“الفضيلة (النفس)بين رذيلتين – رامي حلبي

تعبيرا عن الإرادة الحرة، بالإختيار من قبل الإنسان، ينبهك أرسطو أن الإختيار موضوعه السعادة، السعادة المساوية للفضيلة، أو المترتبه عليها، بإلتزامك السلوك السليم والخلق القويم يمكنك أن تتوسط وبحكمة عبر فضيلتك بين أرذلين، ليس مجرد زهو للشعور أو نتيجة ورد فعل ناشئة عن الظروف، بل سعادة مكتسبة عبر التفكير بحكمة وسعي دؤوب متكرر ومنفعل ومقاوم لإكتساب وجهة نظر، ونظرة أرسطو تتجاوز المثالية التي تدرب عليها في مدرسة أثينا على يد معلمه أفلاطون، تتجاوز المثالية إلى الواقعية، فبين المغالاة والتفريط يكون الإنتماء، الإنتماء لشيء ما… مثل النفس، ربما!، بالتأكيد بين المغالاة التي تساوي الوطنية كإنتماء، والتفريط المساوي للخيانة كعدم إنتماء، تكون النفس التي تحيا الواقعية، واقع مابين الوطنية والخيانة، النفس التي لا تصنف من قبل أحدهم. النفس التي لي وليست للآخرين، المنتمية لي ولك ولهذا ولذاك، الفضيلة تعني الإختلاف لا الإنجراف، ففي الإختلاف حكمة، ركيزة بين متغيرات نسبية، فالذي يذدري حضارة آفلة ويلقى اللوم لمجرد تشبث الناس بها عليه أن ينبه بصراخ عقلاني، أن تلك آفة، آفة الحنين لشيء لم يعد من الممكن، شيء لا نملكه أو لم نعد نملكه، فمثلما إنقلب أرسطو على مثالية أثينا، لا بد لنا أن ننقلب على غثاء الحضارة الآفلة، حضارة الحجارة، فمن بين هذا الهراء المنتشر، أي الحديث عن الحضارات، لم يهتم الناس إلا بالحضارة الفرعونية، مترامية الحجارة، وتأتي الحضارة الإسلامية في مرتبة تالية من الإهتمام، لأن أثرها في النفس ممكنة وليست مستحيلة العودة كالفرعونية، والتي لا تعود إلا بالإندهاش الباهت، الذي لا يثير إلا البلاهة، بينما من نفس المنطلق، وجه النظر الغريبة تلك يتحدثون عن الحضارة الإسلامية بالإيلام ، كيف علمنا العالم الفلك والطب والفيزياء، وكيف هي العلاقة، علاقة الإمتنان من قبل الغرب بحضارتنا في الأندلس ودونه، فأمسى التاريخ من حافز إلى استبصار الحضارة إلى مجرد اساطير تتردد وتشاع بنفس منطق العلاقة بين الفراعنة والفضائيين، أو الواي فاي الذي إخترعه المصري القديم قبل خمسة آلاف سنة.
منذ الأزل والأخلاق هي بوتقة الحكمة، والسلوك دربها، والأخلاق نفسها إن لم تكن مكتسب فهي شرك لمن يدعيها، الإدعاء صنع المتسلطين، أشخاص لم تباريهم الحكمة، نصبوا أنفسهم أوصياء، فمن لم يسير بدرب السلوك متحرشا بالحكمة باغي الأخلاق، كان صنيعه الإدعاء، نرى جميع المتسلطين أوصياء مدعين، والمدعي اول حلقة في سلسال الغباء فغالبا هو ليس واع، خاصة في خضم هذه المهزلة، فمدعي عن مدعي عن مدعي إلى آخره، حتى ينتهي المطاف عند إنتهازي ريما يكون واع، ليس وعيه بالحقيقة هو الذي يشكل الفارق لنفسه، بل وعيه لنفسه خلال سلطانه و تحكمه، سلسة من الإنتهازية تنفذها ارادة سلطوي أول، وإن هذه إشكالية يقع فيها غالب الناس، وهي موضوعية السلطوي الأول، رأس الإدعاء، عاش هتلر لم تكن مجرد تحية بل رمز وجودي، فهتلر كان للنازية مخلصا، كان في ذاته رمزا لهذا التطهير، ولا أجد منطق لأمر تلك الحضارة المستجلبة من ماض دموي للأمة الألمانية إلا كونها مظهر ونوع من التطهير، فبعد هزيمة ألمانيا النازية في الأراض التي إغتصبتها، كان جيشا شعبيا من الفلاحين والبنائين والعمال والزباليين وربات المنازل والخدم على إستعداد للموت من أجل الدفاع عن ألمانيا وخاصة برلين، أُناس آمنوا بالنازية رغم تزيلهم حظوظ المنفعة التي كرستها الليبرالية النازية بالحدود الدنيا، هم الذين بنوا ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، من حطام ودمارولرؤيا التوسع العسكرية من جديد، لمنفعة أشمل لرمز وجماعة ضيقة ومنفعة دنيا للعامة، ومن حطام ودمار أبشع في الحرب العالمية الثانية خرجو بألمانيا التي تقود أوربا إقتصاديا الآن، على الرغم من دافعهم الواع، إلا أنهم مازالوا يمتلكون هذا الهاجس، هاجز التفوق، وأوروبا نفسها تخشى الألمان وإلى يومنا هذا لأن الأوروبيين يدركون النزعات التوسعية للألمان ويدركون أنهم سريعوا التأثر بمتغيرات كبيرة سياسية وتاريخية وديمغرافية قد تطرأ في أي وقت، كان تغييبهم عن حقيقتهم البشرية بالأفكار التي جلبت لهم بُعد السمو والإستعلاء، إذلال ومكابدة بسهولة دوافع شخص سلطوي واحد في كل مرة وبصعوبة العودة إلى الرشد البشري، مدعين تسلطوا على انفسهم، وعلى هذا كان إيخمان يدعي الشرف في عمله على قتل العمال اليهود، يرى نفسه في الأوامر ووطنيته في فخر تنفيذها، ودون الأوامر كان ليكون الأمر خيانه، وعلى عكسه، وجدت حنة ارنت تفاهة ادعاءه وتفاهة محاكمته، وجدت ارنت نفسها الحرة في أن تلوم النظام كله، نظام الشر، لا مدعي غير واع وحده، فوطنية ايخمان قابلتها خيانه الجماعات اليهودية التي ساقت اسراب اليهود إلى مقصلة ايخمان، ارنت مثلها مثل المقاوم في فلسطين، الذي يفرق بين اسير يهوديا أسره وجندي معتدي يزوره بسلاحه لقتله، الفارق ليس نابع من شخص الأسير أو الجندي بل من أخلاق الآسر المقاتل المقاوم ذاته، يحمي الأسير من قومه ويهدر الجندي المعتدي، النفس الصحيحة تقاوم الرذيلة، رذيلة الآخر ورذيلة النفس، فلولا هذا ما كان ليشعر الدكتور زويل أو العالم بناسا عصام حجي بالجرم الفادح في حق نفسهم لو سايروا النظام الأكاديمي المصري، كانو ليكونوا تروس في ذلك النظام لينتهي بهم الأمر بمعاش التقاعد الذهيد، تلك المقاومة جعلتهم في تحد أهم مع النفس، ألا يشعرو بالخيانة خيانة النظام في انفسهم لو فشلوا، ولحققوا الفشل الذي يريده لهم فلو حدث أن واحد منهم فشل كان ليعود آسفا للنظام الذي سوف يتشفى فيه وينكل به لأنه تمرد بدايتا ثم عاد صاغرا، أو ربما ينتحر العالم بأخلاقه ف يهيم مشردا في شوارع غربته.
الأمثلة كثيرة لا حصر لها والتاريخ ما طفق إلا أن يكون جرس التنبيه، والناظر له بفخر ساذج لا يرى التفاصيل، فكما أن الشياطين بالتفاصيل، أي ارادة الغباء والتسفيه وتجهيل المجهل أصلا، هناك ايضا ملائكية النفس، النفس الخيرة التي تقاوم، فنظرة واحدة خبيرة تجد كل هذا وبالتالي تقترن بالحكمة، وهي حكمة بالغة الأهمية ليس للنقد فحسب أو الإنذار، بل للنجاة، وما يحولها من مجرد فعل نرسيسي، أي النجاة وإلى مراتب الفضيلة، أن الشخص المقاوم لن يريد ويسعى للنجاة بنفسه فحسب، بل يريد النجاة لكل ما عرف، علومه ومعارفه وكل محيط به من شجر وحجر وبشر، هذا ما يجعل البشرية غير مقترنة بالشر، أو أن تكون إصطلاحا في المعاجم دالا على الدمار، هي المقاومة رغم تاريخ يكسوه الدمار والدم والعار لمجرد انتهاج نهج الغباء كسلطة وسلطوية، وهذه حقيقة تؤكد عليها نصوص الحضارة الإسلامية المتمثلة في القرآن العظيم، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ[البقرة:30].
فرغم التاريخ الدموي للنفس البشرية والذي تحقق عن توقع الملائكة، الذي كان من الممكن ألا يكون متحققا ولكنها حكمة الخبير العليم، الملائكة آمنوا وقالوا للعزيز الحكيم سبحانك ما علم لنا إلا ما علمتنا، لما قال رب العزة، أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين “، لم يكن ذلك لأن الملائكة ادّعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب، وعلمه بذلك وفضله، فقال: ” أنبئوني إن كنتم صادقين ” – كما يقول الرجل للرجل: ” أنبئني بهذا إن كنت تعلم “. وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهلٌ، ولله المثل الأعلى.
اذا النفس هي محور النجاة، لب الصلاح وهدف الإصلاح، وإن تدميرها من تدمير البشرية، وإصلاحها من إصلاح البشرية، وبنظرة تآمرية نجد أنه ومن القرن السادس عشر في أواخره وبدايات القرن السابع عشر، بات الإنسان محور العلم والعلوم، فمن أساطير يختلقها ليشعر أمانه وذاته و إنتماءه، بشواهد الإغريق والفراعنة والحضارات الغابرة، إلى التخلي عن وجوده لصالح قوى أكبر منه كالطبيعه واختراع الوثنيات، ومرورا بإختراع الدين الأخلاقي والتدين العقلاني وتحسس المُثل والقيم وعبادة الماورائيات، ثم الإمتثال للهيمنة السماوية من تعاليم منزلة على رسل وانبياء ثم الإنقلاب عليها إلا من رحم الله، لصالح هوى النفس، واللذة من وراء منفعتها العليا، وان في ذلك التاريخ اعتبار كبير، لما ننظر المآلات بتعمق، ولأنها حرب شعواء يراد لهذا الخط الزمني من الإعتبار أن يمحي ويبقى منه فقط رمزية بقاء الإنسان طاعنا في الدهر يرى حيوات اخرى تزهق وتنقرض ويبقى هو، بفخر ونرجسية، يتباهى الإنسان بتاريخ لم يسند له فيه فعل ولم يشارك فيه، بفعل تغيبه وإستحسانه هو هذا التغييب.
باتت الحياة جملة من الرذائل، اثنيات متناحرة بدل الأمم المتعارفة، قوميات ماهوية، بل من هُوية بشرية منتمية للغرض من وجودها، حفظ الأمانة، أمانة الخلافة في الأرض، وشحذت النعرات المُجهلة وتشعبت المعان وغابت النفس، ففي كل مرة يرى العلماء ظن ظاهرا لمرض البشرية، لا يغيب عنها ليس فحسب انجراف الإنسان وتداعيه الخلقي، ولكن غيابه في غالب الأحيان.
الذات هي الفضيلة الغائبة بين الرذائل.



