الهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايل

(١) بارت والنظرية
تصف البلاغة القديمة — التي أحياها بارت والتي لعبت دورًا رئيسيًّا في النظرية الأدبية الحديثة — استراتيجيات تهدف إلى استمالة القارئ، وهي استراتيجيات تفرِض نفسَها فرضًا قويًّا على مَن يعتزم الكتابة عن بارت. في البداية، من الضروري إيضاح السبب في تخصيص فصلٍ عن شخصية واحدة من بين فصولٍ تتناول حركاتٍ بأكملِها، ثم لا بدَّ من الإشارة إلى الصعوبات الناتجة عن حقيقة أنَّنا نتناول ها هنا شخصية بارزة تتَّسِم بدرجةٍ عالية من الإشكالية. فأحيانًا ما أنتجت رغبةُ بارت في الحفاظ على تحرُّره مِن التعاليم النظرية تحرُّرًا نصيًّا يقتضي مِن الناقد الاضطلاع بعبء التفسير أو التأويل، وبصفةٍ خاصة في وسط مِهني صار فيه المشهد النظري شديد الاضطراب لأسبابٍ سياسية وأيديولوجية. يُضاف إلى ذلك أنَّ بارت قد جعل مِن اسمه ناقدًا ومُنظِّرًا لا للأدب وحدَه وإنما للمجتمع أيضًا، وهما حقلان مُتمايزان إلى حدٍّ ما، على الرغم من أنه صنَّفهما تحت لائحة السميولوجيا العامة: أي عِلم العلامات العام الذي استنَّه اللغوي السويسري دي سوسير عند منعطف القرن. فهل يمكن وصف أعمال بارت — في تاريخ النقد — بأنها أعمال ذات طبيعة «سوسيولوجية نوعية»؟ ثمة مسافة تحول دون هذا الوصف، غير أن الاحتكام إلى تلك الأعمال يؤدي إلى تداخُل المفاهيم والتيمات. وعلاوة على ذلك، مع أن المرء يتوقَّع أن تحظى شخصيةٌ يُفرَدُ لها فصلٌ بمَغزًى اجتماعي واسع، فهل سيكون هذا الفصل عن بارت أم عن النزعة البارتية Barthesianism بالأحرى؟ لقد نشأ مصطلح النزعة البارتية لأن بارت تمفصلت في كتاباته — بوضوح — التعاليم النظرية التي أثَّرت في جيلَين مِن المنظِّرين الأدبيين، وقد أشاعها ببراعةٍ سجالية هائلة، حتى حين تطلَّع — في الفترة الأخيرة من حياته المهنية — إلى استبدال الرغبة desire بالسيطرة domination، لكي يضع نهايةً ﻟ «حرب اللغات». وستحمِل محاولتنا — برغم الحدود التي يفرضها علينا هذا العرْض الموجَز — نكهةَ مؤلِّفٍ يطَّرد نموُّه وَفْقَ توتُّر أفكاره وأسلوبه، بما يحول دون التلخيص.
يتكئ هذا المدخل على الإيمان بأن المغامرة الروحية المُتفردة تنطوي على قيمةٍ نموذجية، فعبارة سارتر المأثورة «يجعلنا التاريخُ عالَمِيِّين بقدْر ما نجعله خاصًّا» أعاد بارت اكتشافها حين تَحوَّلَ في النهاية تحوُّلًا أوضح إلى الموضوعات الشخصية (Inaugural, Rustle, p. 290)، وهو الأمر الذي يتطلَّب مدخلًا طباقيًّا — إلى حدٍّ ما — بدلًا من المدخل الخطي الزمني الخالص، وذلك بُغْية إبراز الثوابت التخييلية والشكلية. وعليه، فسأصف أحيانًا الملامح الرئيسة لبعض الأعمال في خارج سياقها. لكن الوعي بتسلسُلها الزمني أمر لا بدَّ منه حين يضع المرء في الحسبان قضية الأصالة والمعاصرة، كما يُمكن لهذا الوعي دون غيرِه أن يكشف عن الكيفية التي تشكَّلت بها العناصر الرئيسة في فِكر بارت، وكذلك الكيفية التي ينطوي بها كلُّ عنصرٍ منها على انشغالاته الشخصية الأعمق. وتماشيًا مع مبدأ مِن المبادئ الرئيسة في الفكر المعاصر، ألا وهو مبدأ يُلْجِئنا — مُهْتدِين ببارت — إلى مساءلة فكرة اللغة الشارحة حين تُطبَّق على الأدب والعلوم «الإنسانية» أو الاجتماعية ما دامت تنتقِل هي الأخرى من خلال اللغة — أقول تماشيًا مع هذا المبدأ يُمكن العمل بطرُق عديدة. لقد استعمل بارت والبارتيون اللغات الشارحة استعمالًا لا مفرَّ منه لكونها ضرورة منطقية، لكن ما دام استكشاف جذورها السيكولوجية والاجتماعية وكذلك بِنيتها الدلالية والشكلية يُمكِّنها من الاشتغال بطريقةٍ مضمونة فإن التنكُّر لوجودها يسمح لها بالعودة وكأنها عودة المكبوت.
لذا، ينطوي الاختيار بين بارت والنزعة البارتية على مأزقٍ زائف، فالنظرية مُكوِّن جوهري من المكونات التي تُميِّزه بوصفه كاتبًا مستقلًّا. وثَمَّ ملمح حاسم في العلاقة القلِقة بينَه وبين صورته عن نفسه، وهو ملمح يجعل من كلِّ نصوصِه — بلا استثناء — رسائل مزدوِجة يضطلع فيها المعنى الوجودي بتحديد المَعنى الفكري تحديدًا مُفرطًا. ولعلَّ خفوت الوعي بتلك الازدواجية قد أوحى له بحَدْسه الأساس، ألا وهو أنَّ كلَّ علامة تصير علامةً على نفسها، وأن العلامة ليس لها أن تدلَّ مِن دون التأشير على أنها تشتغل بهذه الطريقة. وتمثَّلت مُثيرات هذا الحَدْس الأصلية في تخوُّف بارت مِن مختلف «أشكال التسلُّط البوليسي» الاجتماعية، على نحو ما يظهر من تحليله خطاب الجناح اليساري في كتابه الأول درجة صفر الكتابة Writing Degree Zero، كما تمثَّلت أيضًا في امتعاضه مِن الإسراف الدلالي الذي يسعى إلى جعل الظواهر السوسيوتاريخية تبدو طبيعيةً ومِن ثمَّ يستحيل تغييرها، وهي الظواهر التي حدَّدها في مظاهر عملية التواصُل البرجوازي المُتنوِّعة ووَصَفَها في كتابه الشائق أساطير Mythologies.
لم يضع بارت قلمًا على ورقةٍ من دون أن يُخطط لإعادة رسم خريطة عامة للحدود الفكرية، كما لم يتوانَ عن تقديم اقتراحات ﻟ «علوم» جديدة تتقاطع مع فروعٍ معرفية مُستقرة، ثم يُعَمِّدها فورًا بإطلاق مُسمَّيات جديدة عليها لها وَقْعٌ يوناني من قبيل: ergography [= الكتابة بوصفها جهْدًا جسديًّا وفكريًّا مُتداخلًا]، semiotropy [= تحوُّلات الدلالة] … إلخ. وأحد هذه العلوم التي يقترحها بارت عِلم الباثمولوجي bathmology [مستويات الخطاب والمعاني المُختلفة في داخل النصوص]، وهو عِلم يسبر مدى الْتزام مُتكلِّمي اللغة بها. وقد يُساعدنا هذا العلم على تفسير دور النظرية في خطاب بارت نفسه. لقد أوحى له بعلم الباثمولوجي — في الأصل — فنُّ التذوُّق على طريقة بريَّا سافارين Brillat-Savarin الذي يعمد إلى الإمتاع بتقديم نفحاتٍ مُتتالية من النكهات (Rustle, p. 250)، ومِن ثمَّ، فالفكرة التي تنطوي عليها «إحدى أهم المقولات الشكلية في الحداثة» هي عرض الظواهر عرضًا تداخليًّا مزجيًّا، لا سيما تأثيرات الخطابات المتداخلة، الخطاب المباشر أولًا ثم غير المباشر. ويتمثَّل لنا ها هنا نموذج لكيفية تحوُّل (Barthes, pp. 66–8) ما كان في البداية مؤشِّرًا على «نوعية الذوق» إلى سلاحٍ تكتيكي للقضاء على «ضمير اللغة السليم»، ومِن ثمَّ ينشأ التأمُّل المهموم بإمكان الأدب. وكما يُدرك بارت بوضوح: «في كل وقتٍ أُومِنُ فيه بالحقيقة أحتاج إلى معنًى مُتفق عليه»، أو درجة أولى من اللغة. أما الخلاص الوحيد مِن تلك النزعة الاختزالية فيكمُن في الشعر: «لا بد أن تكون الاستعارة الحقَّة مُخترَعة، تأسرك إلى الأبد ما إن تلقاها» (Barthes, p. 67). والعاشق الذي يؤمن بارت بخطابه يتَّسم جوهريًّا بعدم القدرة على الكلام «في الدرجة الثانية» من اللغة (Lover, p. 127).
وبسبب حِدَّة إدراك طبقات التاريخ الثقافي وما يقتضيه هذا الإدراك مِن وعيٍ بالذات، وكذلك بسبب الخضوع لما يَنتج عن ذلك مِن نموذج معرفي مُوَلِّد paradigm وهو خضوع يَلْقى بعضَ اللوم، فإن عصرنا — والحال هكذا — فقدَ تقريبًا الانشغال بالبحث القديم عن علامات الحقيقة. ومع أن بارت لعب دورًا رئيسًا في تأسيس تلك الصيغة المَعرفية، أَضِفْ إلى هذا إدراكه المُرهف لتعدُّدية اللغات وفقدان الثقة بها، فثَمَّ بعض المزيَّة في صوغ قراءتنا لعملِه بمُقتضى الحقيقة كما يتَّضح مِن المقاطع السابق ذكرها، وبمُقتضى مقاطع أخرى يطرح فيها تشكُّكًا حول قابلية توصيل الحقيقة أو حتى وجودها. وقراءة كهذه، لن تنسخ ما صار حاليًّا القراءة المُهيمنة، بل تجعل منها قراءةً نسبية، والأكثر من هذا أنها ستتعرَّف إلى المظاهر التي أُغفِلت أو ربما لم تكن مرئية ومحل تفكير، وفي المقام الأول الكثافة العاطفية وتأثيرها، لا في خطاب أعماله بأكملِها فحسب، وإنما في تمفصُلات هذا الخطاب وحبكته أيضًا إنْ جاز التعبير.١
لذا، ينبغي ألا نتخلَّى عن أفكارٍ مِن قبيل الصدق والموثوقية والكلام الجاد أو المُلْزِم — ولو بسبب قيمتها الإرشادية فقط، بعد تجريدها من طابعها المعياري واستعمالها الساذج في التحليل النفسي والبلاغي على السواء — لمجرد أنها تعرَّضت لانتقاداتٍ حادة من بعض جوانبها، بفضل مبادرة بارت. إذ تُوضح لنا تلك الأفكار كيفية تجاوب الصيغة النظرية مع مُختلف أشكال الواقع. ففي الفترة المُبكرة من حياة بارت، يَظهر لدَيه إدراك موضوعي لضرورةٍ تفرض عليه تحديث العديد من الآراء النقدية والسوسيولوجية، مما يُعَد تعبيرًا عن حيويته الإبداعية على مستوى المفاهيم. ومع ما يبدو على تلك الإبداعية من تواضُع فإنها تُشعرنا بالبهجة المُتولِّدة عن الإحساس بالسيطرة — إلى حدٍّ — على الجهاز الاجتماعي الذي كان في ذلك الحين رجعيًّا بشكلٍ عدواني، لا سيما في الحقل التعليمي والثقافي. وقد أدَّت هذه الإبداعية دورًا شخصيًّا أكثر منه اجتماعيًّا في أُخريات حياة بارت، فهي جزءٌ من البورتريه الشخصي، كما عبَّرت عن الاستمرارية وأسهمت في حَبْك النسيج الأدبي، إنها إبداعية لعوب وتكتيكية بل اعترافية مثلما يتَّضح من الفقرة الآتية التي نقتبسها من سيرته الذاتية بارت بقلم بارت Barthes by Barthes والتي لا يمكن تفسيرها إلا بكونها «تتطلَّب التحليل»، كما يتضح منها أيضًا أن ما يعتري الخطابَ من تأكيد يتمتع بحدٍّ مزدوِج:
لقد شعر أنه كان يُنتج خطابًا مزدوِجًا … إذ لم يكن الهدفُ من خطابه الحقيقةَ، ومع ذلك فخطابه يميل إلى التأكيد. وقد بدأ هذا النوع من الارتباك بالنسبة إليه في فترةٍ جدِّ مُبكرة، وهو يُجاهد من أجل السيطرة عليه — وإلا كان سيتوجَّب عليه إيقاف الكتابة — بتذكير نفسه أنها اللغة هي التي تميل إلى التأكيد لا هو. (p. 48)
ولكن بارت يتحدَّث عن هذا الاضطراب — بل الخوف — بصيغة الغائب، أي بطريقة «روائية»، وهو الأمر الذي يُعد إلماحًا إلى المطلب الأعمق المُلْقَى على عاتق القارئ: مطلب الاعتراف به كاتبًا.
(٢) بارت واحد أم اثنان؟
قبل أن نأتي إلى هذا المَلمح البارز في بورتريه بارت، لا بدَّ مِن التصدي لمشكلةٍ أخرى (وليست أخيرة). فلأسباب فكرية وشخصية مُعقدة يمكن استيعابها جزئيًّا — حتى بعد ظهور سيرة مُستقلة٢ — تطوَّرت حياة بارت المتأثرة كلها بصورته عن نفسه، أو تنامت دراميًّا في أواخر ستينيات القرن العشرين حتى تلك المدَّة الطويلة مِن نشاطه التي نذَرها للعمل على هذه السيرة وتشذيبها. ومِن ثمَّ، نَشَرَ ما يمكن أن ندعوه طبعةً مُرخَّصة لحياته، بما جعل تلك السيرة تضطلع الآن بدورٍ يُشبه ما قد اعتاد غاستون باشلار Gaston Bachelard أن يُطلِق عليه العائق الإبستيمولوجي epistemological obstacle. وصدر مُلخص لهذه الطبعة في دورية تيل كيل Tel Quel في العدد الأول الخاص المُكرَّس بأكمله لبارت (١٩٧١م)، وبذلك جرى إضفاءُ طابع موضوعي حتمي على صورته. وقد تأثر بارت أيَّما تأثُّر بهذا المَقال (M. Buffat, “Le simulacra”)، ففيه اسْتُخدِمَ اللاهوتُ السلبي استخدامًا غير عاديٍّ لتبرير نشاطاته السابقة عند التقليل منها بالنظر إلى التطوُّرات الفكرية الحديثة التي قيل إنها تسبَّبت في تحوُّل طريقة تفكيره. وينطوي هذا التكتيك على التقليل مِن شأن اللحظة الأولى والثانية في حياته المِهنية التي أَسْلَبَها بارتُ في سلسلةٍ مِن أطوارٍ أربعة، هي أطوار استغراقه بدءًا في النزعة الوجودية والنزعة الماركسية (حتى أواسط ستينيَّات القرن العشرين)، ثم في النزعة البنيوية والسميولوجيا، أي محاولة تحليل كل الظواهر الاجتماعية والفنية باستعمال النموذج اللغوي (وتتداخل هذه المرحلة الثانية مع السابقة عليها وتستمرُّ حتى أواخر الستينيات). وأما اللحظة الثالثة المُرتبطة بكتابه S/Z (1970) وكتابه ساد، فورييه، لويولا Sade, Fourier, Loyola (١٩٧١م، بل تتضمن مقالات سابقة عليه)، فهي ذات أهميةٍ خاصة. ولا يرى بعض النقَّاد الطَّور الرابع — الذي يشمل السنوات الخمس الأخيرة من حياته — مرحلة مُتميزة، مع أنه يتَّسم بإبداعية حقيقية.
وسنرى أنه لم يكن ثمَّة تحوُّل على المستوى النظري في أواخر ستينيَّات القرن العشرين، ما دامت التعاليم اللغوية والأدبية التي بدأ بارت في إشاعتها — بحماسة المُهتدي مؤخرًا إلى مذهبٍ جديد — يمكن تعقُّب أثرها في مَن بَشَّرهم بارت بعالَمٍ مرتاع وشِبْه مُتشكِّك على مدى عقد سابق. غير أن البُعد المزاجي في نشاطه الفكري وشخصيته الإبداعية الفريدة دَعَّما باستمرارٍ شكوكَه الذاتية التي لم يَنَلْ منها هجومُ المؤسسة الأكاديمية اللاذع عليه عام ١٩٦٥م برغم صحَّة حُجَّته («نقد جديد أم دجل جديد» لبيكار R. Picard, Nouvelle critique ou nouvelle imposture)، وهي المؤسسة التي أدان بارت أيديولوجيتها الوضعية أكثر مِن مرة، أشهرها في كتابه عن راسين On Racine. وحين اشتدَّ عليه هذا الهجوم لم يَتلقَّ بارت — المُتسامح مع درجة التفاؤل الحالم لدى «الأساتذة المُفكرين» المُعاصرين الذين أُعجِبَ بهم — المؤازرةَ المَرجوَّة التي يستحقُّها عُمق نقدِه ورهافته.
والأكثر من هذا، ظهر في أواخر ستينيَّات القرن العشرين نوع آخر مِن الاحترافيِّين من أمثال دَريدا Derrida وكريستيفا Kristeva — وهما أَدْرَى، على ما يبدو، بشئون الفلسفة والتحليل النفسي — مما استفزَّ شعور بارت بافتقاره إلى شهاداتٍ رسمية، كما استفزَّ شعوره بعمله المُتواضع في مؤسسات تعليمية هامشية — وإن كانت ذات اعتبار٣ — يُضاف إلى ذلك أنه كان على استعدادٍ دائم للاعتراف بضعفه في «مبادئ الرياضيات». بل إنه لم يتعرَّف إلى تعاليمها في مظهرها الجديد مثلما لم يتعرَّفها سارتر، الذي كان قد اسْتُفِزَّ أيضًا فيما سبق بأسلوبٍ مُماثل، مع أنه كان يرى بعض أفكار بارت جديدةً تمامًا لا مجرد محطة في علاقة جدلية مع مبادئه.٤ ولم تكن الظروف مواتية بعدُ لكي يُسلِّمَ بارت بوضعية الهاوي غير المُحترف، وهي الوضعية التي تراءت لعينَيه فيما بعدُ قيمةً شرعية ومعرفية على السواء، ومن ثمَّ كَفَلت له درجةً من الطمأنينة النظرية والشعورية. هكذا رأى نفسَه «في مؤخرة الطليعيِّين» (Reponses, p. 102)، مُتبنِّيًا نحوَ الأتباع السابقين وضعيةَ العوامِّ (وكان ما يَسَّرَ له ذلك ما فعله سارتر، بطريقةٍ ماوية سديدة، حين أظهر التواضُع في حديثه مع قادة الطلبة في ١٩٦٨م بحُجَّة التعلُّم منهم)، كما سارع بارت في أعقاب حركة ١٩٦٨م بإضافة ما أطلق عليه «المُكَمِّل»٥ إلى مقالة كان قد كتبَها عن رواية سولرس دراما Drame1965 (Sollers, p. 62). ويوضح هذا المصطلح الدَّريدي — كما استعملَه بارت — السبب في أنه علينا منذ الآن أن نضع في الحسبان طبقةً أخرى ينطوي عليها كل ما يكتُبه بارت، ألا وهي الحِيل التكتيكية التي يسعى من خلالها إلى فرْض وجهة نظره الجديدة. وقد زعم بارت أن تلك الإضافة ليست تصحيحًا ولا انتقادًا، بل تؤدي دورًا يطرحه بوفا Buffat على النحو الآتي: «لم ينشأ عِلم النص (وهي المقاربة المُستساغة حاليًّا) في أعقاب «علم الأدب» (أو الشِّعرية وموضوع الدراسات البنيوية)، لقد نشأ مضادًّا له، إنه ما يُتمِّمه ويجعله عتيقًا في آنٍ» (Le simulacre, p. 112).
إن الإيماءة ما بعد البنيوية (كما نعرفها، مع أن بارت لم يستعمل هذا المصطلح) تسعى — مثلها مثل القنبلة النيوترينية — إلى قتل الأشخاص وتترك المُنشآت سليمة، إنها إيماءة جاهزة للاستعمال الفوري، كما تُعَد في الوقت نفسه مثلًا سيِّئًا على «السميولوجيا الكلاسيكية». استمر بارت في نشر أعماله المُبكرة وإن يكن ﺑ «مُكمِّلات» كما فعل في مقالته عن رواية سولرس، وهي الأعمال التي يراها الآن خاطئةً أيديولوجيًّا، والمِثال الجدير بالذكر على هذا — أكثر من غيره — كتابه نسق الموضة Fashion System. أما الضحايا المُتطلِّعون إلى تلك الإيماءة المُميتة بلا شك — أو الإيماءة المُسبِّبة للخصاء — فقد اعترف بارت بتألُّقهم على مدى عشر سنوات (Inaugural, pp. 457 and 471) ولا يزالون.
ويسود في البلدان الناطقة بالإنجليزية اعتقادٌ بحدوث تغيُّر ملحوظ في أواسط حياة بارت، حيث توصَّل جيل من القراء الشبَّان إليه بعد ترجمة أعماله المتأخِّرة. ولم يكن يُثير الدهشة أن يُعاد تعريفُ أعماله بأنها كلٌّ مُتجانس بدءًا من كتابه S/Z، كما لو أن هذا الكتاب — شديد الأهمية برغم كلِّ شيء — لم يعتمد منجزات طور أسبق يُظَنُّ أنه تجاوزها. وقد أصبح هذا الرأي الآن موضوعًا للتوظيف المِهني على نحوٍ واسع. ففي فرنسا وبلدان أوروبية أخرى، لم يكن المدخل الشكلي الذي يُتيحه النقد الجديد سائدًا، وجرى استيعاب المكاسب النظرية المتنوِّعة التي حقَّقها «النقد الجديد» nouvelle critique والتي غطَّت عقدَين من الزمان — بلا إشكالات تُذكَر — في مجرى النقد بصرف النظر عن الإطار الأيديولوجي الذي كانت تشتغل ضِمنه. في واقع الأمر، شمل مصطلحُ «النقد الجديد» ممارستَين مُختلفتَين تأثَّرتا بمبادئ النزعتَين الإنسانية والمُضادة للإنسانية، وقد ارتبط اسم بارت ارتباطًا دالًّا بكِلتا النزعتَين فأعطى مثلًا عليهما في دراسته الموضوعاتية لميشليه Michelet ومقالاته التي تمتدح «الروايات الجديدة» لروب جرييه Robbe Grillet على التوالي، في حين أن مقاله عن «الإنسان الراسيني» Racinian Man (المنشور في كتابه عن راسين) يجمع بعض ما تتميز به المقاربتان كلتاها على مستوى المُمارسة لا على مستوى النظرية، حيث يتماهى بشكلٍ واضح مع بعض الشخصيات في العمل.
ومِن ثمَّ، سأتناول ها هنا الطبعة المُرَخَّصة من حياة بارت بوصفها قصةً ملائمة من هاته القصص «الحافلة بالمعنى» التي يتناولها التحليل البنيوي بالدرس، ودعنا نُشير هنا إلى أنها قصة ليس بمقدورنا تجاهل قصد مؤلِّفها حتى وإنْ رفض النقاد الشكلانيون فكرة القصدية. ويتجسد هذا القصد — في الغالب — عن طريق منطق بارت نفسه الذي وصفه في مقاله «مقدمة إلى تحليل السرد بنيويًّا» Introduction to the structural analysis of narratives (منشور في Challenge) بأنه منطق احتمالية الصدق التقليدية، وهو منطق يشتغل وَفْقَ الصيغة الآتية: «وبعد ذلك، فإذن، وبسبب من ذلك»، حيث يتم خلع إحساسٍ زائف بالضرورة، يعمل بوصفه نتيجة منطقية على عباراتٍ تنطوي أحيانًا على مجرد قيمة تكتيكية فيما يرى بارت. وكثيرًا ما تكلَّم بارت ومُنظِّرون آخرون عن استحالة تطبيق بعض نظريات تحقيق النصوص على نصوصٍ بعينِها سواء من الماضي أو الحاضر أو حتى مُستقبلًا، ومع ذلك أمكن تصوُّر المستحيل (انظر مثلًا تمهيد شابرول C. Chabrol ﻟ سميوطيقا القص والنص Semiotique narrative et textuelle)؛ فما أُطلِقَ عليه — فيما مضى — رومانسيات نظرية، صار في ذلك الوقت مذهبًا حقيقيًّا. أما التعاليم التي استحدثها بارت في أواخر ستينيات القرن العشرين فقد اكتسبت قيمةً إنجازية أصيلة، إذ تولَّدت عنها أشكال جديدة تُعَد من مُتلازماتها المرجعية، فضلًا عن أنها تسامَت بروحانياته. وكانت تلك الأشكال (مثلًا، الاستخدام المُتواتر لتقطيع النص) أقلَّ في جِدَّتها لعملِه مما كان يدَّعيه أحيانًا، كما أنها لم تؤثر في نقدِه التطبيقي، لأنه أضاف أسلحتَه الجديدة إلى مستودع أسلحته القائمة وإلى فاعلية أصالته العَفْوية ذاتها التي لا مَثيل لها فيما يبدو. وعليه، لن نفهم تقديره الماسوشي لأهمية إنجازه لو لم تَخُن النبرةُ المفتونة بنفسها اللعبةَ: ففي سبيل إعادة تأكيد أساسية على منزلته بوصفه كاتبًا يقوم بارت بالتمويه عن طريق انتقاد نفسه بقسوة؛ بُغْية إظهار كل السِّمات الرديئة المُرتبطة تقليديًّا برجل الآداب الذي يُناقض الرجل العلمي أو الأكاديمي.٦ وبرغم شُهرته المتزايدة، كان يُصرِّح — في كثيرٍ من الأحيان — بأنه قد أجهد نفسَه بلا طائل، يُضاف إلى ذلك نزوتُه اللاهية حين قام بمراجعة كتاب عن نفسه كَتَبَه بنفسه ثم اقترح على ناشِره أن يستدخل حشوًا و«تسلُّطًا» ينطوي عليهما عنوان المُحرر بشكلٍ غير واعٍ: بارت إلى السلطة الثالثة Barthes to the third power (١٩٧٥م). واضطُر «كوكبة» من الأصدقاء وأعضاء السيمنار إلى التزوُّد بمصدٍّ سوسيولوجي وأيديولوجي، وهو ما أطلق عليه رفيقه إدجار مورين Edgar Morin «كاثوليكية» (Le retrouve)، في الوقت الذي انتقل فيه بارت بموقِعه بوصفه ذاتًا مُتكلِّمة من ناقدٍ مُتواضع مهموم باحترام القواعد الأخلاقية — يسعى إلى أن يُعترَف به كاتبًا — إلى قارئٍ واثقٍ من نفسه يتحدَّى أن تأتيه النصوص وتستأذنه، بمعنى أن تُحرِّك فيه دافعَ الكتابة عنها. وقد وضعت الحاشية المُحيطة به نهايةً حتمية لاستبداده، كما يتضح من كتابه بارت بقلم بارت أو مقاله «سهرات باريس» Soirees de Paris (المنشور في أحداث Incidents)، وهو الأمر الذي يُعطي لمؤرِّخه حريةً أكبر في التدخُّل. وحتى لو كان ادِّعاء الإنصات إلى «هسيس اللغة» أو «صرير الشفرات» مثالًا على الاستحواذ السحري — وهو ادِّعاء يُروِّج له أتباعُه المُقلدون مما يدفع العديد منهم إلى الاقتباس مباشرة من أعماله — فليس مِن السيِّئ أن يقِف بارت الآن موقف الرمز على الحُرية حتى لو كان في واقع حاله ليس حرًّا. وفي غضون ذلك، سيظهر التسامُح نفسه مع مَن تتولَّد «نشوتهم» ecstasy مِن البحث عن الحقيقة، الذين «يَسقطون في البحث» كما يسقط المرء في الحُب.٧ وكما عبَّر بارت بنفسه: «إن أيَّ قانون يقمع الخطاب هو قانونٌ تبريري لا يفي بالمراد» (Barthes, p. 32).
(٣) النقد والحقيقة
وعليه، فإذا عَددنا الطبعةَ المُرخَّصة من سيرة حياته طبعةً جائرة على أنماطٍ أخرى من المقاربة النصِّية، وإذا اعتقدنا أنها تُضعِف من حُجيَّتها، وأنها تُسيء التعرُّف إلى الجنون والإبداع الأصيل في أعمال بارت الأخيرة، فإن الفلسفة المُتبنَّاة ها هنا هي فلسفة أعلنها بارت — قبيل المدَّة التي نحن بصددها مُباشرة — في كتابه النقد والحقيقة Criticism and Truth (١٩٦٦م)، ذلك الكتاب الذي يُضَمِّنه ردَّه الوقور على الهجوم الدفاعي الذي شَنَّه الوسط الأكاديمي عليه. وبهذا الخصوص يُحلِّل بارت ثلاثة مواقف يُمكن تبنِّيها إزاء النصوص الأدبية. يتمثل الموقف الأول في عِلم الأدب (الذي يُدْعَى حاليًّا الشعرية poetics)، وهو عِلم يدرس شروط المعنى الأدبي العامة، إنه علم موضوعي ككل العلوم، ويبدأ عمله مِن متن النصوص ذاتها. ولولا معرفته الواسعة بأدب راسين أو تورُّطه الشخصي في تفاسير وتآويل تتنافس على روب جرييه؛ لولا ذلك لما كان بارت حساسًا لحقيقة غير مشكوكٍ فيها، ألا وهي أن العمل نفسه يتحمل العديد من التفاسير والتآويل. وقد نشأ عن ذلك الإدراك — نحو عقد الستينيَّات من القرن العشرين — نظريةٌ في الأدب تمسَّك بها بارت حتى النهاية. ولم تتولَّد هذه التعدُّدية في المعاني مِن «ميل المجتمع نحو الضلال»، بل تولَّدت عن «نزوع العمل نحو الانفتاح» (p. 67). وفيما يرى بارت، يُعد هذا النزوعُ الخاصَّةَ الرئيسة في موضوع الشعرية، وهي ما أطلق عليها الشكلانيون الرُّوس «الأدبية»، أي مجموعة الخصائص التي تجعل من خطابٍ خطابًا أدبيًّا. وأما الموقف الثاني — موقف النقد — ﻓ «يتحدَّث» عن المعاني الخاصة في «اللغة» العامة التي تصِفها الشعرية، لكي يملأ قوالبها الفارغة والعامة. وأخيرًا، تُعَد القراءة اتصالًا مباشرًا بالعمل لا يمكن الاستعاضة عنها بغيرها. ولا يَحل هذا التوزيع للجهد كلَّ المشكلات، لكن ما يُهم في هذه اللحظة إدراكُ بارت أن خطاب الناقد يُؤتي ثماره حين يكون «خطابًا منفتحًا، ينوي المُجازفةَ بإضفاء معنًى خاصٍّ على العمل» (p. 73).
وهذا الرِّضَا بالمخاطرة المُحايثة في التفسير أو التأويل الإيجابي أجدرُ بالملاحظة من غيره، لأن بارت الذي يُعادل حِسُّهُ بالتاريخية والسالبية حسَّ سارتر Sartre أو بريخت Brecht يُعبِّر بشكلٍ لا إرادي عن أمَلٍ أساس يعود منشأ قوته السالبة إلى تشديده الدءوب على اللغة في عمله، لغة الشعرية، التي يكتب بها الناقدُ تفسيرَه وتأويله أو فعلَ الكتابة الأخير، وهو فعل يراه نتيجةً طبيعية من نتائج القراءة الحميمة (p. 94). ذلكم هو الأمل في فِعلٍ من دون لغة، فعل من دون تمثيلٍ أو توسُّطٍ من أيِّ نوعٍ كان. في كتابه أساطير، نرى المُفكر الذي لا يُمكنه سوى «الحديث عن شجرة» حاسدًا الحطَّاب الذي، فيما يرى بارت، «يُكلِّم الشجرة»، مُستعملًا لغةَ فِعل مباشرة (pp. 145, 156, 158)، وأمَّا في كتابه مقالات نقدية Critical Essays فيحلم بأدب «في العَرَاء»، أدب بلا أعماق خفيَّة، ومِن ثمَّ أدب أبعد من فكِّ شفرة سيُبطِلُها تنافُسُ المُفسرين والمؤوِّلين أو مرورُ الوقت (p. 241). وسنرى كيف أن أملَه في الظفر بحالة استقرار مِن حالةٍ تتَّسم بعدم استقرار، عبر إعادة تنظيم ضامَّة لآرائه الرئيسة — هذا الأمل هو مصدر الإبداعية في أعماله المتأخرة.
(٤) بارت والكتابة
تكشف الغنائية والعذوبة في كتابه النقد والحقيقة عن أنه كتاب يُعنَى بتفسير لحظةٍ من لحظات ذلك التوازُن الهارموني. كما يمكن أن تلعب ممارسة الكتابة عند بارت دورًا تفسيريًّا مهمًّا، ونادرًا ما تعرَّضت هذه الممارسة للدرس، وهو يأسَف لذلك.٨ ويُمكننا تمييز ثلاثة أنماطٍ من الخطاب البارتي تقريبًا. يُمثل الأولُ منها موهبته التعليمية الرائعة، أي تفنُّنه في الإمساك بالقضية الرئيسة، فيُعبِّر عنها بكلِّ وضوح، ثم قُدرته على تحوير انتظام السطور حتى تتناسب مع محاضرةٍ افتتاحية أو مقالة قصيرة في مجلة نسائية شعبية، أَضِفْ إلى هذا قُدرته على ضرب أمثلة ملموسة من الحياة اليومية، وهي قدرة لا حدود لها: الألفاظ الوقحة المُجافية للياقة عند الصحفي هيبير،٩ التي تُشير إلى وضعيته الثورية، في مفتتح كتابه درجة صفر الكتابة، ثم الطرُق المتنوعة لقول عبارة من قبيل «احترس من الكلب»، وهي طرُق تُجسِّد ما يَعتري الخطابات الاجتماعية من انقسام (Rustle, p. 106) أو رقاقات البطاطس المَقلية الخشنة ذات اللون الذهبي التي يُقارنها بالكاتب التَّعِس حين يَخضع للتفسير فيتعرَّض لفورةٍ مهتاجة من فورات لغات النقد ذات الطابع النسَقي والوصف المُصطنع، برغم كل محاولاته أن يظلَّ موضوعًا «خشِن الملمس» يتأبَّى على كلِّ محاولات التفسير (Rustle, p. 355).
أما النمط الثاني مِن الخطاب فهو سجالي في جوهره، ويمكن وصفه بما يُطلِق عليه باختين التنافُسات الخفية، أي استشعار أنه يُدير حوارًا مع خصومٍ غير مُحدَّدين. وها هنا، يَحضر ملمح التفكُّه اللعوب الساخر، غير أنه موظَّف بغرَض الدفاع. وعندئذٍ، نجد بارت المُتحرِّر من أسْر الخطابات الأحادية في السياسة والعلم يشجُب، بواسطة التورية، تلك الخطابات لكونها محكومةً بفكرة السبب أو العِلَّة، بما يجعلها مُعادية لتصوُّره عن أن النص حالة من الاتساع غير المحدود. وفي الغالب، يسعى إظهار المفاضلة والتمايز إلى فَرْضِ فكرةٍ إما يَصعب فَهْمُها أو ليست بمنأًى عن النقد: تذرُّعه بسلاح خارج طائلة المساءلة، وهو الإيحاء connotation والمعنى الإكمالي the supplementary meaning الذي ينضاف إلى الرسالة الأولى، وقد جسَّده في كتابه أساطير ثم حاول تأسيسه تحليليًّا في كتابه مبادئ السميولوجيا Elements of Semiology، ولكن وضعه اللغوي الذي كان لا يزال بعيدًا عن الوضوح في الوقت الذي أراد فيه بارت استعمالَه مرةً أخرى في كتابه S/Z — هذا الوضع يُعد حُجَّةً في صميم الموضوع (S/Z, pp. 7–9). وينطوي عدد من نصوص سبعينيات القرن العشرين على تلك السِّمات («المغامرة السميولوجية» The semiological adventure وهو مقال ضمن مجموعةٍ تحمل الاسم ذاته، و«من العمل إلى النص» From work to text ضمن كتابه هسيس اللغة، ومقالة بوفا Buffat التي تأثَّر بها بارت أيَّما تأثر).
وأما الفئة الثالثة من النصوص فلا توصَف بأنها نمَط من الخطاب على الإطلاق، بل هي نوع من النصوص التي جعلت مكانة بارت مضمونةً بين أعظم شرَّاح اللغة الفرنسية، من قبيل حديثه الذي أثار دهشة أصدقائه مع أنه كان يَنصَبُّ على كل الإيحاءات السلبية في الصيغة الشفاهية في أُخريات حياته، وهو حديث مفتون بالجمع بين شدة الذكاء المرهف وعدم القدرة على الاستشراف. وهذه الفئة الأقل وضوحًا من سابقتَيها، تجعل المرءَ يتفكَّر مَلِيًّا في «أسرار» الأسلوب الذي لا يرتكز إلى موضعٍ يَنشَدُّ إليه لأن تأثيراته — مع أنها لا تستعصي على التحليل — تتنوَّع بلا نهاية وتفضي إلى كل مستويات اللغة والمحتوى في آنٍ. وما هو يقيني أن هذا النمط من النصوص — أيًّا كان فاعله المزعوم — ينطوي بشكلٍ ثابت على انشغالات بارت الأعمق: التصويرات النابضة بالحياة والمُرْسَلة على سجيَّتها ليابان طوباوية في كتابه إمبراطورية العلامات The Empire of Signs، والكتابة بغنائية سحرية عن موضوعات مجردة (الأسلوب والشعر في كتابه درجة صفر الكتابة) والرغبة في الكتابة في تمهيده لكتابه مقالات نقدية، وقبل كل هذا المرثية المكبوتة التي تتَّصف بالتسامي والتي تتعالى على مشاعر الخسران والعزاء في مقالاته — وخير تمثيلٍ لها عبارتُه «قد نِمْتُ ساعةً هنيئة منذ مدَّةٍ طويلة» — وفي أجزاء مِن مقاله «المداولة» Deliberation وأجزاء من كتابه خطاب العاشق ومقاله «سهرات باريس» وكتابه الغرفة المُضيئة Camera Lucida. تلك هي قبضة بارت على اللغة في فقراتٍ على هذه الشاكلة، قبضة أَضفَتْ على آرائه سلطةً مرجعية منذ فترة مبكرة، وصَادَقتْ على نظريات اقترحها في نصوص أخرى، وهي نظريات يبدو تأسيسها غامضًا أحيانًا حتى على مُحبِّيه من أمثال أصدقائه في جماعة تيل كيل. وأيًّا كان ما تلعبه قبضته على اللغة من دور فالدور ذاته فيما يرى بارت يأخذنا إلى قلب نظرياته.
(٥) الكتابة والمجتمع
بخصوص دراسة الأسطورة، اقترح ليفي شتروس تمييزًا بين الهيكل armature، الذي هو عبارة عن مجموعة الخصائص الثابتة في متن الأساطير، وبين الشفرة code التي تُمثل نسَق الوظائف التي تُعزَى في كل أسطورة إلى تلك الخصائص، ثم الرسالة message التي هي عبارة عن محتوى كلِّ أسطورة على حِدة. ومن المُمكن تطبيق هذا المقترح على حياة بارت؛ إذ يُصبح الهيكل هو الشبكة التي تتألف من حَدْسه الرئيس بطبيعة العلامات الاجتماعية واستجابته الغريزية التي هي استجابة مُركبة لكنها تتناسَب في جوهرها مع هذا الهيكل. وكما رأينا، تنطوي العلامات الاجتماعية على ثنائية جوهرية بل على ازدواجية، إذ يَصعب تحليل عملية التعرُّف وعملية الاستلاب في تلك العلامات لتداخُلهما. كما أن استجابة بارت للاضطرار الكامِن في هذا الموقف ملتبسة تبعًا لذلك، حيث تُشير ازدواجيته إلى نشاط ثلاثي يقتضيه ذلك الموقف: نمط مِن الاستراتيجيات الخطابية (يَعقبه بحثٌ عن سلاح خطابي مُطلَق)، ثم نظرية في اللغة الإبداعية، وأخيرًا فلسفة الدراسات الأدبية، وكل ذلك مُتضمَّن في تفكيره حول أنماط المجتمع الفاضل المُتنوعة.
وأما الشفرات فهي نسق القيم الإيجابية أو السلبية المنسوبة إلى تلك العناصر الرئيسة، التي تُحدد مواقف بارت (وتتسبَّب في الكثير من التشويش حين تُغيِّر مُصطلحات مثل الكتابة أو الأسلوب أو الكلام أو المعنى ما تنطوي عليه من دلالاتٍ تغييرًا جذريًّا اعتمادًا على السياق والمرحلة). وفي الأصل، توجد شفرتان تتخلَّلهما الازدواجية وتدوران حول العزلة والمخالطة الاجتماعية. وأما الرسائل فتتمثل في كلِّ عملٍ على حِدة، وهي أعمال تتنوَّع في الشكل والمحتوى تنوعًا غير محدود، علاوة على أن ما يُشكِّلها هو الثوابت التي تزيد من الحِسِّ بالتوتُّر والتوجُّه نحو الوفاء بمُتطلبات سيكولوجية واستراتيجية.
وقد عانى بارت من بحثِه عن الأساس المنطقي في الإبداع أو تعليله عقليًّا لكونه بحثًا إشكاليًّا؛ ذلك أنه بحث لا بد أن يجري في داخل شروطٍ قاسية اكتشفها بارت في موقفه من التاريخ: الاستلاب الاجتماعي من ناحية، وسياسة الأرض المُحترقة التي تنطوي عليها الحداثة من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي جعل من الأصالة originality شيئًا دخيلًا ﻓ «لا يَصِح ذِكْرُها».١٠ لماذا لا يَصِح ذِكْرُها، ما دام على المرء أن يذكُر هذه الكلمة الأساسية طوال الوقت، كما ذكرها بارت في التمهيد — ذي الطابع الشخصي العميق — لكتابه مقالات نقدية؟ تكمُن الإجابة في الهيمنة الماركسية التي كانت موجودة حين بدأ بارت الكتابة. إذ استعارت الماركسيةُ من المسيحية الفرضيةَ التي تضع منزلة الجماعة فوق منزلة الفرد، وقد اتَّخذت هذه الفرضية شكلًا شديد الحِدَّة في النموذج الأيديولوجي الذي يتضمَّنه كتابه درجة صفر الكتابة وكتاب سارتر ما الأدب؟ What is Literature? حيث يُقدم سارتر فيه الكاتبَ — الذي يكون وضعه برجوازيًّا بحكم الظروف فيحيا طوال الوقت على صورةٍ متأنِّقة عن نفسه — بوصفه الناطق التقدُّمي بلسان الإنسانية جمعاء. وكانت هذه الصورة ذات جدوى في عصر التنوير، لكنها صارت أقل جدوى خلال مسيرة القرن التاسع عشر، حين كشفت سلسلة الثورات الفاشلة في فرنسا أن البرجوازية المُنتصرة منذ ١٧٨٩م لم تكن تنوي نشر تحرُّرها على مستوى الطبقات الدُّنيا، مع أن أيديولوجيتها شمولية. كما كشفت ثورة ١٨٤٨م — بصفة خاصة — صَدْعًا صار من المُستحيل بَعدَه على الكُتَّاب تجاهل الاختيار المُتاح لهم: إما أن ينضمُّوا بحِصَّتهم إلى صفوف الناس، أو يَصرفوا أنفسَهم عن هذا الإمكان بكل ضروب الانشغال، وباستراتيجياتٍ مستلبة. وقد وُسِمَت التجربةُ الشكلانية منذ البدء بهذا الذنب الجوهري.
إن وجهة نظر البروليتاريا التي آمَن بها بارت من البداية حتى النهاية جعلت مِن مُستقبل الأدب الذي سيتكفَّل بحمايتها مُستقبلًا يُنذر بكارثة: لقد رآها بارت مجردة من أي «ثقافة أو فن أو أخلاقية» مُستقلة بنفسها (Mythologies, p. 139). وأما البرجوازية الظالمة على المستوى الاقتصادي والسياسي فهي — مع ذلك — الطبقة الوحيدة المُتقدمة فنيًّا، وهذه مِحْنة لا بد أن يقاسيها الفنانون التقدميُّون. وقد اقترح هذه الرؤيةَ بما تنطوي عليه من استدعاءات شاعرة بالحنين نحو ثقافة الطبقة العاملة المُستقلة — مما شكَّل تقريبًا نوعًا أدبيًّا — الروائيون الشيوعيون الأقل منزلةً في خمسينيات القرن العشرين، وهي رؤية مُثيرة للفزع في فرنسا، ناهيك عن بريطانيا. وحين استشعر بارت في لحظةٍ تَناسَبت مع «تحوُّﻟ»ﻪ المُفترَض حريةَ العودة إلى جذوره البرجوازية — وهو مَن تحدَّث في البداية بصوت مُفكِّر بلا جذور يملؤه الشعور بالذنب — أو ربما تَناسَبت مع العودة إلى إثبات تلك الجذور بما أنه قدَّم (في مقاله «الردود» Reponses الذي هو أصرح من كتابِه بارت بقلم بارت) صورةَ الرقيب على وضع اجتماعي واضح الالتباس — حينها غَيَّرَ بارت بأثرٍ رجعي ترسَ نقده الاجتماعي. فكتابه أساطير، ذلك الكتاب المُقنع الأنيق أسلوبيًّا، يتصدَّى لانتقاد كلِّ مظاهر الحياة البرجوازية: استراتيجياتها الانتخابية والدعاية الاستعمارية والأفلام والإعلان والأحداث الاجتماعية؛ كما ينتقِد فيه أيضًا العديد مِن الخرافات التي تحمل المَغزى ذاته. ففي كل تلك التظاهُرات الاجتماعية، يختفي المعنى الثقافي والتاريخي الذي ينطوي عليه الموضوع أو المؤسسة أو الوسيط أو الحدث، فيحل محلَّه معنًى يُوهِمُ بالطبيعية والمادية الفيزيائية؛ حيث يُقدَّم طابعُ المجتمع الذي هو صنيعة الإنسان بوصفه مُعطًى إلهيًّا وطبيعيًّا، ويستفحل هذا التحويل المصطنع استفحالًا شديد البراعة بمظاهره التقنية التي يحتاج تفكيكها إلى تفرُّغٍ كامل حتى بالنسبة إلى سميولوجي نذر نفسَه لذلك، سميولوجي يُعرقِله شعورُه بالقلق من فكرة عزل نفسه عن السواد الأعظم من الناس. وفيما قد صار أساس السميولوجيا الحديثة، حلَّل بارت العملية من جميع جوانبها بوصفها توليدَ عددٍ غير محدودٍ من الرسائل المرسَلة عبر كلِّ وسيطٍ مُمكن (الكلمات، اللوحات، الإيماءات … إلخ.) بالشفرة ذاتها التي وصفها بارت بأنها بنية مزدوِجة الطبقة. فالمعنى الأصلي في أي عملية تواصُل (نص، صور فوتوغرافية، فيلم، وصفة طبيخ) يُعَد دالًّا، قد أُضيف إليه المدلولُ الثابت ذاته، وهو نسخة مِن دلالته التاريخية بعد نزع طابعها التاريخي والسياسي. ومع ذلك، تُتيح هذه البنية ذات الطبقة المزدوِجة — حين يشاء المرء وبالاعتماد على غاية محافِظة ناجمة عن لحظةٍ من اللحظات — عمليةَ إضفاء الدلالة وَفْقَ تكتيك، أو وَسْمها بما يُظهِرها نتاجًا طبيعيًّا.
في كتابه أساطير، تظهر البرجوازية الصغيرة — مثلما الحال مع الكُتَّاب الشيوعيين الذين لا يزالون يُمارسون كتابةً مُنمقة تسخر من النزعة الطبيعية — راكضةً بخُيَلاء وراء المُحرِّضين الاجتماعيين والأدبيين الذين بيَّتوا هذه البنية المزدوِجة في البنية الفوقية الأيديولوجية وفي الأساس الاقتصادي على السواء. وقد صارت البرجوازية المُضطربة والمُستلَبة — في نصوص أوائل سبعينيات القرن العشرين بما فيها تمهيده الجديد لكتابه أساطير — مسئولة بشكلٍ لا يُصدَّق عن إعاقة المُتخيَّل الاجتماعي بالقوالب المكرورة، كما يظهر الكاتب البرجوازي بصورة مَن يدافع حرفيًّا بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على حيوية اللاوعي الفني. وأما في كتابه درجة صفر الكتابة فظهرت الكتابة البرجوازية مُتشيئةً أصابها الوَهَن، وقد فصلتها عن مغزى العالمية نظرةٌ مُحدِّقة من جانب كلِّ مَن لا يستعملون هذا النوع من اللغة. وبعد عام ١٩٧٠م، صارت البروليتاريا خرساء تمامًا، مع أن هذا الملمح الذي يُفقِدها شجاعتَها يمكن أن يمنحها دورَ المُحلِّل النفسي، أو على الأقل دور اللاوعي عند المُفكر (كما يتَّضح من مقاله «ردود»). وفيما بعد، حين صار المشهد الأيديولوجي شديد الاضطراب — ربما لأن نيتشه بتأثير من فوكو صار عمليًّا المُفكرَ الوحيد على رأس قائمة اليسار — نجد بارت يستعمل مفرداتٍ إقطاعيةً تُثير الدهشة، فيتحدَّث عن السلالة والقرَّاء الأرستقراطيين، وكيف يُحافظ المرء على ولائه الشخصي مثلما كان يفعل الجيبلينيون، لا أن يغدو على شاكلة الجويلفيين المحكومين بالأفكار والقوانين والشفرات١١ (Rustle, p. 357).
(٦) الكلاسيكي والحديث
أيًّا كانت النِّية من وراء ردود الفعل تلك على المستوى السياسي، فإنها تكشِف عن أن بارت — حين كان يُفكر في المجتمع الفاضل — استعمل منذ البداية «مبدأ المناسبة»، وهو مبدأ عميق الأصالة يتأسس على تمثيل العلامات واستعمالها في ثقافةٍ مُحددة. ومِن المُحتمل أن يكون فوكو قد تأثَّر به في كتابه نظام الأشياء The Order of Things، ما دامت عملية التحقيب التي يستعملها تتشابَه مع العملية التي اقترحها بارت أولًا في كتابه درجة صفر الكتابة. ففي هذا الكتاب، اختار بارت — كأداةٍ تصنيفية — حضورَ أو غيابَ شفرة لغوية وبلاغية واضحة، أو مَثَلٍ أعلى في ثورة فنية مُستمرة. وقد استحدث بارت وَصفَي الكلاسيكي والحديث ليصِف بهما نمطَي المجتمع المُحددَين على هذا النحو؛ إذ يعني المجتمع الكلاسيكي منذ الآن — فيما يرى بارت — «تاريخ الرأسمالية الكلاسيكية الكُلي منذ القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر» (Essays, p. 143). وتُجَسِّدُ الكلاسيكية والحداثة — على التوالي — المرح والتجديد، إنْ إيجابًا أو سلبًا. ففي درجة صفر الكتابة، يُصوِّر بارت نوعَين من الشعر، إما شعر مشفَّر وإما شعر إبداعي مُتشظٍّ، بما يتناسب مع ما يصِفه في كتابه المتأخِّر لذة النص Pleasure of Text من استجابتَين مُحتملتَين لدى القارئ، إما «لذة» pleasure تتوحَّد فيها الذاتُ اجتماعيًّا وثقافيًّا، وإما «نشوة» ecstasy تَتَفرَّق فيها الذاتُ وتضطرب. غير أن كتاب درجة صفر الكتابة (وليس من قبيل المفارقة أنه يمنحنا منذ العنوان تأكيدًا خاصًّا) يتخلَّله الفزع والدهشة من الارتباط المباشر بالطبيعة أكثر مما في كتاب لذة النص الذي ينشغِل في المقام الأول بالمُتعة enjoyment المُسترخية التي تتولَّد عند قارئ النصِّ القديم والحديث على السواء، حتى لو طرأ تغيُّر على هذه اللذة تماشيًا مع استراتيجية عملية التواصُل الاجتماعي العامة.
وبفضل اللغة المُثقلة بالقيمة نرى كيف أن كلَّ نمطٍ من أنماط التواصُل في الكتابة الكلاسيكية والحديثة على السواء — فيما يرى بارت — له جاذبيته لكنه يولِّد مخاطرَه. إذ تهيمن الرغبة في التواصُل والإيمان بإمكانه، على النزعة الكلاسيكية، بَيْدَ أنها لكونها «تقصد على الدوام إلى الإقناع» (Writing Degree Zero, p. 64) نراها تَميل إلى إجازة القوالب المَكْرورة بقصد إضفاء الوضوح على الشفرات؛ وتقتل القوالبُ المكرورة فنيَّةَ التعبير. وأما الشعر الحديث فيصفه بارت على العكس من ذلك بأنه «خطاب مليء بالفجوات ومليء بالإضاءات»، إنه لغة لا تتوسَّطها الشفرات البلاغية، ويُهيمن عليها «الشغف بالكلمة» بوصفها علامة «منتصبة» ما دامت تقف «عموديًّا»، حُبْلَى بكل احتمالاتها المعجمية، ومستقلة عن العلاقات النحوية والدلالية «الأفقية» (Writing Degree Zero, pp. 43 ff.). ومع هذا الثراء الذي تنطوي عليه العلامة فإنها تفيد أيضًا اللاحسم، ومن ثمَّ يستحضر الشعرُ — على الفور — كلَّ ازدواجية بارت: كونه لا يُعجَبُ ﺑ «طزاجته» بل يخشاه كما يخشى أُمًّا قضيبية phallic mother؛ وذلك «على الأصح تقديس شديد للأدب» (Essays, p. 189).
(٧) الأدب بوصفه لُغة
يُمكننا فَهْم رؤية الأدب على هذا النحو بسهولةٍ إذا تفحَّصنا وضعيةَ الكاتب عند بارت. وحينئذٍ، سننبهِر بقوة تأثير مقاربته التعليمية، حتى عندما اقترح في أُخريات حياته فروقًا تضع في الحسبان ردود الفعل الشخصية التي لا يُمكن توقُّعها: النصوص «القابلة للقراءة» readable أو «القابلة للكتابة» writable في كتابه (p. 4) S/Z، و«المعنى الثالث» the third meaning الذي يراه في الأفيشات السينمائية (Responsibility, p. 41)، أو studium وpunctum في الصور الفوتوغرافية،١٢ اللذان يُشيران على التوالي إلى انشغال ثقافي عام، وأحيانًا يُعطيهما بارت معنى الغرام الشخصي بفردٍ مُحدَّد (Camera, pp. 26-7). إنَّ قَطْعَ العقدة الجوردية١٣ — وهو قطْع جريء — وتوفير أدلة هادية جعلا بارت مُقدِّرا — بوجهٍ خاص — أهمية إيماءة دي سوسير التأسيسية حين عزل عن واقع اللغة «ذي التكوين المُتعدد والمُتبايِن» موضوعًا اجتماعيًّا أطلق عليه «اللغة» langue؛ وبذلك منح اللغويات أساسًا، برغم كلِّ الاعتراضات التي يمكن توجيهها إلى الاستبعاد العنيف لمَظاهر أخرى ذات قيمةٍ عند الدراسة. وقد حاكى بارت تلك الإيماءة مرتَين: الأولى حين وسَّعها لتشمل كل المظاهر العَيْنية في عملية التواصُل الاجتماعي (الطعام، الملابس، السيارات … إلخ)، وذلك في كتابه مبادئ السميولوجيا، والمرة الثانية في مقاله «مقدمة إلى تحليل السرد بنيويًّا».
وحين شرع بارت في الكتابة، أعانه النموذج الظاهراتي على تحديد بعض نقاط البداية؛ ذلك النموذج الذي كان يُمثله سارتر (في كتابه عن «المُتخيَّل» سيكولوجية الخيال The Psychology of Imagination مثلًا، وهو نموذج يعترف بفضله كتاب بارت الغرفة المُضيئة). ومع أن سارتر كان أيضًا على حذَر مِن العلم فتبنَّى الفينومينولوجيا جزئيًّا لكي يتجاوزه، فقد ادَّعت الفينومينولوجيا القدرة على تأسيس كيانات جوهرية (ويُشير بارت إلى ذلك بحروفٍ استهلالية غير مرة) تلعب دور المُسلَّمات عند الممارسة. وقد مهَّدت الكياناتُ الجوهرية — التي وصفها بارت في البداية — عالَمًا يتَّسم برُهاب الاحتجاز، وهو ما نتوقَّعه من بحثِه الجامح عن فضاء الحرية.
بدأ بارت بمفهومَين أساسَين هما مفهوما اللغة والأسلوب. جاء بمفهوم اللغة (langue) من اللغويات، وتعود معرفته الشخصية بهذا المجال إلى أوائل خمسينيات القرن العشرين وإلى لقائه بجريماس Greimas، الشخصية البارزة في مجال دراسة عِلم الدلالة الحديث وتحليل السرد بنيويًّا. وأما مفهوم الأسلوب فكان مفهومًا أكثر تقليديةً في الدراسات الأدبية، لكن بارت أدخل عليه تعديلًا جديدًا. وقد فهم بارت أن اللغة language والكلام speech شكلان من الواقع شديدا المحدودية، يتقابلان في محاور أفقية ورأسية. فاللغة أفق اجتماعي، وعلى الكاتب أن يبقى ضمن حدودها إذا أراد التواصُل. وأما الأسلوب فيُعرِّفه بارت بأنه «البعد الرأسي المُنعزل في الفكر» (Writing Degree Zero, p. 17)، إنه «مضمون» بيولوجي، وواقع شديد الشخصية، وإنْ يكن محكومًا بدوافع فطرية فليس له طابع اجتماعي، كما أنه ينأى عن التعبير عن رغبات الشخص بوصفها رغباتٍ متشكلة تاريخيًّا. ويلعب هذان المحوران دورًا اختزاليًّا رئيسًا عند بارت حيث يُضفي عليهما باستمرار قيمًا مُحددة بالحرية والإلزام. ومع ذلك، يمكن إحداث تغييرٍ في هذين المحورَين، وبخاصة حين يأتلِفان مع زوجَين يَفِدان من اللغويات والسميولوجيا هما المحور الاستبدالي paradigm والمحور التركيبي syntagm أي محور الاختيار ومحور التأليف، وأخيرًا مقالة ياكوبسون التي تفتتح عهدًا جديدًا، وهي مقالة عن نمطَين من الحُبْسة aphasia التي تؤثر في مقدرة استعمال المفردات والتركيب، والصور البلاغية كالاستعارة والكناية.
اللغة والأسلوب ضرورتان و«طبْعان». ولا يجوز عند بارت أن يصل المحتوى إلى القارئ من خلال ما ينطوي عليه من منطق (فبارت يرفض «فكرة» ميشليه عن العمل الفذِّ الذي يقوم به القلم)، وذلك على الأرجح بفضل تأكيد أنه ما مِن فكرٍ بلا لغة،١٤ وهو تأكيد موجود منذ البداية وإنْ لم يُعزَّز. لقد ذهب بارت إلى أن التعبيرَ التلقائي عن الفكر أمرٌ مُبتذل. والأمل الوحيد في الوصول إلى القارئ لن يتحقق سوى بالجهد اللفظي الذي سيحمل تلك النِّية كما سيحمل المحتوى الحقيقي وَفْقَ ما يأمُل المرء (انظر تمهيده لكتابه مقالات نقدية). وبمفرداتٍ ذات طابع شبَقي eroticized تعود إلى مرحلته الأخيرة، من المُمكن وصف هذه الحالة بأنها «تطواف للمتعة» cruising.
ويندهش المرء — آخِر الأمر — من أنَّ التجديدَ اللفظي وَقْفٌ على الكاتب (وكأن مُستعمِل اللغة العادي ليس مجدِّدًا فيما يرى بارت). وما مِن نظرية حول هذا الرأي بالمرة في مرحلته ما قبل البنيوية؛ إذ علينا أن ننتظِر حتى صدور كتابه مبادئ السميولوجيا لنجد اقتراحًا لهذه النظرية، أعني نظرية احتمالية انتهاك كلِّ المعايير اللغوية the parameters of language، ولا شكَّ في أن تعريف ياكوبسون قد حفز إلى هذه النظرية. وفي المقابل، كان بارت في البداية أكثر انشغالًا بمظاهر اللغة التي تتصدر حاليًّا قائمة البرَجماتية، أي دراسة مضمرات اللغة وتفاصيل استعمالها الصغيرة التي تؤثر في العلاقات بين الأشخاص. وبذلك يستمِدُّ كِتابُ درجة صفر الكتابة عنوانَه من مظهرٍ عملي لدافع داخلي عند الكاتب، وذلك مفهوم جديد عن الحرية التي يراها بارت — على نحوٍ يتناسب والنزعة الوجودية — التزامًا، إنها لحظة تكاد تتَّصف بالمثالية حين يختار الكاتب صيغةً من بين عدة صِيَغ من الكتابة، في أعقاب نهاية المجتمع الكلاسيكي. ويُعَد هذا الاختيار الفرصةَ الوحيدة المتروكة ﻟ «أخلاقيات الشكل». ولم يكن لدى بارت أي أدواتٍ يفسر بها الكيفية التي جاءت بها تلك الصِّيَغ من الكتابة إلى الوجود، ومع ذلك يُعد بارت الناقدَ الأفضل — وإنْ يكن تكتيكيًّا — حين يُحلِّلها ثم يحكم عليها مدحًا وذمًّا. ويعتمد المديح على المزية الفنية و(كان مِن قبل يعتمد على) الكفاءة السياسية، وفي أغلب الأحيان يعتمد على معيار بارتي دفين في أعماقه.
(٨) صور التباعُد [أو الإزاحة] في الكتابة
يُمكن تلخيص هذا المعيار البارتي في كلمة واحدة هي «التباعد [أو الإزاحة]» distance؛ فهذه الكلمة قاسم مُشترك في مساعيه إلى: تفضيل أنماط مُعينة من الكتابة، وإعادة صياغة كلِّ مشكلةٍ مُلازِمة لأسئلة المحتوى أو التلقِّي وَفْقَ مفاهيم الشكل أو حتى اللغة، وتأسيس استمرارية بين خطاب الناقد وخطاب الكاتب، ونشر البنيوية وتطويرها ثم محاولة تفكيكها في النهاية.
لقد انتقص بارت مِن قيمة الطريقة التقليدية المُتشامِخة (التي أُعجِب بها عند ليفي شتروس مثلًا، غير أنه لم يَعُدَّها نقطة بدءٍ بوصفها ممارسة قابلة للكتابة)، كذلك انتقص مِن قيمة وريثتها الطبيعية، فأخرج الشعرَ من بين الأنماط التواصُلية الأخرى، وهو إذ يفعل كلَّ ذلك قام بتجسيد فِكرته عن النقاء الأسلوبي في «درجة صفر» العنوان. تُمثل «درجة الصفر» استعمالًا استعاريًّا لفكرة يستمدُّها من اللغوي فيجو براندال Viggo Brondal، ومناطُ الفكرة الحالةُ الحيادية بين الصيغة الشرطية الاحتمالية subjunctive والصيغة الأمْرية الإلزامية imperative. إنها حالة تَدَّعي إيثار «أسلوبٍ في الغياب هو أيضًا غياب الأسلوب» مِن ذلك النوع الذي نلقاه في أجزاء من رواية كامو Camus الغريب Outsider. ويُعَد هذا الأسلوبُ ركيزةَ الفيلسوف على الأصح، ولا يمكن أن نثِق في «الإبقاء على (سالبيته) بجريان الزمان»، مثلما يلاحظ ذلك بارت في درجة صفر الكتابة (p. 11). كما يظهر أيضًا في هذا الكتاب قسيمُ اللغة langue عند سوسير — أي الكلام (parole) — بوصفه وعدًا باختلاطٍ اجتماعي صريح «تَنفَضُّ مغاليقُه بديمومته الفعلية» (p. 17)؛ ولكن اعتماد الأدب على اللغات المنطوقة فعليًّا في بعض قطاعات المجتمع يعكس ما يعتري هذه القطاعات من تشقُّقات حين يكون هذا المجتمع مُستلبًا، مثلما نرى في عمل بروست. وبرغم حالة سيلين Celine التي يُقدمها بارت فإنه يعتقد أن الكلام الفعلي نوع مِن اللحن يُمكننا تتبُّعه في سرد اللغة الروائية التقليدي، كما يظهر في أدب سارتر.
ومع ذلك، ربما توجَد طريقة للتوفيق بين كتابة الذات والانتساب إلى ثقافتنا الحديثة، تُحقق أيضًا وعدًا بالوحدة عند بارت الكاتب والسميولوجي الراغب في هذه الوحدة. لم يكن بمُستطاع بارت السميولوجي أن يأمُل في تصحيح أخطاء المجتمع الحالي المُكبَّل بالأسطورة، فلم يكن يأمُل سوى في تعرية محاولات إضفاء صبغةٍ تُوهِم بطبيعيَّتها وفيزيائيَّتها، فدعا إلى مقاومة الفيزيائية؛ وهو ما قد يُتيح المجال لممارساتٍ مستقبلية. وبالطريقة ذاتها، يؤمن كاتب مثل فلوبير بتشابُهٍ يُؤسَف له بين الأسطورة والأدب، فيُسَيِّره وَفْقَ مصلحته (إذ يقدم الأدب والأسطورة مدلولًا إكماليًّا supplementary signified في علامة كاملة تُختزَل حاليًّا إلى مرتبة الدال). وقد تعَمَّدَ بارت إضافة طبقة جديدة من الدلالة تحمل رؤيته الهزلية لأبطاله، فأنتج بذلك نظامًا ثانيًا، أي أسطورةً مصنوعة تفضُّ مغاليقَ موضوعها ونشاطها في آنٍ. وها هنا، يُشير الأدب كما في شعار ديكارت Descartes إلى قناعه mask كلما تقدَّم إلى الأمام.
وما دامت وجهة نظر المؤلِّف ووجهة نظر الشخصيات تنتقِل في النهاية من خلال الدوالِّ اللغوية فلدَينا مثال أوَّلي على إنتاج المعنى، يُعلِن فيه كلٌّ من الطابع الانفصالي الذي ينطوي عليه بناء الكُتَل المتراصَّة، ثم تنظيمها في طبقات متعددة، عن دراساتٍ أوسع للدلالة الأدبية، مثلما هي الحال في مقالته «تاريخ أم أدب؟» (المنشورة في كتابه عن راسين) وكذلك كتابه نسق الموضة. تُمثل الموضة عند بارت نموذجًا ملائمًا للأدب لأنها محكومة ﺑ «الخيانة»، وهي فكرة تنطوي على الأصالة والاختلاف في آنٍ. ففي كلَيهما، يُصبح الشيءُ الذائع الصِّيت، بحُكم التعريف، شيئًا جديرًا بالذكر، فلا إطنابَ ولا عنصرَ عشوائيًّا أو «ثرثرة» تُضعِف من مُكونات التأثير الفني. وقد يتَّفق المرء أو لا يتَّفق مع هذه الفكرة، التي نتجت عن تصوُّر بارت للغويات بوصفها نتاجات فنية ابتدَعها الإنسان إسهامًا منه في الطبيعة التأكيدية التي تنطوي عليها اللغة بوجهٍ عام، فلا يَعترف مثلًا بمَقدرة القرَّاء على تثمين بعض مظاهر العمل كونها أنجحَ من غيرها. لكن ما لا شكَّ فيه أن تحليل الوحدات الكبرى في خطاب الموضة الذي اشتغل عليه بارت على مدى ستِّ سنواتٍ كاملة (١٩٥٧–١٩٦٣م) جعله يُدرك بطريقةٍ عملية كيف «يُبدع» القارئُ عملًا عن طريق التصنيف، بمعنى العزل وإعادة التنظيم،١٥ ويُبيِّن حلُّ «القناع» فوائدَ تحويل عملية التوليد الدلالي semiosis إلى فعلٍ صريح، مثلما فعل بريخت. إن الوعي الذاتي — أي الطابع الانعكاسي في معظم أعمال الفن المعاصر — كان مناسبًا بدرجةٍ كبيرة بوصفه ذخيرةً استخدمها بارت في الحرب التي شنَّها على كلِّ أشكال المعنى الثابت والتحديد والمعيار والعُمق والأصالة في الأدب والنقد. لكن يتَّضح عند استعادتنا حياتَه المِهنية أن تلك الخصائص العميقة في فكره يمكن أن تَستبقي — بطريقةٍ وقائية مناسبة — نظامًا ثانيًا، موضة «متباعدة» [أو مُزَاحَة]، عبر نظريةٍ ترى في العبارات الأدبية نظامًا ثانيًا مِن الأساطير — تمامًا مثلما نجح فلوبير Flaubert بتلك الوسيلة في إنتاج كعكته الروائية التي استمتع بها — كما لو أن بارت شَعر في ذلك الحين بضرورة الأساطير — في شكل مُصَفًّى — لعملِه المتأخر.
ويحدث ذلك بوضوح إذا اتَّبعنا نصيحة بارت وتصرَّفنا تصرُّف القرَّاء الناشِطين بصدد ما يُعَد النصَّ البارتي الكامل «من دون معرفة»: مقالات نقدية. وهي مقالات يتجاوب تركيبها مع الطابع التقطيعي في عملِه بشكلٍ جوهري (وفيما بعد شجب بارت ذلك المظهر بخجَل مصطنع، مع أنه قد أوكل له الاضطلاع ﺑ «حصانة المعنى» بفضل الترتيب الألفبائي المُلفَّق تقريبًا الذي تخضع له المقاطع في أعماله الأخيرة). كما يلعب الترتيب الكرونولوجي لكتابه مقالات نقدية الذي يصِل إلى عشر سنوات (١٩٥٣–١٩٦٣م) دورَ الحبكة، التي يكشف عدمُ حلِّ عقدتِها عن توظيفِه ما هو «استيهامي» fantasmatic في نظريتِه وممارسته. ففي البداية نرى في شخصيته رقيبًا ماركسيًّا عبوسًا، تجعل قوتُه الهزلية منه الشخصيةَ الأكثر مهابةً فنراه مصلِحًا للدراسات الأدبية، ثم نراه يُحاول حلَّ مشكلة وضعه بوصفه ذاتًا محلَّ كِتابة. وقد تناول هذه المشكلة بطريقتَين: تتمثل الطريقة الأولى في تأييده كل الروائيِّين المُعاصرين الذين طوَّروا تقنيات تُبقِي على مشكلة كتابة الذات في وضع حرج، وهي تقنيات من قبيل: تعرية الشخصيات، إزاحة الحبكة، الارتياب في الواقعية، اصطناع معنًى إشكالي وتوريط القارئ. وأما الطريقة الثانية فهي استكشاف الوسائل التي مِن خلالها يُحقق التدخُّل الفكري كُلًّا من الحسم و«الحلول الوسط» مع المؤلف.
لم تتناول مقالات بارت المُبتكرة أعمال «الروائيين الجدد» فحسْب، وإنما تناولت أيضًا كُتَّابًا من أمثال بريخت Brecht أو كينو Queneau أو باتاي Bataille أو كافكا Kafka الذين أنتجوا — في ستينيَّات القرن العشرين تقريبًا — مذهبًا في الأدب احتفظ به بارت في صيغتِه الأكثر ذيوعًا، وهو مذهب مؤسَّس على فكرة أن الكتابة — بخلاف الكلام — لا سياق context لها، مذهبٌ يُشدِّد على أن المؤلِّف «غير مُمكن اقتفاء أثره» فلا يمكن تعيين موضعه أو استشفاف سِماته من منتَجه الفني، بمعنى أنه عمليًّا شخصٌ ميت. وهذه الرؤية التي تتجاهل كل اعتبارات البرَجماتية — وما يُطلِق عليه جينيت Genette النصوص الموازية للواقع (العتبات Seuils) — شديدة الملاءمة متى أراد بارت الانتقال منها إلى مواقف جديدة ربما تُناقِضها! المؤلف — أيضًا — زائد عن الحاجة في عمله الأدبي لأن اللغة — عند بارت مثلما رأينا — تأكيدية بطبيعتها ودوجمائية بل «إرهابية» (واضطُر حلفاؤه الجدد — كُتَّاب جماعة تيل كيل الذين أوشكوا على استبدال المدرسة الوجودية الآفلة — إلى تدريب أنفسهم على تلك النقطة الخاصة، انظر: مقالات نقدية ص٢٧٨). كان بارت — اللغوي القدير — على وعيٍ كامل بالظاهرة المُسمَّاة الوَجْهيَّة modality، فكل تعريفاته للكاتب — لو تجاوزنا عن أنه هو نفسه كاتب — تُكيِّفها في حقيقة الأمر العباراتُ التي يقولها. ومع أنها هي الذات الفاعلة — أو ربما لأن الذات الفاعلة هي الأقرب إلى قلبه — فإن بارت لم يمنحها القوة نفسَها التي للعبارة المُبتكرة، فرأى هذه الذات الفاعلة إضافة غير مؤثرة ineffectual prosthesis. أَضِفْ إلى هذا أن دراساته للموضة أظهرت — كما حدث مع «التاريخ الجديد» للحوليات المدرسية، إذ قدَّم له بعضُ أعضائها ملاذًا أكاديميًّا — أن الأشكال تحمِل تاريخًا داخليًّا لا يتأثر بتدخُّل الذات أو التفسير والتأويل، بما يُعزِّز مَيل الكاتب إلى أنْ يظلَّ خارج طائلة المعارك اليومية التي يُشعِلها الكَتَبَة١٦ الوجوديون أو الماركسيون، حتى ينأى بنفسه عن لُغتهم المُتعدِّية الأحادية.١٧
وأما بخصوص أسطورتَي أورفيوس وبروميثيوس المتلازمتَين عند بارت فقد تأثر بهما أيَّما تأثر، لكنه احتفظ بأورفيوس وحدَه فصار الأدبُ عنده ذلك الربَّ الأورفي الذي شعاره على سبيل التورية هو je decois (= إني أخدع وأُخيِّب الآمالَ) والذي يُعَد تقنيةً لفرض أيِّ معنًى على بِنية قوية فارغة أو خاوية. ليس الأدب سوى وسيط، لا عِلَّة له أو غاية، وهو شبيه بالإحصاءات التناظُرية عند أشبي Ashby، إنه نموذج سيبرنطيقي يُجسِّد نسقًا «شديد الاستقرار»، محكومًا رياضيَّاتيًّا، والأكثر من هذا أنه قادر على الإفادة من الظروف المُحيطة، وأيًّا كانت حقيقة الأدب فهذا الوصف يتناسب تمامًا مع نظرية بارت «شديدة الاستقرار» عن الأدب. لا يوجد «إعفاء كامل مِن المعنى»؛ لأن العمل يحتاج إلى عنصرٍ تيماتي لكي يُمسرِح تدمير المعنى وهَدْمه، ولكن الكاتب «بمقدوره أن يُعيد إلى دائرة الضوء الدوالَّ وحدَها من دون مدلولات»، ويقينًا من دون «مدلول مُهيمن» sovereign signified عُدَّ دائمًا أنه معنى مُطلق يرغب في إسكات العمل (Essays, p. 135).
كان مِن الضروري على المستوى النفسي لبارت أن يتزامن لديه ذلك التصوُّر — الذي يُؤذِنُ لدَريدا بالمجيء — مع تصور آخر يكمُن في الاحتفاء بتعدُّدية التفسير والتأويل. إذ حاول بارت في كتابه عن راسين أن يستدمج — بإيماءة تركيبية نلقاها على طول عمله بدءًا من مقاله «الأسطورة اليوم» Myth Today إلى كتابه S/Z — ما قد رآه من عمليات التفسير والتأويل المعاصرة «الأعمق»، أي الأجدِّ من غيرها: تفاسير التحليل النفسي وتآويله (مورو Mauron)، تفاسير الماركسية وتآويلها (جولدمان Goldman)، تفاسير الأنثروبولوجيا وتآويلها (فكرة فرويد Freud عن القبيلة البدائية)، وتفاسير البنيوية اللغوية الشارعة في النمو وتآويلها، على نحو ما سنرى. كما أنعم التفكيرَ في التراتُبات المُحتملة بين هذه النظريات المُتنافسة، وحاول أن يحلَّ العلاقات المُمكنة بين العالَم والنص، ولكنه لم يعُد يهتم بتلك المشكلات العلائقية (التي أقلقت، في المدَّة ذاتها، سارتر في كتابه نقد العقل الجدلي Critique of Dialectical Reason وألتوسير Althusser بمفهومه عن «البنية ذات الهيمنة») حين أقرَّ — على توجُّس — تصوُّرًا يرى الأدبَ في جوهره مقاومًا للمحاكاة.
ولعلَّ هذا التصور عن الأدب المُنقسِم على نفسه يرجع إلى أحد المصادر الملهِمة لبارت: كتاب بروس موريست Bruce Morrissette وعنوانه روايات روب جرييه Les Romans de Robbe Grillet (١٩٦٣م)، الذي يكشف عن الإطار الأوديبي عند هذا الروائي المناهض الكبير للكتابة الروائية. لقد أثار هذا الكتاب قلق بارت الذي كان يرى نفسه قارئًا مُبدعًا لكتابات روب جرييه. إذ كان يبدو روب جرييه لبارت نموذجًا مُطمْئنًا يتطابق معه بسبب نزعته — الظاهرية — المقاومة للإنسانية، غير أن موريست ربط مصدر إلهام روب جرييه بحالته الإيروسية. فلمَّا أوضح موريست أن العقدة الفرويدية تُحدد نزعة جرييه الشكلية تحديدًا صارمًا استشعر بارت أنه مقصود أيضًا بهذا الإيضاح، وهو الأمر الذي فتح أمامه طريقًا كان يفتقِده في تحليلاته الأولى للأدب. بعدئذٍ، بدأ بارت يُفسر كل الحبكات بوصفها نسخًا عن قصةٍ فرويدية أو على الأقل نسخًا من توتُّرٍ تأويلي ناجم عن قصة فرويدية. فمثلًا، يمتدح بارت رواية بيير غَيُّوتَه Guyotat عدن، عدن، عدن Eden, Eden, Eden لكونها كتابًا «لا ينطوي على أي قصة أو خطيئة (ولعل القصة والخطيئة شيءٌ واحد)» (قمتُ بالترجمة ها هنا، انظر: Rustle, p. 236). وسنرى كيف أن دراسته البنيوية للسرد فيما بعد دَعَّمت هذه الفكرة حين استنتج أن العبارة السردية والنحوية والمركَّب الأوديبي «يبتدِعهما» طفلٌ له العمر نفسه (Challenge, p. 135). وخلال ذلك، اكتسبت أفكار بارت الأدبية قيمةً إضافية بوصفها وسيلةً لاستبقاء فضاء ربما نواجِه فيه ذات يومٍ مشكلاتٍ شخصية واجتماعية أيضًا، إنها أفكار تُعلِّمنا باختصار أن الأدب سواء في المجال الشخصي أو الجمعي «لا يسمح للمرء بالسير بل يسمح له بالتنفُّس» (Essays, p. 267).
ولحُسن الحظ، جاءت البنيوية في لحظةٍ مناسبة فتزوَّد بها بارت لإنعاش نزعته التفاؤلية التي بدأت في النقصان. كانت البنيوية في المقام الأول نظريةً عن المسافة [أو التباعُد والإزاحة] والتوسُّط. وفيها «تصير اللغة إشكالًا ونموذجًا على حدٍّ سواء» (Essays, p. 274). وقد استشعر بارت الرغبة والمَقدرة على أن يكون مشاركًا رئيسًا فيها. وتُحدِّد مقالتان ضمن كتابه مقالات نقدية — وهما «تخييل العلامة» The Imagination of The Sign و«النشاط البنيوي» Structuralist Activity — هذه اللحظة من التوازُن، كما يتخلَّل الجزءَ الثاني من الكتاب المزاجُ المَرِحُ ذاتُه. وعلاوة على هذا، فبرغم النشاط المُجْهِد الذي تطلَّبه كتابه مبادئ السميولوجيا، عمل بارت على تأكيد الطابع الإشكالي لأفكاره في مُقدمة كتابه مقالات نقدية، ذلك الكتاب الذي يُعد — مع كتابه النقد والحقيقة — ذا أهميةٍ رئيسة في التعرُّف عليه وعلى أعماله اللاحقة. ففي هذَين الكتابَين، ليست المسافة أو التباعُد أو الإزاحة التي جعلها شرطًا أساسًا لوضعية الكاتب مضمونةً إلا من خلال إساءة تعَرُّفٍ حقيقية تمنح الناقدَ وجودًا اجتماعيًّا متميزًا. وبما أن التزامَه الداخلي يُحتِّم عليه الحديث باسمه الشخصي، وبما أنه «غير راغب أو غير قادر» على تحقيق المسافة أو الإزاحة والمُباعدة التي يُنتِجها الحديثُ بصيغة الغائب في الرواية، فإن خلاصَه الوحيد يكمُن في التصريح بأن منطوقاته هي — في حقيقة الأمر — «مادة عمل غامض أو سري» (Essays, p. xxi). ومع ذلك، لا يتحقَّق الغرَض من هذه الفرضية — وهي فرضية مقبولة بلا شكٍّ في عملية النقد عند موريس بلانشو Maurice Blanchot مثلًا — حين تهدف إلى تأسيس مساواة الناقد بالكاتب، فيما يلاحظ بارت؛ لأنها فرضية تَنتُج عنها إزاحةٌ تجعل الكاتبَ غيرَ مُمكن اقتفاء أثره، ولذا ينتهي الكتاب بهذا التناقُض: الناقد «محكوم عليه بالخطأ — بالحقيقة».
(٩) الكتابة بوصفها حالة إيروسية
في الواقع، كان بارت غير قادر، بقدْر ما كان غير راغب، في التعبير عن الذات؛ ومِن هنا جاء لديه صَبُّ اللعنة على الذات وعلى التعبير. صحيح أنه أدان التصوُّر التقليدي عن وجود لُغةٍ مستقلة و«تامة» تنقل الذات «بتماميتها»، فاستبدل به رؤيةً أكثر جدليةً عن الذات والكلام بوصفهما قوتَين تُشَيِّدُ إحداهما الأخرى تبادليًّا؛ غير أن هذه الضرورة النظرية — التي تتقاطع جزئيًّا مع عمل لاكان Lacan ودَريدا وكريستيفا في أواخر ستينيات القرن العشرين — لم تسدَّ الفجوةَ التي يُشير إليها بارت في مقاله الأوتوبيوجرافي حين يستحضر «الإحساس الداخلي الذي تنقطع صِلته بكلِّ تعبير» في أثناء طفولته (Barthes, pp. 22 and 86). والنصوص التي نُشِرت بعد وفاته في أحداث Incidents تستعمل ضمير الغيبة him بدلًا من ضمير المِلكية للغائب himself؛ إذ يتَّصف كتابه بارت بقلم بارت وكتابه خطاب العاشق في المقام الأول باستدعاءٍ غير مباشر لمُيولِه الجنسية، كما أنَّ مسيرته الطويلة نحو الرواية مُتضمَّنة بشكلٍ غير عادي في النص الإيروسي التحتي في أعمالٍ من قبيل مقالات نقدية أو حتى مقالات بنيوية مثل «مقدمة إلى دراسة السرد بنيويًّا» أو مقاله عن الفنانة التشكيلية أرتيميزيا جَنتيليسكي Artemisia Gentileschi، المعنوَن ﺑ «امرأتان» (Deux Femmes).
ويرتبط هذا النص التحتي بموضوعة الحُبْسة aphasia أو عُسْر الكتابة agraphia، وهي موضوعة تتخلَّل مُجمل عملِه وتُمْلي عليه مواقفه المُتناقضة نحو البلاغة. وكان بارت موهوبًا في جانبَين من جوانبها، ألا وهما «الترتيب» dispositio و«الصياغة» elocutis، كما كان مهووسًا بمُغامرات اﻟ «الابتداع» inventio. وقد جعله هذا الخوف غير قادرٍ حرفيًّا على فَهْم القيمة التحرُّرية في السريالية — الأحداث أو الأشكال المُغايرة التي أحيَتْها السرياليةُ في أثناء حركة ١٩٦٨م — وهي فترة قضاها بارت في امتداح الشفرات الحادة عند ساد Sade. وذلك لأنه رأى السريالية تقنيةً تنطوي على مباشَرة، وكان يُقال إن التوسط يُبسِّط الخطابَ. ولأن قرَّاء بارت لا يُساورهم الانطباع بأن موهبته على وشك الجفاف، فقد نَجَمَ إحساسه بهاجس الحُبْسة المُهدِّد عن التعارُض بين وعيِه بالشخصية التي تكتب وطموحه إلى كتابة الرواية من حيث هي «شكل إرادة الكتابة الأصلي» (Essays, p. xx).
ومن ناحية أخرى، ساعد وضع بارت الهجين — فيما رأى — على إنارة الحقائق التي استبعدها مفهوم الحقيقة الضيق عند الوضعيين. ففيما يرى بارت، يُعد تصوير ميشليه التلقائي لميوله الجنسية في كُتب عن التاريخ أو الطبيعة، ومعالجته الروائية لشخصية مثل شخصية الساحرة؛ أمرًا «مختلفًا تمامًا عن كونه مجردَّ تضخُّمِ ذاتيةٍ رومانتيكي»، بل يهدف هذا التصوير وتلك المعالجة إلى «مشاطرة الأسطورة مشاطرةً سحرية مِن دون أن تكفَّ هذه المشاطرة عن أن تصِف ميشليه نفسه»؛ وذلك على النحو الذي به «يشتمل القصُّ على السرد والخبرة كلَيهما، ووظيفته التصالُح مع المؤرِّخ» (Essays, p. 111). هكذا يستشرف ميشليه المقاربة الحديثة؛ إذ قادته معالجته الذاتية والخيالية للساحرة إلى الإمساك بحالتها الموضوعية في الأسطورة بالطريقة التي تُدرَسُ بها حاليًّا في الأنثروبولوجيا البنيوية. وتأثر بارت غاية التأثُّر بهذا الدور الوظيفي المُعطَى للذاتية؛ لأنه يعتقِد أن ميول ميشليه الجنسية — كما يصِفها ميشليه بنفسه — لا تختلف عن ميوله الجنسية كما يصِفها في كتابه خطاب العاشق: إنها ميول جنسية «مُتسامية بطريقةٍ يُصبح معها التسامي الإيروسيةَ نفسَها»، وقد تجنَّب استعارة الاختراق «المُبتذلة» و«المألوفة» لصالح «اليوتوبيا» و«مغامرة الإيلاج الشاعري» و«حالة من تداخل الأجساد بلا حراك» (Essays, pp. 118-19). ومنذ هذه اللحظة رأى بارت نفسَه «ذاتا تُدَنِّس» صفاءَ العلم (Inaugural)، كما رأى نفسَه على صورة ساحرة ميشليه التي ينطوي عليها الطبيب الساحر عند ليفي شتروس، محصورًا — عبر استبعاده — في مُجتمعٍ خطاباتُه العلمية والفنية مُنقسمةٌ على نفسها، في حين يُجسِّدها بارت إذ يلتمس لنفسه الأعذار.



