📰 آخر الأخبار
القول أقدار - روضة بوسليمي / تونسخطاب "المغرب في وضع جيد" و واقع الهروب الجماعي:قراءة استقصائية في موجات الاحتجاج و الهجرة 2005-2026 /محمد مبارك الوحدانيمن المخلصة جدًّا - يوسف إدريساللعوب/ أنطون تشيخوف - ترجمة أبو بكر يوسفيسوع يرفض الاستمرار/فولفجانج بورشرت- جمع وترجمة سمير جريسسِن الأسد١/فولفجانج بورشرت - جمع وترجمة سمير جريسالارتواء من بئر الماضي .. قصائد هايكو للهنغارية جوديت فيهار/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالقصيدة التشكيل الحر/ أ.مالك بن فرحاتدراسة علم الجمال/ جيروم ستولنيتز - ترجمة فؤاد زكرياالسيدة صاحبة الكلب/أنطون تشيخوف- ترجمة أبو بكر يوسفتيار - قصيدة لشاعرة الهايبون الايطالية انا بيوتي/ترجمة سالم الياس مدالوخيال الورد/  وهيب نديم وهبةالذبابة اللعينة/ أمين الساطيتدبير المراعي و الرعي الجائر في المغرب : نموذج اقليم سيدي افني/ محمد مبارك الوحداني رواية ( سيناريو لم تكتمل قصته):قراءة في المهيمن الدلالي والتقني/ ا. د. أحمد جاراللهثم أضاف/ لبنى ياسينعن عناوينك/زياد كامل السامرائي​الهروب العابر للحدود: حين تتحول الهجرة من أزمة اقتصادية إلى نزيف اجتماعي ونفسي/​ حسن كرياطسرديات روكنه(3)/ جواني عبدالصوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض/إبراهيم أبو عواد / الأردنشروقي والغروب / نصيف علي وهيب-العراقزبّالة ميريكان / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربكتاب ألف ليلة وليلة أيقونة الخلود الأدبي / الشاعرة والكاتبة المصرية هند الرباطالوقوف على حافة الفعل في قصص أحمد رجب شلتوت/د.سميرة أبوطالبالدكتورة دينا عبدالرحمن - "لاعب الشطرنج"… معركة العقل فوق رقعة الأبيض والأسود حين تتحول اللعبة إلى معركة من أجل بقاء العقل
القول أقدار - روضة بوسليمي / تونسخطاب "المغرب في وضع جيد" و واقع الهروب الجماعي:قراءة استقصائية في موجات الاحتجاج و الهجرة 2005-2026 /محمد مبارك الوحدانيمن المخلصة جدًّا - يوسف إدريساللعوب/ أنطون تشيخوف - ترجمة أبو بكر يوسفيسوع يرفض الاستمرار/فولفجانج بورشرت- جمع وترجمة سمير جريسسِن الأسد١/فولفجانج بورشرت - جمع وترجمة سمير جريسالارتواء من بئر الماضي .. قصائد هايكو للهنغارية جوديت فيهار/ترجمة : بنيامين يوخنا دانيالقصيدة التشكيل الحر/ أ.مالك بن فرحاتدراسة علم الجمال/ جيروم ستولنيتز - ترجمة فؤاد زكرياالسيدة صاحبة الكلب/أنطون تشيخوف- ترجمة أبو بكر يوسفتيار - قصيدة لشاعرة الهايبون الايطالية انا بيوتي/ترجمة سالم الياس مدالوخيال الورد/  وهيب نديم وهبةالذبابة اللعينة/ أمين الساطيتدبير المراعي و الرعي الجائر في المغرب : نموذج اقليم سيدي افني/ محمد مبارك الوحداني رواية ( سيناريو لم تكتمل قصته):قراءة في المهيمن الدلالي والتقني/ ا. د. أحمد جاراللهثم أضاف/ لبنى ياسينعن عناوينك/زياد كامل السامرائي​الهروب العابر للحدود: حين تتحول الهجرة من أزمة اقتصادية إلى نزيف اجتماعي ونفسي/​ حسن كرياطسرديات روكنه(3)/ جواني عبدالصوت المهمشين بين ناظم حكمت وفيض أحمد فيض/إبراهيم أبو عواد / الأردنشروقي والغروب / نصيف علي وهيب-العراقزبّالة ميريكان / محمد الجلايدي- القنيطرة- المغربكتاب ألف ليلة وليلة أيقونة الخلود الأدبي / الشاعرة والكاتبة المصرية هند الرباطالوقوف على حافة الفعل في قصص أحمد رجب شلتوت/د.سميرة أبوطالبالدكتورة دينا عبدالرحمن - "لاعب الشطرنج"… معركة العقل فوق رقعة الأبيض والأسود حين تتحول اللعبة إلى معركة من أجل بقاء العقل

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

اللعوب/ أنطون تشيخوف – ترجمة أبو بكر يوسف

1509 1608262528

١

شهد زفاف أولجا إيفانوفنا كل أصدقائها ومعارفها الطيبين.

– انظروا إليه، أليس صحيحًا أن فيه شيئًا ما؟ قالت لأصدقائها وهي تومئ إلى زوجها، وكأنما تريد أن توضح لهم لماذا تزوجت هذا الرجل البسيط والعادي للغاية والذي ليس فيه أي شيء مميز.

وكان زوجها أوسيب ستيبانتش ضيموف طبيبًا يحمل لقب المستشار الاعتباري.١ وكان يعمل في مستشفيين؛ في أحدهما طبيبًا ممارسًا منتدبًا، وفي الآخر طبيب مشرحة. وكان يستقبل المرضى ويعمل في العنبر يوميًّا من التاسعة صباحًا حتى منتصف النهار، وبعد الظهر يتوجه بالعربة إلى المستشفى الآخر حيث يشرِّح من يُتوفى من المرضى. وكان دخله من الممارسة الخاصة ضئيلًا، لا يتعدى خمسمائة روبل في العام. وهذا كل ما هنالك. فما الذي يمكن أن نضيفه عنه؟ بينما كانت أولجا إيفانوفنا وأصدقاؤها ومعارفها الطيبون أناسًا غير عاديين أبدًا. كان كلٌّ منهم يتميز بشيء ما، ومعروفًا قليلًا، وله اسمه وشهرته، أو إذا لم يكن بعدُ مشهورًا فقد كان يبشر بآمال رائعة. كان هناك ممثل من مسرح الدراما، موهبة كبيرة، معترَف بها منذ زمن، ورجل رشيق، ذكي ومتواضع، وأستاذ ممتاز في الإلقاء، كان يعلِّم أولجا إيفانوفنا فن الإلقاء. ومغني أوبرا … رجل بدين طيب، كان يؤكد لأولجا إيفانوفنا متنهدًا أنها تقضي على نفسها، فلو لم تركن إلى الكسل، وحزمت أمرها لأصبحت مغنية رائعة. وكان هناك أيضًا عدد من المصورين وعلى رأسهم ريابوفسكي مصور المواضيع والحيوانات والمناظر … شاب أشقر، جميل جدًّا في حوالَي الخامسة والعشرين من عمره، حقق نجاحًا في المعارض وباع لوحته الأخيرة بخمسمائة روبل. كان يصحح لأولجا إيفانوفنا رسوماتها ويقول إنها ربما بلغت شيئًا ما. وكان هناك أيضًا عازف الفيولنشلو الذي كانت آلته تنتحب، والذي اعترف صراحة بأنه من بين جميع من يعرفهن من النساء لا توجد من تستطيع مصاحبته في العزف سوى أولجا إيفانوفنا. وكان هناك أديب شاب، ولكنه معروف، يكتب الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة. ثم مَن أيضًا؟ نعم، كان هناك فاسيليتش، السيد الإقطاعي، المصور الهاوي والمزخرف، والذي كان يجيد تذوق الأسلوب الروسي القديم والروايات الشعبية والملاحم. وكان يصنع المعجزات على الورق والخزف والأطباق المدخنة. ووسط هذه الجماعة الأرستقراطية الحرة التي دللها القدر، وإن كانت مهذبة ومتواضعة، هذه الجماعة التي لم تكن تتذكر وجود أطباء ما إلا ساعة المرض، والتي كان اسم ضيموف لا يثير اهتمامها تمامًا كأسماء مثل سيدروف أو ساراتوف … وسط هذه الجماعة كان ضيموف يبدو غريبًا ونشازًا وصغيرًا، رغم أنه كان طويل القامة عريض المنكبين. وبدا كأنه يرتدي حلة ليست له، وأن له لحية خولي. وعمومًا فلو أنه كان كاتبًا أو مصورًا لقالوا إن لحيته تذكر بالأديب زولا.

وكان الممثل يقول لأولجا إيفانوفنا إنها بشعرها الكتاني وفي ثوب الزفاف تشبه إلى حدٍّ كبير شجرة كرز رشيقة عندما تغطيها الأزهار البيضاء الرقيقة تمامًا في الربيع.

وقالت له أولجا إيفانوفنا وهي تقبض على يده: كلا، بل اسمع! كيف أمكن أن يحدث ذلك فجأة؟ اسمع، اسمع … ينبغي أن أقول لك إن أبي كان يعمل مع ضيموف في مستشفًى واحد. وعندما مرض أبي المسكين ظلَّ ضيموف مرابطًا إلى جوار سريره ليل نهار. أوه، يا للتفاني! اسمع يا ريابوفسكي … وأنت يا حضرة الأديب اسمع، فهذا طريف جدًّا. اقترب منا. يا للتفاني والمشاركة المخلصة! أنا أيضًا لم أنم الليالي جالسة بجوار أبي، وفجأة … أهلًا، انتصرت على الفارس الشجاع! غرق ضيموف في حبي حتى أذنيه. حقًّا، ما أغرب تصاريف القدر. حسنًا، بعد وفاة والدي كان يزورني أحيانًا ويلقاني في الشارع، وذات مساء رائع، هوب! طلب يدي … وكان لذلك وقع الصاعقة عليَّ … قضيت الليل كله في النحيب ووجدت نفسي أحبه بجنون. وها قد أصبحت كما ترون زوجة. أليس صحيحًا أن فيه شيئًا ما قويًّا، هائلًا، شيئًا من الدببة؟ إن وجهه الآن لا يبدو لنا من هنا كاملًا، والإضاءة ضعيفة، ولكن عندما يلتفت انظروا إلى جبينه. ماذا تقول في هذا الجبين يا ريابوفسكي؟ — وصاحت بزوجها — يا ضيموف، إننا نتحدث عنك! تعالَ هنا. مد يدك الشريفة إلى ريابوفسكي … نعم، هكذا. فلتكونا صديقين.

ومد ضيموف يده إلى ريابوفسكي وهو يبتسم ببشاشة وسذاجة وقال: سعيد جدًّا. لقد تخرج معي شخص يُدعى ريابوفسكي، أليس قريبك؟

٢

كانت أولجا إيفانوفنا في الثانية والعشرين من عمرها بينما كان ضيموف في الحادية والثلاثين. وعاشا بعد الزفاف حياة رائعة. وغطت أولجا إيفانوفنا جدران غرفة الجلوس كلها برسوماتها ورسومات الآخرين، في أطر وبدون أطر، وصنعت بجوار البيانو والأثاث ازدحامًا جميلًا من المظلات الصينية والحوامل والخرق الملونة والخناجر والتماثيل النصفية والصور … وغطت جدران غرفة الطعام برسومات «اللوب» وعلقت على الجدران أحذية «اللابتي»٢ والمناجل، ووضعت في أحد الأركان محصدة ومجرفة، فأصبحت غرفة طعام على الطراز الروسي. أما غرفة النوم فأرادت أن تجعلها تشبه الكهف فكَسَت السقف والجدران بقماش داكن، وعلقت فوق الأسِرة مصباحًا من طراز مصابيح البندقية ووضعت بجوار الباب تمثالًا يحمل رمحًا برأس بلطة. وقال الجميع إن لدى الزوجين الشابين ركنًا لطيفًا.

وعندما تنهض أولجا إيفانوفنا من الفراش كل صباح في الساعة الحادية عشرة تلعب على البيانو، أو إذا كان النهار مشمسًا، ترسم شيئًا ما بألوان الزيت. ثم ترحل بعد الثانية عشرة إلى خيَّاطتها. ولما كانت نقودها هي وضيموف قليلة وتكفي بالكاد فقد لجأت هي وخيَّاطتها إلى الحيلة لكي تبدو كثيرًا في أزياء جديدة وتبهر الناس بفساتينها. وكثيرًا جدًّا ما كان يخرج من الفستان القديم المعاد صبغه ومن قطع الدانتلا والقطيفة والحرير التي لا قيمة لها معجزات حقيقية، شيء ما خلاب، ليس فستانًا بل حلم. ومن الخيَّاطة كانت أولجا إيفانوفنا تتوجه عادة إلى إحدى معارفها من الممثلات لتعرف أخبار المسرح، وبالمناسبة تدبر أمر بطاقة لأول عرض لمسرَحية جديدة أو بنفيس. ومن الممثلة كان عليها أن تذهب إلى مرسم مصوِّر أو إلى معرِض صور، ثم إلى أحد المشهورين لتدعوه لزيارتهم أو لترد الزيارة أو لمجرد الثرثرة. وفي كل مكان كانوا يستقبلونها بمرح ومودة ويؤكدون لها أنها جميلة ورقيقة ونادرة … وأولئك الذين كانت تسميهم بالمشهورين أو العظام كانوا يستقبلونها كواحدة منهم، على قدم المساواة، ويتنبئون لها في صوت واحد بأنها بمواهبها وذوقها وذكائها يمكن أن تصبح ذات شأن كبير إذا لم تُبعثر قواها. لقد كانت تغني وتعزف على البيانو، وترسم بالألوان، وتشكل الصَّلصال، وتشترك في تمثيليات الهواة، ولكنها لم تكن تفعل ذلك كيفما كان، بل بموهبة. وسواء أكانت تصنع المصابيح للزينات، أم تتزين، أم تعقد ربطة العنق لشخص ما … فقد كان كل شيء يخرج من بين يديها بفن ورشاقة ولطف لا مثيل له. ولكن موهبتها لم تتجلَّ في أي شيء بمثل هذا السطوع كما تجلت في قدرتها على التعارف بسرعة والتقرب من مشاهير الناس. فما إن يشتهر شخص ما ولو قليلًا، وما إن يجعل الناس تتحدث عنه حتى تتعرف به على الفور وتتصادق معه في نفس اليوم وتدعوه لزيارتها. وكان كل تعارف جديد عيدًا حقيقيًّا بالنسبة لها. كانت تعبد المشاهير وتفخر بهم وتراهم كل ليلة في الحلم. كانت متعطشة إليهم ولم تستطع قَطُّ أن تروي ظمأها. كان القدامى يرحلون أو يطويهم النسيان، ويأتي محلهم آخرون جدد، ولكنها كانت تعتاد عليهم بسرعة أو يَخيب أملُها فيهم فتبدأ في البحث بنَهم عن الجديد والجديد من المشاهير فتجدهم، ثم تعود تبحث ثانية. لأي شيء؟

وبعد الرابعة كانت تتغدى في البيت مع زوجها. كانت بساطته وتفكيره الراجح وطيبة قلبه تثير تأثرها وإعجابها. فكانت من حين لآخر تهبُّ واقفة وتعانق رأسه بتأثر وتغمره بالقبلات.

كانت تقول له: أنت يا ضيموف إنسان ذكي، نبيل. ولكن فيك عيبًا واحدًا خطيرًا جدًّا. أنت لا تهتم أبدًا بالفن. أنت تنكر الموسيقى والتصوير.

فيقول باستكانة: أنا لا أفهمهما. لقد اشتغلت طوال حياتي بالعلوم الطبيعية والطب، ولم يكن لديَّ وقت للاهتمام بالفنون.

– ولكن هذا فظيع يا ضيموف!

– لماذا؟ إن معارفكِ لا يعرفون العلوم الطبيعية والطب، ولكنكِ لا تعيبين عليهم ذلك. لكل شخص ما يخصه. أنا لا أفهم المناظر أو الأوبرات، ولكني أفكر هكذا: إذا كان بعض الناس الأذكياء يكرسون لها حياتهم كلها، وبعض الناس الأذكياء الآخرين يدفعون مقابلها مبالغ ضخمة، إذن فهي ضرورية. إنني لا أفهمها ولكن عدم الفهم لا يعني الإنكار.

– دعني أشد على يدك الشريفة!

وبعد الغداء كانت أولجا إيفانوفنا تذهب إلى معارفها، ثم إلى المسرح أو إلى حفلة موسيقية، وتعود إلى البيت بعد منتصف الليل. هكذا كل يوم.

وفي أيام الأربعاء كانت تقيم حفلات. وفي هذه الحفلات لم تكن ربة البيت أو الضيوف يلعبون الورق أو يرقصون، بل يُسَرُّون عن أنفسهم بشتى الألوان الفنية. فكان فنان مسرح الدراما يلقي، والمغني يغني، والمصورون يرسمون في الألبومات التي كانت أولجا إيفانوفنا تحتفظ بعدد ضخم منها، وعازف الفيولنشلو يعزف، أما ربة الدار فكانت أيضًا ترسم وتشكل الصلصال وتغني وتصاحب العازفين والمغنين.

وفي فترات الراحة ما بين الإلقاء والعزف والغناء كانوا يتحدثون ويتناقشون في الأدب والمسرح والتصوير. ولم تكن هناك نساء؛ لأن أولجا إيفانوفنا كانت تعتبر جميع النساء، ما عدا الممثلات وخيَّاطتها، مملات ومبتذلات. ولم تكن حفلة تمرُّ دون أن تنتفض ربة الدار لدى كل قرعٍ لجرس الباب، ودون أن تقول بتعبير انتصار على وجهها: «هذا هو!» وهي تعني ﺑ «هو» شخصية شهيرة جديدة دعتها إلى الحفلة. لم يكن ضيموف يبقى في غرفة الاستقبال، ولم يكن أحد يتذكر غيابه. ولكن في الحادية عشرة والنصف تمامًا كان الباب المفضي إلى غرفة الطعام يفتح، ويظهر ضيموف بابتسامته البشوش المستكينة ويقول وهو يفرُك راحتيه: تفضلوا إلى المائدة يا سادة.

فيسير الجميع إلى غرفة الطعام ويرون في كل مرة نفس الأشياء على المائدة: طبق «أم الخلول»، وقطعة من الخنزير أو العجل، وسردين وجبن وكافيار وفطر وفودكا ودورقَين من النبيذ.

وتقول أولجا إيفانوفنا وهي تُشيح بيديها من الإعجاب: آه يا متردوتيلي العزيز! أنت ساحر! انظروا يا سادة إلى جبينه! ضيموف، استدر إلينا بجانب وجهك. انظروا يا سادة: وجه نمر بنغالي، بينما التعبير طيب ورقيق كأنه لغزال. أوه يا حبيبي!

ويأكل الضيوف وهم يتطلعون إلى ضيموف ويفكرون: «بالفعل، إنه شاب رائع»، ولكنهم سرعان ما ينسونه، ويواصلون الحديث عن المسرح والموسيقى والتصوير.

كان الزوجان الشابان سعيدَين، وسارت حياتهما على أروع ما يكون. ولكن الأسبوع الثالث من شهر العسل لم يمضِ في سعادة تامة، بل مضى في حزن، فقد مرض ضيموف بعدوى الحُمرة، ولزم الفراش ستة أيام، واضطُر أن يحلق تمامًا شعره الأسود الجميل. وجلست أولجا إيفانوفنا إلى جواره وبكت بحرقة، ولكن عندما تحسنت حالته قليلًا، وضعت على رأسه الحليق منديلًا أبيض، وراحت ترسم عنه صورة بدوي. وشعر كلاهما بالمرح. وبعد ثلاثة أيام من شفائه وتردده ثانية على المستشفى وقع له حادث جديد.

– إنني سيئ الحظ يا ماما — قال ذات مرة على الغداء — كانت لديَّ أربع عمليات تشريح اليوم فجرحت إصبعين دفعة واحدة. ولم ألحظ ذلك إلا في المنزل.

وخافت أولجا إيفانوفنا. فابتسم وقال إن هذا شيء تافه، وإنه كثيرًا ما يجرح أصابعه في أثناء التشريح.

إني أنهمك في التشريح يا ماما فأصبح شاردًا.

وراحت أولجا إيفانوفنا تتوقع عدوى الجثة بقلق وتصلي لله في الليل، ولكن كل شيء مَرَّ على ما يرام. ومن جديد سارت حياتهما هادئة سعيدة بلا أحزان ولا هموم … كان الحاضر رائعًا، واقترب الربيع ليحل محله وهو يبتسم من بعيد ويبشر بألف فرحة. ولن تكون للسعادة نهاية! سينقضي إبريل ومايو ويونية في البيت الريفي البعيد عن المدينة، وفي التريض والرسم وصيد السمك وسماع غناء البلابل، وبعد ذلك، ومن يوليو حتى الخريف، ستكون رحلة للمصورين في نهر الفولجا. وفي هذه الرحلة سوف تشارك أولجا إيفانوفنا باعتبارها عضوًا أساسيًّا في اﻟ «سوسيتي».٣ وقد أعدَّت لنفسها بالفعل ثوبي سفر من الخيش، وابتاعت ألوانًا وفُرشًا وقُماش رسم ولوحة ألوان جديدة. وأصبح ريابوفسكي يتردد عليها كل يوم تقريبًا؛ لكي يرى مدي التقدم الذي أحرزته في التصوير. وعندما كانت تعرض عليه رسومها، كان يدفع يديه عميقًا في جيبَي سرواله، ويزمُّ شفتيه بقوة ويشنُّ بأنفه ثم يقول: هكذا … هذه السحابة عندك تصرخ … ليست مضاءة بضوء الغروب. المنظر الأمامي ممضوغ قليلًا، وليس بالشكل المطلوب يعني … أما المنزل فقد ضغط عليه شيء ما، وهو لذلك يعول متوجعًا … هذا الركن ينبغي رسمه بصورة دكناء قليلًا. وعمومًا فلا بأس … أثني عليك.

وكلما ازدادت كلماته غموضًا، سهل على أولجا إيفانوفنا أن تفهمه.

٣

في اليوم التالي لعيد العَنصرة بعد الغداء اشترى ضيموف مَزَّات وحلوى، ورحل إلى زوجته في البيت الريفي. لم يكن قد رآها منذ أسبوعين واشتاق إليها كثيرًا. وعندما كان جالسًا في عربة القطار، وبعد ذلك عندما كان يبحث عن داره في الغيضة الكبيرة، كان يشعر دائمًا بالجوع والتعب ويحلم بالعشاء مع زوجته في حرية ثم بالخلود إلى النوم. وأحس بالمرح وهو ينظر إلى اللفة التي يحملها وبها الكافيار والجبن والسمك الأبيض.

وعندما وجد داره وتعرف عليها كانت الشمس تميل نحو المغيب. وقالت الخادم العجوز إن السيدة ليست في الدار ومن المفروض أن تعود قريبًا. لم يكن منظر الدار جذابًا قَطُّ. كان بها ثلاث غرف فقط، وأسقفها منخفضة ومغطاة بورق أبيض وأرضيتها مشققة وغير مستوية. وكان في إحدى الغرف سرير، وفي الثانية تراكمت الفرش وقماش الرسم والأوراق المشحمة والمعاطف والقبعات الرجالية على الكراسي. وفي الغرفة الثالثة وجد ضيموف ثلاثة رجال لا يعرفهم. كان اثنان منهم أسودي الشعر وبِلِحًى صغيرة، أما الثالث فكان حليقًا تمامًا وبدينًا، ويبدو أنه ممثل. وعلى المائدة كان السَّماوَر يغلي.

وسأل الممثل ضيموف بصوت غليظ وهو يتفحصه بنظرة غير ودود: ماذا تريد؟ هل تريد أولجا إيفانوفنا؟ انتظر، سوف تأتي قريبًا.

وجلس ضيموف وراح ينتظر. وتطلع إليه أحد الرجلين الأسودي الشعر بكسل وتراخٍ وسأله وهو يصب لنفسه شايًا: ربما تريد شايًا؟

كان ضيموف يريد أن يشرب وأن يأكل، ولكنه امتنع عن تناول الشاي لكيلا يفسد شهيته. وسرعان ما تردد وقع خطوات وتناهى الضحك المألوف. واصطفق الباب واندفعت أولجا إيفانوفنا إلى داخل الغرفة وهي ترتدي قبعة عريضة الحواف وتحمل في يدها صندوقًا، ودخل وراءها ريابوفسكي مرحًا، أحمر الوجه يحمل مظلة كبيرة وكرسيًّا مطويًّا.

وصاحت أولجا إيفانوفنا وتضرجت من الفرحة: ضيموف! ضيموف! — رددت وهي تضع يديها ورأسها على صدره — أهو أنت؟ لماذا لم تأتِ طوال هذه المدة؟ لماذا؟ لماذا؟

– متى أستطيع يا ماما؟ إنني مشغول دائمًا، وعندما أفرغ قليلًا أجد مواعيد القطارات غير مناسبة دائمًا.

– أوه، كم أنا مسرورة برؤياك! حلمت بك طوال الليل، وخفت أن تمرض. آه، لو تعرف كم أنت غالٍ وكم جئت في الوقت المناسب! ستكون مخلِّصي. أنت الوحيد الذي يستطيع أن ينقذني! — ومضت تقول وهي تضحك وتربط لزوجها ربطة العنق — ستقام هنا حفلة زفاف طريفة للغاية. سيتزوج عامل البرق في المحطة، المدعو تشيكيلدييف. وهو شاب جميل، ليس غبيًّا، وفي وجهه، أتدري … شيء ما قوي، شيء من الدببة … يمكن أن ترسم منه شابًّا من النورمانديين؟ ونحن المصطافين جميعًا نشاركه الفرحة وأعطيناه كلمة شرف أن نشهد العرس … إنه شخص غير ثري ووحيد وخجول، وحرام بالطبع ألا نشاركه فرحته. تصور، الزفاف بعد الصلاة مباشرة، ثم سيتوجه الجميع من الكنيسة سيرًا على الأقدام إلى شقة العروس … أتفهم؟ الغيضة، وصدح الطيور، وبقع الشمس على العشب، ونحن جميعًا نسير كالبقع الملونة على خلفية خضراء زاهية … شيء طريف للغاية، حسب ذوق الانطباعيين الفرنسيين — ثم سألت وأكسبت وجهها تعبيرًا باكيًا — ولكن يا ضيموف ماذا أرتدي للكنيسة؟ ليس لديَّ شيء هنا، ليس لديَّ شيء إطلاقًا! لا فساتين ولا أزهار، ولا قفازات … عليك أن تنقذني. إذا كنت قد جئت فإن القدر قد أرسلك لتنقذني. خذ يا عزيزي المفتاح وارحل إلى المنزل وخذ من الصُّوان فستاني الوردي. أنت تذكره، إنه أول فستان على المِشجب … وفي غرفة المخزن سترى إلى اليمين على الأرض علبتين من الكرتون. تفتح العلبة العليا فتجدها مليئة بالدانتلا وقطع القماش المختلفة، وتحتها الأزهار. أَخرِج الأزهار كلها بحذر، وحاول يا روحي ألا تجعِّدها، وسوف أختار منها … واشترِ قفازًا.

فقال ضيموف: حسنًا، سأرحل غدًا وأرسلها لك.

فتساءلت أولجا إيفانوفنا وهي تنظر إليه بدهشة: متى غدًا؟ متى تلحق غدًا؟ غدًا يمضي أول قطار في التاسعة، والزفاف في الحادية عشرة. كلا يا عزيزي، بل اليوم، لا بد اليوم! إذا لم يكن في وسعك أن تأتي غدًا فأرسلها مع رسول. حسنًا، اذهب إذن … سيأتي القطار الآن. لا تتأخر يا روحي.

– حسنًا.

فقالت أولجا إيفانوفنا والدموع تترقرق في عينيها: آه، كم يحزنني أن ترحل! يا لي من حمقاء! لماذا وعدت عامل البرق؟

وشرب ضيموف كوبًا من الشاي بسرعة، وأخذ سميطة، وابتسم باستكانة، ثم اتجه إلى المحطة. أما الكافيار والجبن والسمك الأبيض فقد أكله صاحبا الشعر الأسود والممثل.

٤

في ليلة هادئة مقمرة من ليالي يوليو وقفت أولجا إيفانوفنا على ظهر مركب من مراكب الفولجا ومضت تنظر تارة إلى المياه وتارة إلى الشواطئ الجميلة. ووقف ريابوفسكي إلى جوارها وهو يقول لها إن الظلال السوداء في الماء ليست ظلالًا، بل حلم، وإنه عند رؤية هذه المياه الساحرة ذات البريق الخيالي، وعند رؤية السماء اللانهائية والشواطئ الحزينة المتأملة التي تتحدث عن باطل حياتنا وعن وجود شيء ما سامٍ وخالد، ومقدس، يجدر بالمرء أن يندثر، أن يموت، أن يصبح ذكرى. فالماضي مبتذل وليس طريفًا، والمستقبل تافه، أما هذه الليلة الرائعة، الليلة الوحيدة في العمر كله فسرعان ما تنتهي وتتحد بالخلود؛ فلماذا العيش؟

وكانت أولجا إيفانوفنا تصغي تارة لحديث ريابوفسكي وتارة لسكون الليل وهي تفكر في أنها خالدة ولن تموت أبدًا. وحدثها لون المياه الفيروزي، الذي لم تره من قبل قَطُّ، والسماء، والشطآن والظلال السوداء والفرحة الغامرة التي ملأت روحها بأنها ستصبح مصورة عظيمة، وأنه هناك في مكان ما، وراء الأفق، وخلف الليلة المقمرة، في الفضاء اللامتناهي، ينتظرها النجاح والشهرة وحب الشعب … وعندما حدقت طويلًا في الأفق وهي لا تطرِف خُيِّل إليها أنها ترى جموع الشعب والأضواء وأنغام الموسيقى المهيبة، وصيحات الإعجاب، وكانت هي نفسها في رداء أبيض، بينما انهالت عليها الأزهار من جميع الجهات. وجال بخاطرها أيضًا أنه يقف إلى جوارها مرتكزًا على الحاجز إنسان عظيم حقيقة، عبقري، من الذين اختارهم الله … كل ما أبدعه حتى الآن رائع وجديد وغير عادي، وكل ما سوف يبدعه في المستقبل، عندما يشتد عوده وتترسخ موهبته الفريدة، سيكون باهرًا وساميًا إلى ما لا نهاية، وهذا واضح من وجهه وطريقة تعبيره ومن نظرته إلى الطبيعة. فهو يتحدث عن الظلال، وألوان المساء وبريق القمر بطريقة خاصة، وبكلماته هو، بحيث تشعر لا إراديًّا بسحر سلطانه على الطبيعة. أما هو نفسه فجميل جدًّا، وفريد، وحياته حرة، مستقلة، بعيدة عن أمور المعيشة وتشبه حياة طائر.

وقالت أولجا إيفانوفنا: الجو مال إلى البرودة.

وانتفضت.

ودثرها ريابوفسكي بردائه وقال بحزن: إنني أشعر أنني تحت سيطرتك. إنني عبد. لِمَ أنت باهرة هكذا اليوم؟

كان يحدق فيها طوال الوقت دون أن يحول عنها عينيه. وكانت عيناه مرعبتين فخافت أن تتطلع فيهما.

وهمس وهو يزفر أنفاسه على خدها: إنني أحبك بجنون … قولي لي كلمة واحدة فأنهي حياتي، أهجر الفن … دمدم في اضطراب شديد: أحبيني، أحبيني …

فقالت أولجا إيفانوفنا وهي تغمض عينيها: لا تتكلم هكذا … هذا رهيب … وضيموف؟

– ماذا ضيموف؟ لماذا ضيموف؟ وما شأني بضيموف؟ هنا الفولجا، والقمر، والجمال، وحبي، وإعجابي، وليس هنا أي ضيموف … آه، أنا لا أعرف شيئًا … لا أريد الماضي … أعطيني لحظة واحدة … برهة واحدة.

وخفق قلب أولجا إيفانوفنا. أرادت أن تفكر في زوجها لكن ماضيها كله، بحفل الزفاف وضيموف والحفلات، بدا لها صغيرًا، تافهًا، كابيًا، لا داعي له، وبعيدًا بعيدًا … وبالفعل، ماذا ضيموف؟ ولماذا ضيموف؟ وما شأنها بضيموف؟ وهل هو موجود على قيد الحياة؟ أم هو مجرد حلم؟

وقالت لنفسها وهي تغطي وجهها: «بالنسبة لرجل بسيط وعادي مثله، يكفيه ما حصل عليه من سعادة. فليستنكروا هناك، وليلعنوني، أما أنا فكيدًا فيهم سأقتل نفسي … نعم، أقتل نفسي. ينبغي أن يجرب المرء كل شيء في الحياة. يا إلهي، ما أفظع هذا وما أطيبه!»

ودمدم المصور وهو يحضنها ويقبل بنهم يديها اللتين كانت تحاول بهما أن تدفعه عنها بوهن: حسنًا، ماذا؟ ماذا؟ هل تحبينني؟ نعم؟ نعم؟ أوه، يا لها من ليلة! ليلة رائعة!

– نعم، يا لها من ليلة! همست وهي تتطلع إلى عينيه البراقتين بالدموع، ثم تلَفتت بسرعة، وعانقته، وقبلته في شفتيه بقوة.

– نقترب من كينشما! قال شخص ما من الطرف الآخر لسطح المركب.

وسُمع وقع خطوات ثقيلة. كان ذلك عامل البوفيه.

فقالت له أولجا إيفانوفنا وهي تضحك وتبكي من فرط السعادة: اسمع … أحضر لنا نبيذًا.

وجلس المصور على الأريكة، شاحبًا من شدة الانفعال ونظر إلى أولجا إيفانوفنا بعينين والهتين شاكرتين، ثم أغمض عينيه وقال وهو يبتسم ساهمًا: إنني متعب.

وأسند رأسه إلى حاجز المركب.

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة