رمضان: شهر الرجعة الروحية وتمني الجزاء الاوفى -ا.د حمام محمد جامعة الجلفة..الجزائر

شهر رمضان فرصة عظيمة للعباد لمراجعة أنفسهم وإعادة التفكير في سلوكياتهم وأعمالهم. إنها لحظة يشبهها المؤمنون بما تمنى العباد من ربهم قائلين: “رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾(سورة المؤمنون: 99-100) فهي فرصة لإعادة البناء الروحي والمعنوي، وقوامها إعمار العباد في الأرض بما يرضي الرحمن، لتكون محطة للتحول والتغيير المنشود.
إن الله سبحانه وتعالى أعطى لكل ذي حق حقه، فقال تعالى:”وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ” [البقرة: 188].
فالحق عند الله مقدس، وما يصير للعبد مكتسبًا من حقوق الآخرين فهو واجب المطالبة به يوم الصراط، وهو المعروف بـحقوق العباد التي يجب أن تُؤدى.والمعيار في الجزاء، كما بين الله، هو الحسنة أو السيئة، قال تعالى:”فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ” [الزلزلة: 7-8].
والإنسان غالبًا ما يردد في قلبه دعاء: “رَبِّ أَرْجِعُونِي”، فها هو رمضان يفتح أبواب الرجعة للناس لعلهم يهتدون ويصححون مسار حياتهم.
وعندما نتأمل السلوك البشري من منظور الأنثروبولوجيا، نجد أن هذا العلم يدرس الظاهرة من جذورها ويستخرج البدائل والعلاجات من نفس السياق الاجتماعي والثقافي. فقد أكد عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعي كلود ليفي-ستروس أن العلاقات الإنسانية، مثل الصداقة والمودة، هي لبنات أساسية لبناء المجتمعات، وتدفع الأفراد إلى التعاون وتبادل الخير ضمن إطار ثقافي معين.
ومن هذا المنطلق، يمكن دراسة العلاقة بين سلوك الصدقة وطقوس رمضان كأداة للتزكية الروحية، حيث يضفي رمضان على الظاهرة بعدًا من الطهارة والأخلاق والورع والخشية من رب العالمين، كما قال رسول الله ﷺ:”مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ” [رواه مسلم].
فإذا دخلت النفس البشرية في دائرة الخشية والتقوى، أي مخافة الله في السر والعلن، فإن كل فعل مرتبط بالعبادة—كالصدقة أو الصلاة—يكتسب طابعًا ساميًا، فيشعر الإنسان بشعور سماوي يوازي الخير، خاصة إذا تعلق هذا الفعل بتطبيق الأمر الإلهي.
وكلما كانت الصدقة مهيأة للعطاء للفقراء والمساكين بصدق ونية صافية، تحرر الإنسان من وساوس الشيطان، واعلم أن صاحب القوة قد حذرك ونبهك من شر الوسواس، فلابد أن تنقاد إلى قوله العظيم:”وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ” [آل عمران: 139].
إن رمضان كله خشية ومودة وتقرب إلى الله، وهو موسم لنيل الرضا الإلهي، والشعور بالخوف والورع سواء في السر أو العلن. ولا نملك نحن تغيير الدهر، فالأمر بيد الله العزيز الكريم، ونصابنا البشري هو ما منحنا الله من القدرة والسعي للفوز بالبركة، كما قال تعالى:
“سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ” [البقرة: 133].
الصدقة خير مثال على الرجعة، فهي وسيلة أرادها الله للإنسان ليرى أثر عمله، كما قال ﷺ:
“أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَأَنْفَقَ الرَّجُلُ مِمَّا يُحِبُّ” [رواه البخاري ومسلم].
والإنسان ليس له إلا ما سعى، فكل جهد صادق في رمضان يُثاب عليه، وكل عمل يُقدَّم بنية صافية يعود على صاحبه بالنفع في الدنيا والآخرة. فلا يستهين بما يقدم، فالله له خزائن، ولا يهمه حجم الإنفاق، بل كل عمل يُقاس بالنية والقدرة والسعي، فهو عظيم عند الله مهما صغر في نظر النفس البشرية.
إن العلاقة بين رمضان كشهر يكثر فيه الجزاء وبين الصدقة تتجلى في اليقين والنية الصافية، فكل عمل صالح يُضاعف أجره، مما يتيح للإنسان أن يرتقي روحانيًا ومعنويًا، ويعيش أثر الرجعة الروحية في حياته اليومية.
كما يشير علماء الأنثروبولوجيا الاجتماعيون إلى أن الصداقات والأعمال الصالحة تعمل كشبكات دعم اجتماعي، تعزز التلاحم بين الأفراد وتخلق ثقافة التعاطف والعطاء، وهي جزء من تكوين الشخصية الإنسانية القادرة على الخير والتقوى.





