سردية عن الحب – عارف عبد الرحمن

قد تجد نفسك، دون أن تدري، تقضم أظافرك وأنت تحدّق في حبٍّ تعبره عينان لا تتكلمان اللغة نفسها.
لا تخشَ ذلك.
فليس في الحب كارثة أن يعجز اللسان عن ترجمة القلب.
الحب ليس اتفاقًا سياسيًا، ولا تبادلًا ثقافيًا، ولا نثرًا أدبيًا، ولا منطقًا يُقاس، ولا تاريخًا يُؤرَّخ، ولا علمًا يُفسِّر الغيب، ولا دينًا يحتكر السماء، ولا مذهبًا يرسم طريق النجاة.
الحب… لغةٌ وُلدت قبل أن تولد الأبجدية.
هو القبلة حين تنوب عن الكلمات، وهو الريح حين تهمس للشجر، وهو المطر حين يكتب رسالته الأولى على وجه الأرض.
هناك… يتكلم الله بنبضنا، بصمتنا، و بالرجفة الخفية التي تعبر القلب قبل أن تبلغ الشفاه.
فلا تُرهق روحك في ترجمة المعاني، ولا في مطاردة الحروف، ولا في فكِّ ألغاز العاطفة.
فالحب أذكى من ذكائنا، وأقدم من لغاتنا، وأبسط من جميع تفسيراتنا.
إنه يحدث… فقط.
في حضرة الحب تصمت اللغات، وتتلاشى الحدود، وتسقط الخرائط، وتفقد الأسماء سلطانها.
فاللغة خُلقت لتسمية الجهات، ورسم المسافات، وتحديد الأوطان.
أما الحب، فلا وطن له إلا قلبٌ يتّسع، ولا لغة له إلا نظرةٌ صادقة، ولمسةٌ حانية، وصمتٌ يفهمه عاشقان.
إنه اللغة التي تتقنها الطيور من غير معلم، وتحفظها الأشجار منذ البذرة الأولى، و يجيدها المطر كلما عانق التراب، ويهمس بها البحر للشاطئ كل مساء.
فمتى نتعلم أن نصغي بقلوبنا قبل آذاننا؟
ومتى ندرك أن أجمل اللغات ليست تلك التي تُنطق، بل تلك التي تُحِبّ؟



