ترجمة الشعر نظمًا ونثرًا – محمد عناني
والواضح أن ساري الذي ترجم عن اللاتينية كان متأثرًا بالنظم الكمي اللاتيني، فأخرج لنا أعدادًا منتظمةً من المقاطع ولا تكاد تتضمن زحافات ذات بال، مما دفع المترجِم العربي إلى محاكاته بإخراج ترجمة كمية، يتضمن كل بيت فيها خمس تفعیلات تامة، فكأنما هو يحاكي الأصل اللاتيني، ولا يقتصر على محاكاة الترجمة! على أن للمترجم الحقَّ في الخروج عن ذلك ولو في حدود الكامل نفسه ابتغاء التنويع الذي تتطلبه الأذن العصرية:
من ذا يُعبِّر عن مدى سفك الدماء بليلها؟
من ذا الذي يدري بأعداد الضحايا والجثث
أو يذرف الدمع الجدير بنعيهم؟
هوت العريقة والشهيرة في المدن
بعد الصمود طوال أعوام وبعد المنعة
وتناثرت أجساد من لا يشعرون بكل شارع
وبكل قصر بل وكل هياكل الأرباب فيها!
على أن النموذج الذي سيحسم القضية حقًّا هنا هو من الشعر المسرحي، وها هي ذي مقطوعة من أشهر ما أبدعه کریستوفر مارلو في رائعته «مأساة الدكتور فاوستوس» وسوف أنوه فقط بالزحافات الواردة في النص، ثم أقدم ترجمة من الكامل تسمح بالرجز وزحافاته وتسمح أيضًا بالهزج:


