مرآة خلف الضوء /أ. حسناوي سيلمي

في عمق الملامح التي نرتديها كل صباح، وثمة زحام من الوجوه العابرة، نتقن جميعاً لعبة “الأقنعة”. نرسم على الشفاه ابتسامةً متقنة الصنع، نسيجها من مجاملات الضوء، ونظنّ بزهوٍ ساذج أننا حجبنا خلفها غاباتٍ من الوجوه الشاحبة والندوب القديمة. غير أن الوجود لا يخلو من “مبصرين”؛ أولئك الذين لا ينظرون إلى الابتسامة كجدار، بل كنافذة زجاجية تطل على ليل الروح.كان “الرحماني” أستاذاً جامح الفكر، يدرّس التاريخ في مدرسة المدينة. كان رجلاً يملك ابتسامة آسرة يوزعها بسخاء على طلابه وعابريه، ابتسامة يخفي وراءها غرقاً هادئاً، وحزناً غائراً لم يجد له اسماً، يشبه الشجن الذي يتركه الخريف في شجرة عارية.
كان يظن أن سره في أمان، وأن نصوصه العميقة وشروحاته المبهجة عن أمجاد العصور الغابرة قادرة على حجب ليله الخاص عن نهار الآخرين.وفي نهاية حصة خريفية حاشدة، وبينما كان الطلاب يجمعون أوراقهم والضجيج يملأ القسم، بقيت في المقعد الأخير طالبة تُدعى “النايلية”. كانت النايلية من أولئك الذين يصمتون طويلاً، لكن عينيك إذا التقت بعينيها، شعرت بأنها تقرأ ما وراء الكلمات. اقتربت من مصطبته بخطوات هادئة، وضعت ورقة صغيرة مطوية بين دفتي كتابه المفتوح، ثم غادرت القسم دون أن تنطق بكلمة واحدة.فتح الرحماني الورقة بعد أن خلا المكان، ليجد فيها عبارة واحدة خُطّت بحبر نحيل: “يا أستاذي.. إن الضوء الذي تشعله على ثغرك وأنت تشرح لنا منعرجات التاريخ، لا يستر العتمة التي في عينيك. ثقيلة هي الابتسامة عندما تصبح جداراً لحماية الخراب”.شعر الرحماني حينها بقشعريرة تجتاح فلسفة وجوده بأسرها. كيف عبرت هذه الطالبة حصونه؟ كيف استطاعت – وهي التي تتلقى منه المعرفة – أن تسبر غور جرحه الكامن وراء التماع شفتيه؟ تنبّه في تلك اللحظة إلى حقيقة وجودية كبرى: الحزن الحقيقي ليس بكاءً نذرفه أمام الملأ، بل هو حالة من “الوجود المعلق”، ذبذبة خفية لا تلتقطها الحواس العادية، وإنما تلتقطها الأرواح التي عُجنت من الطين نفسه، وذاقت مرارة الانكسار ذاتها.
إن أولئك الذين يقرؤون حزنك وأنت تبتسم، لا يعتمدون على البصر، بل على “البصيرة”. لقد كانت النايلية مرآة لروحه التي ترفض أن تنطلي عليها خدعة المظهر؛ أدركت أن ابتسامة أستاذها المصطنعة ليست إلا محاولة يائسة من الكائن البشري ليعلن أنه “ما زال على قيد الحياة”، بينما هو في الحقيقة يتلمس يداً تنتشله من غيابات صمته.نظر الرحماني نحو الباب المفتوح، لكن النايلية كانت قد اختفت في زحام الرواق، تاركة خلفها فراغاً مفعماً بالمعنى. لم يشعر الرحماني بالانتهاك لأن سره قد كُشف، بل غمرته طمأنينة دافئة، طمأنينة المغترب الذي وجد أخيراً من يفهم لغته السرية. لقد أدرك أن أعمق درجات الفهم لا تأتي من أحداث التاريخ التي يدرّسها، بل تولد في تلك المسافة الفاصلة والشفافة بين ابتسامة المعلم، ودمعته المخبوءة التي التقطتها عين تلميذته.



