قصة الكرنك – رامي حلبي
نتقابل في جهنم بقى…
ما إحنا لو روحنا الجنة مش هنلاقي حد نعرفه….
من المؤكد أن هذه ليست جملتي، ومن منكم على إطلاع سيعرف أنها لأجرأ موهبة تكلمت على الشاشات، هو الرجل الذي سؤل، (ما رأيك في الفنانة الشابة الآنسة فلانة؟، فأجاب، يابنتي في الوسط ده مفيش آنسات!)….
هو أيضا صاحب لفظة(ياقطة)، الممزوجة بشراهة النظرة والممتلئة بنهم الرغبة وطغيان السطوة وإمتلاك الجرأة وللإستئساد من أجل الإذلال والتنكيل قبل نيل المراد، هو من دعى ضحاياه (للخربشة)، بعيون نيام موحية، صاحية فاجلة، ليبلغ مستوى شخصي من المتعة دونه لا يقرب من المتساهلات، جرأة الكلمات هي من جرأة الأداء وأظن أن قصته الواقعية في حياته كانت سبب تنمره التمثيلي ورصانته الواقعية وداعيته لوصف الأشياء بمسمياتها الحقيقية دون إعتبارات مكانية تلزمه التقلب بين الوجوه، أتخيله بديل لكمال الشناوي في فيلم الكرنك، يقول لزينب، إعترفي يا قطة، زينب التي هي” مصر ” والضابط هو الضابط وهو الشيء الوحيد الذي لن يتم وصفه مجازا بأي شيء آخر، والكرنك الذي هو القالب الذي يجمع كل تلك العناصر ليس مسمى الرواية أو الفيلم ولكن (التاريخ)، رمزا ووصفا وتعمقا وتفصيلا .
سؤل صاحب نوبل عن الدافع الحقيقي وراء كتابته للكرنك، أجاب بأنه شعر أن فقرة من التاريخ ستهمل ولن يذكرها أحد فيما بعد فدفعه هاجس الخوف هذا للكتابة، تقدم محفوظ لنشرها بدأ بالأهرام فرُفض النشر وحاول في مسالك أخرى لفترة حتى فضل في الأخير أن ينشرها عن طريق دار نشر، نقل عنه يقول، (كنت أجالس الشباب فأجدهم منغلقين خشية أن يتكلمون بشيء قد يزج بهم مرة أخرى في الجحيم، لكن وأخيرا فتح أحدهم فاهه ولم يتوقف)، يذكر أن الرواية نشرت ناقصة بالعام 1974، إذ لم تسمح بها الرقابة المأمورة من المخابرات حينها فتم بتر فقرات كبيرة منها يقال أنها تماثل المنشور، تصف أصداء مرعبة وتعبر عن كبت شديد وضمور كبير للثقة في القيادة السياسية، كنت الرواية بالأصل تنقل شعور الهزيمة وتبعاتها، ومآلات الأوضاع بعد حزيران 67، ولم يمتلك الكاتب أصل لهذا المحذوف فقدمت كما هي الآن نطالعها، بعد نشر الكرنك وخاصة بعد أكتوبر 73 حدثت إنفراجة في النشر خاصة وعن حقبة صلاح نصر والمخابرات والسجون السياسية، أولا لحرص القيادة حينها كشف العديد من الأمور، وثانيا لخلق نوع من المقارنة بين عهد الإنهزام والكبت السابق والمختبر وعهد النصر والإنفتاح على الحريات المزعوم، لم يشعر محفوظ أنه محظوظ لأن يكون الباب الأول التي تعبر من خلاله تلك المكاشفات الجريئة وعن كتاب ذاقوا ذائقة الهوان وبعد شهور قليلة من إقدامه على نشر الرواية، بل بموضوعية شديدة إعترف أن مكانته الإجتماعية ورصيده الأدبي حفظ له الشيء من كرامته من الإغتيال المعنوي سواء من جيوب سابقة تنازع في مفاصل المخابرات، أو من تصفيات سياسية يكون فيها ضحية لمجرد أنه تجرأ وكتب.
للإنصاف كانت لتلك الجرأة معول أخير في خاطر محفوظ، وهو ككل المنساقيين، وأقولها بتمام الإنصاف، هناك ولمعظم الكتاب الناجحين في مصر قاعدة مستترة ومعلنة،”البعد عن السياسة، أوتجنب التغول الكتابي بها، أو الحرص على عدم التعمق الفكري فيها”، لكن ولأن محفوظ تماس مباشرة مع الإنسان والذي يكون رأيه وتعبيره المصرح به الذي يتكلم به، أو المطمس طي كتمانه خوفا وذعرا، هذا الرأي هو جزىء من كيانه وجانب من وصفه، لزم على محفوظ التطرق له ومباشرة دون تحوير سواء بالتطرق له نقلا أو خلال النبش في مغاوير صمته، لكن محفوظ في الكرنك وعن دافعه للكتابة المذكور سلفا عول على رأي عام مصدوم و بحث عن مبرراته، يقول محفوظ إن “الكرنك” ليست ضد عبدالناصر، بل ضد من كان عبدالناصر ضدهم، ويرى أن عبدالناصر فشل بسبب تسلط وخذلان وفشل من حوله في 5 يونيو 1967، وكان رحيله في28سبتمبر 1970، قد أفضى إلى التيه والضياع.
_ فقرة منقولة بتصرف، من مقال” الهزيمة وكرنك محفوظ”….
* أحد مصادر معلومات هذا المقال.
لأحمد فضل شبلول….
مجلة العربي عدد يناير2021 …..
قال محفوظ، هو يقارن بين وفاة عبدالناصر وسعد زغلول، فعند وفاة سعد يوم الثلاثاء 23 أغسطس 1927 – وكان عمره وقتها خمسة عشر عامًا – كان هناك خلفاؤه، ولكن عند رحيل عبدالناصر لم نكن نعرف له خليفة. ويقول: «إن خوفي على مصر كان أكبر من حزني، لموت سعد كنت لأول مرة أرى والدي يبكي، وكانت والدتي تبكي بجواره، وحين خرجت إلى الشارع وجدت أن البلد كلها تبكي على سعد، فكان أكبر حزن في حياتي».
فمثل موت سعد بالنسبة له الحزن الكامل، بينما رحيل ناصر كان الضياع التام الذي رآه في عيني نائبه، السادات فشبهه واصفا تقاسيم وجهة وهو يلقي خطاب تأبين الزعيم الخالد( كأنه وجه حزين فارسي).
الخوف هو الخوف، والإنهزام لا يمكن تجميله ويُعَبْر عنه دائما بالإنهزام، لكنا لن نصف الخوف بمقداره، أو الإنهزام بمعناه، إلا بعد برهة طويلة من الزمن، أو مع تغيير المناخات السياسية، ستجد الحقيقة كاملة، أو السفه المعتبر بحقيقة، أو الهروب المُمَكن بحقيقة سابقة لخوف جديد، بتلقائية التعود والتطبع، وما أشبه البارحة باليوم والغد وبعد بعد بعد الغد….
إن الإستشكال وإن كان في الفهم، فأساس المشكلة ليست إلا في الإعراض السياسي أو عدم التعرض للقضايا رغم مساسها بنا مساس وجودي، والإعراض عن رأي منصف ووجاهة المواجهة والجهر الشعبوي، عزيزي المواطن إن ……”جهاز الرصد في كل مكان” تعبيرية إستطاع الصحفي والروائي جورج أورويل تفصيلها في روايته (1984)…
قريبة جدا من وصف محفوظ في (الكرنك)، “جهاز الرعب يقتلع روح الثورة، مجرد أن نتنفس نجد من يجثم على أنفاسنا ليكتمها ويفسد حياتنا، والخلاص لا يأتي إلا من داخلنا”.
الخوف في جمهورية الأخ الكبير، أن تكون في حالة حرب دائمة مع ذاتك، تقمعها وتسحق أفكارك، كي لا تكون من النوع الذي لا تريده وزارة الحقيقة، الوزارة التي تريدك مثال حي على وضعية الإرتياب الدائم والذعر من أن تكون خارج الأنماط المحددة، أن تخاف من نفسك، فكرة عبثية طرحها أورويل في أكثر روياته تنبأ بالمستقبل “1984” ، مستقبل الدكتاتوريات في هذا العالم، فشكلت أطروحتة نبوءة متحققة بكامل تفاصيلها، ولم يغفل أورويل دور التكنولوجيا في أكثر صورها تشابه مع الواقع، فيصف جهاز ما أسماه بشاشة الرصد، ترسل وتستقبل فى آن واحد، تلازمك في كل مكان لتفرض نوع شديد الصرامة من المراقبة و تقييد للحريات، الجهاز الذي يقف من خلفه قطيع مفترس من ما يسمى”شرطة الفكر” التابعين بدورهم لوزارة الحب المعنية بالنظام والأمن، والتي هي في حقيقة الأمر مصدرا أساسيا للرعب، القانون في الرواية نافذ إلى تطبيق أقصى أنواع العقاب والتى أيسرها مؤبد وإعدام، وأصعبها البقاء على وضعية الخوف مدى الحياه، خوف من نفسك ومن الآخرين، فنجد الأفراد في الأسرة الواحدة متوجسين الخيفة من بعضهم البعض، ويصبح لزاما على الأفراد في الأسرة والمجتمع التبرأ من الشخص الجانح المرتكب لجريمة التحدث أو التصريح أو الإشارة بعكس ما يريده النظام، شاشة الرصد إلى جانب الكثير من الملصقات لصورة الأخ الكبير المدون أسفلها “أنت مراقب”، قد بعثت في نفوس الناس سكان الرواية كل الإحباط الممكن من إستشراف مستقبل آخر ، إلى جانب أنك وبتلك البساطة ستجد نفسك كقارئ فى النهاية متفق و متفهم لحال المواطنين، بل ستجد نفسك في النهاية أكثر إعجابا وحبا لشخص الأخ الكبير،و كما خلصت إلية الرواية أخيرا ستكون ممتنا له كثير .
نتحمل جميعا وزر زينب القطة التي نحتت أظافرها ولن تجدي لها الخربشة نفعا، ولن يتركها مستأسد وجد من الوقوع بها تكرارا للتاريخ الذي نقش على أعمدة الكرنك الحجرية، والروائية، والسينمائية…..
وطالما أن الخلاص الذي هو بداخلنا سيجثم طويلا على أنفاسنا، يجعلنا نحصرها عدا ونحصيها كمدا، ومعظمنا يعدها له آخرون لندفع عنها ضريبة المعاش، والسكوت كذلك على دياثتنا…..
فلنتقابل في جهنم إذا…
ما إحنا لو روحنا الجنة مش هنلاقي حد نعرفه….



