📰 آخر الأخبار
أحجار بكامل ظلها/جواني عبدالSeptember Breeze/Bahar Önen Büke/ Türkiye Life Force by Richard McClellanThe Mantle/Nikolai GogolGusev/Anton ChekhovUnwritten Writings /Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanأكسير/نبيل حامد-القاهرةعندما لا اجد ماأفعله/عبد الرزاق الصغيرالهوية والتعبير الاسلوبي.. مشتركات تجمع شاكر حسن واللبناني جبران طرزي/خضير الزيديعِشْقُ الياسمين / أ.عبدالكريم مرادلماذا قُتل ابن المقفع؟ جهاد فاضل" أدونيس " و " أنا "بين " تناص " المنصف الوهايبي و " انتحال " كاظم جهاد//بقلم:عادل عبداللهأدونيس.. بين التناص والاستعارات و"الانتحال" الأدبي/محمد أسد الخليلجوقة فوق حيطان ناعمة / هدى الهرميبعضُ التفاصيل مكانها المتحف/غدير حميدان الزبونPeace / EVA Petropoulou Lianou-Greeceانزعاج طاريء/سالم الياس مدالوRather not desire /Tapas Deyمجزرة كاور باغي لعمال شركة النفط 12 تموز 1946/ياسين الحديديكَاور باغي// ليث الصندوقالخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريأين الفنان زكي الهواري؟ نجيب طلالقصائد هايكو للياباني ناتسومي سوسيكي/بنيامين يوخنا دانيالآراء وأستنتاجات عن المشاركة في الحوارات والمحاضرات/تحقيق / علي صحن عبد العزيزإثنان/ محمد العنيزي- ليبيا
أحجار بكامل ظلها/جواني عبدالSeptember Breeze/Bahar Önen Büke/ Türkiye Life Force by Richard McClellanThe Mantle/Nikolai GogolGusev/Anton ChekhovUnwritten Writings /Bahtiyar Hidayet- Azerbaijanأكسير/نبيل حامد-القاهرةعندما لا اجد ماأفعله/عبد الرزاق الصغيرالهوية والتعبير الاسلوبي.. مشتركات تجمع شاكر حسن واللبناني جبران طرزي/خضير الزيديعِشْقُ الياسمين / أ.عبدالكريم مرادلماذا قُتل ابن المقفع؟ جهاد فاضل" أدونيس " و " أنا "بين " تناص " المنصف الوهايبي و " انتحال " كاظم جهاد//بقلم:عادل عبداللهأدونيس.. بين التناص والاستعارات و"الانتحال" الأدبي/محمد أسد الخليلجوقة فوق حيطان ناعمة / هدى الهرميبعضُ التفاصيل مكانها المتحف/غدير حميدان الزبونPeace / EVA Petropoulou Lianou-Greeceانزعاج طاريء/سالم الياس مدالوRather not desire /Tapas Deyمجزرة كاور باغي لعمال شركة النفط 12 تموز 1946/ياسين الحديديكَاور باغي// ليث الصندوقالخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير/د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوريأين الفنان زكي الهواري؟ نجيب طلالقصائد هايكو للياباني ناتسومي سوسيكي/بنيامين يوخنا دانيالآراء وأستنتاجات عن المشاركة في الحوارات والمحاضرات/تحقيق / علي صحن عبد العزيزإثنان/ محمد العنيزي- ليبيا

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

دراسة علم الجمال/ جيروم ستولنيتز – ترجمة فؤاد زكريا

images 3 2

(١) الفلسفة – نقد اعتقاداتنا
لو كان عليَّ أن أختار لفظًا واحدًا أصف به وظيفة الفلسفة و«روحها»، لكان هذا اللفظ هو أنها نقدية. غير أن من الواجب ألا يسيء المرء فهم هذا اللفظ؛ إذ إن له في الحديث اليوم عادة معنى أضيق من ذلك الذي أقصده؛ فعندما نقول، في حديثنا المعتاد، إننا «ننتقد ذلك الشخص»، نعني عادةً أننا نجد فيه عيبًا. غير أن الفلسفة ليست «نقدية» بهذا المعنى؛ فهي ليست تنقيبًا عن العيوب؛ وهي ليست «مزدرية دائمًا»، كما يفعل أولئك الأشخاص سَيِّئُو الطبع الذين نعرفهم جميعًا.

والصحيح أن الفلسفة نقدية بمعنًى أوسع؛ فهي في هذا المعنى تفحص شيئًا لكي تحدد نقاط قوته وضعفه. وبهذا المعنى تكون الدراسة النقدية متعلقة بمزايا الموضوع الذي تدرسه فضلًا عن عيوبه، ولكن، ما الذي تدرسه الفلسفة بطريقة نقدية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست هينة إلى الحد الذي يتبادر إلى الذهن. ومع ذلك يمكن القول إن الفلسفة تنتقد بعضًا من أهم الاعتقادات التي يأخذ بها البشر وأوسعها انتشارًا، كالاعتقاد مثلًا بأن الله موجود. وهناك مثل آخر هو الاعتقاد بأن ثمة أفعالًا معينة؛ كالوفاء بالوعد أو الولاء للوطن، ينبغي علينا أن نقوم بها، وأفعالًا أخرى؛ كالكذب أو الغش في الامتحانات، تتصف بأنها خطأ من الوجهة الأخلاقية. ومن الأمثلة الأخرى الاعتقاد أو الإيمان بأهداف أو «قيم» معينة للحياة البشرية ينبغي علينا أن نسعى إليها، كالحصول على أكبر قدر يمكننا أن نناله من اللذة، أو العكس، أي الحب المسيحي القائم على التضحية بالنفس.

ولقد وَصفتُ الاعتقادات التي تنتقدها الفلسفة بأنها «هامة وواسعة الانتشار» معًا. ولا شك أن الأمثلة التي أوردناها تدل بوضوح على أن هذه الاعتقادات واسعة الانتشار بالفعل؛ فكل إنسان بالغ تقريبًا، في أية حضارة أو أي عصر تاريخي عاش فيه، كان، ولا يزال، يأخذ بنوع معين من الاعتقاد في كل هذه المسائل. ولو تريث القارئ لحظة ليفكر في هذا الأمر، لتبين له أن هذا يصدق عليه هو ذاته أيضًا، مهما كان من غموض اعتقاداته أو عدم تحدد معالمها على نحو قاطع.

