه الباردة المستخرجة من الآبار القريبة . كذلك مشروع ( حديقة سلام نهر الأردن ) بالقرب من ( باقورة ) أو ( نهاريم ) جنوب بحيرة ( طبريا ) على الحدود الأردنية الإسرائيلية الممتد بطول ( 200 ) كلم , و الذي خططت له منظمة حماية البيئة ( أصدقاء الأرض – الشرق الأوسط ) , و يدعمه الاتحاد الأوروبي و الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية , و المتضمن مجموعة فنادق صديقة للبيئة و الدروب الخاصة بالتنزه و ركوب العجلات الهوائية ( البايسكلات ) و غيرها من الخدمات . أما جهود حكومة كوريا الجنوبية الأخيرة المنصبة في هذا الجانب فقد شملت اطلاق ( 10 ) مشاريع صديقة للبيئة في المنطقة المنزوعة السلاح بينها و بين كوريا الشمالية و بمحاذاتها و بطول ( 5 – 10 ) كلم تقريبا و بمساحة ( 4 ) كلم 2 و المعروفة بغناها و تنوعها البيولوجي إثر تركها لسنوات عديدة , حتى باتت مرتعا لمختلف الحيوانات البرية و منبتا لمختلف الأشجار و النباتات البرية , و هي من أكثر المناطق تسليحا في العالم , و كانت محظورة حتى عام 2005 باعتبارها منطقة عسكرية خطرة , و ذلك بعد تهيئة بنيتها التحتية , و بما يؤسس ل( سياحة خضراء ) ذات ملامح مستدامة , و توفير الخدمات الضرورية للسواح , مع محاولة ادراجها ضمن قائمة منظمة ( الأمم المتحدة للتربية و العلم و الثقافة ) ( اليونسكو ) الخاصة بالمناطق الطبيعية المحمية . كذلك مملكة تايلاند التي تبنى ( المجلس الوطني للنهضة الاقتصادية و الاجتماعية ) فيها فكرة تعزيز ( السياحة المستدامة ) و منذ عام 1997 و تحت شعار ( مجتمع أخضر و سعيد ) و تخطط و تعمل بجدية و منذ عام 2010 و من خلال أجهزتها الرسمية و الخاصة ( القطاع العام و الخاص ) لترسيخ و تطوير مبادئ ( السياحة الخضراء ) للسنوات ال ( 50 ) التالية , فأطلقت هيئة السياحة التايلاندية جملة ( مبادرات مبتكرة ) في سبيل ذلك , تتعلق بالفنادق و المنتجعات السياحية ( الورقة الخضراء ) و أنشطة الغوص ( الزعانف الخضراء ) و غيرها كثيرة . ومن مشاريعها الرائدة في هذا المضمار تلك التي بوشر بتنفيذها في ( باي ) بمنطقة ( ماي هونغ سو ) و في ( كوساموي ) بأقليم ( نان ) الشمالي ( ينظر أيضا : رومباباك لويكفير اواتانا – السياحة الخضراء الناجحة في المناطق المجتمعية الثقافية النائية , مجلة العلوم الاجتماعية . و هي حول تجربة السياحة الخضراء في قرية وانغ ياي من مقاطعة وانغ سام سو التايلاندية و تقطنها جماعة فو تاي العرقية ) . بالإضافة إلى تجربة جمهورية جنوب أفريقيا الرائدة في هذا المجال و تحت مظلة مؤسسة ( فير تريدينغ ان تورزم جنوب أفريقيا ) الهادفة إلى ترسيخ و تطوير مبادئ ( سياحة خضراء مستدامة ) بعمل على منوالها في جنوب أفريقيا و العالم . و مشروع مصر الأخير الرامي إلى تحويل عدد من الفنادق التقليدية في شرم الشيخ إلى ( فنادق صديقة للبيئة ) باكسابها المواصفات و السمات البيئية الضرورية المرتبطة بالاستدامة , و بدعم من ( مؤسسة التمويل الألمانية ) ( جرين ستار هوتيل انيتيتف ) المعروفة اختصارا ب ( جي آي زت ) , بحيث توفر ( سياحة خضراء ) بأداء بيئي متميز و فريد , و معول و معتمد عليه و موثوق فيه على النحو المشروح أعلاه . و من التجارب الرائدة في مجال ( السياحة الخضراء ) التي طرحت كمصطلح منذ الثمانينيات من القرن الماضي تلك التي تبنتها السلطات السياحية في ماليزيا في منطقة الساحل الشرقي الاقتصادية المتكونة من ثلاث ولايات و منطقة واحدة ( كلنتن , ترينجانو , بهانج , و منطقة ميرسينغ في جوهور ) ( للمزيد من الاطلاع ينظر : الدراسة القيمة لمحمد بهويان و شاموري سيوار و خير الأدهم بعنوان – السياحة الخضراء من أجل التنمية الإقليمية المستدامة في المنطقة الاقتصادية للساحل الشرقي من ماليزيا ) . و هنا لابد من الإشارة إلى التعريف الذي قدمته ( منظمة السياحة العالمية ) التابعة للأمم المتحدة عن ( السياحة الخضراء ) بأنها ( أنشطة سياحية يمكن الحفاظ عليها أو استدامتها إلى أجل غير مسمى في سياقاتها الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و البيئية 2012 ) . و هو تعريف يتداخل مع مفهوم السياحة البيئية و السياحة الطبيعية و السياحة الريفية وفقا ل ( سونغ – كوون و آخرون 2003 , آثار تطور السياحة الخضراء المحتملة , حوليات أبحاث السياحة , 30 : 323 – 341 ) .
عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 *