Sc. XIX, II. 133–153
أواه فاوستوس
لم يبق في عمري إذن غير سويعة [هنالك غير ساعة]
حتمًا ستفضي للجحيم الأبدي
فتوقفي عن سعيك الدائب أفلاك السماء [سبحك الموصول/المحتوم]
حتى إذا وقف الزمن، لم يأت نصف الليل وهو موعدي!
ولْتُشرِقي، يا مقلة الطبيعة الحسناء أشرقي [یا مقلة الكون الجميلة]
ولتمكثي في الأفق في عين النهار السرمدي
أو فليكن طول السويعة مثل عام كامل أو مثل شهر أو كأسبوع … بلی!
يومًا وليلة! كيما أُكفِّر عن ذنوبي وأتوب [تائبًا]
تمهَّلي في الركض، يا خيول ليلتي!
لكنما النجوم سائرة، والوقت سارب يكرُّ
وحالما تدق ساعتي، سيحضر الشيطان ثم أنتهي إلى سقر!
لا بد أن أسعى لربي … من تُرى يمنعني؟
انظر معي هذي دماء يسوع تجري في السما
ذي قطرة تنجيك من سوء المصير، بل نصف قطرة
أواه، يا مسيح، لا تصدع فؤادي إن ذكرت اسم المسيح
إني سأدعوه إلي!
لا تقتلنْ إياي، يا إبليس!
أين اختفى دم المسيح؟! قد مضى! وانظر فهذا الله مد ذراعه
نحوي ويعقد حاجبيه من الغضب!
أواه يا جبال، یا تلال أقبلي! ولتسقطي فوقي [رجز + هزج]
بل ولتهيلي فوق رأسي ما يقيني سورة الغضب الشديد.
ولقد أتيحت لكاتب هذه السطور تجربة هذا المزج في ترجمات شيكسبير من قبل، وكان الرضا الذي صادفه المزج مصحوبًا بتجهم العروضيين الذين لا صبر لهم على مزج البحور. ولا شك أن بعضهم كان محقًّا؛ فالإيقاع العربي الذي تستريح الأذن إلى رتابته يسبب قلقًا إذا «اختلف» (ولا أقول انكسر، وأنا أستعمل فعل المطاوعة عامدًا) فالأذن التي تتوقع الانتظام الكامل لن تسيغ تغيير النغمة، ولكننا خصوصًا في الشعر الدرامي لا نجد مفرًّا من ذلك؛ ولذلك فالحل الذي هدتني خبرتي إليه بعد طول معاناة هو المزج بين البحور الصافية، وحبذا لو كان الرجز هو الأصل، ولا ضير علينا إن قالوا إننا مترجمون رجَّازون، وهذا إذن نموذج من مسرحية «الملك لير» لم يكن هناك بد من المزج فيه بين البحور.
Let the great gods
That keep this dreadful pudder o’er our heads,
Find out their enemies now. Tremble, thou wretch
That hast within the undivulged crimes,
Unwhipped of justice; hide thee, thou bloody hand;
Thou perjured, and thou simular man of virtue,
That art incestuous; caitiff, to pieces shake,
That under cover and convenient seeming
Has practised on man’s life; close pent-up guilts,
Rive your concealing continents, and cry
These dreadful summoners grace. I am a man
More sinned against than sinning.
أربابَنا العظماء
يا من أثَرْتم كل هذي القعقعات المرعبات فوق رءوسنا
قد آن وقت قصاصكم من العصاة! ولترتعد يا أيها الشقي
يا من تكتَّمتَ الجرائمَ التي ارتكبتها ولم تَجْلدك أسواط العدالة
فلتختبئ يا ذا اليد التي تلطخت بالدم! یا شاهد الزور اختبئ!
وأنت يا من تستعير ثوبًا زائفًا من الفضيلة
يخفي انتهاكك المحارم! يا أيها الشقي! يا من تحت أستار الظلام
دبَّرْت اغتيال صاحبك، وفوق وجهك الرياء، فلترتعد فرائصك!
وأنتِ أيتها الذنوب المستكنَّة في الخفاء، مزقي الستور واطلبي
صفح الذين قد دعوكِ الآن للحساب! أما أنا
فإن ما ارتكبته من الذنوب
أقل مما حاق بي من الخطايا!
وتتفاوت الأعمال المسرحية الشعرية أيضًا في مدى اتكائها على هذا النوع من النظم الذي يمكن أن نطلق عليه النظم الدرامي، وتتفاوت في درجة تحررها من الإيقاع الشعري، كما تتفاوت أجزاؤها المختلفة في درجة اتكائها عليه أو تحررها منه، فشيكسبير دائمًا ما يُخضع لغته لمقتضيات فنِّه الدرامي وهو، كما ذكرت في مقدمة ترجمتي لمسرحية «تاجر البندقية» لا يتقيد بقوالب النظم الخارجية، ويكاد يبتكر أنواع الموسيقى التي تتطلبها مواقفه الدرامية. وقد حاولت عندما شرعت في ترجمة «يوليوس قيصر» أن أحاكي النظم الذي اختاره، أو أن أمزج بين النظم والنثر، مثلما فعلت في ترجمة «روميو وجولييت» (القاهرة، دار غریب، ۱۹۸٦م)، ولكنني كنت دائمًا أصطدم بعقبة كأْداءَ، وهي أنني لا أستطيع أن أضحي بأي جانب من جوانب اللغة المستخدمة تركيبًا أو تنسيقًا أو ألفاظًا في سبيل الإيقاع الشعري! فلغة المسرحية تسيطر عليها دقة نادرة قد تفسدها إعادة ترتيب العبارة أو تركيب الجملة نُشدانًا للإيقاع الشعري. ويسيطر على المسرحية — خصوصًا في المواقف الدرامية الحرجة — منطق المتآمرين ومنطق الثأر المدروس المتأني، حتى حين يبدو أن الشاعر قد أطلق العنان لمشاعر الشخصيات، وجعلها تُخرج ما في باطنها دون حساب أو تدبير؛ ولذلك فقد فضلت آخر الأمر أن أقلع عن محاولة الترجمة المنظومة، وأن أستعيض عنها بإيقاع اللغة العربية الذي يتفاوت من موقف إلى موقف، ولكنه يتجاوب في كل حالة مع إيقاع الإنجليزية المنظومة – فهو في رأيي يمثل «البديل» لنظم شكسبير.
وقد مكنني هذا «البديل» من أن أضبط الصياغة العربية لأخرج المقابل (الذي كثيرًا ما يصل إلى درجة المثيل) للجوهر الدرامي لمسرحية «يوليوس قيصر» الذي ينسجه شيكسبير نسجًا بارعًا حاذقًا لا في الحوار فحسب، ولكن أيضًا في البناء المحكم، فكل ما تقوله الشخصيات قائم على تفكير دقیق ومرسوم بتأنٍّ وتمهُّلٍ، حتى في المشاهد التي تلتهب فيها المشاعر ويلوح لغير الخبير أنها كُتبت عفو الخاطر.
أما السمة الأولى لِلُغة المسرحية وهي تفاوت مستوياتها بين النظم والنثر وبين اللغة الرفيعة (أي الأسلوب الرفيع) واللغة العامية، فيكفي للتدليل عليها أن نورد فقرات محدودة من المشهد الافتتاحي الذي يتضمن حوارًا يمزج بين هذه المستويات جميعًا:
Flavius:
Hence! home, you idle creatures, get you home.
Is this a holiday? what! know you not
Being mechanical, you ought not walk
Upon a labouring day without the sign
Of your profession? Speak, what trade art thou?
First Citizen: Why, sir, a carpenter.
Marcellus:
Where is thy leather apron and thy rule?
What dost thou with thy best apparel on?
You, sir, what trade are you?
Second Citizen: Truly, sir, in respect of a fine workman, I am but, as you would say, a cobbler.
Marcellus: But what trade are thou? Answer me directly.
Second Citizen:
A trade, sir, that I hope I may use with a safe conscience; which
is, indeed, sir, a mender of bad soles.
Marcellus: What trade, thou knave? Thou naughty knave, what trade?
Second Citizen:
Nay, I beseech you, sir, be not out with me; yet if you be out,
sir, I can mend you.
Marcellus: What meanest thou by that? Mend me thou saucy fellow!
Second Citizen: Why, sir, cobble you!
Marcellus: Thou art a cobbler, art thou?
Second Citizen:
Truly, sir, all that I live by is the awl: I meddle with no
tradesmen’s matters nor with women’s matters, but with awl.
(I. i. 21)
فالواضح هنا أن الضابطين فلافيوس ومارسيلوس يجنحان إلى النظم الكمي في معظم سطور حوارهما، بينما يلتزم الصانعان (النجار والإسكافي) بالنثر، ولكن الجميع يتحدث لغة عامية تتدني في حديث الإسكافي إلى مستوى البذاءة والسوقية، مما يغضب الضابط غضبًا شدیدًا، وترتفع في حديث الضابط إلى مستوى الأسلوب «الرسمي» ومعنى الأسلوب «الرسمي» هو الأسلوب الذي يفترض «مسافة ما» بين المتحدث والسامع، بحيث لا تشيع فيه رنة الألفة، وما يصاحبها من ظواهر أسلوبية معروفة مثل استخدام ألفاظ بعينها أو بعض التراكيب العامية الشائعة أو الخروج عن النظم الصحيحة لبناء العبارات، وفقًا لقواعد النحو في الفصحى أو اللغة المكتوبة، لغة التفكير العلمي والأدب «الرسمي» وما إلى ذلك. كما أن الضابطين يتحدثان بالنظم الحر الذي وصفته آنفًا، ويلاحظ أنه يقترب كثيرًا من أنماط النظم الحديثة التي تعتمد على عدد المقاطع المنبورة في البيت الواحد، رغم إبقاء شيكسبير على القاعدة الكمية أي على المقاطع العشرة في معظم الأبيات. وخذ نموذجًا على ذلك أول حديث للضابط مارسیلوس:
Where is thy leather apron and thy rule?
What dost thou with thy best apparel on?
You, sir, what trade are you?
فالملاحظ هنا أن كل بيت يتضمن أربع مقاطع منبورة رغم أن كلًّا من البيتين الأول والثاني يتكون من خمس تفعيلات (عشرة مقاطع) بينما لا يزيد الثالث على ثلاث تفعيلات أي ستة مقاطع فحسب! وإذا نظرنا إلى نظام النبر هنا فسوف يتضح لنا مدى تحرر شيكسبير من قيود الإيقاع التقليدية لبحر الأيامب؛ إذ يُدخل فيه عددًا من ألوان الزحاف تكاد تخرج به عن طبيعته تمامًا؛ فالبحر غير المزاحف يتكون من خمس وحدات (تفعيلات) تتكون كل منها من مقطعين الأول غیر منبور unstressed والثاني منبور stressed ويرمز له هكذا (من اليسار إلى اليمين):

وكما سبق أن شرحنا قد تدخل عليه ضروب الزحاف فتحل تفعيلات من بحور أخرى فيه أهمها: بحر التروکي trochee (وتفعيلته عکس الأيامب أي -x) وبحر السبوندي spondee (مقطعان منبوران – -) والبيريك pyrrhic (مقطعان غير منبورين xx) أو الأنابيست anapaest (مقطعان غیر منبورين يتلوهما مقطع منبور xx-). وإذا رصدنا التركيب الإيقاعي للأبيات الثلاثة خرجنا بما يلي:

معنى هذا أن استخدام شيكسبير لتفعيلات من بحور أخرى (وهو ما يوازي الزحاف لدينا في العربية) لم يؤثر على عدد المقاطع المنبورة في كل بيت، وهي أربعة في كل سطر، رغم تفاوت عدد المقاطع في كل بيت واختلاف جرسه وإيقاعه العام؛ أي إنه كما ذكرت يقترب في هذا من طريقة الإيقاع النبري stress rhythm الذي أحياه ت. س. إليوت عن الإنجليزية القديمة. وشيكسبير يستخدم هذا بحذق شدید – فهو يجعل مارسيلوس يعمد بعد إجابة الإسكافي إلى تنويع آخر على نفس البحر، مضيفًا مقطعًا إلى المقاطع العشرة ومستخدمًا تفعيلةً من بحر الأنابيست (xx-):

مع الإبقاء على عدد المقاطع المنبورة الأربعة، وذلك قبل أن يعود إلى صورة بحر الأيامب المنتظمة في البيت التالي له:

وقبل أن يزيد تفعيلة كاملة في البيت التالي له بحيث يصبح البحر سکندريًّا؛ أي يتكون من ست تفعيلات (ومقطع زائد أيضًا!):

وأخيرا يعود إلى البحر الثلاثي المزاحف:

وإن كان بعض النقاد يميلون إلى اعتباره رباعيًّا، حُذف منه آخر مقطع غير منبور أي إنه يجب أن يُعْتَبر هكذا:

والغاية التي أسعى إليها هي باختصار إيضاح مدى الحرية التي يتمتع بها الشاعر المسرحي الإنجليزي، والتي من المحال أن تتحقق في العربية؛ إذ إن شيكسبير هنا كاتب مسرحي في المقام الأول، وهو يتوسل بضروب منوعة من النظم للاتكاء على معانٍ خاصة بالموقف الدرامي، ولا يمكن إبرازها إلا عن طريق التغيير المتواصل للبحور والإيقاعات الداخلية من خلال الزحاف والعلل. ويكفي أن ينظر القارئ إلى السطور الافتتاحية للمسرحية (التي يقولها الضابط فلافيوس) ليدرك مرماي؛ فالسطر الأول يتكون من خمس تفعيلات تتضمن ستة مقاطع منبورة، والعبارة الثالثة التي تبدأ في منتصف السطر الثاني لا تنتهي إلا في السطر الخامس، وتتفاوت في السطور عدد المقاطع المنبورة تفاوتًا كبيرًا!
فإذا انتقلنا إلى أحاديث العامة، ويمثلهم هنا المواطنان الأول والثاني أي النجار والإسكافي؛ وجدنا أن شيكسبير يستخدم النثر من البداية إلى النهاية مع ما وصفته بالتدني إلى درجة السوقية والبذاءة، وإذا كان الهدف الذي وضعته نُصْب عيني في البداية (وأرجو أن يكون نَصْب عينَي كل مترجِم أدبي أيضًا) هو إيجاد المقابل الذي قد يرقى إلى مستوى المثيل، فربما كانت العامية المصرية أفضل مستويات العربية المتاحة لترجمة هذه العبارات، ولكنني اتبعت في ترجمة المسرحية كلها لغة عربية معاصِرة تستطيع أن ترقی إلى مَصافِّ اللغة الرفيعة، وأن تهبط إلى بعض مستويات العامية الدنيا؛ ولذلك فأنا نشدت البديل في الحالين؛ أي في ترجمة النظم المسرحي بنشر فصيح أعتبره بديلًا مقبولًا، وترجمة النثر المسرحي العامي بنثر مبسط يستخدم بعض المفردات ذات الدلالة الحية في العامية المصرية باعتباره بديلًا مقبولًا. وهذه هي ترجمة الأبيات العشرين الأولى:



