دعاء في حِداد / أ. عبدالكريم مراد

إهداء
إلى أَطْفالِ سُوريّا،
الَّذينَ كَبِروا قبلَ أوانِهِم،
وحَمَلوا فوقَ أكتافِهِم الصَّغيرةِ
ما عَجَزَ الكِبارُ عن حَمْلِهِ…
” دُعاءٌ في حِداد”
الراياتُ مطويَّةٌ…
والنَّاسُ غيابْ.
هذا قَتيلٌ،
وذاكَ سجينْ،
وذاكَ مَنفيٌّ،
وذاكَ مخطوفٌ،
وذاكَ مهاجرٌ
نَجا من الغَرَقِ،
ولم ينجُ من غُربةِ الوطن…
هُمْ غيابٌ جميعاً،
وإن اختلفتْ طُرُقُ الغيابْ.
والدُّورُ مهجورةٌ،
أو أكوامُ حجارةٍ
متراميةٌ هنا،
وبقايا جُدرانٍ
تُحدِّقُ في السَّماءِ
بعيونٍ بلا نوافذ.
هُنا
مرَّتْ حامِلاتُ البراميل،
فسوَّتْ البيوتَ بالأرض،
وتركتْ في الشوارعِ
حُفَرًا لا تُشبهُ الشوارع،
وفي قلوبِ أهلِها
حُفَرًا أعمقَ من كلِّ الرُّكام.
والأشجارُ ثكلى،
تحفُّ بأنّاتها
كأنَّها مرضى
اجتمعوا جميعاً
على فراشِ موتٍ واحد.
حتّى البلابلُ
فقدتْ لحنَها…
وصارتِ المدينةُ
لوحةً سوداءَ
مُمزَّقةَ الأطراف،
تُثيرُ الأسى،
وتبعثُ الألم،
وتحشرجُ الصُّدور،
وتُحرقُ القلوب،
حتّى تكادُ تُغلقُ أبوابَ النَّفسِ
دونَ الحياة…
إلّا أنتَ…
إلّا أنتَ
يا صغيري!
أنتَ
شِبلٌ صغيرٌ
بقلبِ كبير.
شُجاعٌ…
حكيمٌ…
واقفٌ في وجهِ الخوف
كأنَّ الخوفَ
هو الذي ينبغي أن يخافَ منك.
أتعلمُ
أنَّك تُرعبُهم؟
تُرهبُ الصواريخَ
والبراميلَ
والحديدَ
والنارَ؟
فانهضْ يا صغيري،
واشمخْ برأسِكَ،
وامنحِ البشريَّةَ
شيئًا من شموخِكَ…
ثم أخبرني:
مَن علَّمكَ
كلَّ هذه الشجاعة؟
ومَن أودعَ في قلبِكَ
كلَّ هذه الشَّهامة؟
ولماذا
تنحني برأسِكَ
لا ذُلًّا،
ولا خوفاً،
بل لتحميَ شقيقتَكَ؟
ذلك حقٌّ
لو صدقتِ الدِّياناتُ،
وصدقتِ الإنسانيَّة…
لقد أصبحَ رأسُ أختِكَ
عندكَ
أغلى ما تملك،
وأثمنَ حتّى
من رأسِكَ.
يا إلهي…
مَن زرعَ فيكَ
كلَّ هذا الجمال؟
مَن علَّمَكَ
أنَّ حُرمةَ الأختِ
أقدسُ من الخوف،
وأنَّ الحُبَّ
قد يكونُ أحياناً
أقوى من الرَّصاص؟
في عالمٍ
تسودُه شريعةُ الغاب،
وتُستباحُ فيهِ الحُرُمات،
وتُهانُ فيهِ كرامةُ الإنسان،
يقفُ طفلٌ صغيرٌ
ليُذكِّرَ الكبارَ
بأنَّ للإنسانِ حُرمةً…
تُرى…
مَن جعلكَ
تجلسُ على رؤوسِ أصابعِكَ؟
غيرَ هيّابٍ،
ولا وَجِلٍ،
كأنَّكَ نمرٌ صغيرٌ
تهيَّأَ للقفز…
تتأهَّبُ
لتكونَ درعاً،
رغمَ القلق،
رغمَ الخوف،
رغمَ كلِّ ما يدورُ حولَكَ.
واللَّبُؤةُ على الأرضِ
واثقةٌ بك،
تختبئُ في ظلِّ جسدِكَ الصغير،
وكأنَّكَ أنتَ
آخرُ ما بقيَ لها
من أمان.
فماذا تصنعُ
راحتاكَ الصغيرتان؟
وماذا تستطيعُ
أن تفعلَ أناملُكَ
النَّاعمةُ الطَّريَّة؟
أتردُّ بها
قصفَ الطيران؟
أتمنعُ بها
سقوطَ البراميل؟
أتصدّى بها
للموت؟
أم أنَّكَ تحاولُ فقط
أن تقولَ للعالم:
لن تمرُّوا إليها
ما دمتُ حيًّا…
يا إلهي…
كم أنتَ شجاعٌ
يا ولدي!
ماذا تحاولُ؟
أتصدُّ القصفَ
عن رأسِ أختِكَ؟
أم تحميها
من أيديَ
تجرَّدتْ من إنسانيَّتِها،
ومن دعاةٍ
جاءوا يحملونَ الموتَ
ويزرعونَ الخوفَ
في أرضِنا
أم أنَّكَ، ببساطةٍ،
تُمارسُ ما افتقدَهُ العالمُ
منذُ زمنٍ طويل:
الحُبَّ…
نعم…
إنَّه الحُبُّ.
ذلك الحُبُّ
الَّذي غرسَهُ أبوكَ
في قلبِكَ
لأختِكَ،
ولأهلِكَ،
ولوطنِكَ.
إنَّها الفِطرةُ
الَّتي وُلدتَ بها،
وطهارةُ الحليبِ
الَّذي رضعتهُ
من ثديِ أمٍّ
كانتْ تعرفُ
أنَّ الأطفالَ
لا يولدونَ للحرب…
فأينَ أبوكَ؟
وأينَ أخوكَ؟
وأينَ أمُّكَ؟
وأينَ عمُّكَ
وجدُّكَ؟
هل رحلوا؟
هل أخذهمُ الموتُ
واحدًا بعدَ آخر؟
أم تركوكَ
وحيدًا
في مواجهةِ هذه الحياة؟
فصرتَ تكافحُ
من أجلِكَ،
ومن أجلِ أختِكَ،
وكأنَّ الطفولةَ
قد أُجِّلتْ إلى أجلٍ غيرِ معلوم…
لكما اللهُ
يا صغيريَّ…
لكما اللهُ
حين يشتدُّ البرد،
وحين يعضُّ الجوع،
وحين يطولُ الليل،
وحين لا يبقى
في الأرضِ
سوى الخوف…
لكما اللهُ
ولكلِّ أطفالِ سُوريّا،
المنكوبين،
المشرَّدين،
الغلابى،
الَّذين بلا مأوى،
ولا مدرسة،
ولا حضنٍ
يقولُ لهم:
لا تخافوا…
فلا حَوقَلَةَ
إلّا بالله،
ولا ملجأَ
إلّا إليه…
ولنا،
ولهم،
ولكلِّ طفلٍ
أثقلتهُ الحربُ
قبلَ أن يعرفَ معنى الحرب…
اللَّهمَّ…
في هذهِ اللَّيلة،
وفي كلِّ ليلة،
نرفعُ إليكَ أيديَنا،
ونتضرَّعُ إليكَ
بدعاءِ المظلوم،
ودعاءِ الطفلِ
الَّذي لا يعرفُ
لماذا سقطَ البيتُ
فوقَ رأسِهِ…
فنقول:
اللَّهمَّ، انصرْ ضعفَ أطفالِ سُوريّا،
وأطفالِ العالمِ أجمعين.
اللَّهمَّ، تولَّ أمرَهم،
وآمِنْ رَوعَهم،
واكشفْ عنهمُ البردَ والجوعَ والخوفَ والحُزن.
اللَّهمَّ، أحسنْ خلاصَهم،
وأنزلْ عليهم سكينتَكَ وتثبيتَكَ،
وعوِّضْهم عن كلِّ ما فقدوا،
وارددْ إليهم طفولتَهم
الَّتي سُرقتْ منهم.
اللَّهمَّ، احفظْ بيوتَهم،
واجمعْ شملَ أهلِهم،
وأعدْ إلى أوطانِهم
الأمنَ والسَّلامَ والحياة.
اللَّهمَّ، خُذْ بحقِّ المظلومين،
وانتقمْ ممَّن ظلمَهم،
وممَّن تسبَّبَ في مآسيهم،
وأوقفْ يدَ كلِّ مَن يجعلُ من الأطفالِ
وقودًا للحروب.
اللَّهمَّ، اجعلْ لسُوريّا
بعدَ هذا الحِدادِ
صباحًا لا يُشبهُ ليلَها،
واجعلْ لأطفالِها
مستقبلًا
لا يعرفُ صوتَ الطائرات،
ولا رائحةَ البارود،
ولا معنى اليُتمِ والتَّهجير.
آمين…
⸻



