مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات لغوية

ترجمة الشعر نظمًا ونثرًا – محمد عناني

ef1ee979 9522 4043 922f 71094eb8c957

(١) ترجمة الإيقاع في الشعر

الإيقاع هو الترجمة المتفق عليها للكلمة الإنجليزية rhythm، ومقابلاتها باللغات الأوربية الأخرى، وأصلُها هو الكلمة اللاتينية rhythmus القائمة على اليونانية rhythmos، بمعنى مقياس أو حركةٍ محسوبة؛ أي يمكن قياسُ وحداتها، ولها علاقةٌ بفعل rheein، بمعنى يتدفق، الذي يعتبرُ «المادة» في اللغات الهندية الأوربية للجذع sreu بنفس المعنى، والذي أتى في الألمانية بفعل strom، وفي الإنجليزية بالفعل stream، والاسم منه.

والمعنى الدقيقُ الحديثُ للإيقاع هو التدفق المتواصل الذي يتَّسم بملامح منتظمةٍ متكررةٍ، تتميز بالتراوح بين لونين أو أكثر، أو بالتقابل بين ضربين من الضَّربات، مثل دقَّات القلب في الكائن الحي مثلًا.

والمصطلح الفنيُّ يتضمن إلى جانب هذين العنصرين — أي التدفق والتكرار المنتظم — عنصرَ النمط pattern، أي إمكان إدراك السامع أو الرائي للوحدات التي تشكِّلُ فيما بينها أنماطًا، بمعنى أن الوحدة الصغيرة التي قد تتكون من ضربتين، قد تتكرر بحيث تشكِّلُ نمطًا من عدة وحداتٍ يجمعُ بينهما جامع، والفيصل في هذا هو الممارسة الفنية؛ أي ما أخرجه المبدعون من إيقاعاتٍ مركبةٍ في الموسيقى مثلًا، أو في الشعر، بحيثُ يكون عملُ الدارس قائمًا على إنتاج قرائح المبدعين؛ فهو يضعُ تصنيفاته للأنماط الإيقاعية على أسس ما يدركه منها في الفنون السَّمْعيَّة أوَّلًا مثل الموسيقى والشعر، وفي الفنون البصرية ثانيًا، باستعارة المصطلح لاستعماله فيها، وأخيرًا في الفنون الحركية أو التي تجمع بين شتى تلك الفنون.

وقد شُغِلَ النُّقاد في العصر الحديث بالدلالة الفلسفية للإيقاع؛ أي من حيث معناه للإنسان، فقال قائلٌ: إنه دليلٌ على النظام الذي تقوم عليه الحياةُ، وقال آخر: إنه تجسيدُ لنزوع الإنسان إلى نظامٍ غير موجود، وذهب ثالث إلى أنه يفي بحاجةٍ إنسانيةٍ متأصلةٍ إلى الإحساس بالنظام في مواجهة عالمٍ لا يبدو أن فيه نظامًا من لونٍ ما؛ ومن ثمَّ ارتبطَ تحليلُ الإيقاع بمنظورين متعارضين: الأول يقول: إن الفن يضفي النظام على الكون، والثاني يقول: إن الفن يقدِّمُ صورًا تعكس مثل المرآةِ النظامَ الكائن في الوجود، وعلى اختلاف وجهات النظر اتفق الجمهور على أن الإيقاع الذي يتجلى في الشعر على صورة النظم له ضرورته، وأنه يستجيب لنزعةٍ أو لحاجةٍ بشريَّةٍ لا مِرَاء فيها، ومن ثمَّ فإن كلَّ دورةٍ أدبيَّةٍ تناهض النظم، تنتهي إلى دورةٍ أدبيَّةٍ تؤيده تأييدًا شديدًا، حتى وجدنا شعراء الحركة الإنجليز The Movement الذين كتبوا معظم ما كتبوه في الربع الثالث من القرنِ العشرين، يؤيِّدون النظمَ تأييدًا شديدًا، وكان شعرَ فيليب لاركن (المتوفَّى عام ١٩٨٩م) نموذجًا للشعر الموزون المقفى، بل العمودي، كأكثر ما يكون الشعرُ التزامًا بالوزن والقافية.

الإيقاع في اللغة

ولكن الإيقاع في اللغة لا يعتمدُ على الوزن وحدَه، فليست الأوزان قوالبَ مجرَّدةً؛ أي أصوات لها وجودٌ بذاتها خارج اللغة، ولكنها هي نفسُها الأصوات التي تشكِّلُها اللغة؛ ومن ثمَّ فمن العسير وفقًا لأحدث النظريات الأدبية فصلُ الكلمات عن الوزن؛ أي القول بأن كلمتين تشتركان في الوزن بمعنى البناء الصرفي morphology، أو البناء الوزني metrical structure، ستكون لهما نفس القيمة الإيقاعية rhythmical value، مهما تتشابه حروفُهما الصائتة — أي حروف العلة القصيرة — (الحركات) والطويلة (أي الألف والياء والواو والسكنات في العربية)؛ ومن ثمَّ تصبِحُ لكلِّ قصيدةٍ أنماطُها الصوتية؛ أي phonological patterns، التي من المحال تجريدُها إلا في حدود ما يضطر إليه الباحث للتبسيط والشرح، ومن المحال كذلك استبدالُ أنماطٍ صوتيةٍ أخرى بها دون تغييرٍ في الدلالة الفنية؛ أي في المعنى الشعري، بل وفي المعنى الإحالي كذلك.