على أننا لا نستطيع أن ندرك أهمية الاعتقادات التي تدرسها الفلسفة، ما لم نبحث في أهمية الاعتقادات بوجه عام. إن الاعتقادات ليست أصنافًا موضوعة على رفوف مخازننا العقلية، تظل عادةً دون استخدام، وإن كنا ننفض الغبار عنها أحيانًا ونستخرجها من أماكنها — من أجل استخدامها في جلسة مناقشة ودية مثلًا، بل إنها أهم من ذلك بكثير؛ إذ إنها تسيطر على مجرى حياتنا وتوجهه؛ فنحن نسلك دائمًا على هدى اعتقاداتنا. والأمور التي نعتقد بصحتها عن العالم وعن أنفسنا لها أهمية حاسمة في اتخاذنا قرارًا بأن نؤدي فعلًا معينًا بدلًا من فعل آخر، وفي أن نستهدف غاية معينة بدلًا من غاية أخرى. واعتقاداتك عن نفسك تحدد اختيارك لميدان تخصصك في الكلية، كما أن اعتقاداتك عن الآخرين تحدد اختيارك لصديقك الحميم من بين زملائك.

ومن هنا فإن أمورًا عظيمة الأهمية تتوقف على صحة اعتقاداتنا. ويمكن القول بوجه عام إن السلوك لن يكون مثمرًا وناجحًا ما لم يكن مرتكزًا على اعتقادات موثوق منها. أما السلوك الذي يفتقر إلى استنارة الاعتقاد الصحيح فلا بد له أن يكون منحرفًا عقيمًا؛ إذ يكون نتاجًا للخرافة، أو «التخمين» أو العادة الجامدة.

والاعتقادات التي تدرسها الفلسفة هي تلك التي تكمن من وراء سلوكنا في المجالات الرئيسية للتجربة البشرية؛ ففي حالة الأخلاق، لا تهتم الفلسفة بقرار أخلاقي معين، مثل: هل أكذب لأربح في هذه الصفقة؟ — بقدر ما تهتم بمبادئ الصواب والخطأ التي يرتكز عليها مثل هذا القرار؛ فالشخص الذي له مبادئ أخلاقية غير سليمة، لا بد أن يسلك بطريقة مرذولة مستقبحة. وهذا يصدق أيضًا على مجال التجربة الذي سوف نتناوله هاهنا بالبحث — أعني الإبداع والتذوق الفني. فاستمتاعنا بالفن — إن كنا ممن يستمتعون به — يتوقف على اعتقاداتنا بشأن طبيعته وقيمته. وهنا أيضًا نجد أن الاعتقادات الباطلة تؤدي — كما سنرى فيما بعد بالتفصيل — إلى سلوك لا جدوى منه.

•••

والآن، ما الذي يعنيه بالضبط قولنا إن الفلسفة «ناقدة» لاعتقاداتنا؟ فلنعترف، بادئ ذي بدء، بأن معظم اعتقاداتنا المتعلقة بأمور حيوية كالدين والأخلاق غير نقدية بصورة واضحة. وفي استطاعتنا أن نقول إن القارئ لو تريث مرة أخرى ليفكر في اعتقاداته في هذه الأمور، وسأل نفسه عن السبب الذي دعاه إلى الأخذ بهذه الاعتقادات، لوجد في معظم الحالات أنه لم يصل إلى هذه الاعتقادات نتيجة لتفكير جاد متمعن فيها، بل الأصح أنه قَبِلها متأثرًا بسلطةٍ ما، أي بفرد أو نظام معين. أدخل في ذهنه هذه الاعتقادات. وقد تكون هذه السلطة أبويه أو معلميه، أو الطائفة الدينية التي ينتمي إليها، أو أصدقاءه. وكثير من اعتقاداتنا مستمد مما نطلق عليه، بطريقة غير محددة بدقة، اسم «المجتمع» أو «الرأي العام». والذي يحدث عادة هو أن هذه السلطات لا تفرض علينا تلك الاعتقادات، بل إننا نتمثلها أو نمتصها من «المناخ الفكري» الذي ننشأ فيه. وهكذا فإن معظم اعتقاداتك المتعلقة بأمور مثل وجود الله أو كون الكذب صوابًا في أية حالة، هي مخلفات تلقيتها من السلف.

غير أن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن هذه الاعتقاداتِ باطلة أو غير صحيحة بالضرورة، فقد تكون صحيحة كلَّ الصحة. والواقع أن المعتقدات المنقولة من السلف إلى الخلف تصمد أحيانًا مع الأيام، ولكن المسألة هي أن الاعتقاد لا يكون صحيحًا لمجرد كون سلطة معينة تقول إنه كذلك. فلنفرض أني سألتك في صدد اعتقادٍ معين: «كيف تعرف أن هذا صحيح؟» فلا جدال في أنك لو أجبت: «لأن أبويَّ (أو أساتذتي أو أصدقائي … إلخ) قالوا لي ذلك»، لَمَا كانت هذه بالإجابة المرضية؛ فهذا ليس في ذاته ضمانًا لصحة الاعتقاد؛ إذ إن أمثال هذه السلطات كثيرًا ما أخطأت، فقد اتضح بطلان قدر كبير مما كان أجدادنا يعتقدون به عن الطب وتوارثته الأجيال اللاحقة. كما أن التلاميذ — لحسن الحظ — كانوا منذ المدارس الأولى يجدون أخطاءً فيما يقوله لهم معلِّموهم، ويحاولون أن يكوِّنوا بأنفسهم اعتقادات أصح. وبعبارة أخرى: فحقيقة الاعتقاد ينبغي أن ترتكز على صفاته الخاصة. ولو علمك أبواك أن الإفراط في أكل التفاح الأخضر خطر على الصحة، لكان تأكيدهم هذا صحيحًا، لا لأنهم يقولون ذلك، بل لأن هناك وقائع معينة (مؤلمة إلى حد بعيد) تثبت صحته. ولو اعترفت ﺑ «قانون» علمي قرأت صيغته في كتاب مدرسي، فمن الواجب ألا يكون اعترافك به راجعًا إلى أنه وارد في كتاب مدرسي، بل لأنه يرتكز على أدلة تجريبية واستدلالات رياضية. فلن يكون لنا الحق في الأخذ باعتقاد معين إلا عندما يكون هذا الاعتقاد مؤيدًا بأدلة ومنطق سليم، ولكن معظمنا، كما قلت من قبل، لا يختبرون اعتقاداتهم على هذا النحو.
وهنا يأتي دور العمل «النقدي» الذي تقوم به الفلسفة. فالفلسفة ترفض قبول أي اعتقاد لا تثبت صحته بأدلة واستدلالات. والاعتقاد الذي لا يمكن البرهنة عليه بهذه الطريقة لا يستحق ولاءنا العقلي، وهو عادة مرشد غير مأمون للسلوك. وإذن فالفلسفة تأخذ على عاتقها مهمة البحث الفاحص في الاعتقادات التي نكون قد قبلناها بطريقة غير نقدية من سلطات متعددة. ولا بد لنا أن نتخلص من ضروب التحامل والانفعالات التي تشوه اعتقاداتنا في كثير من الأحيان. ولا تقبل الفلسفة السماح لأي اعتقاد باجتياز الاختبار لمجرد كونه مستندًا إلى تراث، أو لأن الناس يجدون رضاءً انفعاليًّا في الأخذ به كما أن الفلسفة لا تقبل اعتقادًا لمجرد كونه يُظن متمشِّيًا بوضوح مع «التفكير الشائع»، أو لأن أناسًا حكماء قد نادوا به، وإنما تحاول الفلسفة ألا تأخذ أي شيء «قضيةً مسلمًا بها»، أو «على أساس الثقة»، فهي تكرس نفسها للبحث الدائب الصريح، لكي تتأكد إنْ كانت لاعتقاداتنا مبررات، وتعرف إلى أي مدًى تكون لها هذه المبررات. وعلى هذا النحو تعصمنا الفلسفة من الانحدار إلى مستوى الاستسلام العقلي والقطعية الذهنية التي يتعرض لها البشر جميعًا.

•••

ولما كان علم الجمال، أو فلسفة الفن كما يُسمَّى أحيانًا، فرعًا من الفلسفة، فإن ما قلناه عن الفلسفة عامةً يصدق على علم الجمال بدوره؛ فعلم الجمال يأخذ على عاتقة القيام باختبار نقدي لاعتقاداتنا المتعلقة بأمور مثل: ما طبيعة «الفن الجميل»؟ وما الذي يميز الفنان المبدع من غير الفنان؟ وأي نوع من التجربة يعد «تذوق» الفن؟ ولماذا كانت هذه تجربة قيمة؟ وهل يمكننا أن نبتَّ في الخلاف حول الفن، كما يحدث عندما يقول «أ» إن موسيقى الجاز «مثيرة» و«حافزة للخيال»، ويقول «ب» إنها «همجية» و«مجرد ضوضاء»؛ أو عندما تختلف أنت وصديقك حول قيمة فنان معين، مثل تشايكوفسكي؟ وما الذي يعنيه القول إن شخصًا معينًا له «ذوق سليم» أو «ذوق أفضل» من شخص آخر؟ هل تعني هذه العبارة أي شيء على الإطلاق؟ وما وظيفة الناقد؟ وهل للرقابة على الفن أي مبرر؟ وإن كان لها مثل هذا المبرر، ففي أي الظروف؟ وما أهمية الفن في التجربة البشرية؟
هذه الأسئلة تمثل نوع المشكلات التي سندرسها ها هنا. ولا حاجة بنا إلى إدراجها تحت أي «تعريف» قاطع «لعلم الجمال»، حتى لو كان ذلك ممكنًا؛ ذلك لأن أي تعريف كهذا لن يكون له إلا معنًى ضئيل، أو قيمة تافهة، بالنسبة إلى القارئ في هذه المرحلة. وسوف يجد هذا القارئ في الفصل الحالي فيما بعد تحديدًا أكثر تنظيمًا للمشكلات الرئيسية في علم الجمال والطرق التي ترتبط بواسطتها بعضها مع البعض، ومع ذلك فإن الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يختص به علم الجمال هي أن نرى كيف يقوم هذا العلم بنقد اعتقاداتنا المتعلقة بهذه المسائل.

ولكن، ما هي بالضبط اعتقاداتنا في هذه المسائل؟ وهل في استطاعة القارئ، حتى لو كان قادرًا على تقديم إجابة عن كل من الأسئلة السابقة، أن يذكر بوضوح ما الذي يعنيه بها؟ إن هذه الاعتقادات، شأنها شأن اعتقاداتنا في مجالَي الأخلاق والدين، غير نقدية في العادة. ونظرًا إلى أننا لم نفكر فيها عادة قبل أن نقبلها، فإنها تكون غامضة غير محددة المعالم. وعلى ذلك فلا بد لنا من أن نوضح ما الذي نعنيه حين نستخدم ألفاظًا مثل «الفن»، و«الجميل» و«الذوق السليم». وهذه خطوة لا غناء عنها لكي نكون «ناقدين» لاعتقاداتنا؛ ذلك لأننا لا نستطيع أن نسوق أدلة في صف اعتقاداتنا أو ضدها ما لم نعرف بدقة كنه ما نعتقد.
وبعد أن نعبر عن اعتقاداتنا بقدر من الوضوح، قد نجد أننا نعتقد بأمور متعددة مختلفة، لا بأمر واحد، فيما يتعلق بمعظم المسائل السابقة أو كلها. وقد نشعر بالذعر حين نكتشف ذلك، غير أن هذا ليس بالأمر المستغرب؛ ذلك لأن اعتقادات معظم الناس حول هذه المسائل إنما هي مجموعة غير منتقاة من العبارات الشائعة التداول، والأفكار غير المتعمقة، والانفعالات التي تتخذ مظهر الأفكار. ومن مهمة البحث النقدي أن يكشف النقاب عن هذه كلها بطريقة منهجية منظمة. وقد نعرف أيضًا شيئًا آخر عن معتقداتنا يكون أكثر تثبيطًا للهمم، هو أننا ليست لدينا اعتقادات مختلفة عن المسألة الواحدة فحسب، بل إن هذه الاعتقادات قد تتناقض فيما بينها أحيانًا، فنحن نأخذ باعتقادين كل منهما مضاد للآخر منطقيًّا، بمعنى أنه لو كان أحدهما صحيحًا، لما أمكن أن يكون الآخر صحيحًا. وهكذا قد يرى المرء أن رأي أي شخص في قيمة عمل فني معين يتساوى مع رأي أي شخص آخر؛ ومع ذلك قد يسحب رأيه في وقت آخر لصالح حكم صادر عن «خبير» أو ناقد محترف؛ لأنه يرى أن الأخير تتوافر لديه المؤهلات الخاصة لإصدار حكم على الفن. وليس هذا النوع من التناقض الذاتي بدوره أمرًا مستغربًا؛ إذ إن «الموقف الطبيعي (common sense)» حافل بأمثال هذه المتناقضات، وهي تمر بنا في معظم الأحيان دون أن نلاحظها، لا لشيء إلا لأن ما نسميه «الموقف الطبيعي» لا يتريث أبدًا لكي يختبر انتقاداته. ومن هنا كان من المهام الأخرى للفلسفة «النقدية» أن تكشف عن هذه المتناقضات المنطقية وتتغلب عليها. وأخيرًا فإن علم الجمال يخضع اعتقاداتنا للاختبار الصارم المستمد من الشواهد، لكي يحدد إن كان الواقع يؤيدها. وإذن فنظرًا إلى غموض اعتقاداتنا، وتباينها، وتناقضها، فلا بد أن يتضح للطالب أن اتخاذ موقف «نقدي» منها ليس بالأمر الهين.
(٢) لماذا ندرس علم الجمال؟
على أن هناك مسألة سابقة تقتضي انتباهنا، قبل أن نواصل سيرنا، فقد قلت إن الفلسفة «ناقدة» بلا انقطاع، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهلا ينبغي على الفلسفة أن تكون ناقدة «لذاتها»، أيضًا؟ الواقع أن الفلاسفة دأبوا، طوال تاريخ الفلسفة، على طرح أسئلة نقدية عن أهدافهم ومناهجهم، وعن قيمة الاشتغال بالفلسفة — فلنكن إذن «نقديِّين» منذ البداية الأولى، ولنتساءل: «لم ندرس علم الجمال؟» هل هناك أية أسباب معقولة تجعل الدارس يهتم بمسائل كتلك التي أوردناها من قبل؟ في اعتقادنا أن لهذا الاهتمام أسبابًا أفضل من تلك التي دفعت طالب الجامعة — في القصة الساخرة القديمة — إلى اختيار مقرراته الدراسية دون أي اعتبار للموضوع ذاته، بل على أساس مبدأ واحد هو ألا تبدأ أية محاضرة فيها قبل الساعة العاشرة، ولا يقع أي مُدرَّج تُلقى فيه المحاضرة بعد الطابق الثاني.

ولعل أفضل طريقة لمواجهة هذا السؤال هي أن نناقش حججًا معينة تحاول إثبات أن علينا ألا ندرس علم الجمال. هذه الحجج كما سنرى فيما بعد، تحاول إثبات أن دراسة علم الجمال لا ضرورة لها، أو عقيمة، أو حتى ضارة. ولا جدال في أن من واجبنا أن ننجح في الرد على هذه الحجج، إذا استطعنا ذلك. ولعل أحدًا لا يتوقع، في حالة إخفاقنا في الاهتداء إلى الرد أن «نغلق الحانوت» ولم نكد نبدأ بعد دراستنا. غير أن هذا لا ينقص من قدر هذه الحجج التي يُعد بعضها قويًّا بحق، فحتى لو لم تكن هذه الحجج تثبت القضية التي ندافع عنها، فإن لها فائدتها لأنها تحول بيننا وبين الوقوع في أخطاء خطيرة في تفكيرنا المتعلق بعلم الجمال؛ فهي تعيننا على أن ندرك بوضوح هدف الدراسة الجمالية، والمناهج التي ينبغي أن نستخدمها في دراستنا هذه.

فما هي إذن الحجج التي تساق ضد دراسة علم الجمال؟

الحجة الأولى: هناك ميادين أخرى للدراسة — كعلم النفس وعلم الاجتماع وتاريخ الفن وتحليل الأساليب الفنية — تستطيع الإجابة عن جميع الأسئلة الخاصة بالفن؛ فهذه الحجة تقول إذن إنه لا حاجة إلى علم الجمال، لأن ما نعرفه عن الفن لا يأتينا من الفلسفة، بل من ميادين أخرى، فلكي نعرف مثلًا ما الذي يحدث في تجربة تذوق الفن، نتوجه إلى عالم النفس؛ إذ إنه هو الذي يستطيع القيام بتحليل وتفسير الحالات النفسية للإدراك، والانفعال، والخيال … إلخ، التي تؤلف هذه التجربة. وبالمثل فإذا شئنا أن نفهم التركيب النفساني للفنان المبدع، وكيف يختلف عن غير الفنانين من الناس، فإن علم النفس هو وحده الذي يستطيع أن يعيننا. أما أصول الفن في المجتمع، وعلاقاته المتبادلة مع النُّظُم الاجتماعية الأخرى كالدين والاقتصاد والأخلاق، وأهميته في الحضارة البشرية، فهي أمور يفسرها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا. كما أن متابعة تطور «أساليب» وعصور فنية، كالرومانتيكية، وتطور «أنواع» فنية، كالرواية، هي مهمة مؤرخي كل فن من الفنون. ولا يمكن أن يفسر لنا أمورًا «كالهارموني» في الموسيقى، أو تأثير أساليب كالاستعارة في الأدب، إلا من كان متمرسًا في الفنون الخاصة. ولو أردنا تفسيرات وتحليلات لأعمال فنية معينة، بحيث نستطيع أن نتذوقها على نحو أكمل، لاستشرنا نقادًا في كل الفنون، أو الفنانين أنفسهم. وبهذا نكون قد أوردنا المصادر الرئيسية لمعرفتنا المتعلقة بالفن. ونظرًا إلى أن هذه المصادر تقدم إلينا كمية هائلة من المعلومات، فإن دراسة علم الجمال، كما تقول هذه الحجة، لا داعي لها ولا ضرورة.
فكيف يمكن الرد على هذه الحجة، إن كان هذا الرد ممكنًا على الإطلاق؟ من الواضح أولًا أننا اكتسبنا بالفعل معظم ما نعرفه عن الفن من ميادين البحث هذه. وإن علم الجمال ليكون مفلسًا منذ البداية لو أنكر ذلك، وحاول أن يجعل من نفسه بديلًا عن هذه الدراسات الأخرى. ومع ذلك فإن النتيجة التي تنتهي إليها الحجة — وهي أن علم الجمال لا يستطيع أن يضيف شيئًا — لا تنبع من هذه المقدمة؛ ذلك لأن الدراسات الأخرى، كما ستحاول المناقشة الآتية أن تثبت، تترك مسائل حاسمة معينة عن الفن دون أن تمسها.
•••

فمن الجدير بالملاحظة أن أي ميدان من الميادين المتعددة المذكورة من قبل لا يبحث صراحة في مسألة تعد أساسية بالنسبة إلى دراسة الفن، وهي: لماذا كان للفن الجميل قيمة؟ إن الاعتقاد بأن للفن. مرتبة رفيعة بين «الأشياء الطيبة في الحياة» هو اعتقاد يكاد يكون عامة. بل إن هناك من يرون أن الفن له أعظم قيمة بين كل الإنجازات التي تستطيع التجربة البشرية أن تحققها. ويقوم علم الجمال «بنقد» هذه الاعتقادات: فهل الفن حقيقة رائع وجدير بالاهتمام إلى الحد الذي نعتقد؟ وإن كان الأمر كذلك، فما الذي يشكل قيمة الفن؟

هذه أسئلة أساسية لا يستطيع عالم النفس أو عالم الاجتماع أن يقدم إجابة عنها؛ فهو في كثير من الأحيان يفترض مقدمًا قيمة الأعمال الفنية في أبحاثه؛ فعالم النفس قد يختبر ردود أفعال عدد كبير من الناس إزاء الفن «الجيد» و«الرديء». أو قد يقول عالم الاجتماع إن حضارة معينة أنتجت فنًّا «عظيمًا» نظرًا إلى تنظيم مجتمعها. غير أن كلًّا منهما لا يختبر معنى لفظ «جيد» أو «عظيم» كما يُطبق على الفن، وإنما تُترك عملية تحليل المعنى للباحث في علم الجمال. وفضلًا عن ذلك فإن علم النفس وعلم الاجتماع لا يقدمان عرضًا شاملًا للمعرفة المكتسبة من جميع الفروع التي تبحث في الفن، وضمنها علماهما، وتاريخ الفن، والنقد الفني، إلخ، ولكن هذه بعينها هي مهمة علم الجمال، الذي يقوم بها من أجل اكتساب معرفة محيطة شاملة بالفن، متخذًا من هذه المعرفة أساسًا للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقيمة الفنية. وعلى ذلك فإن علم الجمال يختلف عن تلك الدراسات الأخرى لأنه يتصدى لمشكلات القيمة، ولأنه يستفيد بطريقة شاملة من كل ميادين البحث الأخرى المتخصصة في الفن.
ولكن، قد يقال ردًّا على ذلك إن عالم النفس يستطيع أن يقدم إجابة كافية عن هذه الأسئلة. ذلك لأن كون العمل الفني جيدًا أو رديئًا يتوقف على نوع التجربة التي يمر بها المرء وهو يتأمله. ولنبحث، لإيضاح هذه المناقشة، في مثل بسيط، وليكن عملًا لا يكون «قيِّمًا» إلا لأنه يثير انفعالًا شديدًا (وليس هذا المثل فرضيًّا تمامًا؛ إذ إن هناك أشخاصًا عديدين يبدو أن هذا بعينه هو رأيهم). فإن كان الأمر كذلك، فعلينا أن نرجع إلى عالم النفس لنعرف منه إن كان للعمل١ المعين مثل هذا التأثير. أما الأشخاص أنفسهم فكثيرًا ما يكونون مضطربين، لا يُعتمد عليهم، عندما يصفون تجاربهم «الباطنة»، ففي استطاعة عالم النفس أن يحدد إن كانت قد حدثت إثارة انفعالية، وما مدى هذه الإثارة، ولِم ولَّدها هذا العمل الفني بعينه، وما إلى ذلك.
ولكن، هل يثبت ذلك أن في استطاعة علم النفس تفسير قيمة الفن؟ إنه لا يستطيع ذلك إلا بشرط واحد، وهو شرط حاسم: هو أن يكون من الممكن إثبات أن إثارة الانفعال الشديد هي بالفعل ما يجعل للفن قيمة. غير أن هذا أمر لا يمكن أبدًا إثباته عن طريق علم النفس وحده؛ فمن الممكن الاعتراض على أي تعريف كهذا «للقيمة» الفنية من خلال الاستجابات النفسية للفن، وكثيرًا ما اعتُرِض عليها بالفعل. ويعتقد معارضو هذا الرأي أن قيمة الفن لا تتوقف على الاستجابة التي يثيرها في البشر، بل يرون أن قيمة الفن كامنة فيه. ومن هنا كانوا يرون أن من الخطأ المضحك ربط القيمة الفنية بالخلجات والانتفاضات التي قد يشعر بها بعض الناس، وليس علينا بطبيعة الحال أن نبتَّ في هذا الخلاف بين الآراء في الوقت الراهن؛ إذ إننا سنبحث المشكلة بشيء من التفصيل فيما بعد. والمسألة الحالية هي أن علم النفس لا يستطيع بذاته أن يحل هذا الخلاف. وفي مقابل ذلك يحاول علم الجمال أن يعرض بدقة تلك النظريات التي ذكرت بطريقة مجملة، وأن يفكر بإمعان في نتائجها، ويحدد نقاط قوتها وضعفها.
كذلك فإن الدراسات المتخصصة الأخرى للفن، كعلم الاجتماع والتاريخ، لا تستطيع بدورها أن تكشف عن قيمته؛ فهي تهتم بإبراز أهمية الأعمال الفنية في المجتمع الإنساني. غير أن الأعمال يمكن أن تكون «هامة» في التاريخ الاجتماعي سواء أكانت قيمة بوصفها أعمالًا فنية أم لم تكن. فمن الممكن أن يكون لقطعة أدبية أو موسيقية تأثيرٌ كبير في التغير الاجتماعي بوصفها وثيقة للدعاية، أو حافزًا على الثورة، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنها عمل فني جيد. وربما كان القارئ قد عرف القصة التي تُروى عن مقابلة لنكولن لهارييت بيتشر ستو (Harriet Beechor Stowe)، مؤلفة رواية «كوخ العم توم»، خلال الحرب الأهلية الأمريكية، وقوله لها: «أهذه هي السيدة الصغيرة التي أثارت الحرب الكبيرة؟» فإذا سلَّمنا بأن رواية «كوخ العم توم»، قد ساعدت بالفعل على بلورة الشعور المضاد للرق، فإن هذا لا يستتبع القول إنها رواية جيدة بدرجة ملحوظة.
وهناك مسألة أخرى، لها أهمية أعظم حتى من مسألة قيمة الفن، تغفلها وجهات النظر غير الفلسفية إلى الفن؛ تلك هي السؤال: «ما الفن؟» ذلك لأن ميادين الدراسة التي تحدثنا عنها من قبل تستخدم كلها لفظ «الفن»؛ لأنها تبحث في الفن من وجهة نظر أو أخرى، ولكنها لا تبحث في معناه بطريقة منهجية. ومن هنا فإن من الواجب أن يعالج علم الجمال هذه المسألة بدورها.

ولكن قد يرد امرؤ على ذلك قائلًا: ولكن هذه الدراسات الأخرى لا يتعين عليها أن تبحث في هذه المسائل؛ ففي استطاعتها أن تجمع معلومات عن الفن، منظورًا إليه من وجهة نظر نفسية أو اجتماعية أو تاريخية أو تطبيقية … إلخ دون أن تعبأ بمسائل «رفيعة المستوى» مثل «طبيعة الفن». ولهذا الرد قدر من الصحة، ولكن عليك أن تلاحظ أنك إذا قلت ذلك، فأنت إنما تسلِّم ضمنًا بالمسألة موضوع البحث — أي إنك تسلِّم بأن هذه الدراسات لا تجيب عن هذه الأسئلة المتعلقة بالفن، بل إنها في الواقع تخفق في الإجابة عن طائفة من أهم وأول الأسئلة التي يمكن أن تُوجَّه عن الفن. وهكذا تثبت عدم كفاية الحجة الأولى التي ترمي إلى إثبات أن دراسة علم الجمال غير ضرورية.
•••

ومع ذلك فليس صحيحًا أن يقال إن المسائل التي يبحثها علم الجمال ليست لها أهمية بالنسبة إلى الدراسات غير الفلسفية للفن. صحيح أن هذه الدراسات تستطيع المضي في طريقها أحيانًا دون القيام بتحليل جاد لطبيعة الفن وقيمته؛ فقد يكتب مؤلف «تاريخًا اجتماعيًّا» للفن دون أن يخوض هذه المسائل، ولكن حتى في هذه الحالة، لا يكون ما يقوله واضحًا تمامًا لو لم يعمل أبدًا على تفسير ما يعنيه «بالفن»، واكتفى بأخذ هذا اللفظ «قضية مسلَّمًا بها» (أما لو تصدى لهذه المسألة، لدخل بالفعل ميدان علم الجمال).

غير أن من الممكن، في ميادين أخرى، أن يؤدي الامتناع عن اتخاذ موقف فلسفي من الاعتقادات الأساسية إلى نتائج وخيمة. ولنتأمل في هذا الصدد نقد الفنون؛ فالبعض يقول إن عمل الناقد مختلف تمامًا عن عمل المفكر الجمالي، بل مضاد له؛ ذلك لأن الناقد يهتم بأعمال فنية معينة أي هذه القصيدة أو هذا التمثال — ويحاول تحليلها وتفسيرها، ويقرر إن كانت لهذا العمل قيمة، ويحدد مدى هذه القيمة إن وجدت. ومن هنا لم تكن المسائل «التجريدية» في علم الجمال تعنيه في شيء.
وإذن فالناقد يقول عن عمل فني إنه «جميل» أو إنه «فن عظيم» أو «أفضل من العمل السابق للفنان نفسه». ومع ذلك فإن حكم الناقد لا تكون له دلالة كبيرة ما لم نعرف الأسباب التي دفعته إلى إصداره؛ فامتداحه للعمل أشبه ما يكون بالصياح «مرحى!»؛ وهو لا ينبئنا بشيء سوى أنه يحب العمل، ما لم يكن في استطاعته أن يفسر استحسانه للعمل ويدافع عنه، فلا بد له أن يكون قادرًا على أن يذكر بوضوح ما الذي يعنيه «بالجمال» أو «العظمة» في الفن. ولا بد له أن يحدد صراحة ما هي معايير القيمة التي توصل في ضوئها إلى حكمه. ولو لم يفعل ذلك، لكان نقده غامضًا إلى حد ميئوس منه، ولما فهمنا ما هو بصدد الكلام عنه على الإطلاق. ويمكننا أن نأتي لذلك بتشبيه غاية في البساطة، فنقول إنه أشبه بالقول إن درجة الحرارة ٥٠، دون أن نحدد إنْ كان المقصود هو المقياس المئوي أو الفهرنهيتي. وعلى ذلك فإذا شاء الناقد أن يقوم بعمله بطريقة معقولة فلا بد له من أن يفكر في طبيعة القيمة الفنية.
والأرجح أن معظم النقاد يوضحون بالفعل نوع معايير القيمة التي يستخدمونها، وإن كان الكثيرون لا يفعلون ذلك إلا بطريقة ضمنية أو غير مباشرة. ومع ذلك فكثير من هؤلاء النقاد لا يكونون فلسفيين بما فيه الكفاية في طريقة وصولهم إلى اعتقاداتهم المتعلقة بالقيمة، مما ينجم عنه أن يكون نقدهم للفن تافهًا أو لا قيمة له؛ ذلك لأن النقاد (شأنهم شأننا جميعًا) معرَّضون لأخذ معايير القيمة من التراث أو من سلطة معينة دون تساؤل، وهو أمر يثبته تاريخ النقد الفني. وقد تكون هذه المعايير صالحة للحكم على أعمال فنية تنتمي إلى عصر معين أو أسلوب معين. غير أن الناقد يسلم بأنها ذات صحة شاملة، وبأنها تصدق على جميع الأعمال الفنية. وعندما يطبق هذه المعايير على فن من نوع مختلف تمامًا، يسيء الحكم عليه كلية. وهو في ذلك أشبه بمن يستخدم معايير بطل رفع الأثقال في الحكم على مزايا عازف بارع للبيانو، فإذا كان الناقد يؤمن مثلًا بأن اللوحة المصوِّرة تكون جيدة إذا كانت تصور موضوعات عالمنا اليومي وأشخاصه بأمانة، ويطبق هذا المعيار على ما يسمى بالفن «الحديث»، الذي لا «يشبه» شيئًا على الإطلاق، فسوف ينتهي إلى النتيجة التي سمعناها جميعًا — وهي أن هذا الفن «مريع»، أو «مزيف»، أو أي شيء قد يكون أسوأ حتى من ذلك. غير أن الخطأ قد لا يكون خطأ اللوحة، وإنما هو خطأ الناقد؛ فمعايير القيمة عنده ضيقة ومحدودة أكثر مما ينبغي. ولو فكر بمزيد من التمعُّن واتساع الأفق في طبيعة القيمة الفنية، لكان من الجائز أن يغير معاييره، ولجاز أن يجد معايير للقيمة أكثر اتصالًا بالموضوع، يمكن على أساسها النظر إلى الفن المعاصر على أن له قيمة بطريقته الخاصة، وعلى ذلك فإن من واجب الناقد، شأنه شأن كل شخص آخر مشتغل بالفن، أن يختبر الاعتقادات الكامنة التي تتحكم في نظرته إلى الفن. ولو لم يفعل ذلك، لحصر نفسه في حدود قطعية لا مهرب منها.

ولنقدم مثلًا آخر للأهمية الحيوية لعلم الجمال بالنسبة إلى الدراسة غير الفلسفية للفن؛ فإجراء التجارب حول الطريقة التي يستجيب بها الناس للفن كان يحدث في مجال علم النفس باستمرار منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكان الأمل معقودًا عليه في الوصول إلى إجابات دقيقة منضبطة عن كثير من أسئلة علم الجمال التي ظلت تُناقَش قرونًا طويلة. وقد أمكن عن طريق التجريب، ولا سيما في السنوات الأخيرة، الوصول إلى بعض النتائج القيمة، ومع ذلك فإن نتائج التجريب السيكولوجي كانت في معظم الأحيان غير مشجعة؛ إذ إن الاستنتاجات التي كان يتم التوصل إليها كانت تافهة، بل كانت سخيفة أحيانًا، حتى عندما كانت تُعرض بطريقة رياضية وإحصائية شديدة الدقة، فما السبب في ذلك؟ إن السبب الرئيسي، كما أود أن أثبت الآن، هو أن علماء النفس كثيرًا ما قصروا في القيام باختبار «نقدي» لاعتقاداتهم بشأن طبيعة الفن وقيمته، وهي أمور كانوا يأخذونها «قضيةً مسلَّمًا بها» عند تصميمهم لتجاربهم.

فقد أجرى علماء النفس عددًا لا حصر له من التجارب، كانوا يقدمون فيها إلى جماعات كبيرة من الناس أشكالًا هندسية بسيطة، كمستطيلات ذات أشكال مختلفة، أو بقع من الألوان. وبعد ذلك كان يطلب إلى المجرب عليهم أن يفاضلوا بين هذه الأشكال، ويحددوا ما هي الأشكال أو الألوان التي يجدون فيها لذة أعظم. وهكذا يتضح في تجربة تجرى على ٤٥٥٦ شخصًا أن اللون الأزرق مفضل على القرمزي، أو أن اللون البرتقالي أقل الألوان جاذبية على الإطلاق،٢ وفي تجربة أخرى يتضح أن الشكل الذي يجمع بين الأسود والقرمزي والرمادي مفضل على ذلك الذي يجمع بين الأصفر والرمادي والأحمر،٣ وهكذا.
والآن، فما قيمة هذه النتائج؟ لقد كان القائمون بهذه التجارب يأملون أنه إذا أمكن تحديد مدى الشعور باللذة إزاء ألوان منفردة، فعندئذٍ يمكن تفسير قيمة أعمال فنية؛ «فمن الممكن، آخِر الأمر، النظر إلى التأثير المركب للوحات أو أعمال معمارية أو مناظر طبيعية على أنه تأثير لألوان تبعث لذة بدرجة معينة، وتجمعها علاقات … تبعث لذة بدرجة معينة.»٤ غير أن هذه المحاولة عقيمة منذ البداية؛ فدلالة وقيمة لون مأخوذ على حدة، تختلفان اختلافًا تامًّا عما تكونان عليه داخل اللوحة؛ ففي العمل الفني الكامل يكون مظهر اللون وقدرته على إمتاعنا وإثارة خيالنا وانفعالنا، متوقفًا على العلاقات المتبادلة مع كل شيء آخر في اللوحة، فاللذة التي يبعثها تتأثر بتركيب الصبغة اللونية، والطريقة التي يرتبط بها بالألوان الأخرى، والأنماط الشكلية للخطوط والكتل في اللوحة، والناس أو الحوادث التي تؤلف «الموضوع»، والقدرة التعبيرية الانفعالية للعمل بأسره، وعلى عديد من العوامل الأخرى؛ فالأخضر المصفر إذا ما جرد عن لوحة من لوحات «تولوز لوتريك» قد يبدو سخيفًا أو فارغًا، على حين أنه لا يكون كذلك على الإطلاق عندما نراه داخل اللوحة الكاملة، وعلى ذلك فإن أي استدلال من التجارب المتعلقة بالبقع اللونية على قيمة الأعمال الفنية لا بد أن يكون مضللًا إلى أبعد حد. وكما يقول الأستاذ مورجان، فإن «الاستجابة للوحة الفنان إل جریكو (El Greco) على حائط متحف ليست مماثلة على الإطلاق للمقارنة بين مستطيلات من الورق المقوى … ومن الصعب أن نرى … كيف يمكن الجمع بين أي عدد من مقارنات الورق المقوى هذه، الواحد منها فوق الآخر.»٥ من أجل تفسير استجابتنا للأعمال الفنية. والواقع أن كثيرًا من علماء النفس قد ضلوا الطريق لأنهم لم يفكروا بطريقة نقدية في طبيعة الفن، ولم ينتفعوا من النتائج التي يصل إليها علم الجمال. ولو كانوا قد فعلوا ذلك لأدركوا الفوارق الهامة بين أجزاء العمل الفني وبين العمل الفني ذاته.
وهناك وجه آخر من أوجه النقص في هذا النوع من التجريب؛ فقد افترض علماء النفس أن قيمة الفن تقاس تبعًا لمقدار ما نشعر به إزاءه من لذة. وقد يظن المرء أن من الواضح أن الأعمال الفنية تكون جيدة إذا كانت تجلب لذة، ورديئة إذا لم تكن كذلك. ومع ذلك فإن هذا واحد من الاعتقادات التي يتخذ منها علم الجمال موقفًا «نقديًّا». ولو أمعنت الفكر في هذا الاعتقاد، فهل تجد نفسك عندئذٍ على استعداد للقول إن كل الأعمال الفنية القيمة تبعث لذة؟ وماذا نقول عن التراجيديا، مثل «ماكبث»؟ إن هذا العمل لا يعد عادة فنًّا «جيدًّا» فحسب، بل إنه يعد فنًّا «عظيمًا». ومع ذلك فإنه تصوير مؤلم للشر وخيبة الأمل. وليس في وسعنا، في هذا المقام، أن نبحث في «مفارقة التراجيديا»، بل سنتحدث عنها فيما بعد. ومع ذلك فلزام علينا أن نتنبه، في الوقت الحالي، إلى أن التجريب السيكولوجي قد افترض، باستخفاف، صحة شيء ينبغي أن يختبر بطريقة نقدية.٦
ولنلخص الآن مناقشتنا للحجة الأولى القائلة إن دراسة علم الجمال غير ضرورية، لأن هناك دراسات أخرى تبحث في الفن وتستطيع أن تجيب عن جميع أسئلتنا، فقد رأينا أن هذه الحجة باطلة، وأن هناك أسئلة حاسمة معينة عن الفن لا تستطيع دراسة من هذه الدراسات أن تختبرها. كما رأينا أن عدم القيام بهذا الاختبار كثيرًا ما يضعف أبحاثها أو يجعلها باطلة. ومن هنا كان لزامًا على الدراسات غير الفلسفية أن تستعين بالتفكير الذي يتم في ميدان علم الجمال.

ومن جهة أخرى فإن علم الجمال لا يملك أن يتجاهل هذه الدراسات الأخرى، فلا بد له أن ينتبه إلى نتائجها، وأن يستعين بها على الإجابة عن أسئلته المتعلقة بطبيعة الفن وقيمته. ولو لم يفعل علم الجمال ذلك لكان يمارس نشاطه في فراغ، فليس في وسعه أن يتكلم كلامًا مفهومًا عن الفن «بوجه عام» إلا إذا ألمَّ بالشواهد المتعلقة بأعمال فنية معينة، وهي الأدلة التي تتراكم لدى علماء النفس ومؤرخي الفن ونقاده … إلخ. وهذا يؤدي بنا إلى توجيه نصيحة إلى قارئ هذا الكتاب، فعليك دائمًا أن تختبر ما يقال هنا بتطبيقه على معرفتك الخاصة عن الفن، وما تعلمته في دروس الأدب وغيره من الميادين. وبطبيعة الحال فإن هذه المعرفة محدودة على الدوام (إذ إنه لا يوجد شخص لديه معرفة شاملة للفنون جميعًا)، غير أن الرجوع إلى هذه الشواهد هو وحده الذي يتيح لنا أن نكون فكرة واضحة عن اعتقاداتنا. وندرك إن كان لها مبرر أم لا.

وعلى ذلك فإن علم الجمال والدراسات غير الفلسفية للفن يكمل كل منهما الآخر؛ فعلم الجمال ليس بديلًا عن أبحاث علم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما من الميادين، ولا بد له من أن ينظم نتائجها ويرتبها حتى يصل إلى اعتقادات سليمة عن الفن. كما أن الدراسات غير الفلسفية تستطيع الانتفاع من هذه الاعتقادات في توجيه أبحاثها. وينبغي علينا أن نكون على استعداد لتغيير اعتقاداتنا في ضوء الشواهد الجديدة، كما ينبغي أن تتخذ الفروع الأخرى؛ كعلم النفس، من اعتقاداتنا المعدَّلة بدورها مرشدًا لأبحاثها التي ترمي إلى كشف مزيد من الشواهد. هذه هي الطريقة التي تقدم بها كل معرفة بشرية، وتلك عملية ليست لها نهاية.

1 2الصفحة التالية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة