الخاطرة

الهامش الإعلامي والحقيقة الخفية- عبدالرحمن يوسف

شاب يرتدي قبعة ويجلس أمام خلفية ملونة، مع تعبير جاد.

في زمن تتسابق فيه القنوات والمنصات لالتقاط الخبر ونقله، يبدو المشهد الإعلامي متخمًا بالصوت والضوء، لكنه في ذات الوقت فقير بالجوهر. هناك دائمًا هامش واسع يطفو على السطح، يسيطر على العناوين العاجلة، ويُلهي المتلقي عن العمق الحقيقي للأحداث. هذا الهامش لا يتشكل اعتباطًا، بل يُصنع بدقة عبر إعادة ترتيب الأولويات، وإبراز ما يُراد له أن يتصدر المشهد، بينما تُدفع الحقائق الثقيلة إلى الخلف حيث لا يراها الجمهور إلا بعد فوات الأوان.

الحقيقة الخفية ليست بالضرورة سرًّا محجوبًا، بقدر ما هي وعي غائب. الإعلام، حين يتخلى عن وظيفته الأساسية في إظهار الوقائع كما هي، يتحول إلى أداة لتزييف الوعي. يُغرق المشاهد بسيلٍ من التفاصيل الجانبية، بينما يغيب السؤال الأكبر: من المستفيد من هذه الضوضاء؟

المتلقي اليوم أمام امتحان عسير: إما أن يظل أسيرًا للهامش الإعلامي، حيث الجدل العقيم والتفاصيل المكرورة، وإما أن يفتش بنفسه عن الخيوط التي تقوده إلى عمق الصورة. وهنا تبرز أهمية الوعي النقدي، إذ لا يكفي أن نستقبل المعلومة، بل علينا أن نفككها، نسائلها، ونربطها بسياقاتها الأوسع.

إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس غياب الإعلام، بل حضوره المنقوص. فالتضليل لا يكمن في الكذب المباشر فقط، بل في إخفاء أجزاء من الحقيقة، وتقديم نصفها على أنها الكل. الهامش قد يلمع في عيوننا، لكن الحقيقة الخفية هي ما يشكل واقعنا ويصنع مستقبلنا. ولذا، فإن معركة الوعي اليوم تبدأ من القدرة على تجاوز ذلك الهامش، للوصول إلى جوهر الأحداث حيث تكمن الإجابة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading