كل هذا التقدّم… إلى أين؟ ياسين احمد خلف يحيى اوغلو -لاس ڤيگاس

مهما تعلّمنا، نشعر أننا لم نتعلّم بعد.
ومهما بلغنا، نعتقد أن الطريق ما زال أطول.
كنا نقول يومًا: لم يكن بالإمكان أفضل مما كان،
ثم نصحو كل صباح على جديدٍ ينقض ما قلناه بالأمس.
اخترق الإنسان حدود الزمان والمكان،
ونفذ من أقطار السماوات والأرض،
وصغّر الكرة الأرضية حتى غدت قريةً واحدة،
نتواصل فيها بلا عناء، وبلا كلفة،
وحوّل الخيال إلى واقعٍ يمشي بنا ونمشي به ‘
هذا جميل…
بل مدهش.
لكن، في مقابل هذا التقدّم،
صنع الإنسان ما يعجز العقل عن تصديقه.
صنع أمراضًا بلا حدود،
وأسلحةً تقتل الآلاف في ثانية،
وشرّع ما كان يُعدّ يومًا محرّمًا،
وحارب القيم الإنسانية باسم المصلحة،
حتى صار القتل خبرًا عابرًا،
وصار الظلم لغةً مفهومة ومألوفة .
نعيش اليوم على حافة قلقٍ دائم،
خوفٍ لا يُقال بصوتٍ عالٍ،
خوفٍ من حربٍ قد لا نراها قادمة،
لكننا نشعر بظلّها في الأخبار،
وفي ارتفاع الأسعار،
وفي عيون الأمهات والصغار ،
وفي نومٍ لا يكتمل.
نخاف من حربٍ لا تُشبه الحروب القديمة،
حربٍ سريعة، باردة،
تُدار بالأزرار والشاشات،
وتنتهي قبل أن نفهم كيف بدأت،
لكن ضحاياها دائمًا
هم البسطاء من البشر ،
قسّمنا البشر تقسيمًا فجًّا:
فقراء لا يملكون ما يكفي ليعيشوا بكرامة،
وأغنياء يملكون أكثر مما يجدون له مكانًا.
ليس لأن العالم فقير،
بل لأن العدالة غائبة.
لم نعد نسأل: ما الذي نحتاجه؟
بل: ما الذي نستطيع امتلاكه؟
والفرق بين السؤالين
هو الفرق بين الإنسان
وغير الإنسان .
فإلى أين نريد أن نصل؟
وما هو الهدف من هذا السباق المحموم؟
وهل ندرك فعلًا ما نحن فيه… وما سنكون؟
أهذه هي العدالة التي حلمنا بها؟
أم أننا استبدلنا القيم بالتقنيات،
والضمير بالاهمال ,
والانسان بالرقم ؟
ربما لم تكن المشكلة في التقدّم ذاته،
بل في الطريق الذي نسير فيه دون أن ننظر إلى الخلف،
من حربٍ نصنعها بأيدينا؟
لكننا في الطريق فقدنا شيئًا أخطر من الجهل
فقدنا البوصلة الاخلاقية
ودون أن نسأل:
هل ما زلنا بشرًا…؟
وأصبحنا نعيش
في خوفٍ دائم .
اكاديمي عراقي شاعر واديب
2026/1/1



