في تذكير الأنثى من داخل التأنيث

من المألوف في الشعر القديم أن يذكّر الشاعر أنثاه، وليس في ذلك تخفّيا كما يبدو للبسطاء، لأنّ كلّ شيء في التذكير لا يخفي أنثوية مفعمة للمرأة، ولكنّ تذكير المؤنَّث يُعتمد عادة لكونه قيمة فنية يدمج الشاعر فيها أنثاه في وعاء ذكوري، ليزيل ما بين الجنسين من فروق لا تسمح له بأن يقترب منها جسدا ولا روحا. فتلبيس المرأة لبس الرجال في الغزل، غير تلبيسها إياه في الأحاديث الأخرى الدالة على الصلابة والشدة والفروسية في الغزل. يبقى ثوب الرجل رداء شفافا يستطيع المرء أن يطلّ منه بشكل أكثر طمعا في إماطة اللثام وإعادة اكتشاف الأنثى المتخفية خلف ذلك الرداء. هو رداء لغوي لا غير، رداء المرأة الذي تلبسه كي تتخفّى عند السير في سوق الرجال، رداؤها ذاك مهما أخفاها، فلا يمكن أن يخفي جنسها، لكنّ رداءها اللغوي، الذي أخفى جنسها لم يغيّبها، بل جعلها شوقا مبيّتا في انتظار استرداد أنوثتها عبر إعادة بناء الضمير، وإعادة تشفيره بالشكل الذي يقتضيه: أن يحوّل الذهن فعلها ووصفها المذكّر إلى فعلها ووصفها الدنيوي الطبيعي، بحكم خلقها الأنثوي الأوّل.
سأسمّي هذا الشكل تأنيث الأنثى داخل المذكّر، وهو تأنيث يرحل بالمرأة خارج مقولات تصريفها فتكتسب مقولات التصريف المذكرة، وتخرج بذلك عن دائرتها المقولية؛ لكنّ الشاعر يظل يتغنّى بسمرة باطن شفتيها، بلماها، وبتثنّيها وبقدّها وبخدّها، مع نسبة مذكرة قد تعمي على القارئ كثيرا من العناصر حتى ليظنّ أنّ في الأمر غلاما له هذا الخدّ وهذا القدّ. وقد ذهب الموشّح مذاهبه القصوى في نفي المرأة إلى غياهب المقولات التصريفية الذكورية، حتى قرئ النصّ وكأنّه غزل بالغلمان يقول لسان الدين بن الخطيب (أحور المقلة معسول اللمى / جال في النفس مجال النَّفَس:: سدّد السهم فأصمى إذ رمى / بفؤادي نبلة المفترس). لن يطيل المرء نظره حتى يتبيّن حضور الأنثى في الذكر، فالمسألة لم تعد محسومة، ولا أنّ حسمها في الشعر الأندلسي مهمّ؛ وسواء أقصد الشاعر من الذكر أنثى، أم قصد ذكرا متأنّثا، فإنّ المسألة لم تعد مسألة هوية بقدر ما بانت قدرا فنّيا محضا.
سأخصص جزءا من الكلام أطول عن نوع من تذكير الأنثى داخل إطار المؤنث وهو الذي وجدته في دالية زهير بن أبي سلمى التي مطلعها (غَشيتُ دِياراً بِالنَقيعِ فَثَهمَدِ/ دَوارِسَ قَد أَقوَينَ مِن أُمِّ مَعبَدِ) وفيها يقول في وصف ناقته (فَلَمّا رَأَيتُ أَنَّها لا تُجيبُني/نَهَضتُ إِلى وَجناءَ كَالفَحلِ جَلعَدِ:: جُمالِيَّةٌ لَم يُبقِ سَيري وَرِحلَتي/عَلى ظَهرِها مِن نَيِّها غَيرَ مَحفِدِ). بعد أن وصف الشاعر خلوّ الديار وإقفارها من الحبيبة، وقد وقف فيها مسائلا قارئا في آثار ما اندرس من حياة حيّة كانت فيها، عاد إلى الحياة إلى ناقته المؤنثة، التي هي شيء من الواقع الحيّ غير الدارس، لكنّه وهو يحافظ على أنوثتها شبّهها بالمذكّر الفحل من الجمل أوّلا، ثمّ نسبها إليه ثانيا في قوله (جمالية) وسنقرأ طريقتيه البلاغية في الأولى باعتماد التشبيه والنحوية في الثانية باعتماد النسبة إلى الجمل لنبيّن معنى أن يحافظ المؤنث على تأنيثه وهو يعامل معاملة المذكّر.
يثير التشبيه في قوله (وجناء كالفحل) مشكلا في التشبيه، فهو من جهة كونه تشبيها لا خلاف فيه، لكنّه تشبيه لناقة شديدة وهي أنثى بالفحل، وهو الذكر القويّ من كل حيوان عموما، والمقصود في هذا السياق الجمل. من المطلوب في الشعر أن يختلف المشبّه عن المشبّه به في المرجع، أو كما يقول المحدثون من الإدراكيين في الميدان العرفاني، بمعنى أن يكون المشبّه حيوانا (ناقة) ويكون المشبه به شيئا له معنى الصلابة (الصخر أو البقر الوحشي أو اللبؤة) فههنا اختلاف مرجعي بين الناقة والطبيعة، أو الحيوان الذي تشبهه. أمّا أن تشبّه الناقة بفحلها من الجمال، فهذا تشبيه لم يغادر دائرة النوعية الحيوانية الواحدة، ووقع في محيط مجاور في دائرة الجنس، فهي أنثى تشبه الذكر من جهة الفحولة الشديدة. الغرض من هذا التشبيه إحداث ضرب من الدمج في مستوى مقولتي التذكير والتأنيث، فلا يريد الشاعر أن يقترض بالتشبيه سمة يأخذها من كيان ليقرضها كيانا آخر من شأنه أن يقوي فيه صفة مشتركة؛ بل خلق الشاعر ضربا من السفر داخل الكيان الواحد، بين ضفتين جنسيّتين هما الأنثى الشديدة والذكر الفحل. إنّها أنثى لا تفتقد أنوثتها، بل تظلّ مخصبة على وجه الأنوثة، لكنّها تكتسب من الذكورة شدّتها وصلابتها لا طريقة إنجابها وكثرته. يحافظ المشبّه به على فحولة مرجعيّته ويحافظ المشبّه على خصائصه الأنثوية، ولكنّ الناقة وهي تسافر بالشاعر في الصحراء ينبغي أن تكون منزوعة الصفات الأنثوية، التي تجعلها أقلّ من هذه المهمّة: مهمّة الرحلة. وأمر آخر بعيد في هذا التشبيه وهو يدرك في رمزيته البعيدة، وفي علاقته بقسم الوقوف على الأطلال وتذكّر الحبيبة، يتمثل في رغبة في الدمج بين الرجل الفحل الطالب لأنثاه، فلا يجدها لترحالها وتركها الأثافي واقفة بلا نار. والمرأة المطلوبة التي سافر إليها بلا عنوان يريد ذكرها، دمجها دمجا لا يلغيها بما هي أنثى، ولكنّه يجعلها شديدة كي تثبت، وهي المسافرة دوما في حلّها وترحالها على رفضها لكلّ ما يمكن أن يضعفها تجاه الآخرين غيره. هو دمج يجعل الرجل إن طلبها وجد فيها رجلا مستنسخا لأنوثته.
أمّا الموضع الثاني الذي نسبت فيه الناقة إلى الرجل في قوله (جماليّة) فإنّها تخالف قاعدة مألوفة عند النحاة، وهي أنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه ومعلوم أنّ النسبة هي ضرب من الإضافة فأن تقول (غلام زيد) ففي ذلك نسبة الغلام إلى زيد، وأن تقول عن الغلام إنّه (زيدي) فأنت نسبته بطريقة أخرى إليه. لكنّ الغلام وزيدا يظلان مختلفين في الهوية؛ وليس الأمر كذلك في جمالية بمعنى ناقة منسوبة إلى الجمل فإنّا قد نسبنا بعض الحيوان إلى فصيلته نفسها، وهذا مشكل في الإدراك فكيف يمكن أن نقول عن ناقة إنّها (ناقةُ جملٍ) ففي الأمر تناقض، إلّا إذا حملنا الأمر على المجاز لا على الحقيقة أو على المفترض لا على الكائن فعلا؛ ففي الحقيقة إمّا أن يكون النفر من الإبل ناقة، أو يكون جملا. الغرض من هذا التوليد النسبي الذي يمكن أن يزعج المشتغلين بالنسبة النحوية أنّ الشاعر ما يزال ينوّع فكرة السعي إلى التقريب بين الأنثى والذكر بواسطة هذا اللعب بالتشبيه، وبالنسبة لأنّه لا يريد أن يصير إلى مقولة التذكير الصريحة التي تقضي على هذا الوجود الثنائي لكيانين من الفصيلة والنوع نفسيهما، ولكنّهما وإن اختلفا بالجنس فإنّ هناك ما يمكن أن يقرّب الأنثى إلى الذكر في سعي يشبه التحوّل ولكنّه لا يتحقق لأنّ الشاعر لا يريد الذوبان بل الدمج بين الجنسين، حيث إنّ الدّمج ليس كلّيا بل هو دمج في مستوى ما يصنع من الذكر مرجعا مطلوبا ومنارة تضيء الجنس الثاني، لكي يسير في ضوئه ويتبع ركبه ويسير في خطاه. إنّه أمل ليس فيه كما يمكن أن يفهم إعلاء بالذكورة بقدر ما فيه تعب من الرحلة إلى حبيبة لا يلقاها، فهي في سفر دائم لا تعمّر مكانا إلاّ لتتركه للخراب ولعويل الريح ولآثار من رماد. لقد تعب من رحلة تتلبس به فيها هيأته المذكرة، ولذلك تستبدّ به رغبة جموح للبحث عن الجنس الثاني المكمّل لذاته. هو يرحل في المكان طالبا امرأة، قد لا تفكّر فيه وقد لا تعرف أنّه في طلبها وقد تكون من وجهة نظرها فرحة بكونها أنثى تندمج في قبيلتها وفي جنسها الأنثوي الذي تعرف أنّه مكين؛ هي بين أهلها ولا يقلقها أن يكون هناك راحل يتعقب آثارها التي تركتها، يرحل على ناقة تركت جملها وفحولته وربما اقترب موعد خصوبتها وهي في رحلة لا تفهم أسبابها تبعدها عن خصوبة حياتها الأصلية وتزج بها في رحلة قدرية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية






