📰 آخر الأخبار
في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايلاللقاء الأخير/بدر شاكر السيابالذكاء الفائق والوحوش ونهاية العالم بالذكاء الاصطناعي/مارك كوكلبيرج-ترجمة هبة عبد العزيز غانم الأواد وحرمة الأجواد / جواني عبدالالشجرة والنعش/د.ميسون حنا-الأردنناهدة الحلبي .. حينما تكتب لبنان قصيدتها/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلTime Is Not a Coat Hanger - Haibun Poem By Salim Elias Madaloآسا كما عاشها بيران/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيSadness Caused by Trisuli River/Til Kumari Sharma- Nepalلماذا يهرب البشر إلى العبودية؟ يوسف علاريتفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه/إبراهيم أبو عواد / الأردنقهوة وتمر/حسام عبد الحسينوفاء للشاعر " محمد السرغيني"/نجيب طــلالخمسينية/ سنيا الفرجانيأحادثه - تغريد نديم عمران - سورياناتالي بوكلاند .. أرضية ترابية : قصيدة هايبون معاصرة-ترجمة : بنيامين يوخنا دانياللماذا جنين؟ لأنها جنين / د.محمد نبيل كبهاما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السياب
في التفكيك/جوناثان كولر- ترجمة حسام نايلاللقاء الأخير/بدر شاكر السيابالذكاء الفائق والوحوش ونهاية العالم بالذكاء الاصطناعي/مارك كوكلبيرج-ترجمة هبة عبد العزيز غانم الأواد وحرمة الأجواد / جواني عبدالالشجرة والنعش/د.ميسون حنا-الأردنناهدة الحلبي .. حينما تكتب لبنان قصيدتها/الدكتور بليغ حمدي إسماعيلTime Is Not a Coat Hanger - Haibun Poem By Salim Elias Madaloآسا كما عاشها بيران/محمد عالي الحيرش، باحث في الأدب المغاربيSadness Caused by Trisuli River/Til Kumari Sharma- Nepalلماذا يهرب البشر إلى العبودية؟ يوسف علاريتفكيك الأنظمة الشمولية بين هشام مطر وإسماعيل كاداريه/إبراهيم أبو عواد / الأردنقهوة وتمر/حسام عبد الحسينوفاء للشاعر " محمد السرغيني"/نجيب طــلالخمسينية/ سنيا الفرجانيأحادثه - تغريد نديم عمران - سورياناتالي بوكلاند .. أرضية ترابية : قصيدة هايبون معاصرة-ترجمة : بنيامين يوخنا دانياللماذا جنين؟ لأنها جنين / د.محمد نبيل كبهاما يجوز له الانتساب إلى الشعر وما لا يجوز/د.صلاح السروي-مصرالسميولوجيا والبلاغة/بول دي مان- ترجمة حسام نايلالهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايلمحملاً بنهره الأبيض/جواني عبدالجحود الهوى / عبدالناصر عليوي العبيديتلك المرأة الوردة / أحمد عمر زعبار فيلم 1917: الركض في لعبة فيديو قتالية لرواية حياة هشة عن كل شيء في سيرة أخرى لهذا العالم../ حميد الشامي -شاعر وكاتب ومترجم يمني/خاص للمنارعرس في القرية/ بدر شاكر السياب

 مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

الهالة الفرنسية: رولان بارت/آنيت لافرس -ترجمة حسام نايل

ومِن ثمَّ، يقتضي طموحُ بارت الذي أعلنه — هو وآخرون — في سنواته الأخيرة عن إمكان كتابته لرواية، يقتضي سلفًا حلَّ الإشكال الذي يُحيط بقول لاكان Lacan المعروف: «بدايةً، إما أن يتحدَّث المريض إليك أو يتحدَّث عن نفسه، وحين يُمكنه الحديث إليك عن نفسه ينتهي العلاج». من الواضح أن إمكان كتابة رواية مثل رواية إيكو Eco   اسم الوردة   Name of the Rose لم يكن أبدًا همًّا مِن هموم بارت (وفي المقابل، نرى عدم رغبة إيكو في التنصُّل من وضعيته بوصفه نصيرًا للسميولوجيا، وهي المجال المعرفي الذي وضعه إيكو — وليس بارت — على الخريطة للجمهور العام). وأما الرواية التي تَمثَّلها بارت في ذهنه فمُنمذَجة على غرار رواية بروست التي تنطوي على تشكُّكات في صيغة المُتكلِّم جديرة بالاعتبار، ومع ذلك فالمؤلف قادر على التعبير المباشر الذي يُمكن تصديقه برغم خياليته. ولا بدَّ من الانتباه في هذا الصدد إلى أن براعة بارت الحقيقية في محاولاته تسوية التناقُضات التي بَدَتْ لفترةٍ طويلة وكأنها تناقُضات في المبادئ أسهمت في شهرته، كما جعلت عمله يبدو في عينَيه — بلا ريب — مثل وليمة تنتالوس Tantalus. وما يُعَد أمثلةً مناسبة على هذه البراعة أن بارت في أُخريات حياته كان يستدعي بشكلٍ مُستمر مفهوم لاكان عن «الخيالي» imaginary، ليَحُول دون كل فرضياته عن الكلام المُلتزِم، مُطلِقًا العنان لنوع من البَوْح الذاتي، ومن هذه الحِيل البارعة أيضًا توصيته عند البداية بقراءة كتابه بارت بقلم بارت كما لو أنه كتاب عن شخصية روائية. غير أنه كلما زادت المباهاة وكان الاستحسان مضمونًا أصبح عدم الرِّضَا حلًّا لمشكلةٍ جوهرية (بطبيعة الحال مشكلة بارت لا قارئه، بارت الذي يبتهج في النهاية برؤى النص المُتعدِّدة وطرُق القراءة المُبتكرة)، كما يتَّضح مِن تمسُّكه بضرورة أن «يكتب» كتابةً غير مُتعدِّية. ومن الواضح بهذا المعنى أنه لم يظفر — أيًّا كان ما يُعلنه — ﺑ «الانحراف» perversion الذي «يمنح المرءَ» — كما نَصَّ على ذلك — «السعادة بكل بساطة» (Rustle, p. 64) عن طريق التخلُّص من الكبت المؤسَّس على نظامِ قِيَمٍ تراتُبي أيًّا كان مجالها.

(١٠) من العالِم إلى القارئ

برغم البِنية الثلاثية البُعد التي تضمُّ الشعريةَ والنقد والقراءة التي ظهرت فائدتها، كان حضور القراءة الحقيقي — أي «الخطاب» الصامت — عنصرًا من عناصر عدم الاستقرار، بما يُشير إلى أن بارت كان قلقًا من لحظة التغلُّب الفعلية على عقبة مدى مقبولية لُغته. إذ كانت الضوابط التي تُطبَّقُ على الناقد مُتشدِّدة إلى حدٍّ بعيد، كما كانت تُمثل تغييرًا حَرْفيًّا لوضع الاستعارة التي استعملها بارت، استعارة تحويل الشكل anamorphosis. إن «تحويل الشكل» عملية مِن العَرْض المُحَوَّر للموضوع، وهو عرض مُبتكَر إلى الدرجة التي لو شُوهد معها الموضوع من زاوية مُعينة سيبدو مُتناسبَ التكوين تمامًا، كما هي الحال مع الرسَّام الذي يقوم بهذا التحوير عبر إساءة استخدامٍ متواترة لقوانين المنظور. وعلى الناقد أن يقوم بتحويل العمل قيد التحليل مِن خلال تطبيقٍ مُطَّرد لوجهة نظره «المُحوَّرة»، من دون «نسيان» أيٍّ من تفاصيل البِنية العامة الفعلية التي تُحدِّدها سلفًا — في العمل — الشعريةُ.١٨ والمُفردات التي يستعملها بارت بهذا الخصوص تكشف عن أنه اجتزأ — في واقع الحال — نموذج تشومسكي، الذي كان قد وصل إلى فرنسا وقت طبع النقد والحقيقة. إذ استبقى الجانبَ التوليدي منه لصالح الشعرية، ثم اختزل النقدَ إلى وجهٍ تحويلي. وحين بدأ يشكُّ — بتأثيرٍ من كريستيفا — في قيمة نموذج تشومسكي، بالإضافة إلى تخوُّفه من تركيز هذا النموذج على العبارة — التي يُطابِقها بالقصة الأوديبية — قام باستدماج القراءة في النقد بدلًا مِن أن يَقرن النقدَ بالشعرية. ويُمثل كتابُ لذة النص — إلى حدٍّ ما — قصة الكيفية التي توصَّل بها بارت إلى إحلال «التجسيم الصوتي» stereophony للأصوات المُبهمة التي نسمعها في مقهًى بالمصادفة — جاعلًا منها نصًّا حيويًّا — محلَّ النموذج التركيبي، كما يُمثل الكتابُ قصةَ الكيفية التي توصَّل بها إلى التغاضي عن الصراعات الأوديبية لصالح دوافع سميوطيقية ما قبل أوديبية. كان بارت مُرْسِلًا يتشكَّك في الرسائل التي يُرسلها، ثم صار الآن قارئًا غير مُتشكِّك. وبدلًا من الانقياد إلى «عدم التحيُّز» الذي ينطوي عليه العلم، اتسم بارت بخصوبة الرغبة، ذلك الصمت الغَني على الدوام الذي بمقدوره توليد أيِّ شيء.

لقد نَصَّ بارت من قبل على أن معنى أيِّ عملٍ معنًى تعدُّدي، وأن هذا لا يعني أن له معنًى وحيدًا بالنسبة إلى عددٍ من القرَّاء، بل له معانٍ عديدة بالنسبة إلى القارئ الواحد. ثم زاد على ذلك بقوله: «لا بد أن نقرأ بالطريقة التي يكتب بها الكاتب» (Criticism, p. 69). ولا يصحُّ أن نصف أي قراءةٍ بالبطلان ولا بالمشروعية؛ لأن الشفرة الرمزية العامة «ترتسِم على كُتَل المعنى لا على السطور، فتُعلن حينئذٍ عن وجود الْتباساتٍ لا عن وجود معنى» (Criticism, p. 72). وتجد هذه النظريةُ تطبيقًا مُمتازًا لها في نصٍّ واحد هو نص رواية سارازين Sarrasine لبلزاك Balzac. يكمن الاختلاف بين كتاب النقد والحقيقة وكتاب S/Z في أنَّ بارت يرى نفسَه في النصِّ الأول مُصَنِّفًا compilator يحدِّد المعنى «بصرف النظر عن تكويناته الشكلية»، وينطبق ذلك على تقطيع العمل بغرَض الدراسة، كما ينطبق على الاستشهاد بالخطاب المُعاصر. أما في S/Z فيُفسح اقتباسُه المُدقق من مختلف المصادر المجالَ لفكرة كريستيفا عن التناصِّ (وهي فكرة مُشتقة من باختين) مع بعضٍ من الاستنتاجات المحدودة، كما سنرى.

إن طريقة بارت في تعديل المفاهيم وَفْقَ الحاجة — ويُعَدُّ الانتقال «من العمل إلى النص» مثالًا على ذلك — ضمِنت أنَّ كل منطوقٍ يكشف عن علامات على مؤلِّفه «يجمح» بطريقةٍ زَعَمَ فيما بعدُ أنه يفتقِدها لدى مُمارسي «السميولوجيا الكلاسيكية». ومِن قبل، استعمل تعبير «الجموح» للإحالة إلى التجربة التي تُميِّز — وَفْقَ بارت — الكاتبَ الذي يرى أن كتابًا مثل كتاب بروست «يكتب نفسَه في اللحظة التي يبحث فيها عن الكتاب». لذا، يذهب بارت إلى أن النصَّ المادي نصٌّ غير جوهري «بل غير موثوق فيه إلى حدٍّ ما» (Essays, p. 11) وهو الأمر الذي جعله مُستعدًّا لاقتراح فكرة النص القابل للكتابة writeable text بوصفها فكرة مثالية غير مادية، «كتابة أنفسنا» (S/Z, p. 5)، ذلك «الكتاب الضخم» الذي هو مجاز على كتابةٍ كامنة تستحضر كلَّ العناصر الدلالية والشكلية التي تُنتجها بنيةُ الفرد الذهنية ذات الطابع الكُلي، وهي بِنية مادية وتاريخية في آنٍ، أطلقت عليها كريستيفا النصَّ التكوينيَّ [العميق] المُختلف عن النص الظاهري المرئي «غير الجوهري».١٩ يقول بارت إنه «يوجَد كُتَّاب بلا كُتب»، لُغتهم وجسدهم وممارستهم تُنتج التأثيرَ نفسَه؛ لأن رغبتهم في غاية مُحددة تتجاوز انشغالهم بالحاضر (Sollers, p. 78).

(١١) الأيديولوجيا البنيوية

من الثابت أن الرؤية «الأخروية» في الكتابة «جرَفت» بارت، حتى في أواسط مرحلتِه البنيوية، وكان يُدرك ذلك (Sollers, p. 7). فأخذ يتحدَّث عن نفسه من دون أن يتحدث إلينا، ولكنه تحدث إلينا أيضًا، وإن يكن «بخدعة صامتة أخيرة»، إذ تَطلَّعَ إلى أن نستمع إليه حين قدَّم لنا المنهجية البنيوية؛ وهو الأمر الذي أعطى سياقًا لمنطوقاته اللاحقة التي كانت تقدح في رفاقه السابقين، ومع أن الظروف المُخفَّفة نفسها لا تنطبق على مَن يُردِّدون بآليةٍ وَصْفَه لهذه المرحلة بأنها «حلمٌ مَرِحٌ بالعلمية» (Reponses, p. 97) من دون معاناة أيِّ حلم أو إظهار القدرة على أي إنتاجية علمية، فالمرء يُمكنه تفهُّم ما يَعنيه بارت. إذ كانت أيديولوجيا اللغويات — التي بلغت أوجها آنذاك — مُثيرة للسخط. كانت أيديولوجيا تقدِّمُ الحقيقةَ بأكثر مما كان يمكن أن يفعله العلم، فجاءت الثمرةُ خصبةً على نحوٍ مُدهش، ولا أحد ممَّن عاش أثناء تلك المرحلة يُمكنه نسيان هذا الفوران. غير أنها أيديولوجيا وحيدة الاتجاه، وفي معظم الأحيان مُشوِّهة بطريقة ساذجة، ومِن السهل توظيفها لحساب أيِّ مسعًى دوجمائي إلى السلطة. وما يُثير السخرية أنَّ بارت — وكانت البنيوية مصنوعة على مقاسه — استشعر أنها تَتهدَّده، فعرَّفها بأنها تقديس المعيارية، الأمر الذي يدفع أيَّ ليبرالي مُتسامح إلى تفسير الإبداع بأنه انحراف.

كان البنيويون يرزحون تحت ثقل النموذج الفونولوجي ويستمتعون بفوائده في آنٍ. ومع أنهم يميلون — ومُستعدِّون على المستوى الجينالوجي — إلى اقتفاء سلسلة نَسَبهم عائدين إلى الرواقيين ومَن سبقهم — الثقافات الشرقية مثلًا — فقد كانوا مدفوعين في الأساس بانكبابهم على أنثروبولوجيا ليفي شتروس التي انطوت على فونولوجيا ياكوبسون. حدَّدت الفونولوجيا درسَ دو سوسير تحديدًا قاطعًا، ففضلًا عن كونها مصدر اللغويات الحديثة الرئيس قدَّمت بعض السمات العلمية الفردية، كما حدَّد لاكان Lacan في المدَّة ذاتها تحديدًا قاطعًا خيارات فرويد الفردية. إن للفونولوجيا ميزتَين، إذ من الممكن رؤيتها بوصفها خلاصة اللغويات، وهي خلاصة تتَّصِف بالعلمية والإحكام، كما أنها تقدم نموذجًا يساعد على الإيضاح الشارح، فتعطي تطبيقاتٍ دقيقةً غير مُتحيزة. يمكن تسجيل الكلام على ورق، بخلاف مكوِّنات الدلالة ذات الطابع الذهني، ويبدو أن إمكان إضفاء الطابع المادي اتخذ شكلًا متضخمًا (إذ بعد ربع قرنٍ من الزمان تنسى بعض التبسيطات العامة أن الدوال ذهنية أيضًا، ناهيك عن التصوُّرات التي هي واسطتنا إلى المرجع). إن مبدأ الفونولوجيا الثنائي — الآتي في جيل الكمبيوتر الأول — يبدو متشبثًا بوعد الوحدة في نظريات الطبيعة، ويروق هذا لأناسٍ مثل ليفي شتروس وبارت، مع أنهما يَظهران بمظهرٍ فلسفي واقعي فيزيائي. ومع ذلك، ارتاب بارت ارتيابًا تامًّا في خصائصها الاختزالية وفقدانها الأقطاب «الحيادية» و«المُركَّبة»، وبخاصة إذا تذكَّر المرءُ توظيفات بارت الانفعالية المزدوِجة التي كانت طليعية آنذاك في فرنسا: نوعَي الاختلاف الجنسي والاستبدال المُمكن بين ضميرَي المُخاطَب أنت وأنتم، وهو استبدال يُعدِّل من العلاقات الاجتماعية وَفْقَ متطلَّبات الألفة والمسافة (Rustle, p. 321, Inaugural, p. 460). وبالمناسبة، أشبعت البنيويةُ بشكلٍ رائع هاتَين الرغبتَين. وعلى المستوى السوسيولوجي، ولَّدت التجمُّعاتُ الجديدة التي كرَّست نفسَها لهذا الخلاص الحديث (مثل «مركز دراسات التواصُل الجماهيري» ومراجعته ﻟ عمليات التواصُل، وهو مركز أُنْشِئ في «كلية الدراسات العُليا التطبيقية» من أجل دراسة الثقافة الجماهيرية) — وَلَّدت جوًّا اجتماعيًّا يتناسب مع بارت الذي يعتمِد دومًا على مُستقبلِين مُحدَّدين لرسالته، في حين كانت محتويات المذهب تنطوي على توسُّط بين المُحلِّل والواقع.

وقد تناسبَت أيضًا نظرية العلامة البنيوية مع ازدواجية بارت. إذ جعلت السمةُ الاعتباطية في العلامة الحياةَ مُزَاحَةً أو على مسافة، لكن بارت كان يؤمِن بأنَّ «الكُتَّاب الذين هم على شاكلة كراتيلوس Cratylus لا هيرموجينيس Hermogenes» آمِنون من الإخفاق في تمثيل الواقعي، مما يضمن الإنتاجيةَ الدائمة (Inaugural, p. 463). أما بخصوص مبدأ التزامن فكان ذا أهمية قصوى لبارت، حيث عايشه بوصفه تحرُّرًا من هيمنة «التاريخ» والأسطورة الماركسية الوجودية التي نشرت ظلال الشعور بالإثم على كُتبه الأولى. ثم اعتاد بارت بعد ١٩٦٨م أن يصدَّ موجة النزعة الدوجمائية السياسية التي تركت آثارها على المحاضرة الافتتاحية   Inaugural lecture ونصوص أخرى. وقد مهَّدت الكوارث الروحية التي مُنيت بها العديدُ من الأنظمة الماركسية التي استثمرها المُفكِّرون بنجاح، وكذلك طَبْع رواية أرخبيل الجولاج   Gulag Archipelago لمؤلِّفها سولجنيتسين Solzhenitsyn، ثم بزوغ «فلسفة جديدة» في الأفق — مهَّدت جميعُها الطريقَ أمام النزعة الفردية في أعمال بارت المتأخِّرة. ومع أن الماركسية لعبت دور المرجع الشامل للخطاب الفكري وقتًا طويلًا، فقد كان يجري تجنُّب إشاراتها بوصفها شفرة الوضوح والتشريع الأخلاقي، وهو الأمر الذي ترك مكانًا شاغرًا لم يملأه نيتشه بالكامل.٢٠

وما دعم التشديدَ على مبدأ التزامن اعتقادٌ يؤمن بأوَّلية اللغة وخصيصتها النسقية، وكان يُضخِّم من هذا الاعتقاد المُعتنقون اللغويون الجُدد، كما دعمه ترويجُ بارت لمبدأ المشروعية بدلًا من الحقيقة. وإذا كان مبدأ أفضلية اللغة الاجتماعية يُوهِن من شغف بارت بتجنُّب القوالب المكرورة فقد أتاحت نظريةُ المعلوماتية التي ارتبطت في ذلك الوقت بمجموعة متكافلة من التعاليم العودةَ إلى الحديث عن الأصالة مرة أخرى، وهو الأمر الذي ألقى باللهجات الاجتماعية sociolects إلى سلة المُهملات التي تضم اللاحسمية والهيولية والموت. إن التنظيم الثنائي في كتاب مبادئ السميولوجيا — وهو الإنجاز البارز الذي لا يزال حجر الزاوية في البحث السميولوجي — أغرى بإمكان إحداث انتهاكات، كما افترض أن هذه الانتهاكات يمكن تصوُّرها، على غرار نموذج نظرية ياكوبسون عن الشعر بوصفه إسقاط المحور التعاقُبي على المحور التزامني، وبوصفه الأساس المُطلَق في اللغة والأدب، وفي الممارسة والإبداع على السواء. ومع ذلك، فإن «علم اللغة العابر للغات» translinguistics الذي يَنتج عن ذلك — والذي سيتناول أيَّ نسق من العلامات، أيًّا كانت مضامين هذا النسق وحدوده، سواء أكان «صورًا مجازية، أم إيماءات، أم أصواتًا موسيقية، أم موضوعات وترابُطات مُركَّبة من بينها ترابُطات شكل محتوى الشعائر أو الأعراف أو الاحتفالات الشعبية» (Elements, p. 9) — سيُسلط الضوء على مفارقة السميولوجيا، ألا وهي أن اللغات هي النموذج والموضوع في آنٍ. أَضِفْ إلى هذا أن بارت وضع سابقًا قنبلتَين موقوتتَين — هما الإيحاء connotation والانهمام بالذات المُتكلمة — تُهدِّدان فكرة دي سوسير عن انغلاق العلامة قبل أن يُصبح ذلك قالبًا مكرورًا في ميتافيزيقا أواخر ستينيات القرن العشرين.

كانت نظرية سوسير ينتابها الضعف في جانبَين منها على وجه التحديد، وهو ما أنتج أهم التطوُّرات في التحليل البنيوي وما بعد البنيوي، أعني جانبَي التركيب والدلالة، ناهيك عن الجانب المتسارع النمو في البرَجماتية الذي ألقى ظلالًا من الشكِّ على فرضية اللغة   langue عينها؛ إذ أبقت البرَجماتية على اللغة وحدَها في علاقتها بدراسة المواقف الاجتماعية التي تُحدد ضوابط الكلام، كما رأت أن هذه المواقف تتموضع في مركز نظرية الخطاب لا في مُحيطها.

إن مبدأ العلامة الرئيس — فيما يرى دي سوسير، ومؤدَّاه أنها كيان ثنائي يتألف من الدال والمدلول مع استبعاد المرجع — يكشف في الحال عن مواطن ضعف هذه النظرية بالنسبة إلى البحث الدلالي، حتى لو مَضينا وراء اقتراح هيلمسليف Hjelmslev — وهو أحد أتباع دي سوسير والأب الآخر المُؤسِّس للسميولوجيا — وهو اقتراح يضع في الحسبان مُستوَيين في اللغة على الأصح: مستوى التعبير ومستوى المُحتوى. وإضافةً إلى مزايا هذا الاقتراح التطبيقية فإنه يتَّصف بميزة إدراك وجود المحتوى — كما أشار إلى ذلك جريماس مازحًا — الذي كان يجري استنكاره في الغالب تماشيًا مع الموضة السائدة، ومِن ثمَّ يسمح بدراسته! وقد أعاد بارت اكتشافَ ذلك بشكلٍ وافٍ في أثناء دراسته لغة الموضة، برغم اللعبة التي تُغري بعزل وحدة العلامة — وهي وحدة فريدة واعتباطية — عن العالم ثم تعريفها على نحوٍ مُميز بأنها اختلاف محض من دون أدنى فكرة وضعية. وعلى هذا، اقترح بارت فكرةَ وظيفة العلامة، التي سلَّمت بضرورة الدعم المُحايد للمعنى في أنساقٍ غير لفظية. لكن عن طريق تحويل مُدونته من اشتغال اللغة على وصف الملابس إلى اشتغالها على مجموعة التعليقات المصاحبة لصور الموضة المنشورة — وهي تعليقات إطنابية بالنظر إلى الرسم أو التصوير الفوتوغرافي — سهَّل بارت — بهذا التحويل — عودتَه إلى لغة الأدب «التأكيدية» غير الوظيفية. يُضاف إلى ذلك أن علمَ الدلالة ذاتَه له أيديولوجيته التي تُحركها فكرة بيرس Peirce عن العلامة بوصفها كيانًا ناقصًا يستلزِم دومًا الرجوع إلى دائرية تفترضها التعريفات القاموسية الشارحة.

وقد أدرك سوسير بنفسه أن اللغة — كما طرحها فيما بعدُ هيلمسليف — تلعب دور النسق في العلامات، غير أنه نسق ينبني بوصفِه نسقًا من الصور الرمزية   system of figurae، أو نسق وحدات الصوت والمعنى الصغرى. إذ رأى أننا نتواصل «عبر مجموعاتٍ من العلامات هي ذاتُها علامات» (Course, p. 123) مع أن العلامات — وبصفةٍ خاصة الأسماء — «تتأصَّل في الذهن». ومِن المُحتمل أن هذه المشكلة التي تُثيرها عملية الدلالة تسبَّبت عنده في التأجيل والانزعاج اللذَين أفضى كلاهما إلى عدم نشر دروسه في اللسانيات العامة حينها، حيث قضى وقتًا طويلًا يُحاول فيه حسم التساؤل عمَّا إذا كانت بعض القصائد اللاتينية ذات بنيةٍ جناسية تصحيفية anagrammatic structure بما يمنحها معنًى ثانيًا محبوكًا في معناها الأول. وكان نشر تلك الجناسات التصحيفية anagrams عاملًا مِن العوامل التي عجَّلت بأزمة العلامة، وهو الأمر الذي أثَّر تأثيرًا عميقًا في بارت عبر نظريات كريستيفا التي تأثرت هي الأخرى باستكشاف دَريدا لميتافيزيقا بنية العلامة. وكان لدَريدا أيضًا — وهو الوحيد تقريبًا في ذلك الوقت — مزية انتقاء أسئلة الذاكرة من بين المشكلات البَيْنية في اللغويات والتحليل النفسي، وهي أسئلة ذات أهميةٍ واضحة، ولو أنها أُهمِلَت بشكلٍ غامض خلال جيلٍ بأكمله كان يُردد الأقوال الشائعة عن وجود دوال من دون مدلولات.

(١٢) هل كان بارت بنيويًّا؟

لم يتنصَّل بارت من عمله السميولوجي حين انكبَّ على تحليل العلامات الاجتماعية وفكِّ مَغاليقها في آنٍ، غير أننا حين نأتي إلى التفكير فيما إذا كان بارت بنيويًّا في دراسته الأدبية، فلا بد أن نُحدد مصطلحاتنا. ولْنلاحظ قبل ذلك مثالًا آخر إضافيًّا على ازدواجيته. فمع أن بارت حداثي في الأساس (إذ امتدح باستمرار الطليعة الواعية بنفسها في العمل الفنِّي ومشاركة القارئ فيما أطلق عليه إيكو «العمل المفتوح»)، لم يقدس المُعتقد الحداثي الخاص بسرمدية الشكل والمحتوى وعدم الفكاك منهما، إذ قام بتمييزهما بطريقةٍ شديدة الشخصية بما أتاح له تناول عددٍ من المشكلات القديمة بنظرة جديدة (في مقاله عن لاروشفوكو La Rochefoucauld، مثلًا — انظر مقالات نقدية جديدة). ومِن ثمَّ، لم يعترِض بارت على الدرس المُستقل للطبقة السردية، أو «القصة» أو «الحكاية»، الذي صار شغلَ البنيويِّين الشاغل في الدراسات النصية والسينمائية، كما أنه تبنَّى في كتابه S/Z منهجيةً مختلطة تُصبح معها وحدة التحليل — أي الدلالة الإيحائية — كائنة على مستوى المدلول، في حين أن وحدة الشرح التي لها قيمة استعارية بوصفها تمثيلًا لعملية القراءة — وهي لهذا تُدعَى وحدة قراءة lexia — كائنة على مستوى الدال. ومع ذلك، يُمكننا توقُّع ردود فعل مختلفة منه على تنوُّع الممارسات المُرتبطة بالبنيوية الأدبية، اعتمادًا على إذا ما كان يستشعِر أنها ممارسات تعوق حريته في الممارسة أم تُعَد على العكس مثالًا على إبداعيته.

إذا عرَّفنا البنيوية الأدبية بأنها محاولة نسقية لاستكشاف الأدب بتطبيق فرضياتٍ لغوية مُتنوعة، فإن بارت يُعَد من دون شكٍّ أحد المنظِّرين الذين غَيَّر عملُهم وجهَ الدراسات الأدبية بين عشيةٍ وضحاها تقريبًا. لم يكتفِ بارت بتحديد أدوار الفيلولوجي والمؤرِّخ ومُتذوِّق الشعر تحديدًا قاطعًا، بل أنتج عددًا وافرًا من المفاهيم التي حققت درجةً عالية من الدقة. فعلى سبيل المثال، أصبح مفهوم «تأثير الواقع» reality effect أحد المفاهيم التي أشاعها بارت في الاستعمال اليومي، إذ شرح بواسطته ما يلعبه الإسهاب في التفاصيل من دورٍ في الأدب الواقعي، وهو الدور الذي يفترض صلةً مباشرة بين الدال والمرجع، بما كان يعنيه ذلك من محاولة تمرير المدلول الذي هو — في واقع الأمر — مستودع الأيديولوجيا الواقعية. وقد ظلَّ بارت بنيويًّا على الدوام بالمعنى الذي تستمر به الفرضيات اللغوية في أن تكون وسيطًا لطريقة تفكيره في نص العالَم والذات إلى النهاية.

ثمة تعريف آخر للبنيوية الأدبية مؤسَّس على معيار سوسيري [نسبةً إلى دي سوسير] أو تشومسكي يصير بمُقتضاه العمل — أو مجموعة أعمال — نسقًا أو شفرة ينبغي اكتشاف قوانينها النحوية والبلاغية. كما نجد أيضًا اهتمامًا مستمرًّا من جانب بارت بهذه المقاربة، بدءًا من تعريفه البلاغةَ التي تُهيمن على الكلام الأسطوري في كتابه أساطير إلى وصفه الصور المجازية في كتابه خطاب العاشق بعد ثلاثين عامًا، مرورًا بتحليله الشفرة السادية في كتابه Sade, Fourier, Loyola.

وأخيرًا، لا يزال التعريف الأكثر حصرًا للبنيوية الأدبية ينشغل بالقصِّ وكفى. ومع ذلك، فلنتذكَّر أن جريماس ومدرسته يُحددان بنيةً سردية في كل خطاب، بدءًا من وصفات الطبخ حتى البحوث الفلسفية: في كل الأوصاف المتعاقبة التي تصِف التغيُّرات في المواقف، ما دامت الموجودات البشرية تميل إلى أنْسَنة عوامل هذه التغيرات، وفي الواقع تميل إلى أنْسَنة كل موضوعٍ في الكون. وما يُبرهن سلبيًّا على صحة هذا الحَدْس شكوكُ بارت في ممارسات الخطاب في أخريات حياته، وهي شكوك جعلته يرى الخطابَ المُتماسك منطقيًّا خيانة خطيرة، وذلك على نحوٍ جعله يميل إلى المقاربة التقطيعية. من الممكن أن يمضي تحليل الخطاب عن طريق نماذج دلالية أو تركيبية، كما يمكن رؤية النص بوصفه وحدة دلالية كبرى sememe، والمقصود معنى الكلمة بموجب سياق، كما يمكن استكشاف النص عن طريق تحديد ما فيه من وحداتٍ دلالية صُغرى sèmes ثم تحديد انتظاماتها بوصفها انتظامات دلالية مُتشابهة isotopies أو بوصفها مستويات مُترابطة منطقيًّا. أو يمكن للمرء افتراض تَشاكُل بين النص والعبارة، وَفْقَ النموذج الذي استقاه جريماس من افتراض عالِم اللغويات تِنْيير Tesniere، الذي شبَّه العبارةَ بعملٍ مسرحي مُصغَّر، كما استقاه من العمل الذي قام به كل من الفولكلوري بروب Propp والفيلسوف سُوريو Souriau على أساس توليفاتٍ مِن التشكيلات المجردة أو الفاعلين الذين يقومون بالأفعال ويُشكِّلون الأساسَ في التأثيرات النفسية التي تُنتجها الشخصيات. وقد استعمل بارت في مقاله «الإنسان الراسيني» Racinian Man هؤلاء الفاعلين بوصفهم بنودًا لغوية، يُصنِّفها أولًا بوصفها واقعة ضمن محاور استبدال ثم يُنظِّمها في محاور تركيبية متنوعة.

وبعد سنوات قليلة، كشف مقالُه «مقدمة إلى دراسة السرد بنيويًّا» عن تآلُفه مع هذا الزاد المُعتبر في البحث، ومع العديد من المظاهر التي طعَّمت تحليلاته في كتابه S/Z، الذي جاء فاتحةَ عهدٍ جديد، لكنه يكشف عمَّا يجب أن يكون عليه المِثالُ الفريد لمُنظِّرٍ يُفكِّك أطروحتَه كلما تقدم فيها بسبب ازدواجية أهدافه. لقد صاغ في هذا الكتاب مبدأً منهجيًّا لدراسة الطبقة السردية المتميزة، إلا أنه قدَّم طبقةَ الخطاب بوصفها طبقةً استدماجية في الأساس، لأنه أراد التشديد على دور اللغة. كما تعرَّض بارت فيه لكُتَل بناء التحليل، أي «الوظائف الرئيسة» Cardinal functions التي تُمفصِل القصَّ، و«المُحفِّزات» catalyzers التي تُعجِّل من الأطوار المختلفة التي يمرُّ بها جوهر هذه الأفعال أو تكشف عنها، بالإضافة إلى «المؤشرات» indices و«الرُّواة» informants، وغيرها من المسائل التي تُعالج ما ينطوي عليه المحتوى من مظهرٍ دلالي. ومع ذلك، لم يحمل بارت نفسَه على البحث في مُتلازماتها الأساسية، الشخصيات أو على الأقل الفاعلين (التي استعملها في مقاله عن رواية سولرس دراما، وفي مقاله «الإنسان الراسيني») بسبب حربه التي شنَّها على عملية التطابق الروائي. ومن حيث النتيجة، فإن الأسماء التي أطلقها على أول مستويَين من التحليل — وهي «الوظائف» و«الأفعال» — تُعَدُّ حشوًا زائدًا، وأما المستوى الثاني فهو مستوى الفاعلين agents (الشخصيات أو المُمثلين) الذين يقومون بالوظائف أو الأفعال. وأخيرًا، تضطلع الخاتمةُ بنقطة الالتقاء الحتمية في القصِّ، أي الْتقاء العبارة والحياة الإنسانية، كما تُعَد الخاتمةُ عودةً حقيقية للمكبوت، حيث تظهر انشغالات بارت الأوديبية مثلما يظهر التكثيف المُتتابع في بحثه عن الحرية بوصفهما وظائف رئيسة في هذا السرد المُحدَّد.

كان مِن المُقدَّر أن يسعى بارت إلى تقسيم انشغاله الدائم إلى وجوه «جيدة» و«رديئة»، وهذا ما نراه في كتابه S/Z. فالقصة الأوديبية التي تتوقف فيما يرى عند الخصاء، تُعَد الشغلَ الشاغل للشفرة التي يأخُذها بارت عن لاكان Lacan ويطلق عليها — مع ذلك — شفرة «رمزية»، ولا يرجع ذلك إلى ما يُمثله مضمونها بل إلى انفلاتها المُفترض من سهم الزمن الذي يُمثل خلاصًا لبارت الشخص والمُنظِّر. وعدم قابلية العودة التي عايشها بارت نفسُه بوصفها تهديدًا قائمًا تظل مُتوقِّفة على شفرتَين أخريَين، هما شفرة الأفعال وشفرة الألغاز، وهما شفرتان قليلَتا القيمة تكتيكيًّا.

ومن المفارقة أن الدراسات الحديثة عن الشخصية — مثل دراسات هامون Hamon — تَدين بقدْرٍ كبير لأفكار بارت المُبكرة حول هذه المشكلة. إن الشخصيات characters فريدة من حيث هي وحدات في كلٍّ من المستويين التركيبي والدلالي، ولذا لا بد أن تضيف دراستُها إلى المقاربة التركيبية التي تدرس الفاعلين تحليلًا دلاليًّا يجب إجراؤه على مستوى كلٍّ من المحتوى وطريقة التعبير عن الدوال المُتقطعة، مثلما يُشير إلى ذلك بارت في مقاله «تاريخ أم أدب» أو في كتابه نسق الموضة. ليست الشخصيات في كتاب S/Z مشفَّرة على هذا المنوال، برغم كونها مذكورة بشكلٍ تلقائي، ومِن ثمَّ تغدو بهذا المعنى فاعلةً لا في قصة بلزاك فحسب وإنما فاعلة أيضًا في كتاب بارت (الذي تُعَد حبكتُه تفكيكًا لكلٍّ من تحليل الأدب التقليدي والبنيوي). الشخصيات مُشفَّرة فحسب عبر وحدات المعنى الصغرى semes (السمات الدلالية) التي تشترك في الخواص مع الخلفية مثلًا، وعبر إقراره المُتحفِّظ بأن الشفرة الدلالية هي «صوت الشخص». غير أن مقالة بارت الأخيرة عن تصوير الفنانة التشكيلية أرتيميزيا جَنتيليسكي لمشهد قتل جوديت لهولفيرن، تكشف عن الكيفية التي تُوفر بها السمات الدلالية بابًا خلفيًّا لتحليل ثيمةٍ مُثيرة للانتباه يغدو معها قطع الرأس شبيهًا بالخصاء. وتنويهه بمشاعره في العبارة الآتية «نمت ساعةً هنيئةً منذ مدَّة طويلة …» تجاه قراءة عن تولستوي Tolstoi كما يراه بولانسكي Bolkonsky وتجاه أخته ماري Marie حين أوشكت على الموت (Rustles, pp. 286 and 288) — (لكن المقطع حُذِفَ من النسخة المُترجمة) — هذا التنويه يُعد إنكارًا للكبت الشديد لدى الشخصية التي تُنتج الاستيهامات fantasies بطريقةٍ لا مثيل لها، حيث يُعَد استبعادها في النظرية الحالية أمرًا مفهومًا على ضوء تقديسها العبثي للبطل في الماضي، لكن هذا الاستبعاد ربما يبدو لدى قرَّاء المُستقبل انحرافًا جامحًا.

مِن المتوقَّع أن تكون الشخصيات في كتاب بارت S/Z ضحايا طريقة معالجته، وهو الكتاب الذي حقق منزلةً أسطورية في بعض الأوساط إذ قُدِّم بوصفه بداية مُطلقة، ويمثل مع مجموعة المقالات التي تكوِّن كتاب Sade, Fouriers, Loyola مثالًا على ممارسة الأدب النقدية التي تتَّصف بالجِدة الجذرية التي هي العلم الحقيقي في دراسة الأدب. ويوجَد دليل يُبيِّن أن هذه القطيعة الجذرية لم يكن يتوقَّعها بارت: إذ قدَّمت الدعايةُ المُغالَى فيها الكتابَ بوصفه إسهامًا في كلٍّ من «تحليل السرد بنيويًّا» و«علم النص». ويبدو التعبير الأخير اليوم مثل اجتماع لفظَين متناقضَين oxymoron، لأن بارت يتحاشى في كلِّ موضعٍ مِن الكتاب تعريف النص مثلما يتحاشى تعريف الدالِّ لكي يتجنَّب أسْرَه في سجن المدلول — أي «نقيضه» — مؤكدًا أنه يكفي ببساطة استعماله («استطرادات» Digressions المنشور في هسيس   Bruissement, p. 90 — والمحذوف من «حفيف» Rustle). ويتخذ الاجتناب ها هنا شكلَ تجاهلِ إمكان النموذج التركيبي ككل، بما يُفسر الجمع الغريب بين بروب ونظرية سوسير السردية بالموازاة مع دَريدا وكريستيفا وبنفنيست وفوكو ومنظِّرين آخرين في القائمة التي يُعدِّد فيها بارت المؤثرات التي جعلته مُدركًا مخاطر هذه الفكرة المعيارية: لقد مثَّل بروب الخطر، أما هم فمثَّلوا الأسلحة الدفاعية (Challenge, p. 6).

يؤسِّس الكتاب إيماءةً لافتة بطبيعته غير القابلة للتكرار، فهو تفجير لسجن الباستيل المُتمثل في تراتُب لغات المجتمع. وأما حقيقة أن أوراق اعتماد بارت بوصفه كاتبًا تعتمد كليًّا على كتب أخرى أو أنه يمكن استعمالها مصدرًا إضافيًّا للأُبَّهة الأكاديمية فلن يُغيِّر من تلك الدلالة الأولى. وأما عن فكرة نشر تحليل بأكمله لنصٍّ بأكمله — رواية سارازين لبلزاك — يمتزج فيه خطاب الناقد بخطاب الكاتب ويقترح باختياره وحدات الشفرات وتعدُّديتها وضعًا جديدًا في القراءة فيُنبِّه إلى فكرة الإدلال أو الإنتاج الدلالي بما هي «نوع من بَيْنيَّة المعنى intersense غير المحدودة التي تتمدَّد بين اللغة والعالَم»٢١ (Grain, pp. 73-4) — هذا التحليل على هذا النحو يضع العمل في موقعٍ لا يعود معه مجرد صيغة جديدة مناسبة للتعليقات. ومع ذلك، فثمة إشكالات يقع فيها بارت وقارئه على السواء.

يتمثل أحد هذه الإشكالات في الطابع العام الذي يُميز الشفرات الخمس التي اختارها، والتي يبدو أنها تُغطي معظم التساؤلات التي يتوقَّع المرء أن تبحثها النظرية الأدبية. وثَمَّ مقالات أخرى مِثل مقالته عن الإنجيل أو «السيد فالدومار» Mr. Valdemar لبو Poe تستعمل شفراتٍ أخرى، مُنتقاة بطريقة غير تمثيلية تبدو معها تلك المقالات مثل أعمال التخريب. وأما الشفرات في كتاب S/Z فهي مُدْرَجة في نظام تراتُبي واضح: شفرة الأفعال (وهي شفرة مؤسَّسَة على نموذج تسلسُل البدائل منطقيًّا عند بريمون Bremond، ويُعطي بارت الأفعالَ الأقل دراميةً الأولويةَ)، وشفرة التشويق suspense (الشفرة التأويلية)، وشفرة وحدات المعنى الصُّغرى أو السِّمات الدلالية (ومع أنه يُطلَق عليها «صوت الشخص» فهي تنشر في واقع الحال ظلالها على «الشخصيات والأجواء والصور المجازية والرموز»)، وشفرة الإحالات الثقافية (وتضم كل الآراء التي لا يؤمِن بها)، والشفرة الرمزية أو المجال الرمزي (وتضم كل الآراء التي يؤمِن بها). وتعليقي على الشفرتَين الأخيرتَين تشوبه السخرية نوعًا ما؛ فها هنا يوجَد في واقع الحال رؤيتان عن العالم، وتناصَّان. تتمثَّل الأولى في الإجماع البرجوازي الذي يُشكِّل كلَّ القوالب المُكرَّرة وكلًّا من المحتوى والشكل، بما يجعل من بلزاك أرض صيدٍ مواتيةً لدارس الأساطير. وأما الرؤية الأخرى فهي توليفة من الاقتصاد والتحليل النفسي والنظرية الأدبية بما جعل بارت — كما رأينا — قلقًا على تدعيم المرتكزات النظرية لكل أعماله في أوقاتٍ مختلفة من حياته، وتلك توليفة ثلاثية الإطار «مقبولة» في عصرنا.٢٢

يقصد الكتاب إلى التدليل أيضًا على استحالة استرداد المؤلف من النص. وربما يُجادل المرء بأن المعالجة التي تنتقِص من قدْر نص سارازين — برغم الإعجاب ﺑ «غلوِّها الرمزي» — تولَّدت عن معرفة بارت بأنه يتعامل مع بلزاك، ومِن دون شكٍّ نستطيع سماع صوت بارت بكلِّ سهولة حين نسلِّم بالمظاهر والآراء الدالَّة على ذلك الموجودة في أعماله الأخرى (مثلًا، كتابه خطاب العاشق)، وقَلَّ أن تُوجَد في كتبٍ أخرى مهما كان ما يقوله بارت. ويُناقِض هذا الرأيُ في حقيقة الأمر فكرةَ أن ذلك ليس سوى قراءة قارئٍ واحد، بخلاف الحال في كتابه النقد والحقيقة، إنه دَيْن بنيوي ﻟ «سكِّين القيمة» التي تُعنَى قليلًا بالشمول الأكاديمي أو حتى الحوار، فتصنع المَعنى على الدوام عن طريق النسيان. وحِسُّ بارت المُتفاقم بالتاريخية هو الذي يوجِّه بشكلٍ طبيعي سكِّين القيمة هذا، كما أن الفرق بين قابلية القراءة/قابلية الكتابة   lisible/scriptible يُعبِّر قبل كلِّ شيءٍ عن أخلاقية فنية تُسلِّم بأن الأصالة هي القيمة الوحيدة. وها هنا، يغدو المَوقع من التاريخ أهمَّ من أيِّ محتوًى، فما كان يحدُث في أزمنةٍ أسبق وأبسط لن يمكن فعلُه في دوائر مُعينة، على الأقل لأن بارت كان يستاء في النهاية استياءً واضحًا من الضوابط المفروضة التي جاءت غالبًا علامةً على نجاحه بوصفه مُنظِّرًا. والأكثر من هذا، لا يُمكننا التغاضي عن الأصداء الاجتماعية في أعماله، لأن بارت كان مزوَّدًا على الدَّوام بمُخطط رَسَمَ حدودَه في كتابه درجة صفر الكتابة، فعن طريقه تجِد صيغةُ كتابة المؤلف قبولًا يتعهَّده من حيث كونه الشخص الذي يؤمِن بأن هذه الممارسة الخاصة يُمكنها تغيير الوضع القائم. وتُوظِّف الترجمةُ بوصفها «القابل للقراءة» readerly و«القابل للكتابة» writerly تلك الأفكار التي هي في الأساس عُرْضة للتغيُّر، ومِن ثمَّ تُسْلِمُ الناقدَ إلى العجز عن الكلام عند تناوُل مراحل أخرى من نتاج بارت. فهل نُنكر خاصَّة «القابل للكتابة» في كتابه أساطير وفي عبارة «قد نمتُ ساعةً هنيئة منذ مدَّة طويلة» أو في كتابه الغرفة المُضيئة، وهي نماذج عُليا على الكتابة، على عكس ما يقصده بعض المُنظِّرين حاليًّا باستعمالهم الروتيني لهذا المصطلح؟

هل يُعَدُّ كتاب S/Z مثالًا على «قابلية الكتابة» بهذا المعنى الجديد، النص الذي يُمكن قلبه بألف مدخل، وقد كان موضوعَ رغبة بارت في ذلك الوقت؟ وهل الحِيل الشاملة بغرَض التحكُّم في النص (نمطية التصوير وثلاثة وتسعون فصلًا نظريًّا قصيرًا تتخلَّلها التعليقات، وتكرار النقاط الرئيسة باختصار وشروح ختامية ثم إعادة تحديد المُشكلات) فهل هذه الحِيل بمثابة لوازم اعتبارات عملية (ما دام الكتاب كان يتوجَّه إلى الجمهور العام)، أم راجعة إلى إلحاحِه المُستمر على النهج التعليمي؟ بالطبع، لا يتذمَّر أحد من كونه يختار من بين نموذجَين في القراءة: بوليفونية أصوات غير مُحدَّدة المصدر و«شغفها الهائل» بانتهاك النظام الزمني المنطقي وتهديمه، أو افتتان بارت الرهيب بسهم الزمن الذي يتحكَّم في شفرة الأفعال وشفرة الألغاز، لأنها تقود إلى الذوات عينها التي تؤسِّس «المجال الرمزي»: الطبقة والإبداع والجنس، وكان ما يتناسب مع بارت في تلك المرحلة أن يراها مُصابةً بخصاء «وبائي» يُشتِّت المجال الرمزي. وما دام الألف المدخل التي يريد بارت منحَها للنصِّ محدودة بإطارٍ فكري مُنتقًى ومُحكم، فكذلك الحال مع رغبته في تحقيق قابلية العودة التي هي، فيما يرى، قابلية عودة الأحلام بوصفها «مقاوَمة للطبيعة» تتجاهل القيود المنطقية الزمنية (Challenge, p. 197). ولا ريب في أن النصوص الحديثة النَّقْضيَّة التي تُجسِّد هذا المبدأ مُتوفرة، لكنها ليست نص سارازين ولا كتاب S/Z — ففيهما جرعة سردية شديدة القوة — كَلَّا ولا أعمال ساد Sade التي ينغمس فيها الفجَرَة الجبَّارون أحيانًا في ارتكاسات ماسوشية مع أنهم يحرصون على الاحتفاظ بامتيازَين أساسيين: امتياز الكلام وامتياز القتل.٢٣

(١٣) إمكان العودة/اللاعودة

إن الاضطراب العام في الشفرات الذي يعرضه كتاب S/Z، يُقدِّمه بارت بوصفه إسهامًا في مهمةٍ سياسيةٍ مَدينةٍ باتِّساعها الهائل لاستئنافات دَريدا تفكيك الميتافيزيقا الغربية التي لم يقُم سوى بتفكيكها لا هَدْمها. ويُقدم بارت الذي اعتقد أن «المدلولات تتلاشى وأما الدوال فتبقى» (Challenge, p. 197) — والحال هكذا فإحدى أخطر المُهمَّات المُلقاة على عاتق كل جيل تتمثل في أن يُعيد تحديد دوالِّه — يُقدِّم مِن ثَمَّ هذا البرنامج التفكيكي بنزعةٍ راديكالية مُتشدِّدة. وفي تقديره أنه أسهم إلى حدٍّ ما في هذا البرنامج بكتابه إمبراطورية العلامات على الرغم مِن أن الصورة أُحادية الجانب عن اليابان — ولو أنها فاتنة — لن تبدو للقارئ قادرةً على تحمُّل المسئولية الفادحة عن «تشقيق نسق المعنى» في الغرب (Challenge, p. 8). إن اليابان مؤشِّر على تفكير يوتوبي، كما يتَّضح من فقرة يحلم فيها بارت بخطابٍ لا يُقلل من شأن الفجوة في اللغة الواحدة فحسب — كما لاحظ مالارمه Mallarme في الكلام الشعري — بل بخطابٍ يؤدي أيضًا إلى أدوات تستحضرها ممارسة الكتابة في أي لغةٍ وفي كلِّ اللغات لكي تتجاوز الفجوة فيها (Sollers, p. 63). ووَفْقَ بارت، من غير الضروري القول إن هذه السالبية الكامنة في أعماق اللغة — سالبية هي الجِذر في التجديد الخطابي — تنشغِل في المقام الأول بعلاقة الذات بمنطوقها. من هذا المنظور، يمتدِح بارت اللغة اليابانية، إذ ليست الذات فيها «الفاعل الأقوى كليةً في الخطاب»، بل الذات «فضاء كبير مشاكس يُغلِّف العبارة ويتحرك بالموازاة معها» (Sollers, p. 45). وسيلاحظ العديد من القرَّاء أن اللغة اليابانية ليست جوهر المناقشة، وهذا على وجه التحديد ما فعلَه بارت طوال حياته بفرنسية رفيعة! والأهم هنا أنَّ اليابان وضعته «في موقف كتابة»، وأن كتابه — من حيث النتيجة — مشروط ﺑ «أساطير سعيدة»، كما يدل الكتاب بشكلٍ واضح على مظهر من مظاهر «التحول» في مرحلته الأخيرة، مرحلة كان موت أُمِّه فيها شمسًا مُظلمة (انظر العبارة التي تبدأ ﺑ «قد نِمْتُ …» في Rustles, p. 286). وقد شهد عقده الأخير ذروة مسيرته الطويلة نحو الكتابة الإبداعية، وهو الأمر الذي أضفى عليه سِماتٍ جديدة جذريًّا، في الوقت الذي كانت تشيع فيه لُغة الثورة السياسية أو النظرية الثابتة؛ إذ كان يُقدَّم كتابُه لذة النص بوصفه استجابةً لآفاق ما قبل أوديبية جديدة مفتوحة على «التحليل الدلالي النفسي العميق» Semanalysis كما قدمته كريستيفا، غير أن موضوعة اللذة افترضت سلفًا دورَها الثابت في الجزء الأخير من حياة بارت: دور الإثبات الخالص بإزاء خطابات قوية متنافسة.

وقد تبع ذلك تجسيدٌ حرفيٌّ، لم يَنتج فحسب عن اهتمامه المُتزايد ﺑ «مضامين» أخرى غير اللغة مِثل: الرسم، الموسيقى، الطعام، التصوير الفوتوغرافي — حيث يُشدد بارت على مشاركته الناشطة — بل نَتَجَ عن استعماله المهووس ﺑ «السلطة الأدبية التي تتمتَّع بها كلمة» الجسد (Barthes, pp. 3, 4, 129). وكانت وظيفتها آنئذٍ وظيفة أفكارٍ أخرى بدأت في المدَّة ذاتها: «الوحدات السِّيَرية الصغرى» biographemes في كتابه Sade, Fourier, Loyola أو الصور الفوتوغرافية و«استحضار الماضي» anamneses في كتابه بارت بقلم بارت بما يجعل المعنى في وضعٍ حرج يُشبه ما يطلِق عليه المحلِّلون النفسيون «الذكريات الساترة».٢٤ وهو يصوغ ذلك بطريقةٍ تقلب المعنى وتعكسه: «نعرف الآن بفضل التحليل النفسي أن ذكرياتنا البعيدة ووعينا يتجاوزان الجسد» (Rustle, p. 31). ولا يمكن للمرء أن يصوغ بطريقةٍ أفضل هذه الفكرة التي يُقصَد بها مضاعفةُ المعنى بما يجعله يتجنَّب معنى اللاوعي!

ويتمثَّل عنصر التجديد الجذري في أن بارت استطاع التغلُّب على تخوُّفه من العزلة الفكرية وتنوُّع خطابات الموضة، وبذلك جرؤ على التمسُّك بخطابٍ مباشر، ولعلَّ ما شجَّعه على هذا شيوع حالة مِن افتقاد المسئولية النظرية في الوسط المُحيط به الذي كان يتميز بسرعة تغيُّر موضات المفاهيم، كما شجَّعه ما آلَتْ إليه العدمية السياسية من حضيض، ومن المُحتمل أيضًا أنه وَجَدَ في الإباحية الجنسية التي أعقبت حركة ١٩٦٨م قوة جديدة (ولَّدت شفراتٍ جديدة عبَّر عن استيائه منها في كتابه خطاب العاشق أو مقاله «سهرات باريس» المنشور في Incidents)، كما وَجَدَ قوةً جديدة فيما سيطر عليه من كآبةٍ وتعب ورغبة في حياة جديدة.٢٥ واقترن هذا باهتمامه الواضح بالتحليل النفسي الذي كان بعيدًا عنه فيما سبق حين كان يُفضل عليه التحليل الذي يُقدمه سارتر أو باشلار. ويُمثل كتابُه عن راسين استعمالَه لِلُغة التحليل النفسي بوصفها اللغة التي يُسَوِّغها توافقٌ سطحي، لأنها ذات فعالية عند «احتشاد الخوف من العالم». وقد أفضى استخدام النزعة الفرويدية على مضضٍ من جانب بارت إلى افتقاده نقطةً مهمة في التفسير الذي يُقدمه كتاب مورو Mauron عن راسين الذي كان نموذجًا لبارت. إذ يُطابق بارت بين القانون والأب، في حين أن تحليل مورو — وربما هو التحليل الأقرب إلى صُلب النص — يُمثل صراع راسين بوصفه الصراع الناشئ عن أبٍ غير ملائم وأُمٍّ تَملُّكية من النمط القديم مثل أمِّ بوشاردون Bouchardon النَّحات الذي أشبع ميول سارازين الجنسية في كتابه S/Z أو أمٍّ تُثير الرُّعب كما يبدو أحيانًا في كتابه خطاب العاشق.

لا يَحول كبْتُ الصراعات الأوديبية — في أعمال بارت السِّيرية المبكرة — دون الحنين المُتحفظ إلى الأب، ويظهر ذلك جليًّا في خطاب العاشق. ويُعَد الأدبُ ذو الطابع التحليلي النفسي التناصَّ الأهم من ناحية الكمِّ، ويُوحي المظهر الموسوعي لكتاب بارت بأنه ربما اكتسبَه من معجم مصطلحات التحليل النفسي الذي وضعه لابلانش وبونتاليس. ولكن بينما لم يظهر فرويد سوى في تجسُّده اللاكاني (الأمِّ القضيبية أكثر من الأب الطيب)، نُصادف لاكان في خطاب العاشق مرئيًّا من خلال عينَي ابنِه مارتن، كما نلقاه بوصفه «نموذج السَّواء»، بمعنى أنه عصابي على نحوٍ يُعيد الطمأنينة (Lover, p. 145). أما كتب التحليل النفسي الأخرى التي يقتبس عنها فتكشف عن تأكيد تحليل الطفل، ولا يُثير ذلك الدهشة لأن العاشق والطفل يندمجان في كلِّ موضع من الكتاب بطرُق تُثير الارتباك أحيانًا، على سبيل المثال حين نرى الشخص المُحِب ذابلًا بسبب تعبٍ بائس. وأما عنف الموت «الذي يأتي بنفسه» (Rustle, p. 354) فيرى ملاذَه الوحيد في الطاقة المُستقرة التي تُتيحها مرحلة الخيالي (Lover, p. 106). وبارت، الذي تجنَّب بهذا التحديد كل أنواع الصلابة — أيِ الكثافة والمتانة — يأمُل الآن في نوعٍ مِن النمو التدريجي عبر كتابة اليوميات، عسى بذلك أن «يتبلور» لدَيه عمل على غرار كتابة بروست. ولا يزال بارت يتساءل عمَّا إذا كانت «أنا» ه، «المتورِّمة والمُتصلِّبة»، «ضخمة مثل النص» (Rustle, p. 372). غير أن أعماله الأخيرة تكشف عن الاندفاع التلقائي الشديد نحو أشكال تخييلية، بدءًا من الطابع التقطيعي في كتابه بارت بقلم بارت مرورًا بتقطيعاتٍ أخرى في مقاله «مداولة» Deliberation المنشور ضمن كتابه هسيس اللغة وأحداث وخطاب العاشق انتهاءً بالبنية السردية الصريحة في كتابه الغرفة المُضيئة التي تُتمِّم نقطةَ الالتقاء بين دافعَين لدَيه: البحث العلمي واستكشاف الذات.

يتَّخذ كتابه خطاب العاشق — أيًّا كانت نوايا بارت المُضمَرة لتحاشي الحبكة — طابعًا قصصيًّا، بقدْر ما يدفعه إلى الأمل في مواصلة العَيْش عبر تجنُّب الألم ونكران الذات الزهدي الكامن في فكرة الزن   Zen عن «لا حاجة إلى التشبُّث بالحياة» (انظر الصفحات ١٨، ١٠٤، ١٥٥، ١٧١، ٢٢٢، ٢٢٤، ٢٣٢). ولكن مثلما تنصُّ الصفحة الأخيرة من بارت بقلم بارت، تعتمد الحياة والكتابة على الرغبة، فما الذي يحدث — كما يشير إلى هذا بارت في الحوار الأخير — لو أن هناك «أزمة في الرغبة»؟ وفيمَ يقع المرء حين يقع «خارج» الحُب؟ (Lover, p. 106). إن تهديد فتور الهِمَّة acedia — وهو وجه جديد من وجوه موضوعة الحُبْسة aphasia — يُقاومه بارت بكلِّ ما أوتي من قوة في أعماله الأخيرة عن طريق توظيف الذُّهان٢٦ توظيفًا فاعلًا حيث يكون الهوى غير المتبادل أحدَ الأمثلة على ذلك. وبهذا المعنى، يُعَدُّ الهَذَيانُ٢٧ صورةً أخرى من الحرية في العمل. وقد دَافَعَ عنه بارت من قبل في كتابه النقد والحقيقة، حين أشار إلى أن هذيان الأمس يمكن أن يكون حقيقة الغد، وكذلك في كتابه الغرفة المُضيئة حين كشف عن القرابة بين الصور الفوتوغرافية والجنون، وبطريقة أخرى في محاضرته الافتتاحية حين وصف الأدب بأنه ضلال جوهري ما دام موضوع رغبته الذي لا يمكن تحقيقُه هو الواقع. ولعلَّنا نرى في أعمال بارت صراعًا بين غريزتَين: غريزة التوسُّع البعيد والرحيب في البحث عن منهج يمكن أن يكون — كما رآه مالارمه — خيالًا، وأَمَّا الغريزة الأُخرى فهي الاستسلام لجنون الواقع الذي اسمُه الآخر الشِّعر.

١  حاول عدد قليل مِن المُعلِّقين على بارت استكشاف علاقته باللغة التي يُلزم نفسَه بها (أو الأشكال، ما دامت الحبكة — كما سنرى — تُعَد شكلًا منها)؛ ومع ذلك انظر: Butor, La Fascinatrice, Doubrovsky, Une ecriture tragique, Hillenaar, Barthes. وبخصوص رفض لاكان للغة الشارحة انظر: M. Arrive in Parret, Ruprecht, Aims and Prospects, and Macey, Lacan.

٢  كل عناصر سيرة بارت مُستمدة منه حتى ظهور السيرة التي كتبَها لوي جان كالف Louis-Jean Calvet (1990). وقد كان الاضطرابُ السياسي عام ١٩٦٨م السببَ الرئيس لرغبته في السيطرة على صورته. انظر مقالة كتبَها Yves-Alain Bois في Critique (1982)، حيث يُشير إلى حادثة عامة تدعم حالة الفوبيا لدَيه من المواجهة. انظر أيضًا: Greimas, (1980) Barthes. ومن ناحية أخرى، تنتقِص مقالة إدجار موران Edgar Morin المعنونة ﺑ Le retrouve et le perdu المنشورة في (Communications, 1982) — تنتقِص من الجانب السياسي وتُشدِّد على ما يَدين به بارت للإباحية التي عوَّضت — في أواخر ستينيَّات القرن العشرين — عن الانغماس الشديد في السياسة و«الدعائية» في الحياة الخاصة، وهي أمور يشمئزُّ منها. انظر بهذا الخصوص: D. Eribon, Michel Foucault.

٣  مدرسة الدراسات العُليا التطبيقية ثم الكوليج دو فرانس. وقد منع مرضُ السُّلِّ بارت — كما منع كامو — من الحصول على الأستاذية التي تضمَن وظيفة التدريس في مؤسسات حكومية؛ حيث وَصَفَ درجته الأولى في الفرنسية والكلاسيكيات بأنها «درجة ضئيلة» (Reponses) بل مُستمدة مِن علاقته بالثقافة اليونانية؛ فهي لم تُمدَّه بذخيرة واسعة من الجذور تسمح بتعابير جديدة، بل منحته حِسًّا ﺑ «العالم السُّفلي» والسِّحري والأخروي (Lover, p. 115).

٤  لم يُسلِّم سارتر بالتعارُض الأنطولوجي الذي وصفه بين الشعر والنثر في كُتيبه ما الأدب؟ حين أورد الفرق الذي اصطنعه بارت في مقالةٍ ضِمن كتابه مقالات نقدية بين نمطَين من مُستعمِلي اللغة: الكاتب   ecrivain (كاتب writer تُعد اللغةُ بالنسبة إليه نظَّارةً يرى بها وممارسةً) والكاتب   ecrivant (وهو مجرد ناسخ scriptor تُعَد اللغةُ بالنسبة إليه أداةً) في عمله المُعنوَن ﺑ دفاعًا عن المُثقفين   Plea for intellectuals. وقد حاول كلٌّ من سارتر وبارت في أوقاتٍ مختلفة أن يُفسِّرا الفاعلية الأسلوبية من خلال نظرية المعلومات بطرُق مختلفة نمطيًّا: فبارت لا يثِق إلا بطريقةٍ مُتشائمة في فرضية المعلومات من أجل خلاصٍ أسلوبي، وأما سارتر فيوضح على نحوٍ تفاؤلي (في مقاله عن جان جُنيه) كيف يساعد الإطناب و«الثرثرة» — أي العنصر العشوائي — الكاتبَ على قول ما لا يمكن قوله.

٥  تعني كلمة المُكمِّل supplement عند دريدا — وَفْقَ قراءته لروسُّو — تكملة شيء ناقص فهي «مُكمِّل»، كما تعني أيضًا الإنابة والإبدال فهي «بديل». وهكذا، يرتبط كل شيءٍ عند روسُّو، أي كل الثنائيات المُتعارضة، بهذا المنطق المُزدوِج الذي تقترحه الكلمة؛ وهو الأمر الذي يعني تفكيك التراتُب الميتافيزيقي الذي بمُقتضاه تنبنِي الثنائيات المُتعارضة. (المترجم)

٦  انظر بخصوص التكتيك: Lavers, Barthes, chapter 15. أما عن الذات في النقد التطبيقي عند بارت فعلينا الانتباه إلى أن المقالات المجموعة في مقالات نقدية جديدة والمكتوبة بين عامَي ١٩٦١م و١٩٧١م لا تختلف — بشكلٍ ملحوظ — عن مقالاته الأخرى عن بروست (١٩٧٩م) أو ستاندال (١٩٨٠م)، وأن مقاله Sade-I (1976) له قوة مقاله Sade-II (1971) المنشور في كتابه Sade, Fourier, Loyola: فما يُهم هو الاكتشاف المُتجدِّد لزوايا جديدة في طريقة العمل. وبخصوص الانفعالات التي تستثيرها السجالات النظرية، انظر: Metz, Psychoanalysis and Cinema, p. 10. وعن سياسة اللولب التي تُطبقها وسائل الإعلام في الحياة الثقافية انظر: Debray, Le pouvoir intellectual en France. H. Hamon and P. Rotman, Les intellocrates. وانظر أيضًا الهامش رقم ١٥ عن «الفلسفة الجديدة».

٧  وتجيء المقارنة من عمل ويليام كوبر William Cooper المُعنوَن ﺑ The Struggles of Alfred Woods (London, 1952), p. 194، ذلك أن وصف فلوبير للبطل المتوسط الذكاء بأنه عالِم مُلهَم، يكشف عن كيفية اشتغال العمليات المساعدة «بالأسلوب الغامض» ذاته الذي يحدُث في العمليات الشعرية، على خلاف ما يقرؤه المرء في العديد من الكاريكاتورات المُعاصرة عن العلم.

٨  انظر من بين الاستثناءات مقالات لافرس Lavers في تيل كيل   Tel Quel (1971) وفي Critique (1982)، Van Dijk, Text-Grammars, Bensmaia, Barthes Effect, Wiseman, Ecstasies.

٩  هيبير Hebert كان صحفيًّا يُصدر صحيفة تُدعَى «الأب ديشين»، وقد لعبت هذه الصحيفةُ دورًا متميزًا في أعقاب الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩م. ولمزيدٍ من التفاصيل بهذا الخصوص راجِع الهامشَ الشارح الذي يضعه بارت في «مدخل» كتابه درجة صفر الكتابة المترجَم إلى العربية تحت عنوان الدرجة الصفر للكتابة، ترجمة محمد برادة، طبعة الشركة المغربية للناشرين المُتحدين. (المترجم)

١٠  يمكن أن تُترجَم كلمة inavouable (= ما لا يمكن البَوْحُ به) أيضًا إلى unspeakable (= ما لا يُقال). وتُصاغ أيُّ إشارةٍ إلى الأصالة بلهجةٍ استنكارية. ومِن ثمَّ، يُعزَى الفرقُ الشهير بين القابل للقراءة/القابل للكتابة   lisible/scriptible في كتابه S/Z إلى الصيغة المعرفية التي تنطوي على أفكارٍ أخرى مُستمدَّة من اللغويات مثل «يمكن تقبُّله» acceptable و«يمكن استقباله» receivable. انظر فيما يأتي ص١٦١.

١١  الجيبلينيون Ghibellines هم أعضاء جماعة أرستقراطية سياسية في إيطاليا كانت تدعم سلطة الإمبراطورية الجيرمانية المُطلقة في الفترة من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر الميلادي، وأما الجويلفيون Guelphs فهم أعضاء الحزب السياسي الذي يُعارض تلك السلطة ويتضامن مع الكنيسة مُدافعًا عن حق البابوية في الاستقلال عن سلطة الإمبراطور. ويمثل الجيبلينيون الأرستقراطيةَ الإقطاعية في حين يمثل الجويلفيون التجارَ الأغنياء. (المترجم)

١٢  تُشير كلمة studium في استعمال بارت لها إلى الاهتمام الثقافي أو المعرفي بالصورة الفوتوغرافية القائم على التقاليد والخلفية الثقافية والمعرفة التاريخية التي يَحوزها المُشاهِد، فيتمكَّن مِن عكس المعنى العام للصورة من منظورٍ اجتماعي أو سياسي أو فني من خلال تحليلٍ عقلاني مُتأنٍّ؛ وأما كلمة punctum فيستعمِلها بارت مقابلًا للكلمة السابقة، فيشير بها إلى العنصر المفاجئ أو العاطفي في الصورة الفوتوغرافية الذي يخترق المُشاهِدَ ويؤثر فيه تأثيرًا شخصيًّا وعاطفيًّا، إنها تجربة ذاتية وغير مُتوقَّعة وليست نتيجة تحليلٍ ثقافي، ومن ثمَّ لا يمكن تفسير هذا العنصر بسهولةٍ لأنه يعتمد على استجابة المُشاهِد الفردية؛ ولكن هذا التحديد لا يمنع، فيما يرى دَريدا، نوعَي الصورة هذَين من أن يمتزِجا. ويشير كاظم جهاد إلى المعاني اللغوية المُتعددة لهاتَين الكلمتَين في هامشٍ من ترجمته العربية لمقال دَريدا عن بارت المعنون ﺑ «ميتات رولان بارت»، المنشور ضمن كتاب: الكتابة والاختلاف، الهامش الشارح ص٢١٧ (المغرب: دار توبقال، ١٩٨٨م). (المترجم)

١٣  العقدة الجوردية Gordian knot: عقدة أحكم شدَّها جورديوس ملك فريجيا، وقيل إن مَن يفكها سيكون له السلطان على آسيا كلها فجاء الإسكندر الأكبر وقطعها بسيفه. (المترجم)

١٤  بخصوص العكس من ذلك انظر: Weiskrantz, Thought Without Language وبصفةٍ خاصة الفرق بين «الفكر» و«التفكير».

١٥  يسرد بارت في كتابه النقد والحقيقة أربع «وظائف» مُتمايزة لكاتب الكتب في العصور الوسطى: الناسخ scriptor والمصنِّف compilator والمُعلِّق commentator والمؤلِّف auctor، ويُعيد إنتاجَ الفقرة بوصفِها مُبالغةً دعائية لكتابه S/Z، ومن ثَمَّ تأكيد الاستمرارية والتواصُل بين كُتبه.

١٦  يُفرِّق بارت بين الكاتب writer = ecrivain الذي تكون اللغة عنده إحساسًا عميقًا يؤثر في رؤيته الأشياء والناسخ scriptor = ecrivant الذي يجعل من اللغة مجرد أداةٍ إلى الأشياء فلا تؤثر في رؤيته للأشياء أدنى تأثير. ومحلُّ التنبيه ها هنا أرثوذكسية الكُتَّاب الوجوديين أو الماركسيين الذين ينصاعون لتعاليم المذهب في رؤيتهم للواقع فيُعبِّرون عنها من خلال لُغةٍ هي مجرد أداة، وبهذا المعنى يمكن إطلاق مفردة scriptor على أيِّ مُعتنق لفكرة أو نظرية أو مذهب اعتناقًا حَرْفيًّا: الكاتب الأحادي البُعد. (المترجم)

١٧  كان بارت يتحدَّث بالطريقة نفسها التي يكتب بها، فيما يقول موران Morin، مع أنه رفض في أُخريات حياته كل الإيحاءات السالبة التي تنطوي عليها اللغة في صيغتها الشفاهية. والتعريفات التي يُقدمها بارت على استحياء للكاتب ولوضعيته بوصفِه كاتبًا تنحصِر في الآتي: «إنه كاتب، وهو يريد أن يكون كاتبًا» (Essays, p. 164)، وكتابته هي «نيَّة» (Criticism, p. 64) أو حتى «طموح» (Essays, p. xii) إلى أن يكون كاتبًا، «لُغته إشكالية، وهو الذي يَخْبُرُ أعماقها، لا نَفْعها أو جمالها» (Criticism, p. 64). ويكتب بارت قائلًا أيضًا: «الكاتب، على افتراض أني كاتب …» (Lover, p. 98). والتعبير اللطيف «أأنا كاتب، وميت …» (Sade, p. 9)، وهو تعبير يوحي بإنكار كونه كاتبًا. انظر بخصوص مظاهر شبيهة: Whiteside and Issacharoff, On Referring in Literature.

١٨  قارِنْ في كتاب S/Z: «ذلك أنني نسيتُ أنني أقرأ» (ص١١).

١٩  النص التكويني [العميق] geno-text: مصطلح طوَّرته جوليا كريستيفا ضمن نظريتها في السيميائية والتحليل النصِّي، فيُشير إلى بنية النص العميقة، أي العمليات النفسية واللغوية التي تسبق إنتاجَ النص النهائي، ويتضمَّن التدفُّقات اللاواعية والرغبات والأصوات والإيقاع والموسيقى الداخلية والعناصر غير المُنظمة قبل أن تُصاغ في نصٍّ مُستقر، بمعنى المستوى الخفي الذي يعكس الأصولَ النفسية والعاطفية والإيقاعية للنص قبل أن يتَّخذ شكلَه النهائي؛ ويُقابله مصطلح النص الظاهري [السطحي] pheno-text، وهو النص كما يظهر في شكلِه النهائي، أي النص اللغوي المُستقر الذي يُمكن قراءته وتحليله. (المترجم)

٢٠  بخصوص تطور تيل كيل   Tel Quel، الذي توازَى مع تطوُّر بارت إلى حدٍّ بعيد، انظر على سبيل المثال: Lavers, Logicus Sollers, Rejoycing on the left, and On wings of prophecy.

٢١  الإدلال أو الإنتاج الدلالي Signifiance: لا يرى بارت في تحليله للنصوص أن اللغة مجرد نظام لنقل المعاني الجاهزة signification، بل يؤكد أن النصوص تُنتِج معانيَ مُتعدِّدة ومفتوحة عبر عملية دلالية أعقد يُسميها signifiance. (المترجم)

٢٢  صار هذا المُثلث — فيما بعد — العقلانية الحقيقية في زمنِنا. إنه يَستكمل إطار فوكو في كتابه نظام الأشياء   The Order of Things (1966) وفال F. Wahl في ما البنيوية؟ (١٩٦٨م) وهالي D. Hollier في بانوراما العلوم الإنسانية   Panorama des sciences humanes (١٩٧٣م) — وبالطبع بارت في مقاله «الأسطورة اليوم» وكتابه عن راسين الذي يسبقه بعشرين عامًا.

٢٣  لا تشير «ما بعد البنيوية» — في العالَم الناطق بالإنجليزية — إلى ما حدث بعد البنيوية، بل إلى مذهبٍ دقيق في الدراسات الأدبية (ولا بدَّ من تحديد علاقاتها ﺑ «التفكيك» و«ما بعد الحداثة» التي تقترب من الثقافة والدراسات الثقافية — تحديدًا دقيقًا). ففي فرنسا ما جاء بعد البنيوية كان «الفلسفةَ الجديدة» التي تشدِّد على الأسلوب، واستعمال صيغة المُتكلم المنتشرة في الفلسفة وشجب المقاربة الجمعية المرتبطة بالعلوم الإنسانية، وأخيرًا احتفى بارت بمكافحة الشيوعية الخبيثة. انظر خطابه إلى Bernard-Henri Levy في Bouscasse and Bourgeois (1978) وأيضًا Aubral and Delcourt (1978). وثمة مثال آخر على الكتابة التكتيكية في عمله المعنون ﺑ Alors, la Chine? وملحقه في طبعة Bourgois، حيث يدَّعي الحقَّ في الكلام لكي يقول «لا تعليق».

٢٤  الذكريات الساترة screen memories: مصطلح عند فرويد يدل على مجموعة من ذكريات الطفولة الصادقة أو الكاذبة، تافهة المضمون، مجردة من الانفعال، معاصرة لأحداثٍ مهمة أخرى، وهي ذكريات تحلُّ في الواقع محلَّ ذكرى مؤلِمة أصيلة كُبِتت واسْتُبعِدت من مجال الشعور. نقلًا عن معجم المصطلحات الذي وضعه سامي محمود علي في نهاية ترجمته كتاب فرويد ثلاث مقالات في نظرية الجنسية (القاهرة، دار المعارف، سنة الإيداع ١٩٩٤م)، ص١٨١. ومن الواضح هنا فكرة الازدواج وطبقات المعنى الحائلة دون معنًى واحد. (المترجم)

٢٥  بخصوص الْتزام بارت في أعماله الأخيرة وما يدعوه شخصيته «الغامضة»، انظر مقابلته مع نورمان بيرو Normand Biron, La derniere des solitudes, in Revue desthetique (1981).

٢٦  يظهر الذُّهان psychosis حين يغدو الواقع مؤلِمًا إلى حدٍّ يعجز معه الشخص عن مواجهته نفسيًّا على أيِّ نحوٍ من الأنحاء، أو حين تَقوى الدوافع الغريزية بحيث لا يستطيع المرء السيطرة عليها فيُصبح اصطدامها بالواقع أمرًا محتومًا. ففي كِلتا الحالتَين يحدُث نكوص في التنظيم الليبيدي من مرحلة العلاقات بالموضوعات إلى مرحلة النرجسية، ويتمُّ عن طريق هذا النكوص إنكار الواقع إنكارًا مُتفاوتَ المدى يكون مصحوبًا في الآن نفسه بانطلاق الدوافع الغريزية بلا ضابطٍ أو اعتبارٍ لمُقتضيات الواقع. نقلًا عن «معجم المصطلحات» الذي وضعه سامي محمود علي في نهاية ترجمته كتاب فرويد الموجز في التحليل النفسي (القاهرة، دار المعارف، الطبعة الرابعة سنة الإيداع ١٩٩٨م)، ص٩٥. (المترجم)

٢٧  الهَذَيان اعتقاد مَرَضي في وقائع غير حقيقية أو في تصوُّرات خيالية لا أساس لها من الواقع. وأكثر موضوعات الاعتقاد شيوعًا هي العَظَمة والاضطهاد والغَيْرة والذنب … إلخ. ويعمل المريض على تبريره مُستعينًا في ذلك بالتفسيرات الزائفة أو بالمُدركات الحِسِّية المُتوهَّمة (الهلاوس). ويشتمل الهذيانُ على عناصر منطقية تتفاوت أهميتُها من مرَض إلى آخر، كما يختلف مدى استخدامها في بناء الهذَيان ذاته. ففي البرانويا مثلًا يبلغ هذا البناء أوْج اتِّساقه المنطقي وبُعْده عن الواقع في آنٍ. نقلًا عن المرجع السابق، ص١١٥. (المترجم)

الصفحة السابقة 1 2

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
النسخة العربية English Edition

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة