المعرفة والسُّلطة – رامي حلبي
أحدث “ميشيل فوكو” ثورة في منهج التحليل الفلسفي لمفهوم السُلطة، حيث يؤكد فوكو أن السُلطة إستراتيجية أكثر منها مركزية، أي أنها لا ترجع إلى التملك والتمركز، وإن كانت!، فهي تعتمد أكثر على الحِيّل والتدبير عبر وسائل وأدوات وتقنيات وبرامج أعمال، إذ تعتمد على الممارسة والفعل وتترابط عبر علاقات إنتاجية ومنفعات متبادلة، تجاوز فوكو مفاهيم السُلطة التقليدية من مركزية مطلقة. منطلقا من السؤال الفلسفي حول المعان، متأثر بهاجس كانط عن الحاضر الفلسفي، مستعملا التاريخ كوحدات أركيولوجية (أُحفورية) حتى يتثنى له إنتاج سياق معرفي يعبر عن علاقة (المعرفة بالسلطة) ولخلق وعيا يتحدى الإرهاصات السياسية التاريخية للسُلطة، حيث يتحول التاريخي الماضوي إلى نص إتصالي بالحاضر يهدم مفاهيم التجذر التاريخي الذي يهيمن على المعرفة، ويصنع مفاهيم جديدة لحاضر السُلطوية والهوية والإنتماء والأيدلوجية مكرسا الإبتعاد عن التصورات السيكولوجية للإنسان والأنثروبيلوجية والميتافيزيقية للمعرفة.
المعرفة بالنسبة لفوكو قوة، أو كما أسماها(معرفة القوة) وهي ممارسة القوة كوظيفة للمعرفة، يعتبرها فوكو تراكمات فكرية تم الحفاظ عليها من أجل ترسيخ السُلطة المهيمنة، فتبت تصوراتها عبر الخطابات التي تنتج في كل مرة معرفة جديدة وكثرة إنتاجها المعرفي فيه هو عبارة عن ممارسة للقوة، و يتم إضفاء شرعية الخطابات خلال المعان المصدرة والمبنية على قاعدة اللغة المخاطب بها(وحسب منهجه الأركيولوجيي “كل لغة تخضع للإنهيار” لكشف أو إلغاء القوة التي تدعمها).
وإن تلك القوة المعرفية لهي التي تصنع الحقائق التي نعتبرها مسلمة أو حيادية أو موضوعية، وهو تحدي لأي سُلطة لتصنع خطاب يعبر عن الأثر الذي يتكامل مع لغتها، وغالبا تقدم أي سُلطة عملها على أنه خلاق ينعكس على بنيوية المجتمع، حيث يكون المجتمع داخل الخطاب(الفكرة والمعنى)عبارة عن فكرة أيضا، هو في الحقيقة فكرة النص المتآلف مع لغته و معانيه ليصنع خطاب متماسك في نفس الإتجاه الموجه به مع ما سبقه من توجهات وما يلحق به، أي يكون صيغة عامة متكاملة من الخطابات تصنع هالة المعرفة التي تعبر عن قوة حيث غزارة الإنتاج المعرفي، لتجعل من غير الممكن تفكيكها إلا عبر لغتها وسياقها التاريخي، كما أنجزته النظرية (الفوكوية)، التي مفادها تفكيك شرط هيمنة متملك واحد(كالسُلطة) وللمعرفة، عبر رفض لكل وحدة صدع وتفكيك . وحيث لم يستعصى على “إدوارد سعيد” شرح إرادة الهيمنة الإستعمارية مستخدما التحليل(الفوكوي)، قدم كتابه “الإستشراق”، (Orientalism)، في عام 1978م، وهو عمل فريد يقدم رؤية نقدية لما كان علية الإستشراق من تصورات غربية عن الشرق لمدى قرون متتابعة، وخلال دراسة نصوص سياسية وإجتماعية وتاريخية غربية عكف سعيد على دراستها وبت في صدقها من عدمه، وقدم المغالطات التاريخية بما تضمنته نصوص وأعمال المستشرقين على أنه أسلوب هيمنة، حيث الممارسة والخطاب كذلك، ومقدمة لها كانت سابقا محاولات تبريرولاحقة لظاهرة الإستعمار حيث تبررالدراسات الإستشراقية موضوعية الإستشراق جملة وتفصيلا وتبرر تلك الموضوعية لوجود الإستعمار السابق أو الهيمنة اللاحقة، أحدث سعيد إصطلاحا مميزا لمفهوم الموضوعية وقدمها على أنها(مُهتمة ذاتية)، المعرفة فيها يجب أن تكون (شاملة وكاملة)، حيث أننا لما نتكلم عن معرفة موضوعية لابد أن يقصد الحديث كل معرفة قائمة بغض النظر عن الموضوع محل النظر، بمعنى أن الموضوعية مختلفة من شخص لآخر، من جماعة لأخرى، من مجتمع لآخر، فمصلحة الفرد أو الجماعة أو المجتمع، هي موضوعيتهم، تتلاقى أو تختلف، إنطلق سعيد من كونه فلسطيني الأصل يرى الجور الذي وقع فيه بلده و بني جلدته، ممتثلا لوجهة نظره التي ترى موضوعيات مختلفة تؤثر في المسار الحياتي له ولشعبه ولا تنكر أصله ولا تاريخة بل تؤلف الموضوعية التي شرح لها، كمهتمة ذإتية له تحمل همومه وهموم جيله وجمهوره، جُل هدفها التحرر من الإحتلال متضمنة لكل معرفة ممكنة تاريخية وإعتبارية مستقبلية وعن اللاعبين المؤثرين في الصراع، استطاع سعيد خلال ذلك كشف أسباب التنكر الأمريكي على وجه الخصوص والغربي عموما للحقائق المعرفية المختلفة عن الشرق، ومبررات بت معرفة مزيفة تخدم مصالح الدوائر الضيقة في السياسات الأمريكية والغربية، والتي تخدم إسرائيل على وجه الخصوص، حيث تبرر المعرفة خلال الخطاب السياسي لنظرة إستعمارية مبطنة ونظرة هيمنة ضرورية مُعلنة، وحيث كان الخطاب الكولونيالي قديما ينظر للمستعمرات على أنها بيئات طبيعية حيوانية أقرب منها للإنسانية،لا ينفي خطاب الهيمنة الآن تلك النظرة بل يكرسها عبر بت شرعية في محاولاته تبريره إنقاذ وتأهيل تلك المجتمعات من بربريتهم وفنائهم، فتكون تلك الموضوعية بعد إنساني المعرفة خلالها عنصرية بحتة عبر فرض ثنائيات متضادة كـ(الذات والآخر، التطور والتخلف، التحضر والبربرية، وعنصرية اللون والعرق والدين)، وكما الخطاب الإستعماري الآن لدولة الإحتلال التي تعتبر نفسها حضارة قامت على أرض فناء أو بور أوبديلا عن الخيام والخراب والفوضي، وهذا ما تنكرره الحقائق والوثائق والتدوينات التاريخية وحتى الصور والشهادات الحية، فالكولونيالية تميز المعرفة الخاضعة لخدمتها فتستحوذ على المعرفة الأصلية وتبدل في مجرياتها خلال رؤية استئثاريَّة، وكل كولونيالية مختلفة في الخصائص عن الأخرى من حيث االإستئثارية المعرفية، إلا أن الإستعمارية متوافقة في الأهداف، التي يمكن إختصارها في فرض الوصاية الكاملة…
ففي خطاب “إرنيست مرسيي” الذي كان عمدة بلدة قسنطينة الجزائرية في عهد الاستعمار الفرنسي، صدر رؤيته أن الجزائريين في حاجة ضرورية إلى الوصاية عليهم، لأنهم من وجهة نظره ” أطفال كبار لا يمكنهم الإعتماد على أنفسهم”، وحاولت إيطاليا محو الهُوية الدينية للشعب الليبي بتنظيم حملات للتنصير بالخارج والداخل وتحويلها إلى قومية تابعة للفاشية، هذا نابع من نظرة فوقية أُحادية حيث إعتبر “جيوفاني جوليتي” رئيس وزراء إيطاليا هذا وكان يقول مرارا أن ليبيا حق خالص لإيطاليا، حيث رفض التفاوض مع النمسا على مقترح وصاية عثمانية على ليبيا بإدارة إيطالية في وضع مشابه للإنجليز في مصر، معلنا الحرب على العثمانيين يوم 29 أيلول/سبتمبر 1911م…
والخطاب الكولونيالي الحديث خطاب متعالي أكثر من أي وقت مضى، ذلك رغم الحديث عن الشراكات والتحالفات الإستراتيجية مابين الغرب المؤثر والشرق اللاهث، متأثر بالدراسات الإستشراقية في غالبه، ووجهات نظر المستشرقين الغربيين قديما وحديثا في الشرق، التي تصور الشرق قوم كسالى يخضعهم التخلف لتصورات قاصرة من ما لايمكنهم قيادة أنفسهم، ويعتبر هذه الإفتراضات مسلمات يبني عليها موضوعية تؤصل للهيمنة التي يستأثر خلالها المعرفة بكل أشكالها. وقد نجح هذا الخطاب في التأثير ليس فقط في الرأي العام الغربي وإنما فرض فرضا على كل البلدان العربية بلا إستثناء، كمستعمرات سابقة وساحة هيمنة لاحقة، ولعل الصراع القائم في فلسطين أبرز النماذج حيث تيار متسارع للتطبيع وتقبل مجتمعي على مضض يؤثره السكوت فرضا ورهبا وربما تماهيا، وهذا ليس فقط في المجتمع العام ولكنه قد إخترق القلم الأكاديمي العربي إذ يقول إدوارد سعيد”وعلى خطى الأكاديميين الغربيين، لاحظت أيضاً أن بعض الأكاديميين العرب يرددون مفهوم “الموضوعية” حتى الغثيان”.
مفهوم (الرضا) حسب هيجل يجسد إدعاء برغماتي من الإنسان على نفسه، إذ يجبر الإنسان نفسه على تقبل إدعاءه، ويقصد هيجل بكل تأكيد الإنسان الغربي ومحكه الحداثي وما بعد الحداثي، إذ يعتبر هيجل أن المواطن الغربي قد تجاوز حدود الإستعمارية وتخطاها إلى وضع أكثر راحة، المفهوم الذي إعترضه نيتشة معتبرا أن هذا الفرض من أكبر مساوء الترضية الذاتية، حيث يكون الإنسان ليس بـ حرا ولاعقلانيا ولا موضوعيا و حيث أنه ليس سعيدا وساخطا على الدوام معبرا عن الفردانية من حيث غرض الحداثة وما بعدها، وأن الفردانية دائما ساخطة وثورية، وإعتبرها نيتشة من حيث الموضوعية فرضية هشة، ذلك من منطلق الحداثة الغربية، فكيف هي المواطنة في العالم العربي؟ ، فمن حيث المصلحة والتقيد بموضوعيتها، هي كذلك (مُهتمة ذاتية)، هشة!.
ومن حيث المفهوم الذي ينتقده إدوارد سعيد لـ”الموضوعية” على أنها (مُهتمة ذاتية) كما حدد مفهومها، أي مصلحة خاصة، فإن المواطنة غير مُعبرة عن نفسها إلا بالقصد القانوني والسياسي الشكلى، إذا لايمكنها أن تكون إلا إشكالية ذات بعد فلسفي، وإن مثلت في مرحلة ما تاريخية إشكالية قانونية للمجتمع الدولي، كإشكالية مجتمع (الدون، دون الهُوية) بعدالحرب العالمية الثانية، الذين وجدوا أنفسهم مابين مطرقة العنف والإنتقام الإجتماعي كونهم نازيين أو فاشيين سابقيين أو مواطنين عاشو في هذا الظل الأسود وقد تنكروا لاحقا من النازية والفاشية، وسندان التبرأ القانوني حيث لم يقبلهم القانون كمواطنين منتمون إلى أي دولة، فإن الإشكالية تفقد معناها الموضوعي إلى إذا شملت إعتبار المعرفة الشاملة والكاملة بأحوالهم، حيث ما واجهه هؤلاء في الماضي وحقوقهم في الإنتماء في الحاضر من حيث أنهم مواطنون لابد أن يكون لهم قبول ماهووي، ولا يمكن إعتبارهم مواطنون دوليون غير منتمين، والولادة هي الموضوعية الوحيدة للمواطنة كوجود كينوني، أي بالولادة، وعلى أساس هذا التمييز يمكنني وصف المواطنة على أنها وجود كينوني لحقت به موضوعيته، موضوعية المواطنة كمكتسب لاحق يُعبر عن محتوى الهُوية، التي ترتبط بها الغايات و المنفعة،
وذلك تكريسا لمذهب الوجودية، والقول بـ”الوجود السابق على الماهية” وهو مفهوم مركزي في الفلسفة الوجودية، ويرتبط بشكل خاص بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. لفهم هذا القول، يجب تفكيك مصطلحي “الوجود” و”الماهية”، فالوجود يمثل ولادة الإنسان في الشرق على أرض مشرقية متساوى في الوجود مع أي إنسان ولد في أي مكان آخر، تلحق به ماهيته المكتسبة من إنتماء لاحق، وهذا الإنتماء لهو البعد الفلسفي لسابقة الوجود نفسها والمعبر عن الماهية اللاحقه له، وهذا ما عجز على فهمه المواطن في الشرق، فهو إسميا يطلق عليه، مصري وسوداني وسعودي…إلخ، في تداخل مع وجوده فلا تنطبق عليه فلسفة وجودية، وحسب هيجل يمكننا أن نعتبره إنسان حداثي ولكن بالصورة السلبية التي يراها نيتشة، وأنه ليس حرا أو عقلانيا ولا تملى عليه نفسه فكرا نابع من ذاته، ولا تنطبق عليه مقولة سارتر،”أن الإنسان محكوم عليه بحريته” حيث أن وجودية الإنسان تعبر عن حريته، والظاهر أن الإنسان العربي لم يستطع تقييم ذاته أو تقديم تقيم أبستمولوجيا مع سلطاته في دولته، إذ كون في مفهومه حسب ما يقول البروفيسور”عماد فوزي شعيبي”، أن (الرعية ابتكرت نوعاً من التلفيق الجامع بين الدولة الحديثة والرعية كان غالباً لصالح الرعية بينما كان يمكن للقطع التعايشي التضايفي بينهما أن يتعيّن في لحظة ما لصالح الدولة كمرحلة انتقالية. لكن هذا النوع من القطع لم يحدث، ما يجعلنا نقول إن الهجينية لم تكن قطعاً ابستمولوجياً بل كانت سِفاحاً بين هويتين غير متجانستين)…
هذا ما يعانيه الإنسان العربي الذي تحرر شكلا وبأحداث تاريخية تعمق لدية مفهوم الوطنية والمواطنة المتداخل مع مفهومه لوجوده، فمثلا هذا الإرتباط يتبدل لمجرد أن يجد الإنسان ملاذا له آمن وحر في غير وطنه الذي وجد وولد فيه، فالدولة العربية في الموضع الحداثي حدث أن إختلطت على مواطنها مفاهيم العلمنة ومع وضعه الكينوني، لم يتبلور له شكل واضح، بسبب إختلال فهمه للحداثة فسار معمي في النظام العالمي تؤثر فيه خطاباته من ما أدى إلى تشتت بين رفض وقبول ثقافته الأم، من ما خلق قطيعة ابستمولوجية مع ثقافته.





