ماجدات العراق.. من أناشيد الطين إلى صرخات الحرية ✍️ ياسين احمد خلف يحيى اوغلو- لاس ڤيگاس

اكاديمي عراقي شاعر واديب
في حضرة وادي الرافدين، حيث النهران يكتبان اولى فصول التاريخ كتب الإنسان أول سطر على الطين، المجد ليس حكرًا على الملوك والرجال وحدهم، بل للنساء نصيب وافر من العرش والكلمة والقوة . “إنخيدوانا”، ابنة سرجون الأكدي ، لم تكتفِ بأن تكون كاهنة كبيرةً، بل حملت القلم وكتبت الشعر، فكانت أول شاعرة في التاريخ البشري، فتحت ابواب الكلمة أمام نساء العالم. و”بوابي” ملكة أور، جلست على الكرسي الملكي في قبرها تتلألأ بالذهب والفيروز، شاهدة على أن المرأة جلست على العرش منذ فجر الحضارة. أما” كوبابا”، المرأة التي تحولت من صاحبة حانة إلى ملكة على عرش كيش، فقد علمتنا أن المجد لا يعرف الأنساب، بل يعرف القوة والقدرة على حمل الأمانة. ثم جاءت “سميراميس”، الملكة الآشورية، لتتجاوز حدود التاريخ وتدخل الأسطورة، رمزًا للجمال والقوة والقيادة التي خلدها التاريخ .
لكن الماجدات لا يقفن عند السياسة والحقوق فقط، فهناك زها حديد، التي جلست على عرش العمارة العالمية، وبنت جسورًا وناطحات سحاب تنحني لها العواصم. وهناك كانت نزيهة الدليمي اول وزيرة ترمز الى ان المرأة في بلاد وادي الرافدين لها احترامها وتقديرها وقدرتها ، وفي لوحات سعاد العطار وليلى العطار وفي كتابات نرمين المفتي، الإعلامية الجريئة التي أعطت للمرأة العراقية وجهًا حاضرًا في الإعلام. وفي الشعر، من لميعة عباس عمارة وعاتكة الخزرجي ونازك الملائكة ونسرين اربيل يتردد صدى إنخيدوانا في قصائد حديثة، تقول إن الكلمة ما زالت بيت المرأة الأول والأبقى.
ويستمر إرث الجمال الرافديني، حيث تخرج المرأة من الظلال لتصبح صورة الوطن،صورة العراق العظيم .
وما زال العراق يلد ماجداته. يَنار محمد، ابنة تلعفر فتحت ملاجئ النساء المعنّفات في بغداد، وصارت صوتًا لا يساوم على حياة المرأة وكرامتها
نادية مراد، ابنة سنجار، حملت جرح الإيزيديات إلى العالم، وحوّلت ألمها إلى رسالة إنسانية نالت بها جائزة نوبل للسلام.
. سروة عبد الواحد، وقفت في البرلمان والإعلام بجرأة، لترفع صوت النساء في ساحة السياسة. وطيف سامي، وزيرة المالية التي لُقبت بالمرأة الحديدية، أعادت الاعتبار إلى النزاهة وسط عالم مثقل بالفساد.
وإذا كانت إنخيدوانا قد جعلت الشعر صلاة، وبوابي قد جعلت الذهب شاهدًا على العرش، وكوبابا قد جعلت من الحانة مملكة، فإن زها حديد ونادية ويَنار ونرمين ورفيقاتهن يجعلن من العراق اليوم أرضًا لا تنطفئ فيها جذوة المرأة. هكذا تكتمل السلسلة : من الماجدات في وادي الرافدين إلى الماجدات في عراق اليوم، حيث تبقى المرأة نهرًا يفيض بالحياة، وذاكرة لا يطويها النسيان اما واختا وزوجة وشرفا ،
وستبقى الماجدة تنجب وتربي الاجيال وتبقى راية يتباهى الرجل ويتفاخر بانه يحمل راية من انجبته ويتظلل بظلالها .
الماجدات في الماضي والحاضر لسن نهرين منفصلين، بل نهرًا واحدًا
مع الرجل ،يبدأ من اور سومر وأكد وآشور، ويجري اليوم في بغداد والموصل وأربيل وكركوك والبصرة. إنه نهر من المجد النسوي، نهر يربط الطين بالقصيدة، والعرش بالمنبر، والمحراب بناطحة السحاب.
الخلاصة
الماجدات في حضارة وادي الرافدين لم يكنّ وجوهًا عابرة في التاريخ، بل كنّ شمسًا أشرقت على بدايات الإنسانية. حملن القلم والسيف والبخور، وزيّنّ الطقوس بالقصائد والذهب، وأثبتن أن المرأة لم تكن ظلًا للرجل، بل كانت معه في المقدمة في الحرب والسلام منذ الازل .
ماجدات العراق اليوم لسن امتدادًا صامتًا للماضي، بل أصواتًا فاعلة في حاضر يموج بالتحديات،.و ما زالت نهرًا يتجدد، يحمل روح وادي الرافدين إلى المستقبل ،ويعيد للعالم صورة العراق كأرضٍ تنجب المجد من جديد.



