مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات لغوية

عبقرية اللغة في القصص القرآني- د. منير لطفي-طبيب وكاتب-مصر

صورة مائية لرجل يرتدي قميصاً مزرقاً ومعطف طبي، يقوم بتمرير يده على ذقنه بتفكير. توجد علامة تحمل شعار ACJ.

العبقريةهي الطبقة العليا في الذكاء والإبداع والابتكار، اشتُقّت من كلمة عبقر، هذا الوادي الذي قيل إنه موطن الجنّ، وإليه صار يُنسَبُ كلَّ شيءٍ يُتَعَجَّبُ من دقّته وجماله وإحكام بنائه، كالأشخاص في سلسلة عبقريات العقّاد، أو المكان حسبما كتبه جمال حمدان في إطار دراسته لشخصية مصر.

والحقّ، أنّ مناحي العبقرية في اللغة العربية عديدة، سواء في مفرداتها أو في تراكيبها، ولهذه العبقرية شهد علماء الغرب المنصفون كمرجليوث وتشومسكي وزغريد هونكة وغيرهم، بل وتحّمسوا لها أكثر من علماء الشرق في بعض الأحيان.

فهي لغة قديمة كما قيل قِدَم أبينا آدم، ويقال إنها اللغة الأم التي انبثقت منها بقية اللغات.

فيها ما يبهرك من الترادف: أي تعدّد الكلمات المعبّرة عن معنى واحد، وكذلك المشترَك اللفظي: الذي تتعدّد فيه المعاني بينما الكلمة واحدة. وكذلك النحت: الذي تُختَصر فيه الجملة إلى كلمة، وغير ذلك كثير.

وهي اللغة الشاعرة كما سمّاها العقاد، ومدحها شاعر النيل حين تحدّث بلسانها قائلا:

أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن،

فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي.

وسعْتُ كتابَ الله لفظًا وغاية،

وما ضقتُ عن آيٍ به وعظاتِ.

ولكن تبقى العبقرية الأكبر، هي كونها القماش الذي صاغت منه العناية الإلهية ثوبا قشيبا لآخر الكتب السماوية وأخلدها وأعظمها وأقدسها، وهو القرآن الكريم..ذلك الكتاب المُعجِز في أوجه عدّة:

-الإعجاز التشريعي، المحكَم والشامل.

-والإعجاز العلمي، الذي تضمّن حقائق غاية في الدقّة لم يَتوصّل العلم إلى اكتشافها إلّا بعد قرون مديدة.

-والإعجاز الغيبي، الذي يروي لنا من وراء حجاب ما يعتمل في جوف القبر والقيامة والجنة والنار، ممّا لا يعلمه أحد سواه جل شأنه.

– إضافة إلى الإعجاز البياني الذي يفيض بعطاياه على القصص القرآني..

والقصص ضرب من ضروب الأدب، اعتنى به القرآن لِما له من أهمية بالغة في طرْق أبواب العقل والقلب، ومن ثم  إيصال الفكرة من أقرب الطرق وأحبّها إلى النفس الإنسانية وهي الحكي، حتى إن قصة من بضعة سطور قد تُغني عن غيرها من ألوف الكلمات..

في نحو ثلثه تقريبا، قصّ علينا القرآن الكريم قصص الأنبياء، وقصص الأمم الغابرة، وأبرز أحداث عهد النبوّة، وكان فيها أحسن القصص وأصدقه وأنفعه. ولو غرف الجميع من معين تلك القصص، ثم اقتفوا أثرها، لكان فيها الغناء عن التكلّف الذي تمتلئ به القصص والروايات الرائجة بيننا هذه الأيام. وشتّان بين قصص للتسلية والمتعة، وقصص محمَّل بدلالات فكرية وتربوية ودعوية تهدف إلى هداية مَن لم يهتد، وتثبيت مَن اهتدى، وذلك حسب الآية الكريمة..”وكلًّا نقصّ عليك من أنباء الرسل ما نثبّت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين” هود ١٢٠

ولأنّ القصة باتت في القلب من نسيج القرآن، حتى إنّ سورة يوسف بأكملها ليست سوى قصة، وبها سمّيت سورة أخرى وهي سورة القَصص؛ فقد توقّف عندها المفسّرون والمؤرّخون والأدباء واللغويون، كل من جهة اختصاصه وزاوية اهتمامه، وأذكر أنني اطلعت على كتاب من أربع مجلّدات في هذا الشأن فقط، أقصد القصص القرآني، وليس بخافٍ عنكم قصص الأنبياء في البداية والنهاية لابن كثير والذي طُبع منفصلا.

ومن اللافت، أن هنالك قصصا تكرّر ذكرها في أكثر من سورة، كقصة سيدنا موسى وقصة خليل الله إبراهيم عليهما السلام، وهذا التكرار ليس على سبيل التأكيد والتذكير كما يحدث حين نريد تثبيت فكرة ما، ولكنها مقاطع تبدو في ظاهرها منفصلة، بينما يربطها خيط موضوعي رفيع يجعل الذهن منتبها ومتيقّظا، إذ ليس الأهمّ كيف يبدو الأمر بل كيف يكون.

ومن بين القصص التي لا تكاد تخلو منها سورة، انظر مثلا قصة مؤمن آل يس أحد سكّان القرية الوارد ذكرها في سورة يس حيث الجزئين الثاني والعشرين والثالث والعشرين، بداية من قوله تعالى في الآية الثالثة عشرة: “واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون”…إلى قوله تعالى في الآية الثلاثين: “يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلّا كانوا به يستهزئون”: …

-وتأمّل هنا، من حيث التراكيب، كيف كان الإيجاز والحذف والرمز حاضرا حتى لا نضلّ في دهاليز تفاصيل تشوّش الذهن وتصرفنا عن المطلب الأساسي، وهو زيادة العلم بالله وما يترتب عليه من تزكية النفس واتباع الحق والجهر بالإيمان والإسلام.

-وانظر كيف كان التصوير الفني ساطعا حتى لتتخيّلك حاضرا وسط تلك القرية، وتحسبك جزءا من الحدث. -وكيف كان القص مفتوحا في بعض جوانبه ليترك مساحة للفهم والتدبر والتخيل، وليحمّل العقل مسئولية ملء ما يجد من فراغات بما لا يخرج عن السياق.

-وكيف كان الخطاب حواريا تفاعليا يتسم بالنبض والحرارة والتنفّس، بما فيه من الطرف والطرف الآخر، والسؤال والجواب، والحجة والبرهان.

-وكيف كان التدرّج  منهجا في القصّ قبل الوصول إلى حالة القمة والتوتر.

-وكيف كان الانتقال السريع من مشهد إلى آخَر يغري بالحضور المتوقّد بعيدا عن شبح الرتابة والفتور.

-وانظر أيضا كيف كانت العلاقة بين الحروف والمعاني حميمة بحيث تخلق إيقاعا داخليا يشبه النغم..

أمّا من حيث المفردات، فتأمّل كلمة: (لنرجمنّكم)، هذه الكلمة الشديدة الوقع والجرس، والتي تحتمل الرجم بالقول وهو السبّ والشتم، وتحتمل الرجم بالحجارة

-وكلمة (رجُل) مَن الرجل؟ أيّ رجل، فما هو إلا أنموذج حيّ يُبنى عليه في كل مصر وعصر، قد أكون أنا وقد يكون أنت. وينطبق ذلك على كلمة القرية التي قال فيها الشيخ السعدي رحمه الله: “وتعيين تلك القرية لو كان فيه فائدة، لعينها الله، فالتعرض لذلك وما أشبهه، نوع من التكلف”..

-ثم تأمل الفعل (يَسعى) في صيغته المضارعة، والمعبّرة عن الهمة العالية في سبيل الدعوة.

-والتعقيب على البلاغ بوصف (المبين)، إذ لا يكفي الإعلام والإخبار بل لا بدّ لهذا الإعلام والإخبار أن يكون واضحا مفهوما لا لبس فيه. -وواصل التأمّل في كلمات (جند من السماء) والتي تنفتح على تأويلات عدة كلها مقبولة.

– و (خامدون) التي تفيد هلاكا مبرما صيّرهم إلى خمود كالرماد، فلا صوت ولا حركة ولا أدنى دليل على الحياة.

– و كلمة (يا حسرةً)، التي تختزل الحالة وتلخّص القصة في كلمة واحدة دامعة دامية، وغير ذلك كثير..

وكما في تلك القصة من أوجه عديدة لعبقرية اللغة، ستجد في بقية القصص القرآني ما يدلّل عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading