ترجمة الشعر نظمًا ونثرًا – محمد عناني
فلافيوس :
انصرفوا! عودوا إلى منازلكم أيها العاطلون!
هل اليوم يوم عطلة؟
ألا تعلمون أنه يجب على أبناء الحِرَف
ألا يسيروا في الشارع في أيام العمل دون ما يرمز لحِرَفهم؟
قل لي أنت ما هي صنعتك؟
نجار : أنا نجار، يا سيدي!
مارسيلوس :
أين إذن المريلة الجلد والمسطرة؟
ولماذا ترتدي أفخر ثيابك؟
وأنت يا سيد! ما صنعتك؟
الإسكافي :
الحق، يا سيدي، أني لا أقارن بالصناع المهرة؟
فما أنا إلا مرقِّع، ولا مؤاخذة!
مارسیلوس : ولكن ما هي صنعتك؟ بلا لف ودوران!
الإسكافي : هي صنعة، يا سيدي، أتمنى أن أؤديها بإخلاص وأمانة، فأنا أرقع ما انخرم وأصلحه!
مارسيلوس : ما صنعتك أيها الوغد؟ أيها الوغد اللكعي، ما صنعتك؟
الإسكافي :
أرجوك، يا سيدي! لا تُخرِّم في الكلام معي!
فإذا خرَّمتَ، رقَّعتُ لك!
مارسیلوس :
ماذا تعني بهذه الألفاظ البذيئة؟
كيف ترقع لي، يا سليط اللسان؟
الإسكافي : أرقع لك، يا سيدي، حذاءك!
مارسیلوس : أنت إسكافي إذن؟
الإسكافي :
حقًّا، يا سيدي! كل ما أحيا به هو المخراز!
لا شأن لي بأمور التجار، أو أمور النساء!
إلا بالمخراز!
وليأذن لي القارئ أن أقتبس؛ إيضاحًا لهذه النظرة، ما سبق أن أوردته في كتابي «فن الترجمة» (الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان ط١ ۱۹۹۲م، ط۲ ۱۹۹٤م، ط ۱۹۹٦م) عن دقة الصياغة اللغوية في نص شيكسبير التي قد تفسد إذا اختار المترجِم إيقاع النظم بدلًا من النثر الذي يتيح دقة الصياغة دون عائق الإيقاع المنتظم. وليأذن لي أن أعيد ما ذكرته عن «التفكير الدقيق المرسوم بتأنٍّ وتمهل» وهو الذي يعتبر الأساس لكل ما تقوله الشخصيات حتى حين تلتهب المشاعر، ويلوح لغير الخبير أن كلامها يصدر عفو الخاطر. ولذلك فأنا أعيد الحديث عما ذكرته عن مشهد من أهم مشاهد مسرحية «يوليوس قيصر» وهو المشهد الثاني من الفصل الثالث الذي كثيرًا ما يقدم وحده باعتباره قلب المسرحية، ليس فقط لأنه يقع في منتصفها، بل لأنه أيضًا محور الارتكاز الذي يتغير عنده الحدث، عند بداية الانتقام من قتلة قيصر.
يبدأ المشهد بدايةً نثريةً؛ إذ يتخلی شيكسبير عن النظم کي يحكم بناء المنطق الذي يتحكم في بناء المشهد؛ ولذلك تجد أن الخطبة الأولى التي يلقيها بروتس، وطولها سبعة وعشرون سطرًا منثورة، وبعدها يقاطعه أحد الأهالي بسطرٍ قصيرٍ ثم يستأنف خطبته، ويتحدث على مدى أربعة عشر سطرًا أخرى نثرًا! وبعد ذلك يتحدث الأهالي في سطورٍ منفصلةٍ ومقطعةٍ يعربون فيها عن اتباعهم لبروتس حتى السطر ۷۸، وعندها يتكلم أنطونيو مع الأهالي حتى آخر المشهد تقريبًا (حتى السطر ۲٥٤) وهو يستأثر في الحقيقة بما يربو على مائة وثلاثين سطرًا تتخللها نداءات الأهالي وصياحاتهم.
ولكن ماذا يقول أنطونيو في هذه السطور الكثيرة؟ إن خطبته الطويلة التي تستغرق صفحات متوالية مقسمة تقسيمًا دقیقًا بين القسم الأول (من ٧٤–١٠٩) الذي يضع فيه أنطونيو بعناية أسس إدانته لبروتس وعصبته، وبين القسم الثاني (۱۲۰–۱۳۹) الذي يلقي فيه بخبر وصية قيصر حتى يثير فضول الجمهور، والقسم الثالث (۱٥۱–۱۷۰) الذي يعتبر نقطة تحول من الوصية إلى التركيز على بشاعة الجريمة التي ارتكبها الخونة وذلك في القسم الأخير (من ۱۷۰–۱۹۹) حيث تتحول مشاعر الجمهور تمامًا إلى مساندة أنطونيو، والعداء السافر لبروتس وكاشيوس وسائر المتأمرين، وبعد عدد من الصيحات التي يعرب فيها الجمهور عن عدائه لزمرة الخونة (۲۰۰–۲۱۰) يعود أنطونيو إلى التلاعب بمشاعر الجمهور؛ لكي يحوِّل استياءهم إلى موقف صلب؛ أي إلى عمل إيجابي، وهو يحسب لكل كلمة حسابها في هذا الخطاب، حتى يصل (۲۱۱–۲۳۲) إلى كلمة «الثورة» التي يرددها الشعب؛ أي الانتقام لمقتل قیصر … وعندها فقط يعود إلى ذكر الوصية التي يكون الجمهور قد نسيها، حتى يضمن ولاءه التام (۲۳۷–۲٥٤) فيسود الهرج والمرج، ويدخل رسول أوكتافيوس فيجد أن أنطونيو واثق كل الثقة من قدرة «كلماته» على أن تفعل فعلها في نفوسهم! (۲٥٤–حتى آخر المشهد).
إن هذه الخطبة الطويلة مبنيةٌ بناء هندسيًّا يتراوح بين الصعود وبین الهبوط — كما أوضحت آنفًا — أي إن أنطونيو يحسب حسابًا لكل كلمة يقولها، ويعرف معرفة وثيقة أين يضعها وفي أي سياق بالتحديد؛ ولذلك فالنظم هنا ثانوي، بل هو إطار يلتزم به البعض (مثل أنطونيو) ولا يلتزم به الآخرون (مثل بروتس والأهالي)، وعدد السطور في هذا المشهد مقسمة بين المنثور والمنظوم تقسیمًا شبه متعادل، كما أن النظم الذي يستخدمه أنطونيو لا يضم في ثناياه ما اعتدناه من شاعرية شكسبيرية؛ فهو يكثر من استعمال الزحاف والرخص الشعرية إلى حد الاقتراب من موسيقى النثر، کما شرحت ذلك من قبل، وهو يستخدم لغةً منطقية تخلو من الصور الشعرية، وليس من قبيل المصادفة أن تخلو هذه السطور جميعًا من الاستعارات الغلابة أو المهيمنة (dominant metaphors) أي الاستعارة التي تلقي بظلالها على الحديث برمته، وتشكل إطارًا نفسيًّا ومجازيا له! كل ما هنالك هو استعارات محدودة ومقصورة على موضعها في السياق.
ولنأخذ مثلًا السطور من ۲۱۹ إلى ۲۲٥؛ إذ يقول أنطونيو:
I am no orator, as Brutus is;
But as you know me all, a plain blunt man,
That love my friend; and that they know full well
That gave me public leave to speak of him
For I have neither wit, nor words nor worth,
Action, nor utterance, nor the power of speech
To stir man’s blood: I only speak right on:
(III. ii. 219–225)
ففي هذه السطور السبعة يلخص لنا أنطونيو صفات الخطيب المصقع في زمانه، وهي الخصال الست المعروفة:
| (البديهة الحاضرة) | (1) wit |
| (الألفاظ المنتقاة) | (2) words |
| (المكانة المرموقة) | (3) worth |
| (براعة الأداء) | (4) action |
| (حسن الإلقاء) | (5) utterance |
| (ذلاقة اللسان) | (6) power of speech |
وقد أجمع النقاد على أن شيكسبير كان يتعمد وضعها في هذا الترتيب؛ ليبين أن الصفة الأولى هي البديهة الحاضرة، وهي الصفة التي تميز أنطونيو أكثر من غيره من الشخصيات، ويليها حسن اختيار الألفاظ ومكانة الخطيب في المجتمع، ثم براعة أدائه التمثيلي أثناء الخطبة وحسن إلقائه، وأخيرًا ذلاقة اللسان أو قدرة المتحدث على إثارة مشاعر الناس! والواضح أن هذه الصفات التي ينكرها أنطونيو في نفسه هي أهم صفاته هو، مع أنه ينسبها إلى بروتس؛ أي إنه يثبتها حين ينكرها وبهذا الترتيب!
ومعنى ذلك ببساطة هو أن أي تغيير في ترتيب الألفاظ والعبارات سوف يقلل من تأثير هذه الفقرة التي تبدأ بإنكار صفة الخطيب المصقع، وتنتهي بادعاء الحديث العفوي! وها هي إذن ترجمتي لها، وأعتقد أنها أقرب ما تكون إلى هذا البناء:
لست خطيبًا مفوها مثل بروتس
لكنني — كما تعرفون جميعًا — رجل بسيط ساذج
يخلص الحب لصديقه، وهم يعرفون ذلك خير المعرفة،
من سمحوا لي أن أتحدث عنه أمامكم!
فأنا أفتقر إلى البديهة الحاضرة، والألفاظ المنتقاة
والمكانة المرموقة، وبراعة الأداء، وحسن الإلقاء
وذلاقة اللسان التي تثير مشاعر الناس!
لكنني أتحدث عفو الخاطر فحسب!
أما زيادة بعض الألفاظ (وكلها صفات) في النص العربي، فهذا يرجع إلى ما أسميه بضرورة التفسير الخاص للنص قبل أن يشرع المترجم في نقل العمل الأدبي، وهو ما تعرضت له في مقدمتي لترجمة «تاجر البندقية» المشار إليها آنفًا. وإنما ضربت هذا المثل لأبين أن حديث أنطونيو مرسوم بدقةٍ بالغةٍ، فإذا حاول المترجم أن يصوغه نظمًا عربيًّا لم يجد بدًّا من التضحية ببعض جوانب هندسة البناء الفكري التي يستند إليها البناء اللغوي، كأن يعيد ترتيب هذه الصفات، أو يستعيض عن كلمة بأخرى تتفق والوزن الشعري (وما أكثر ما يفعل الشاعر نفسه ذلك!) أو يضيف كلمةً طلبًا للقافية، وهذا كله مقبول بل ومحمود في ترجمة الشعر الغنائي الذي يلعب فيه الوزن والقافية كما قلت دورًا كبيرًا، ولكنه غير مقبول ولا محمود عندما يكون التركيب الفكري هو الأساس، لا الصورة أو الموسيقى والقافية!
وحتى لا يظن القارئ أنني لم ألجأ إلى الترجمة المنظومة كسلًا أو تراخيًا، سأورد صورة أعتبرها مقبولة في ترجمة الشعر الغنائي، صورة منظومة لهذه الفقرة، وأترك للقارئ الحكم على مدى جورها على الأصل، أما من يأنس في نفسه القدرة على إخراج ترجمة منظومة أكثر دقة فهو مدعو للمشاركة في هذا الجهد الجميل الممتع:
إنني لست خطيبًا مصقعًا مثل بروتس،
بل أنا — قد تعلمون —
ساذج بل وغرير
أخلص الحب لمن صادقت حقًّا
وهمو لا يجهلون!
كلهم يدرك ذلك
ولهذا سمحوا لي
بحديث صادق عنه إليكم!
أين لي حذق البديهة؟
أين لي سحر الكلام؟
أين لي شرف المكانة؟
أين لي حسن الأداء؟
لست ذا علم بإلقاء الخطب
لا ولا عندي أفانين الأدب
كي أثير العقل والقلب لديكم
بل أنا أُلقي كلامي
كيفما يأتي لشفتي!
أقول إنني أترك للقارئ الحكم على مدى ابتعادها (أو اقترابها) من الأصل، وإن كان لا بد لي أن أشير إلى أن الموسيقية الغلابة هنا، والقافية غير المقصودة؛ تجوران على الأصل ذي الإيقاع الخافت الذي يقترب كثيرًا من النثر! ويكفي أن أقول إن أنطونيو لو تحدث هكذا — بالنظم العربي الجَهْوَرِي — لأحس الجمهور بفن الصنعة الذي لا ينبئ عن نفس صافية صادقة؛ فالموقف الدرامي يرفض غلبة الموسيقى هنا التي قد تخلب الأذن دون أن تصل إلى العقل أو القلب، وأنطونيو يحاول أن يصل إلى قلوب السامعين وعقولهم، لا أن يخلب آذانهم! ومن ثم كان قراري بأن البديل النثري أقرب إلى تحقيق المقابل الدرامي من المقابل المنظوم، مثلما كان قراري بالالتزام بالعربية المعاصرة بمستوياتها المتعددة.
وهذا هو ما فعلتُه في الواقع في مسرحية تاريخية لم تحظَ باهتمام الدارسين العرب وهي «الملك هنري الثامن» (القاهرة، هيئة الكتاب، ۱۹۹۷م) إذ وجدت أن النظم قد يؤثر في الأبنية الفكرية والشعورية للعبارات والجمل الطويلة، مما قد يغير من روح الأسلوب (ترجمة مجدي وهبة لمصطلح tone أي النغمة على نحو ما أناقشه في فصل لاحق) خصوصًا بسبب الخلاف حول نسبة بعض أجزاء المسرحية إلى شيكسبير وإلى فلتشر Fletcher إذ رأيت أن التدخل بالإيقاع العربي سيضيف حتمًا (نغمة) غريبة عن هذه الأساليب، وأن محاولة الاقتراب الحرفي والدقيق من النص الأصلي نثرًا أصدق للمسرحيات التاريخية وأقرب للحفاظ على روح الحقائق (الوقائع) المروية؛ فالنظم العربي الذي حاولته في البداية كان يميل إلى إلغاء البعد الزمني وإيجاد روح الألفة، وهذا ما لا تتطلبه المسرحية التي تمثل لقراء العربية وقائع تاريخية حقيقية مرتبطة بزمان ومكان من المحال تجريد أي منهما.
وسوف أورد هنا فقرتين، تُنسب الأولى لشيكسبير والثانية لفلتشر، وإن كانت الدراسات الحديثة تقطع بنسبتها جميعًا للأول، وقد ترجمتُ كلًّا منها نظمًا ونثرًا لإيضاح مدى الاختلاف الذي قد يُحدِثه النظم في الأبنية الفكرية.
أما الأولى فهي إجابة الكاردينال وولزي على الملك هنري الثامن في المشهد الثاني من الفصل الثالث:
My Sovereign, I confess your royal graces
Shower’d on me daily, have been more than could
My studied purposes requite, which went
Beyond all man’s endeavours. My endeavours
Have ever come short of my desires,
Yet fill’d with my abilities: Mine own ends
Have been mine so, that evermore they pointed
To th’good of your most Sacred Person, and
The profit of the state. For your good graces
Heap’d upon me (poor Undeserver)I
Can nothing render but allegiant thanks,
My prayers to heaven for you ; my loyalty
Which ever has, and ever shall be growing,
Till death (that Winter) kill it.
III. ii. 166–179
مولاي إنني أقر بالعطايا الملكية
وكلِّ ما أمطرتني به من النعم، في كل يوم
تلك التي تفوق ما أسطيع أن أناله مهما بذلت من جهود
بل فوق ما يسطيع أي فرد أن يحققه
أما إذا كانت جهودي قد أتت ببعض خير لي
فإن غايتي كانت ولا تزال تحقيق الذي
يعود بالخير العميم دائمًا
لشخصكم وما له من بالغ القداسة
وثروة البلاد كلها!
وفي مقابل المكارم العظيمة
تلك التي أغدقتموها (فوق من لا يستحقها، أنا الضعيف)
لا أستطيع غير الشكر والولاء
وكل دعوة من أجلكم إلى السماء
وإخلاصي الذي ما انفك ينمو، بل وسوف يظل ينمو
بل ولن يفنيه إلا الموت (ذلك الشتاء).
أما النموذج الثاني فهو حديث منفرد يقوله وولزي أيضًا على المسرح بعد إدراك انهيار آماله وضياع حظوته لدى الملك واقتراب النهاية المحتومة:
So farewell, to the little good you bear me. 350
Farewell? A long farewell to all my Greatness.
This is the state of Man; today he puts forth
The tender leaves of hopes, tomorrow blossoms,
And bears his blushing honours thick upon him:
The third day, comes a frost; a killing frost 355
And when he thinks, good easy man, full surely
His greatness is a – ripening, nips his root,
And then he falls as I do. I have ventur’d
Like little wanton boys that swim on bladders:
This many summers in a sea of Glory, 360
But far beyond my depth: my high-blown Pride
At length broke under me, and now has left me
Weary, and old with service, to the mercy
Of a rude stream, that must for ever hide me.
Vain pomp, and glory of this World, I hate ye, 365
I feel my heart new open’d. Oh how wretched
Is that poor man, that hangs on Princes’ favours!
There is betwixt that smile we would aspire to,
That sweet aspect of Princes, and their ruin,
More pangs, and fears than wars, or women have; 370
And when he falls, he falls like Lucifer,
Never to hope again.
III. ii. 350–372
إذن وداعًا للقليل مما تضمرانه من كل خير! ۳٥۰
وداعٌ؟ بل وداع دائم للمجد والعظمة!
فذاك حال كل إنسان هنا! في يومه
قد ينشر الأوراق من آماله الغضة
ويشهد البراعم الحناء في غَدِه
ويحمل الورود القانيات الوافرات في مدارج الشرف
لكنه يرى الصقيع القاتل الثقيل قادمًا في ثالث الأيام ۳٥٥
وعندما يظن وهو ناعم في الخير والهناء
أن الثمار أوشكت على النضوج، وأن مجده لا شك قد أتى،
يرى الصقيع ناخرًا جذورها
والجذع قد هوى كما أهوى أنا!
لقد نزلت سابحًا في بحر مجد صاخب ۳٦٠
مثل الصغار السابحين يمسكون بالقِرَب
وكنت كل صيف أضرب الأمواج حتى اجتزت منطقة الأمان
وبعدها شهدت كبريائي مثل قربة الصغار تنفجر
ورحت أهوى منهكا محطمًا من طول ما جهدت
وتحت رحمة البحر العنيف إذ سيطويني إلى الأبد!
يا زيف مجد العالم الخاوي وزيف الأبهة! ٣٦٥
لشد ما أبغضكا! إني لأشعر أن قلبي يتفتح
ما أتعس الذي يعيش عالة على رضى الأمراء ما أفقره!
فبين بسمة نحاول اقتناصها وبسمة الرضى على المحيَّا
وبين وهدة السقوط والهلاك ألوان من الألم
وهوة من المخاوف التي تزيد عن هول الحروب أو مخاوف النساء
فإنه عند السقوط مُبلِسٌ كأنه إبليس قد ضاع الرجاء منه للأبد!
وقد وضعت الأرقام هنا لمساعدة القارئ على المقارنة. ويعلق هاریسون على الفرق بين النصين قائلًا: إن النهايات الضعيفة إيقاعيًّا في الحديث المنفرد الأخير هي مما يزعم أنه ينتمي إلى فلتشر أكثر مما يميز أسلوب شكسبير، والمقصود بالنهايات الضعيفة استناد حروف القافية على مقطع غیر منبور مثل left me (٣٦٢)، وhide me (٣٦٤) وhate ye (٣٦٥)، وهذا أيضًا مما قاله سبيدنج spedding، ولكنه ليس من جوهر حجته؛ إذ يستند جوهر الحجة على تفاوت المستوى اللغوي بين أجزاء المسرحية، وتفاوت الإيقاعات أيضًا، وهذا ما دفعني إلى اقتباس هاتين الفقرتين اللتين يزعم سبيدنج نسبتهما إلى كاتبين مختلفين. ولن أفيض في تحليل الإيقاعات فهي واضحة لمن يقرأ النص بصوت عال.
وهذه، بعد ذلك، ترجمة القطعتين نثرًا. وهذه هي الأولى:
وولزي :
إني أعترف يا مليكي أن نعمك وأفضالك الملكية
التي ما فتئتَ تمطرني بها وتغدقها عليَّ في كل يوم
كانت أكثر مما يمكن أن أحققه بجهودي مهما تكن،
وأكثر مما أستحق! كانت جهودي دائمًا تقصر عن تحقيق غاياتي
وإن كنت أبذل حقًّا كل ما أستطيع! ١٧٠
وإذا كانت جهودي قد عادت عليَّ ببعض الخير
فإن غاياتي كانت دائمًا ترمي إلى ما فيه الخير لشخصكم المقدَّس
ورفاهية الدولة وثرائها!
وليس في وسعي أن أقدِّم جزاءً على هذه النعم العظيمة
التي تغدقونها علَيَّ، أنا الضعيف الذي لا أستحقها، ١٧٥
إلا آيات الشكر العامرة بالولاء.
والدعوات التي أرفعها إلى السماء من أجلكم
والإخلاص الذي ما برح ينمو، وسيظل ينمو،
حتى يذوي ويموت في برودة شتاء الموت!
وهذه هي الثانية:
وولزي :
وكذا وداعًا للخير القليل الذي تكنونه لي! ۳٥۰
وداعٌ؟ بل وداع طويل لجميع أطراف العظَمة!
هذا هو حال الإنسان! ينشر في يومه أوراق الأمل الغضة
على أغصان حياته، ويشهد في غده البراعم وهي تتفتح،
وزهرات المجد وهي تزهو بألوان المجد الكثيفة من حوله،
ولكن الصقيع القاتل ينقضُّ عليها في اليوم الثالث! ٣٥٥
وعندما يقول واثقًا، وهو يتقلب في أعطاف النعيم،
إن ثمار عظمته أوشكت على النضج،
يرى الصقيع وقد نخر جذورها
والشجرة تهوي ساقطةً مثلما أسقط الآن!
لقد نزلت البحر سابحًا مثل الصبية اللاهين
بعوامات من القِرَب المنفوخة
وظَلِلْت في بحر المجد صيفًا من بعد صيف ۳٦۰
حتى ابتعدت عن شاطئ الأمان ووصلت لمنطقة أعمق من طاقتي!
وهنا انفجرت عوامة كبريائي المنتفخة، وتركتني خائر القوى،
منهكًا من طول الخدمة، وتحت رحمة بحر هائج متلاطم،
لا بد أن يبتلعني آخر الأمر إلى الأبد.
أيتها الأبهة الزائفة! یا مجد الدنيا الخاوي! ٣٦٥
لكَم أبغضك الآن! أشعر أن قلبي يتفتح الآن من جديد!
ما أتعس حياة الإنسان المسكين الذي يعتمد على حظوة الأمراء!
وفيما بين الابتسامة التي تحاول أن نحظى
بها من الأمير ومخايل الرضا على محياه،
وبين إسقاطنا وإهلاكنا، ألوان من الألم والفزع
لا تعرفها الحروب ولا النساء! وعندما يهوي الواحد منا ۳۷۰
فإنه يسقط سقوط إبليس، إذ يفقد الأمل إلى الأبد!
وأعتقد أن المقارنة سوف توضح الفروق بما لا يدع مجالًا للشك.
دلالة استخدام النظم
وليس معنى هذا أن شيكسبير يفصل فصلًا خارجيًّا بين استخدام النظم والنثر في مسرحياته، بل هو أحيانا يكتب ما يتصور القارئ أنه نثر وهو نظم، وقد أخطأ ناشرو طبعة الكوارتو الثانية (۱٥۹۹) لنص «روميو وجولييت» كما سبق أن ذكرت، عندما طبعوا حديث «الملكة ماب» المنظوم الذي يلقيه مركوشيو كأنه قطعة منثورة، وكثيرًا ما عجب النقاد من المزاوجة بين النثر والنظم في عدد من مسرحياته، وتعدد وظائف النظم أحيانًا، كما سوف نبین.
ففي مسرحية «تاجر البندقية» أيضًا يستخدم الشاعر النظم بمستوياته المختلفة، وقد يرتفع إلى مستوى الشعر كما نفهمه (في أحاديث بورشیا مثلًا) وقد يظل عند مستوى الحوار المنظوم للغة الحياة اليومية، وقد يهبط إلى مستوى النثر الحافل بالنكات اللفظية، والعبارات السوقية، بل والبذاءات كما يفعل في مسرحياته الأخرى، وقد دأب ناشرو شيكسبير على مر العصور على مناقشة هذه المستويات، والمقابلة بينها، وكثيرًا ما استوقفَتهم بعض التناقضات التي ترجع في بعض الأحيان إلى أخطاء النساخ؛ إذ إن الطبعات المختلفة للمسرحيات كانت تعتمد على النسخ التي كان الممثلون يستخدمونها على خشبة المسرح، وهي نسخ تتسم بالتفاوت في القراءات المختلفة، (وكثيرًا ما تدخَّل الناشرون، فحذفوا من النص ما تصوروا أنه يخدش الحياء، خاصة وأن المسرحية تُدرس للطلبة في المدارس والجامعات، وتقاليد العصر الفكتوري تقضي بعدم الإشارة إلى العلاقة بين الجنسين على المسرح) ولهذا كثيرًا ما تجد حديثًا كتب بالنثر دون مبرر في سياق الشعر أو النظم.
على أن أهم ما تتسم به هذه المستويات الفنية كما سبق أن أوضحت هو براعة شيكسبير في تنويع إيقاعاته بحيث يبدو الإيقاع الأساسي للشعر المرسل، وهو بحر الإيامب أشهر بحور الشعر الإنجليزي قاطبة؛ وكأنه بحر آخر. ونظام الزحاف في الشعر الإنجليزي يختلف عنه في العربية، كما سبق أن أوضحت؛ إذ إن للشاعر حرية تغيير الإيقاع تغييرًا جذريًّا دون أن يعتبر خارجًا على البحر. وهذا هو الذي يُمكِّن شيكسبير من كسر الرتابة التي يمليها البحر الواحد، بل وأن يجعله في مواطن كثيرة قادرًا على الإيحاء بأنغام متناقضة لا تصدر إلا عن شاعرٍ ملك ناصية الأنغام اللغوية. وقد رصد الدارسون خمسة وعشرين بابًا من أبواب الزحاف والعلل وتغيير البحر، إما باستخدام المزيد من التفعيلات أو تغيير التفعيلة نفسها، أو المزج بين التفعيلات من بحور مختلفة في «تاجر البندقية» فمثلًا يستخدم شيكسبير أطوالًا مختلفة من بحر الإيامب، فلديه البحر الخماسي المعتاد (ذو التفعيلات الخمس)، انظر أول بيت في المسرحية:
In sooth I know not why I am so sad
حقًّا لا أدري سر الحزن الراسخ في نفسي.
ولديه البحر السداسي (السكندري):
Because you are not sad. Now by two-headed Janus
فلأنك لست حزينًا! أقسم بإله المسرح (جانوس) ذي الرأسين.
ولديه البحر الرباعي الذي يستخدم تفعيلة مختلفة هي عكس تفعيلة الإيامب:
All that glisters is not gold
Often have you heard that told
ما كل برَّاقٍ ذَهَب
مثلٌ يدور على الحِقَب
ولديه البحر الثلاثي:
Who chooseth me shall gain
What many men desire
من يخترْني يَحْظَ بما تبغيه الكثرة
ولا داعي للاستطراد هنا، فشيكسبير يُخضع إيقاعاته للحالات الشعورية التي تقتضيها المواقف الدرامية، ولا يعمد — إلا في الأغاني — إلى تغليب النبرة الإيقاعية التي تتميز بها البحور العربية المنتظمة (أي التي لم يدخل عليها الزحاف). وأما القافية فهي مقصورة على نهاية المشاهد والأغاني، وهي عمومًا نادرة.
ولذلك أرى أن أفضل وسيلة لترجمة هذا النص ترجمةً أمينةً تقترب من إطاره النفسي والثقافي واللغوي هي استخدام ما يسمى بالشعر الحر تجاوزًا، أو الشعر الحديث خطأً، أو الشعر المرسَل أو شعر التفعيلة، وهي جميعًا صفات لا تبلغ حد التعريف، ولكنها تفيد في التمييز بين النظم الجديد وبين الشعر العمودي. وكان البحران اللذان استخدمتهما بالتناوب أقرب البحور إلى إيقاع النثر حتى لا تغلب الموسيقى على سائر مقومات الشعر، إلا في الأغاني التي التزمت فيها بانتظام الإيقاع والقافية.
والبحران هما الرجز والخبب، والأخير هو الصورة الحديثة من صور المحدَث أو المتدارَك وقد وجدت أنهما طيِّعان ومتناسقان، بل إنني كثيرًا (دون أن أعي ذلك) كنت أخرج من أحدهما إلى الآخر أثناء الترجمة، خصوصًا في صورهما المزاحفة، كما استخدمت بعض البحور الصافية الأخرى وأهمها الرمَل والمتقارب والهزج، وأحيانًا كانت تأتي الترجمة رغمًا عني في بحور مركبة، ولكن هذا نادر الحدوث، وقد أطلقت لأذني عنانها في الترجمة بحيث لا أفرض صورة معينة من بحر ما على النظم؛ إذ لم يكن النظم همي الأول؛ ولذلك جاءت ترجمة الأجزاء المنثورة وبها إيقاع يقترب كثيرًا من إيقاع النظم، وإن لم يكن مقطَّعًا تقطيع النظم. وأخيرًا فإن تغيير البحر عندي يبدأ عند انتقال الحديث من شخصية إلى أخرى لا أثناء حديث الشخصية، ولكنني اعتمدت في تلوين التباين في الحالة الشعورية على الزحاف، بل إنني اعتمدت على قدرة الكلمات نفسها على تحديد البحر وتلوين الاختلاف في إيقاعاته نفسها، ويكفي المثل التالي لإيضاح ما أعنيه، وهذا مقطعٌ من الفصل الرابع:
Sal:
My lord, here stays without
A messenger with letters from the doctor,
New come from Padua
Duke: Bring us the letters: call the messenger.
Bas:
Good cheer, Antonio! What, man, courage yet!
The Jew shall have my flesh, blood, bones and all,
Ere thou shalt lose for me one drop of blood.
Ant:
I am tainted wether of the flock,
Meetest for death: the weakest kind of fruit
Drops earliest to the ground; and so let me:
You cannot better be employ’d Bassanio,
Than to live still, and write mine epitaph
(Enter Nerissa, dressed like a lawyer’s clerk)
Duke: Came you from Podua, from Bellario?
Ner: From both, my Lord. Bellario greets you …
المشهد الأول
ساليريو :
يا سيدي! قد حل بالباب رسول قادم من بادُوا
معه رسائل من لدى الأستاذ
الدوق : هات الرسائل وادع ذلك الرسول
باسانیو :
بشرى خير يا أنطونيو! اطرح عنك الحزن! تجلَّد!
لن تسفك من أجلي قطرة دم
ولْيَفُز العبراني بلحمي ودمي وعظامي!
(يُخرج شيلوك سكِّينًا يشحذها على نعل حذائه.)
أنطونيو :
إني حمَلٌ مريض في القطيع …
أنسَبُ الأشياء لي موت سريع
إنما أول ما يهوي على الأرض الثمارُ الواهية
فدعوني اليوم أهوي مثلها …
ليت باسانيو يعيش بعد موتي
كي يخط لي الرثاء فوق قبري.
(تدخل نیریسا متنكرة في زي كاتب محامٍ.)
الدوق : هل جئت من بادوا؟ من عند بلاريو!
نیریسا : نعم مولاي منها … وبلاريو يحیِّيکم …
الواضح أن كل متحدث يستخدم بحرًا يختلف عن بحور الآخرين؛ فالقطعة تبدأ بالرجز والكامل «ساليريو والدوق» ثم الخبب «باسانیو» ثم الرمل «أنطونيو» ثم الرجز «الدوق» ثم الهزج «نیریسا». ويهمني أن يعرف القارئ أنني نتيجة لاتباع أذني التي تدربت على الشعر العربي قديمه وحديثه، لم أعد أفرق بين الكامل والرجز، وأتصور تداخل إيقاعاتهما تداخلًا حميمًا، فدارس العروض التقليدي سيجد تفعيلتين من الكامل في السطور الأولى، التفعيلة الأولى في السطر الثاني من القطعة، والثانية في السطر الثالث، ولكنني أعتبر أنه رجز، وأذني تسمح لي بزحافات الرجز في هذا البحر، وقد تكون هذه الاختلافات العروضية ومنها تحريك السابع الساكن في تفعيلة الرمل (التي أغضبت بعض الأصدقاء) من باب «التمرد العروضي» الذي أشار إليه صديقي الشاعر الدكتور أحمد مستجير (مؤلف كتاب «مدخل رياضي إلى عروض الشعر العربي» القاهرة، ۱۹۸٦م)، وقد تكون من باب العودة إلى فطرة الأذن بدلًا من اتباع القواعد التي استمدها السلف مما حکمت به الأذن! فبحر المتوفر «مهمل» ولكنه أحد بحور دائرة خليلية معترف بها.
وأما تغيير الإيقاع فهو لا يقع فحسب نتيجةً لتغيير البحر، ولكنه يقع أثناء البحر نفسه نتيجةً للحالة الشعورية التي تتغير ولو تغيرًا طفيفًا أثناء الحديث، ولا شك أن للموقف وللمعنى تأثيرًا كبيرًا في تحديد الإيقاع، فإيقاع الخبب في بداية حديث باسانیو مرح فرح؛ لأن رنة سعادته بوصول الرسول تغلب على حديثه. ثم يبطئ الإيقاع في نفس البحر عندما يرى السكين التي شحذها شيلوك على نعل حذائه؛ فالحالة الشعورية الآن يشوبها قلق فيه تحدٍّ؛ إذ يقول: إنه سيفدي أنطونيو بنفسه … وهنا يتحول الإيقاع إلى بحر الرَّمَل في حديث أنطونيو الحزين، وتكون آخر عباراته أسرع قليلًا، وأكثر انتظامًا؛ لأنها في الحقيقة رد على فكرة افتداء باسانیو له، ثم تدخل نیریسا فتعود الحركة إلى المشهد، ويعود الحوار «الساخن» والعبارات القصيرة في جو المحكمة الذي يخيم عليه الحزن، ويشيع فيه الأمل الآن (الرجز ثم الهزج).
أما البحور المركبة فأهمها الخفيف وصوره المختلفة، إلى جانب بعض صور البسيط التي فرضت نفسها في إطار الرجز، وربما كان هذا أيضًا من الجديد الذي لا أملك له دفعًا، بل ربما وجد بعض المتخصصين أنغامًا عروضيةً جديدةً أرجو ألا تكون بالضرورة غير مقبولة، وهناك لا شك فارق كبير بين القطع المكتوبة بالشعر العمودي (مثل الرسائل الموجودة في الصناديق والأغاني فهي كذلك في الأصل) وبين البحور المركبة (أو المختلطة) الموجودة داخل النص. قارن الأبيات التالية من الرجز (أو الكامل):
ما أعذب النور الذي ينام فوق الربوةْ!
فلنجلس الآن هنا … كي تسبح الأنغام في آذاننا!
ما أنسب الليل الجميل والكون الحالم
لتوافق الألحان فيما حولنا!
بالأبيات التالية (من الخفيف):
ما عدا الحب من مشاعر ولَّی
ومضى في الهواء مثل الهباء
من ظنون وبعض يأس شرود
أو كخوفٍ وغَيرَةٍ حمقاء!
أو بالأبيات التالية من نفس البحر (مع التحويرات المستحدثة):
أبلهٌ طيب النوايا أكولُ
وبطيءٌ في شغله وكسول
ونئوم طول النهار كقط من قطاط البراري.
وأعتقد أن هذه الأمثلة تكفي لإيضاح ما أعنيه؛ إذ إن من يُخضع كلَّ شيءٍ للحالة الدرامية لن يجد مناصًا من تغيير البحور أو حتى التجديد فيها ما دام ذلك مما تستسيغه الأذن، ولا يخرج عن «السلم الموسيقي» اللغة العربية.