ولما كانت الأنماط الصوتية خاصَّةً باللغة التي كُتِبَت بها، فمن الطبيعي أن ترتبطَ بالتراكيب الخاصة بتلك اللُّغة syntax، وسياقاتها، ودلالات ألفاظها الخاصة semantic features، وقد أفاض في ذلك أصحابُ المدرسة الشكلية الروسية The Russain Formalists، ومدرسة براغ The Prague School، ومدرسة موسكو-تارتو Moscow-Tartu، وأقطاب البنيوية في فرنسا وأمريكا، ومن ثم فلا حاجةَ لنا إلى تكرار ما قالوا، وما أسهبوا فيه إسهابًا، ولكننا نقفُ هنا عند قضيةٍ اختلفوا فيها، وهي مدى استقلال معنى الإيقاع عن العمل الفني، أو عن الدلالة، هل يمكن أن يكون للإيقاع في ذاته معنى؟ وهل هو مؤيِّدٌ ومسانِدٌ ومعضِّدٌ لمعنى الكلمات؟ أم يمكن أن يتمتع باستقلالٍ داخليٍّ عنه، بحيث يؤيده أيضًا، ويتناقض معه أحيانًا؟ ولنطرح السؤال بصورةٍ أخرى: هل يمكن أن يستعمل الشاعر الإيقاع لتعديل بعض معاني الألفاظ، أو لإضافة معانٍ أخرى إليها، أو أحيانًا لإلغاء معناها الظاهر، والإيحاء بمعنى مناقضٍ له؟

هذه أسئلةٌ لا تزال قيدَ البحثِ، وتقريبًا للفكرة الأخيرة من أذهان قرَّاءِ العربية أقول: إن بعض الإيقاعات قد ارتبطت تاريخيًّا بمعانٍ معيَّنةٍ، أو بنغمةِ جِدٍّ رفيعةٍ، كبحر الطويل في العربية الذي اعتدناه في المعلقات، وكذلك ارتبطت إيقاعاتٌ أخرى بأنغام أقلَّ جدًّا، أو حتى بالهزل؛ ولذلك فالقارئ لا يتوقَّع من الشاعر أن يخلطَ بين هذه الإيقاعات وما ارتبطت به، فعندما يقول شوقي:

مقاديرُ من جفنيك حوَّلْن حاليَا

فذقتُ الهوى من بعد ما كنتُ خاليَا

نفَذْنَ عليَّ اللُّب بالسَّهم مُرْسَلا

وبالسِّحر مقضيًّا وبالسيفِ قاضِيَا

لا بدَّ أن يشعر السامعُ برنَّةِ الإحالة إلى الماضي في التُّؤَدة الإيقاعية للطويل، ونعمة الجِدِّ التي تميِّزُ قناع الشاعر الكلاسيكي classical persona، وهو الذي طالما اتهم العقادُ شوقي باصطناعه؛ فالانتظام الذي يدعو للتمهُّل يُجبرُ المرء على البطء، مهما يحاول شوقي الإسراع ولو عن طريق حيل الصياغة التي أبدع فيها أيَّما إبداع:

مفسِّرُ آي الله بالأمس بيننا

قُمِ اليوم فَسِّرْ للورى آيةَ الموتِ

رُحِمْتَ مصير العالمين كما ترى

وكلُّ هناءٍ أو عزاءٍ إلى فوتِ

هو الدَّهر: ميلادٌ فشُغْلٌ فمأتمٌ

فذكْرٌ كما أبقى الصَّدى ذاهب الصَّوت

ولقد تعمدت أن آتي بشِعْرِ حُبٍّ في البداية قبل هذا الرثاء حتى أمهِّدَ لموضوعات أخرى تؤكِّدُ ما ذهبتُ إليه، فهذا شوقي يوجِّه الأبيات التاليةَ لعليٍّ ابنه، وهو في الثانية من عمره:

هذه أوَّلُ خُطوهْ

هذه أوَّلُ كبوهْ

لا تقُل كان أبي إيَّـ

ـاكَ أنْ تحذُو حَذوَهْ

أنا لم أغنمْ من النَّا

سِ سِوى فنجان قهوهْ

أنا لم أُجْزَ عن المد

حِ منَ الأملاك فَروهْ

ومجزوء الرَّمَل هنا يذكِّرنا بمجزوء الكامل الذي أغضب كثيرًا من الكلاسيكيين، وكان الأحرى بهم أن يذكروا مجزوء الهزج الشهير لبشار «ربابة ربَّة البيت» وعلى أي حالٍ، هذا ما يقوله شوقي:

قولوا له رُوحي فداهُ

هذا التجنِّي ما مداهُ

أنا لم أقُم بصدودِه

حتَّى يُحمِّلَني نَوَاهُ

سمَّيتُه بدرَ الدُّجَى

ومن العجائِبِ لا أراهُ

ودعوته غصن الرِّيا

ضِ فلم أجد روضًا حواهُ

وأقول عنه أخو الغَزَا

لِ ولا أرى إلا أخاهُ

ولا أدلَّ على خفة النبرة في الأبيات الأخيرة من قيام بعضِ الشعراء المُحْدَثِين بالسخرية من هذا الشِّعر، بل وإقدام شاعرٍ هازلٍ على نشر محاكاةٍ ساخرةٍ للقصيدة parody، في إحدى المجلات الأدبية في الخمسينيات، وأذكر أن البيت الأخير في قصيدة شوقي وهو:

أُذْنُ الفتى في قَلبِهِ

حينًا وحينًا في نُهاهُ

قد ظهر في الصورة التالية:

عينُ الفتى في وجْهِهِ

حِينًا وحِينًا في قفاهُ

والواقع أن مجالَ تأكيد الإيقاع للمعنى الشعري أكبرُ من مجال التعديل فيه أو إلغائه، ومن هذا المنطلق أتصوَّرُ أن الإيقاع عنصرٌ جوهريٌّ من عناصر الشعر الإيجابية، وأقول ما أقوله دائمًا: إن الوزن أيًّا كانت صورته أساسٌ من أسس الشعر، ولن يهتز إيماني بذلك طالما كان في العالم من يكتبون الشعرَ المنظوم، أما إذا مال معظمُ الشعراء المجيدين إلى كتابة النثر، لا قدَّرَ الله، وقد يسمونه نثرًا شاعريًّا أو شعريًّا أو شعرًا منثورًا أو نثريًّا، فسوف أعيدُ النظرَ في موقفي على ضوءِ إبداعاتهم العجيبة.

مشكلات المعادلة

إذا كان مترجِمُ معنى الكلام يسعى إلى إيجاد الكلمة العربية التي تنقلُ معنى الكلمة الإنجليزية، فإن مترجِمَ الشعر يحاولُ — أو نحن نتوقَّعُ منه أن يحاولَ — إيجاد الإيقاع الذي ينقلُ معنى الإيقاع في اللغة المنقول منها؛ أي إنه لن يأتي بالقوالب الصوتية نفسها والتي ترتبطُ — كما سبق أن ذكرت — بالكلمات الأصلية، ولكنه مثلما يحلُّ كلماتٍ عربيةً محلَّ الكلمات الأجنبية سوف يحلُّ إيقاعًا عربيًّا محلَّ الإيقاع الأجنبي، ومثلما يجدُ من الصعب عليه أن يأتي بكلمةٍ تترادف ترادفًا كاملًا مع الكلمة الأصلية، سيتعذَّر عليه إيجاد الإيقاع الذي يعادل تمامًا الإيقاع الأصلي؛ فلكلِّ لُغةٍ إيقاعاتُها، ولكُلِّ إيقاع أصوله وتنويعاته.

والمشكلة الأولى هي الاختلاف النوعي بين الإنجليزية والعربية في أصول الإيقاع الشِّعري؛ فالعربية ذات إيقاعاتٍ كمِّيَّةٍ؛ أي تعتمدُ على عدد الحروف السواكن والمتحركة جميعًا، باعتبارها أصواتًا تطرُقُ الأذن، بغضِّ النظر عن النبر stress؛ أي الضغط على البعض دون البعض، أما الإيقاع في الإنجليزية؛ فهو نبْريٌّ qualitative؛ أي إنه يعتمدُ على طريقةِ نطقِ المقاطع في الحديث العادي، لا على عدد الحروف أو المقاطع، وإيضاح ذلك مهم.

خذ كلمةً مثل «قيثارتي» (qee thaa ra tee.//././)، إنها تتكون وفقًا لنظام العَروض العربيِّ من ضربتين قصيرتين، تتكون كلٌّ منهما من حرفٍ ساكنٍ يتلوه حرفٌ متحرِّكٌ، تتلوهما ضربةٌ طويلةٌ تتكون من حرفين متحرِّكين، يتلوهما حرفٌ ساكنٌ، والضربة القصيرة تسمى سببًا خفيفًا، والضربة الطويلة تسمى وَتِدًا مجموعًا، وترمُزُ لها الأصوات التالية «إن لم تكن» (أو مستفعلن) أي إننا نقيسها بعدد الحروف المتحركة والساكنة، ونمطِ تكرار الحركة والسُّكون؛ فالكمُّ هنا هو المعيار، ولا عبرةَ بمن ينطِقُها بالضغط على المقطع الأول أو غيره، ولكننا إذا قرأناها باعتبارها كلمةً أجنبيَّةً، فستكون العبرةُ لا بالحركة والسكون، ولكن بالمقطع الذي يقع الضغط عليه، هكذا:

figure3

وفي كل مرَّةٍ يخرجُ لنا إيقاعٌ مختلفٌ، ولإيضاح معنى النبر، انظر معي هذا البيت الشهير، لكريستوفر مارلو:

figure4

وقد قطعته هنا التقطيع الآلي الذي يختلف عن القراءة الشعرية الحقيقية من باب الإيضاح فحسب، فهنا نجد أن كل كلمة هي مقطع مستقل، ولو كتبناها بالعربية لخرج لنا بحر الخبب الحديث (صورة المتدارك أو المُحْدَث الجديدة) ولكن العبرة هنا ليست بِالكمِّ، بل بأن الضغط يقع على مقاطع بعينها من البيت؛ أي على الكلمات المهمة في البيت، مثل الأفعال الرئيسية أو الأسماء ذات الدلالة، وإذا قرأت هذه الكلمات وحدها لَخَرَج لك ما يشبه المعنى للبيت، أما إذا قرأت المقاطع غير المنبورة لما خرجت بشيء!

مثلًا:

live / me / be / love

في مقابل:

come / with / and / my

ولو أن القراءة الصحيحة للبيت هي:

figure5

أي إنها تتضمن زحافًا في التفعيلة الأولى، على نحو ما سنشرح فيما يلي، المعادَلة النوعية مستحيلة إذن، ومن العبث أن نقيس لغةً بمقياس لغة أخرى، فاختلاف اللغة يفرض اختلاف الإيقاع، واختلاف استجابة المستمع؛ ولذلك — كما أرجو أن أوضح — من المحال، بل من العبث القولُ بأن بحرًا من البحور الإنجليزية يعادلُ بحرًا من البحور العربية.

البحور الإنجليزية

أما البحور الإنجليزية، فأقرب ما تكون إلى البحور الصافية بالعربية؛ أي التي تتكرر فيها التفعيلات المفردة، ولا تتضمن تشكيلاتٍ ثابتةً من التفعيلات مثلما نجد في بعض البحور العربية المركبة كالطويل والبسيط والخفيف وما إليها، وتنقسم من حيث النغم الموسيقي إلى قسمين رئيسيين: ذات النغم الصاعد rising beat، وذات النغم الهابط أي falling beat، بمعنى أن موجات الصوت تمثل انتقالًا في الحالة الأولى من المنخفِض إلى المرتفِع، والعكس في الحالة الثانية، وهذا الخط النغمي الأساسي هو ما نسميه الإيقاع الأساسي base rhythm أما في الممارسة الفعلية، فكثيرًا ما تطغی الزحافات والعلل على هذا النغم الأساسي بحيث يتحول من هابط إلى صاعد والعكس، خصوصًا في الأعمال الدرامية حيث يقتضي الموقف أو الحالة النفسية ذلك.

وفي النغم الأساسي الصاعد، وهو الأكثر شيوعًا في الإنجليزية، يكثر استخدام تفعيلة الأيامب iambus التي تتكون من مقطع خفيف، أو غير منبور يتلوه مقطع منبور أو ثقيل، وإلى درجةٍ أقلَّ تفعيلة الأنابيست anapaest التي تتكون من مقطعين خفيفين يتلوهما مقطع منبور. أما في النغم الهابط، فيكثر استعمال تفعيلة التروكي trochee التي تتكون من مقطع منبور أو ثقيل، يتلوه مقطع غير منبور أو خفيف، وإلى درجةٍ أقلَّ تفعيلة الداكتيل dactyl التي تتكون من مقطع منبور أو ثقيل يتلوه مقطعان غير منبورين؛ أي خفيفان.

هذه هي التفعيلات الأربع الرئيسية، وكل ما عداها يدخل في باب الزحاف modulations، ولكن ذلك يحتاج إلى تقديم قصير، فما أصل الحكاية كما يقولون؟

لم تكن الإنجليزية القديمة تعرف البحور الشعرية كما نعرفها الآن، وحتى الإنجليزية الوسطى كان المتَّبَع هو ما يُسمَّى ببحر سجع البداية alliteration أو the alliterative metre؛ أي اشتراك الكلمات في حروف البداية لا في حروف النهاية، ووفقًا لذلك النظام كان البيت يتكون من أي عدد من الكلمات شريطة أن يكون من بينها أربع كلمات مهمَّة، وأن تشترك الكلمات الثلاث الأولى منها في حرف البداية، ووصف الكلمة بأنها مهمة وصف غير دقيق بطبيعة الحال، ولكن المتفق عليه في كتب العَروض prosody هو أنها كانت كلمات محورية، يقع عليها ضغط القارئ إذا قرأ البيت قراءة عادية، بسبب دلالتها الأساسية للبيت، مثل الأفعال العاملة أو الأسماء الرئيسية.

وكان الفرنسيون — بسبب زيادة ارتباط لغتهم باللاتينية — أقرب إلى النظم الكمِّي، وكانوا يعتمدون على عدد المقاطع في البيت الواحد لا على النبر، وكان بيت الشِّعر في الفرنسية القديمة يتكون من عدد ثابت من المقاطع، وسرعان ما اقتبس الإنجليز من الفرنسيين فكرة العدد الثابت، وإن كانوا قد استعاضوا عن عدد المقاطع بعدد التفعيلات، وربما كان ذلك لأن الإنجليز كانوا ولا يزالون يُولُون للتنغيم intonation اهتمامًا يفوق اهتمام الفرنسيين به، ومن هنا نشأت فكرة العدد الثابت للمقاطع في البيت، وفكرة العدد نفسها.

وقد جدد بعض المحدَثِين هذا المنهج الإيقاعي فيما أصبح يسمى بإيقاع النبر stress rhythm، أشهرهم قاطبة هو: ت. س. إليوت، الذي أحيا النظام القديم؛ أي نظام العدد الثابت للمقاطع المنبورة في البيت الواحد، واتبعه حشد من المحدَثِين، الذين وجدوا فيه بعض التحرُّر من النظام القديم الذي يهدِّد أو يوحي بالجنوح نحو النظام الفرنسي، وإن كان كبار شعراء التراث الإنجليزي نادرًا ما يخرجون عنه، منذ العصر الحديث من شيكسبير إلى ملتون والكلاسيكيين، بل إلى وردزورث وشلي وبايرون!

وعمود الشِّعر الإنجليزي إذن هو عدد المقاطع في البيت الواحد، الذي قد يكون سطرًا monostich أو سطرين distich وقد يكون مقفًّى أو غير مقفًّى، وقد يتكون من فقرات يتفاوت عدد سطورها، والمهم ألا ننسى أن الزِّحَافات تُمثِّل عناصر جوهرية في عمود الشعر الإنجليزي؛ أي إنه من المحال تَصوُّر بحر شعر إنجليزي يخلو من شتى أنواع الزِّحَافات والعلل (خصوصًا علل الزيادة) ولهذا سأجملها فيما يلي:

  • (١)أول نوع هو حذف مقطع خفيف في التفعيلة الأولى بالبيت أو إضافة مقطع خفيف إليها، ونموذج الأولى من بحر الأيامب هو:figure6Coleridge, The Ancient Mariner, 101البدر كان يعتلي السماء في بطءٍ ورِقَّةٍونجمة أو نجمتان في جواره[رجز]figure7Milton, Comus, 926من ألف جدول صغير[رجز]
  • (٢)والثاني هو استبدال تفعيلة تروكي في مطلع البيت بتفعيلة الأيامب:figure8Stevenson, Requiemتحت النجوم في السماء الشاسعة[رجز]أو في أي مكان آخر في البيت:figure9Coleridge, The Ancient Mariner, 104صوت كأنه خرير جدول خفي[رجز]figure10Tennyson, Morte d’Arthurفما الذي يميز الإنسان عندنا عن المعيز والغنم؟[رجز]
  • (٣)والنوع الثالث يخرج لنا صورةً مزاحفةً من تفعيلة الأيامب، أو من التروكي لا تقع إلا زحافًا؛ أي لا يبنى منها النظم وحدها، وهي توالي مقطعين غير منبورین: وتسمى التفعيلة في هذه الحالة pyrrhic:figure11W. Wordsworth, To the Cuckooأهلًا ومرحبًا ثلاثًا یا حبيبة الربيع![رجز]figure12Byron, Chillonفهُم إلى القدير يجأرون بالشكوى من الطغيانِ[رجز]
  • (٤)والنوع الرابع يخرج لنا صورة مزاحفة من الأيامب أو التروكي، لا تقع إلا زحافًا أيضًا؛ أي لا يبنى منها بيت كامل مثلًا، وهي توالي مقطعين منبورين، وتسمى في هذه الحالة spondee:figure13Keats, La Belle Dame Sans Merciوحيث لا تشدو الطيور[رجز]figure14Tennyson, Ulyssesيَطوي نهارُنا الطويلُ صفْحتَهويعتلي البدرُ الوئيدُ قُبَّة السماء![رجز]
  • (٥)فإذا تلت البيريك تفعيلة سبوندي نشأ ما يسميه العروضيون ionic a minore ومثالها:figure15Goldsmith, The Deserted Villageوالضِّحْكة الرنانة التيتشي بقلبِ مَن خَلا مِنَ الفِكَر![رجز]figure16Marvell, The Gardenلفكرة خضراء حيث تمتدُّ الظِّلال الخضر![رجز وهزج]
  • (٦)فإذا وقعت تفعيلة التروكي بعد الأيامب، سواء كان ذلك في أول البيت وهو الشائع، بل ما يكاد يمثل قاعدة زِحَافية، أو في الحشو؛ أي في منتصف البيت، ذهب العَرُوضيون إلى الجمع بين التفعيلتين في مركَّب واحد يطلقون عليه اسم choriambus، ومثاله:figure17Keats, ‘To one who has been long in city pent’, Poems, p. 35وحيث أشرقت عليه بسمة السماء في زرقتها[رجز]figure18Milton, Lycidas, 8figure19Crabbe, The Borough, 12قد مات ليسيداس! قد مات في شرخ الشباب![رجز]ملتونإنهم يمضون يومًا بعد يوم، رحلة من بعد رحلة![رمل]کراب
  • (٧)ويعتبر الأنابيست anapaest من تفعيلة الأيامب المزاحفة كذلك؛ وعادة ما نصادفه في خِضَمِّ ذلك البحر:figure20Coleridge, The Ancient Marinerوحيد على وجه بحرٍ عريضٍ مديدٍ[متقارب]figure21Bridges, Shorter Poems, BK III, No. 15(Works, Vol. II, P. 113)قد أتاك الحبُّ يا قلبُ أفِقْ واطرح سُباتك![رمل]
  • (٨)ويعتبر الداكتيل dactyl (/xx) من التفعيلات النادرة، وهي على أي حال من تفاعيل التروكي المزاحفة، وعادة ما يقع في صورة تسمح باعتباره تروکي، حين يكون المقطعُ الثاني غيرَ ثابت، ويسمى المقطع المنزلق gliding، وفيما يلي نماذج له:figure22Tennyson, Morte d’Arthurمرَّ ومض البرق في أطراف مزن غائمة[رمل]figure23Keats, Endymion, BK. II, 1, 335من جديدٍ حلَّ صمتٌ رازح لا ينتوي أن يرحلا[رمل]
  • (٩)ومن النادر أيضًا ما يسمی ترايبراك xxx) tribrach) وهو توالي ثلاثةمن المقاطع غير المنبورة، والمثال عليه:figure24Browning, The Ring and the Book, BK. 1 ,80حياةٌ أو مَمات … معجزات ومن نفحات قديس غريب[وافر]figure25Wordsworth, The Daffodilsوذات خيط متَّصلٍ … مثل النجوم البارقات في المجرة[رجز]
  • (١٠)ويعتبر زِحاف الأمفيبراك amphibrach (x/x) شائعًا في النَّظْم الخالي من القافية blank verse الذي تُكتبُ به معظم الأعمال المسرحية؛ لأنه يتضمن إضافة مقطعٍ خفيفٍ؛ أي غير منبورٍ إلى تفعيلةٍ الأيامب، وهذا هو الشائع في شكسبير مثلًا، ولكنه يُستَخْدَم أيضًا في الشعر الغنائي، وفيما يلي نماذج من الشعر الرومانسي:figure26Keats, Endymion, I, 1كل جمال مصدر للفرح لا ينضب[رجز]figure27Wordsworth, ‘Immortality Ode’, Stanza 6فكأنما كانت رسالته وحسبهي أن يحاكي الناس عن بعد وقرب![كامل]ولكن الأبيات الطويلة من البحر السُّداسيِّ التفعيلة كثيرًا ما تتميَّزُ بوقفة في منتصفها تختلف عما يسمى بالقطع أو الشُّقَّة/القيصرية Caesura؛ لأنها لا تتَّسِم بقافية داخلية ولا بعلامة فصل بارزة، بل إن هذه التفعيلة هي ما يميِّزُها، وهي أكثر شيوعًا في شعر المحْدَثين، مثلًا:figure28Masefield, Beauty, (P. W. , p. 62)إني رأيت الفجر والغروب في المروج والتلال في أيدي الرياح العاصفةوقد كساها الحُسْنُ من سكينتهما يشبه النَّغم التَّليدَ المتَّئِد … أيام إسبانيا القديمة![رجز وکامل]
  • (١١)وزحاف باکیوس bacchius (//x) تنويع نادر، وهو غالبًا ما يُستَخْدَم في النَّظْم الدرامي، مثل النوع التالي، وهذا هو المثل الشهير:figure29The Tempest, (III, i. 2–4)لِلْحِطَّة ألوان نتحمَّلُها وبعزَّة نفْسٍ نَرْضَاهابل أغلَبُ ما نَستَصْغِرُه يُثمرُ ثمرًا جمًّا[خبب]
  • (١٢)وزحاف أنتيباكيوس antibacchius (x//) هو عكس الزحاف السابق، ونادرًا ما يستخدم خارج الدراما.figure30King Henry VIII, III. II, 446الصمتَ إذنْ، يا ألسنةَ الحُسَّاد! من يجنح للعدل فلا خوف عليه![خبب]
  • (١٣)ويضع العَرُوضيون زحافات مركبة تسمى البيون، paeon وهي من أربعة أنواع، ويتكون كل منها من أربعة مقاطع، ولكنها افتراضية، فالبيون الأول هو (/xxx) والثاني (x/xx) والثالث (xx/x) والرابع (xxx/) أي إن عمادها هو المقاطع الخفيفة التي تشترك مع مقطع ثقيل واحد، فإذا كان أولها سُمِّيت التفعيلة بالبيون الأول وإذا كان ثانيها سُمِّيت التفعيلة بالبيون الثاني وهكذا.
  • (١٤)وعلى عكس تفعيلة سابقة (رقم ٥) توجد تفعيلة ionic a majore، وهي التي تتكون من تفعيلة سبوندي يتبعها بيريك.
  • (١٥)وأخيرًا يهتم العروضيون بما يسمونه تفعيلة كريتيك cretic وهي ثلاثية (/x/) وتشيع في الشعر الغنائي مثلما تشيع في الشعر الدرامي.

ويتضح من هذا العرض السريع لزحافات البحور الإنجليزية أن الأساس هو بحر الأيامب الصاعد النغمة، ولكن النظم الإنجليزي يختلف عن النظم العربي في شيء أهم من البحور أو الإيقاعات في ذاتها، ألا وهو شكل القصيدة، من حيث طول الأبيات، وتشكيلها في وحدات، وتفاوت أطوالها وفقًا لنوع النظم المستخدم.

أشكال النظم

ولسنا هنا في مجال تعديد أشكال النظم، ولكننا نود أن نشير فحسب إلى أن طول البيت يتحكم في الإيقاع في الإنجليزية، مثلما يتحكم طبعًا في إيقاع الشعر بأي لغة من اللغات، وإن يكن ذلك بصورة تختلف عن العربية في أن «الشعر الدَّوار» أي الأبيات التي يتصل بعضها بالبعض نحوًا ومعنی run-on lines تعتبر من الوسائل الأساسية في الشعر الكلاسيكي وحتى العصر الحديث. فالشعر العربي القديم يفضل وحدة البيت، ويكره التضمين بهذا المعنى؛ ولذلك فقد تُواجِهنا مشکلات نابعة من التمييز بين ما ينبغي الوقوف عنده من إيقاعات، وما ينبغي وصله enjambement ومتابعته.

وإلى جانب ذلك توجد صور شتى لتنظيم الأبيات في فقرات stanzas قد تتطلب إيقاعات أخف من إيقاعات البحور الطويلة، مثل ما يسمى بالفقرة الثلاثية terza rima، أو الرباعية quatrain أو فقرة البالاد (وهو الموال الغربي) والتي تتكون من أبيات تتكون من أربع تفعيلات وثلاث تفعيلات بالتناوب، وقد يتبعها قرار refrain أي سطر يتكرر بعد كل فقرة، وبين ألوان الفقرات في الشعر الغنائي والقصصي التي قد تتكون من ستة أبيات أو سبعة، وقد تتفاوت أطوالها، والفقرة الثُّمانيَّة ottava rima التي كان بایرون مغرمًا بها، والفقرة التي اقترن اسمها بالشاعر سبنسر وتُنسَب إليه، ولا يقِل طولها عن تسعة أبيات ولا يزيد على أحد عشر بيتًا. وأطوال هذه الأبيات وقواعدها العروضية مجال بحث عريض لا يتسع له المقام.

فالمترجم الذي يحاول أن ينقل صورةً إيقاعيةً لبحر من البحور الإنجليزية في العربية محكوم إلى حد ما بضرورة تقريب هذه الصورة إلى أسماع قُراء العربية، دون أن يغالي في الالتزام بالصورة الأصلية إلى الحد الذي يفسد فيه المذاق العربي للنص المترجَم، أو في الابتعاد عنه بحجة إضفاء أكبر قدر من الطابع الإيقاعي العربي عليه. فالحد الأقصى من الالتزام بالإيقاع الأصلي أو ما يقابله — مثل خمس تفعيلات مثلًا مقابل التفعيلات الخمس الأصلية — قد يتطلب إضافات لا تزيد عن كونها حشوًا لا لزوم له، والحد الأقصى في الابتعاد عنه قد يخرج لنا قصيدةً عربيةً يضحي المترجِم فيها بالكثير من الصور الأصلية مثلًا، ولْأَبدأ بنموذج من فقرة البالاد، وهي وحدة واحدة من قصيدة قصصية شهيرة هي «الملاح الهرِم» أو كما ترجمها بعضهم «الملاح القديم» The Ancient Mariner للشاعر كولريدج. والفقرة شهيرة وتتميز كالعادة بزحافاتها الكثيرة:

figure31

وحيدٌ وحيدٌ ودون رفيقٍ وحيدْ

وحيدٌ على وجه بحرٍ عريضٍ مديدٍ

وما مال قِدِّیس [عطف] رحيمْ

لينقذني من عذابي الأليم!

الملاحظ هنا أن الأبيات الإنجليزية أطوالها العروضية هي ٤ – ٣ – ٤ – ٣ وقوافيها هي (أ – ب – أ – ب)، ولكن الأبيات العربية أطوالها العروضية هي ٤ – ٤ – ٣ – ٣، وقوافيها هي (أ – أ – ب – ب) أي إن المترجم عدَّل من النظام الإيقاعي بين أطوال الأبيات وقوافيها، ربما ليتفق مع النظام العربي، مع التزامه بتفعيلة المتقارب غير المزاحفة إلا في ثلاثة مواضع مع الاحتفاظ بالزيادة في كل بيت.

ونلاحظ أيضًا أنه قد استغل التنوين في كلمات البيت الأول لإرجاع صدی حرف النون الغالب عليه، ولكن مثل هذه الحيلة قد لا تصلح في ألوان أخرى من الشعر. وقد لا يتمكن من إرجاع صدى الصوت في كل حالةٍ. خذ المثال التالي من قصيدة سيدة شالوت للشاعر تنیسون:

figure32

ولكن من يحصدون بوقت البكور

ببعض حقول الشعير النضير

تناهى لأسماعهم غنوةٌ في صداها السُّرور

من النهر إذ يتلوَّى بصفو الغدير

إلى برج قلعة كاميلوت!

وأول ما نلاحظه هو أن تنیسون يستخدم هنا بحر التروكي رباعي التفعيلة؛ أي إن الإيقاع الأساسي هابط، وأنه لا يسرف في استخدام الزحافات، بحيث تخرج الأنغام غلابة وذات جرس قاهر، كما أنه يستخدم قافيةً موحدةً، حاول المترجم الحفاظ عليها في الروي دون القافية، وإن كان بعض العروضيين يسمحون بتبادل الواو والياء في القوافي، ونلاحظ أيضًا أنه خرج عن الخضوع لإحساس الأذن العربية بالحروف المفردة، كما كان الحال في الترجمة السابقة التي تشابه فيها كلمة alone تمامًا كلمة «وحيد» في بنائها الموسيقي العربي، واعتمد هنا على أن تفعيلة المتقارب تتكون من مقطعين؛ الأول هو الوتد المجموع (فعو) والثاني هو السبب الخفيف (لن) مما يقابل تمامًا إيقاع بحر التروكي.

ولكن تلك الموازاة أو الموازنة، كما ذكرت في المقدمة خادعة. فأفضل الأنغام الإنجليزية هي التي تكثر من الزحافات تجسيدًا للحالات الشعورية. وقد بلغت فنون العروض أوْجَها بالطبع لدى كبار الشعراء، وما دُمنا لا نزال ننظر إلى المقطوعة القصيرة، فهناك بعض أبيات شهيرة للشاعر الميتافيزيقي أندرو مارفل:

figure33

أسمع دومًا من خلفي

خفق جناحَي مركبة الزمن المقتربة

بينا تنساب على البعد أمامي

أطراف فيافي الأبد الممتدة

إن الإيقاع الأصلي للأبيات الإنجليزية، وهو بحر الأيامب، يتميز بعدة زحافات أولها الأنابيست في البيت الأول، وثانيها السبوندي في البيت الثاني إلى جانب أنابيست محتمل في آخره، إذا اعتبرنا المقطع المنزلِق x مقطعًا قائما برأسه، ثم أنابيست آخر في منتصف البيت الثالث، ثم تفعيلة بيريك في آخر البيت الأخير. وهذا التنوع يبطئ من إيقاع ذلك البحر مع الضغط على بعض الألفاظ التي لا بد أن لها معاني مهمة في نظر الشاعر، وربما كان ذلك ما دفع المترجِم إلى الخبب الذي تتراوح صورة تفعيلته المزاحفة بين، فاعِلُ، وفَعْلُنْ، وفَعِلُنْ؛ أي بين تركيبات من الأسباب الخفيفة والثقيلة تتنوع وفقًا لموقعها في البيت، إذا كان هذا البحر «بحر سبب» كما يقول أحمد مستجير، أما إذا كان تحويرًا عن فاعلن، وهو بحر مهجور لم ترد فيه أشعار، وما كان للخليل بن أحمد أن يتجاوزه إلا لذلك السبب، فستظل المشكلة قائمة.

والممارسة تؤكد صحة أبحاث أحمد مستجير، فليس من قبيل المصادفة أن تؤكد الدراسات الرياضية التي استعان فيها بالحاسب الآلي صحة أوزان الخليل بن أحمد، وأن تثبت أن ما يقال من أن الأخفش قد أتی به تدارکًا للخليل ليس تحويرًا لفاعلن، بل بحر مستقلٌّ لا يقبل توالي الساكنين مطلقا! أليس من الغريب أن نرى في هذا البحر من الحركات المتوالية ثلاثًا وخمسًا وسبعًا بل وتسعًا أحيانًا، ولا نرى حركتين متواليتين مطلقًا؟

وعلى أي حال، فقد أثبت هذا البحر قدرةً فائقةً على التلون الإيقاعي في ترجمة الشعر، وقدرة على الخضوع للحالات الإيقاعية التي توحي بها القصيدة إلى حد جعله مؤهلًا للاستعمال في ترجمة المسرح، وخصوصًا في الحوار الذي يصعب قبول الأوزان المركبة فيه من قبيل الطويل أو الخفيف أو البسيط.

ولكنني يجب أن أحذر من الإسراف في استخدامه دون تروٍّ؛ لأنه قد يغري بالسرعة حين لا يجب الإسراع، وحين يغري بالغلبة الموسيقية حيث لا وجه لها، وهاك نموذجًا لما أعني، للشاعر شلي من قصيدة عنوانها: أبيات كتبت في تلال یوجانيا:

figure34

Shelley, ‘Lines Written among the Euganean Hills’, II. 275–285, Poetical Works, p. 553

وها هي الترجمة بالخبب أولًا:

تحت القدمين خَبَت جذوة

فغدا يشهد ألسنة النار المتَّقدة

تعوي في أجواء الظلمة

بألوف الألسنة المنتصرة

کي تهوي في ذُعر فَزِعَة

یا طغيان اشهد في هذي اللحظة

أضواء تشرق من حولك واسمع

أصوات اللهب تصاعد وتقعقع

ولتقذف في جنبيك الرعب

اقعُ على الأرض تمرغ وادفن في التُّرب

قطرات الزهو المسفوك من القلب.

وهذه — بعد ذلك — ترجمة أخرى من المتقارب للقطعة نفسها:

على قدميه الشرار انطفأ

فأصبح يشهد ما راعه من ضِرام

توقد منه وشق سماء كساها الظلام

ويعوي بألف لسان عُواء الظفر

ويهوي وقد نال منه الفزع!

لتشهد إذن أيها الطاغية

سنا كل ضوء حواليك واسمع

حسيس اللهيب الذي قد تصاعد وافزع

تمرَّغْ على الأرض ولتُخْفِ تحت الثرى

دم الكبرياء الذي قد ذوى!

ولسنا بطبيعة الحال في مجال المقارنة بين الترجمتين؛ فالذي يعنينا هو الفرق بين الإيقاع هنا وهناك، ومدى تأثير التفعيلة الأطول في الإبطاء بالحركة.

فإذا تركنا هذه البحور الرباعية، على اختلافها وأحوال زحافاتها، وضرورات القافية في فقراتها، فسوف نصل إلى ما أسميته في البداية بعمود الشعر الإنجليزي، وهو النظم المرسل أي غير المقفى، من بحر الأيامب الخماسي التفعيلة. فهو شعر الملاحم والمسرح الشكسبيري، وهو الذي استخدمه الشعراء في ترجمة الكلاسيكيات اليونانية واللاتينية. وإذا كنت قد عرضت لاحتمالات المتقارب والخبب، وملت إلى تفضيل هذا على ذلك أحيانًا، فأنا أتصور أن أفضل ما أفادني في خبرتي على مدى سنوات العمر كله هو بحر الرجز وتنويعاته — وأنا لا أقصد فقط ما يدخل عليه من الزحافات في العروض والحشو، إلخ — ولكن أيضًا ما يتحول إليه في خضم الممارسة الفعلية في ترجمة المسرح؛ إذ يشتبك مع زميليه في الدائرة الخليلية، وهما الرمل ثم الهزج. وكثيرًا ما كنت أتصور أن التحويل المقتسر لأحدهما إلى الآخر بالعضادات المعروفة لن يكون له لزوم إذا أبحنا لأنفسنا في الشعر العربي ما أباحه أصحاب اللغات الأخرى من مزجٍ للبحور، خصوصًا إذا كان البحران من دائرة واحدة؛ أي يشتركان في النغم الأساسي، أو إذا كان الفارق ظاهريًّا مثل تحول الكامل إلى رجز بإسكان الثاني المتحرك في تفعيلته المتكررة (متفاعلن).

ولأبدأ بالكامل إذن في ترجمة هذه المقطوعة التي هي نفسها ترجمة عن اللاتينية، ترجمها الشاعر ساري Surrey عن الإنيادة:

figure35

Surrey, The Aeneid, BK. II, P. B. 36

من ذا الذي يقوى على وصف الدم المهراق ليلتها إذن؟

من ذا الذي يحصي لنا القتلى وأعداد الضحايا والجثث

أو يذرف الدمع الهتون ليرثي الماضين حق رثائهم؟

سقطت صروح البلدة الشماء ذات العز والصيت التليد!

بعد الصمود على مدى الأعوام والأمجاد والجاه العريض!

وتناثرت أجساد من لا يسمعون ولا يرون بكل شارع

وبكل قصر شامخ وبكل أقداس الهياكل في المعابد!

1 2 3الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading