معضلة الملحد المثقف – رامي حلبي
يقرأ ذاك كتابين وهذا عشرة، ثم يطلون برؤسهم يسكبون أفكار ليس لها جدر وجودي في ثقافتهم، إذ لكل ثقافة قاعدة أصولية تراثية كانت أو عرف عام أو عرف خاص ومنهج تراكمي بنائي للأفكار ومنهَاج جامع يعبر عن إنعكاس تلك الأفكار في حياة المثقف ويعبر كذلك عن موضوع رسالته التي يريد بثها في مجتمعه، فالمثقف هو الشخص المؤثر، تلك حقيقة باعثة على القلق، لكنها هامة ومنصفة في الوقت ذاته، إذ لا يؤُثِر المثقف بأفكاره الخاصة ولا يستطيع طرح اطاريحه إلا في الموضوع الذي يشغل باله و بال مجموعة من المتلقين لأفكاره فيِؤُثر فيهم بأهمية الإلتجاء له والإقتباس عنه أو حتى نقده والبناء على ما يعاكس أفكاره، وغير ذلك علينا الأخذ في الإعتبار نوع آخر و هو المثقف الإرتكاسي، موضوعه مخرب عقله شاذ وفعله جرم وإرهاب فكري، وهذا جوهر المشكلة لدى المثقف الملحد.
من عند “أبقراط”، حيث لديه أكثر الأمراض حدة وفتكاً، تلك التي في الدماغ، إذ يصعب فهمها على غير ذوي الخبرة…
فيتوقف الزمن بالمثقف الملحد عند إشكالاته، يظن أنه يفهمها وعلى كل دراية بها، يظل قابع في مكانه راكد في مائه يتلقى التيارات التي توافقه قلق من الموج الذي قد يغمره، فما من ملحد إلا وهو مستعلي مستهزأ، يعتمد على أسلوبه الساخر ولن تجد أحد منهم موضوعي ومنصف، لكن في الحين نفسه يُحمل نفسه أعباء التبرير لموقفه، وللغريب بعبارة أشد بلاغة وثقة، للموقف الذي ليس له عن قناعة ثابتة، ولكن للموقف الذي وافق تياره مع إتجاه عقله فسير مركب إرتكاسه إلى مراسي هشة عدمية لا تستقر على ثوابت أو حقائق تنسب كأصل في مجتمعة، فتجد أول ما يشكك في الثابت وأخر ما ينكر هو الأصل ومابين الإبتداء والوصول شوط كبير من التبرير.
هذا حال ملحد اليوم فما حال المتمردين قديما، يرى الدارس لموقف الفاربي من الوجود وإيمانه بنظرية الفيض التي تقول( أن الوجود فاض عن الإله، أي أن الوجود كان معطلا وبإشارة من الإله فاض وتحرك) إشكالية إغريقية في الأصل، وهذا أحد سلبيات التأثر بفلسفة مجتمع لا تتوافق مع فلسفة مجتمع آخر، المعضلة هي معضلة الربط بين الإله والوجود في السؤال الواحد، ففي حدود هذا الجمع وطالما أن الوجود كان معطلا، فالسؤال هو… من حل على من ومن سبق من؟، يلجأ الفاربي إلى الحل الأفُلاطيني، قال أفلوطين تلميذ أفلاطون ” أن الإثنين قديمين” وترك عن نفسه عناء السؤال المنطقي…، إن كان الإله والوجود قديمين قدم الزمن، فهذا يجعل الزمن أقدم منهم مجتمعين ولطالما أن الزمن هو الأقدم فما كانت هيئة وشكل الوجود الذي كان سابق لهما؟، وهكذا حتى إذا ما وجدت تبرير وحل لمسألة طُرحت عليك أسألتها، تنشغل بها فتتحول إلى مشكك ثم مبرر ثم منكر للآخر وما يمثله لما تجد عارض السخافة في طرح أسئلة غير منتهية فتتمسك بالإستعلاء وكثيرا في الوقت الحاضر السخرية كمنطق في ذاتها لدرأ الإحراج وربما الإلتفاف عوضا عن التراجع.
إن لتواضع العلم والعلماء أهمية لن يدركها ويشعر بها إلا مستمسك بعلم حقيقي، كثيرون هم العلماء ولعل نموذج خارج الحقل و العقل الديني يكون نموذج الوسط والتوسط للقبول به، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري(العقل في حالة نضوج مستمرة، فلا مانع أن أغير من قناعاتي لاحقا)، وأبلغ مثال على ما أقوله هو ما صدر عن خير البرية عند استشكال الأمور(خير الأمور الوسط)، و الحل الأخير عن الوصول لحد الشقاء(إستفت قلبك)، والقلب هو العقل الذي يقلب الأفكار أي إستفت عقلك، إشارة إلى أن العقل يجب أن يستمر في تقليب الأفكار ولا يتوقف عند نتائج بعينها فيتحول إلى آلة تبرير مستمرة لها.
أقول أن معضلة الملحد الأساسية هي توقف عقله عند حد يروقه من التفكير، فيقضي ذهابا إيابا بين ما إبتدأ وإنتهى، بينما لو نظر في ثقافة مجتمعه العامة لحل لغزه المحير بالبساطة التي يفتح فيها جفنه على نور الصباح، ولدينا النموذجين الغربي والإسلامي، لن أقول أن كثيرون من أعلام الإلحاد قد تراجعوا في آخر حياتهم عن أفكار إلحادهم ولن أخوض الذكر فيما قيل منهم وقيل عنهم، لكن سأسهب فقط في مقارنة أفكارهم بأفكارهم.
يقال أن ديكارت أخذ فلسفته عن الغزالى وقيل في بعض المواضع أنه سرقها، لكن إذا ما نظرنا مليا في أفكار ديكارت هذا العقل الرياضي وما نسبت له فضيلة التجديد الفلسفي، نجد أنه لم يتوقف حتى وصل إلى حقيقة يستطيع عقله المنصف تقبلها، تقبلها كحقيقة ثابته ووجودية رغم أنف ذاته، وهو في هذا كان منصف لأنه فصل بين الإعتراف بوجود هذه الحقيقة وبين إعتقاده بها، أطلق ديكارت لعملية الشك عنانه لكنه توقف قليلا ليدرك أنه لابد من ما يشبه السور أي الإحاطة الحامية فلا تنطلق عملية الشك بالعقل أبعد من حدود العقل ذاته فيصيبه الجنون، وهو الذي قال( إن من سوف يقوم بهذا العمل لابد له أن يكون متخصص، وحتى لا يستغرق في عملية شك غير منتهية فينتهي إلى الجنون )، إعتبر ديكارت أن في عملية الشك تلك شر يريد أن يسحبه للجنون والشطت، والشر لا يصدر إلى عن شيطان وفي حالة الشك تلك هو شيطان ماكر لأنه يستعمل عقل يفكر ولا يستطيع أن يتوقف إلا في وجود خير يصده يصدر عن قدرة أعلى وأمتن منه ولا وجود لتلك القدرة إلا عن إله حامي.
ورغم ما نمى إلى علمنا من إطلاع ديكارت على كتب وفلسفة الغزالي، لكنا سنعتبر بجهد ديكارت الوازن لعملية التفكير كنموذج غربي يواجه في مقارنتنا نموذج إسلامي، نجد الغزالي كنموذج إسلامي إجتهد وتفقه وأثبت منهج الشك لديه نجاعة خاصة تدعم الإيمان الإسلامي والإعتقاد الذي يريد من معتقديه الإستمرار في تقليب الفكر من أجل إعمال عبادة هامة لها الثواب العظيم وهي التفكر، لكنه أدرك أيضا أن العقل عابرا لحدوده يتحسس موضع الجنون ولا عودة بعد ذلك، هدم الغزالي كل أبواب تفكيره وأبقى على باب الأخلاق، فالأخلاق هي رادع الإنسان مهما كان أو تحول، فالشيطان نفسه سيقول لرب العالمين يوم ما أمرتهم إلا عن هوى منهم، وسوف يتخلى بالأخير عن الإنسان، والأخلاق تحمل في طياتها الإعتقاد ورسوخه والإنشغال بأعماله والخيرية وفضلها والإثابه والسعاده بها، قضية الخالق بالنسبة للغزالي منتهية، وحتى لا يفرغ العقل المبرر منها أو يبتعد العقل الأشقى عنها، أقام للأخلاق موضع الثبات، وإستغرق عملية بناءه التفكري .
إلى جانب معضلة التوقف عند حد تفكيرى والتعمق في ثقافة تخالف الثقافة الأم لدي الملحد، تتكشف معضلة أهم، ألا وهي إنكار الأفكار الذاتية لدى الملحدين، سيد ديكارت الإنسان بعقله، وسيد هيجل العقل فوق الإنسان والله، لكن المدهش والمزري في نفس الوقت هي عدمية نيتشة(يقول، للأرض جلدها وهذا الجلد له الأمراض، وأخطر هذه الأمرض، شيء إسمه الإنسان )، لاحظ تعبيره، قد عبر عن الإنسان بالشيء، لا يخفى موقف نيتشة الكاثوليكي الغير متدين من النبي دنيال الذي تخلى عن أتباعه وحجم الكراهية التي جعلت منه ملحد تسترق عنه الكثير من أفكار الإلحاد، الإنسان لدى نيتشة شيء والله غير موجود وكذا إلحاده غير معلنا إلا ما أستنتج عن أفكاره، إن عداء نيتشة للإنسان أخذه إلى عداء من خلقه وإن عداء من خلق الإنسان ذهب به إلى عداءه لذاته، الإنسان لدى نيتشة محسوس لذا لم ينكر وجوده لأنه لا يستطيع لكنه يستطيع هدمة وإذدراءه والله لدى نيتشة غير محسوس لذا برر بذلك موت الإله لديه، ولكن المعضلة لديه كانت ولازالت هي نفسه، نيتشة نفسه هو معضلة ذاته، كيف سيبرر الإنسان الشيء لوجود إنسان يحكم عليه بشيئيته؟ كيف سيحكم نيتشه على نفسه؟، من يصدر السؤال ومن عليه الإجابة إذ أن الوجود في النهاية لديه قد تمخض عن نيتشه نفسه، كان عليه أن يتكبر ويستعلى ويهزأ ويسخر أكثر وأكثر من ذاته أو بالأحرى الإنسان الذي إذدراه ولعنه، لأن الإنسان بوجود محسوس والله بلا وجود حسب ما يرى فأدى ذلك للجنون الذي حسبه ديكارت ونبه عنه الغزالي، وربما من المستغرب أن نستنتج إستنتاج بارع الوقع، إذا ما حكم ديكارت على نيتشه بالبلاهة، ذلك أن الأخير وقع في محظور الأول ومارس الشك بغير تخصص، لأن فشله وجنونه معيار إرتكاسي لعلمه، ولا يعيبنا أن نذكر أن نيتشه في أيامه الأخيرة قد خاض في الجنون ما خاض تمسح عنه أخته ريالته، كطفل لا يستطيع رفع الحرج عن نفسه هذا إذا ما إعتبرناه إنسان كان وهو في زهو تعقله ينكر إنسانيته، وكحيوان مجازا قد عاش لذته كاملة بحياة شهوانية حيوانيه وانتهى لا حول له ولا قوة.
يستطيع الملحد أن يطأ خطواته الأولى لكنه لا يستطيع أن يبلغ بالشك يقينا، ذلك لأن شكه ليس ممارسة بوجاهة فلسفيه، وإنما هو إعتبار لوجوده، وحاسم لحياته، ينتهي إن لم يكن بالجنون، ينتهي إلى العدم.



