مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات فكرية

نحو نظرية عربية لاستجلاء الهيمنة الاجتماعية: إشكالية الغياب وإمكانات التأسيس:عماد خالد رحمة – برلين

صورة لرجل في منتصف العمر يرتدي بدلة رسمية، يظهر بابتسامة خفيفة في خلفية غامقة.

يبدو أن سؤال: هل عندنا نحن العرب نظرية تعمل على استجلاء مظاهر الهيمنة الاجتماعية؟، لا يتوقف عند مجرد تساؤل معرفي، بل ينفتح على أزمة بنيوية عميقة في الفكر العربي المعاصر. ذلك أن المجتمعات الحديثة، كما بين بيير بورديو، لم تعد تُفهم عبر القراءة الطبقية المباشرة فقط، بل من خلال تحليل الحقول الاجتماعية، ورأس المال الرمزي، وآليات العنف الرمزي التي تعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية تحت غطاء الثقافة والقيم السائدة.

لقد استلهم بورديو من كارل ماركس مفاهيم الصراع الطبقي، ومن ماكس فيبر تحليله للسلطة وأنماطها، ومن إميل دوركهايم مفهوم البنية الاجتماعية بوصفها كياناً موضوعياً، ومن جورج زيمل رؤيته للتفاعلات الدقيقة في الحياة اليومية. غير أن عبقريته لم تكمن في تكرار هؤلاء، بل في توليفٍ مبتكر يوضح أن الهيمنة لا تتجسد في الاقتصاد وحده، بل في الثقافة والتعليم واللغة، حيث يُعاد إنتاج السيطرة عبر ما أسماه بـ”العنف الرمزي”.

أما في السياق العربي، فما زلنا نفتقر إلى نظرية أصيلة قادرة على استجلاء ملامح الهيمنة الاجتماعية كما تتجلى في واقعنا الخاص. إن الفكر العربي، منذ مشروع ابن خلدون في المقدمة، قدّم إشارات مبكرة إلى أن الاجتماع البشري محكوم بصراع العصبيات وتداول السلطة بين البدو والحضر، وهي رؤية رائدة في زمانها. لكننا لم نستطع بعد تحويل هذه الإرهاصات إلى منظومة نظرية حديثة تتفاعل مع تحولاتنا الاجتماعية والسياسية.

لقد أشار المفكر المغربي عبد الله العروي إلى أن أزمة الفكر العربي تكمن في “التقليدانية” وغياب الوعي التاريخي، فيما أكد محمد عابد الجابري أن بنية العقل العربي ما زالت أسيرة “الثقافة البيانية والعرفانية” أكثر من كونها عقلانية نقدية. كما نبّه علي الوردي في العراق إلى التمزق الاجتماعي الناتج عن الصراع بين البداوة والحضارة. هذه المحاولات، وإن كانت لامعة، فإنها لم تشكّل بعد نسقاً نظرياً متماسكاً على شاكلة ما صاغه بورديو.

إن التحدي الأكبر أمامنا هو القدرة على صياغة نظرية عربية تنطلق من خصوصيتنا الاجتماعية، دون أن تنغلق على ذاتها أو تنعزل عن الفكر الإنساني الكوني. فنحن بحاجة إلى استثمار أدوات السوسيولوجيا الحديثة – من تحليل الخطاب عند ميشيل فوكو، إلى مفهوم الهيمنة الثقافية عند أنطونيو غرامشي – لكن بوعي نقدي يراعي السياقات العربية حيث الهيمنة لا تأتي فقط من البنية الطبقية، بل أيضاً من البنى الطائفية، والقبلية، والسلطوية، والدينية.

السؤال المحوري إذاً: متى نتمكن نحن العرب من إنتاج نظرية قادرة على فهم ومعالجة أوضاع الطبقات المهمشة في مجتمعاتنا؟. الجواب لن يأتي إلا حين ننتقل من موقع الاستهلاك النظري إلى موقع الإنتاج، عبر ربط البحث الأكاديمي بالتحولات الاجتماعية، وتبني مقاربة نقدية تعترف بالهامش وتعيد له صوته، تماماً كما فعل بورديو حين جعل السوسيولوجيا أداة في خدمة الضعفاء والمقصيين.

إن الطريق طويل، لكن أولى خطواته تبدأ بالوعي بأن غياب النظرية ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج شروط تاريخية يمكن تجاوزها عبر عمل معرفي جاد. فكما قال غرامشي: “التشاؤم بالعقل، والتفاؤل بالإرادة”، لعل الإرادة الفكرية العربية تنهض يوماً لتؤسس علماً اجتماعياً أصيلاً يستجلي مظاهر الهيمنة، ويعيد للطبقات المهمشة حقها في الحياة الكريمة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading