المنصّات الرقمية و صِناعة المُعارضة المُدجّنة/كتابة و اعداد محمد المبارك الوحداني

تُقدِّم المنصّات الرّقميّة نفسَها بوصفِها فضاءً حرًّا لِتَداوُلِ الأفكار. إلّا أَنَّ آليّات الضّبط الخفيّة التي تُمارسُها تُنتجُ نمطًا مُغايرًا مِن التّعامل مَع الخطابِ المُخالفِ. لا يتمثّلُ هذا النّمطُ غالبًا في الإلغاءِ الكُلّيِّ، بل في إدارةِ الإيقاعِ وَ تقييدِ المدى. فَتُبقي المنصّةُ الفاعلَ داخِلَ النّظامِ، لكنّها تَحرِمُهُ مِن سُرعةِ التّراكُمِ وَ التّأثيرِ.
وَ هذهِ الآليّةُ ليست ظاهرة مُستحدثةً. هي بُنيةٌ وَظيفيّةٌ تَتكرّرُ في أَنساقِ السُّلطةِ عَبرَ التّاريخِ. فقد كَشفَ غرامشي في تَحليلِهِ لِلهيمنة الفاشيّةِ كيفَ تَركتْ سُلطةُ موسوليني هامشًا ضيّقًا لِلكتابةِ المُعارِضةِ تَحتَ الرّقابةِ، لأَنَّ الهَدفَ ليس إِفناءَ الصّوتِ، بل دَفعَهُ إِلى النّطقِ ضِمنَ قَواعدِ النّظام. وَ بِنفسِ المَنطقِ الوَظيفيِّ، تُفهمُ مَقولةُ “اصنعوا لي مُعارضةً” المَنسوبةُ إِلى الحَسنِ الثّاني، بِاعتبارِها تَعبيرًا عَن إِرادةِ إِنتاجِ مُعارضة حيّةٍ لكنّها غَير قادِرةٍ عَلى تَهديدِ البُنيةِ الأَصليّةِ.
وَ عَلى هذا الأَساسِ تَشتغلُ المنصّات الرّقميّة اليَومَ. فَهيَ تَصنعُ “مُعارضةً مُدجّنةً”؛ أَي مُعارضةً مَوجودةً، تَكتُبُ وَ تَنشرُ، لكنّها خاضِعةٌ لإِيقاعٍ مَرسومٍ، وَ مَحدودةُ الوُصولِ، وَ عاجِزة عَن تَشكيلِ خِطابٍ بَديلٍ مُستقلٍّ. فَالخوارزميّة هُنا تَقومُ بِدورِ الرّقيبِ وَ المُهندِسِ في آنٍ واحِد.
وَ تَكمنُ خُطورة هذا النّمط في أَنَّهُ يُغلّفُ الكَبحَ بِغلاف “المُشاركةِ” وَ “إِتاحةِ الفُرصةِ”. فَيظنُّ المُفكّرُ أَنَّهُ يُمارس حُرّيّتَهُ، بَينما هو في الواقِعِ يَشتغل داخِلَ مَساحة مَرسومةِ الحُدودِ. وَ هكذا يَتمُّ إِنتاجُ الخُضوعِ دون أَن يَشعرَ الفاعِل بِأَنَّه خاضِع.
~ آليَّةُ التَّدجينِ عَبرَ إدارة الإيقاع
تَشتغلُ المنصّاتُ الرّقميّةُ وَفقَ نَمطٍ مُزدوجٍ يُمكنُ تَسميتُهُ “الكَبُحُ وَ التّسكينُ”. الوَظيفةُ الأُولى: الكَبُحُ؛ تَقليصُ الوُصولِ، وَ وَضعُ تَحذيراتٍ، وَ تَعطيلُ خَصائصِ النّشرِ لِمدّةٍ مُحدّدةٍ. الوَظيفةُ الثّانيةُ: التّسكينُ؛ إِرسالُ إِشعاراتٍ بِالتّهنئةِ عَلى المُشاهداتِ، وَ عَرضُ إِحصائيّاتٍ مُلوّنةٍ، وَ تَأكيدُ أَنَّ الصّفحةَ “مُمتازةٌ”. وَ الغايةُ مِن هذا الثّنائيِّ إِقاءُ المُنتجِ داخِلَ النّسقِ، مَكسورَ الإِيقاعِ، مُنتظرًا لِرضى الخوارزميّةِ.
وَ هذا النّمطُ مُتكرّرٌ في بُنى السُّلطةِ التّقليديّةِ. فَالدّولةُ الفاشيّةُ في عَهدِ موسوليني كَبحتِ المُعارِضينَ بِالسّجنِ وَ الإِقصاءِ، وَ في الوَقتِ ذاتِهِ أَبقتْ لَهم هامشًا ضيّقًا لِلكتابةِ المَشروطةِ. حَلّلَ غرامشي هذهِ الآليّةَ بِمفهومِ “الهيمنةِ”؛ فَالسُّلطةُ لا تَحتاجُ إِلى إِسكاتِ كُلِّ صَوتٍ، بل إِلى دَفعِ الصّوتِ المُخالفِ لِيتكلّمَ مِن داخِلِ لُغتِها وَ قَواعدِها. وَ بِنفسِ المَنطقِ الوَظيفيِّ، عَكستْ مَقولةُ “اصنعوا لي مُعارضةً” المَنسوبةُ إِلى الحَسنِ الثّاني إِ رادةَ إِنتاجِ مُعارضةٍ ظاهِرةٍ، تَملأُ الفَضاءَ العامَّ، لكنّها غَيرُ قادِرةٍ عَلى بِناءِ بَديلٍ يَهدّدُ الأُسسَ.
الخلاصة في كُلِّ هذهِ النّماذجِ واحِدةٌ: لا يَتمُّ قَطعُ الصّوتِ، بل يُدارُ إِيقاعُهُ. فَالمعارضةُ المُدجّنةُ مَطلوبةٌ لِثلاثِ غاياتٍ: تُعطي انطِباعًا بِتعدّديّةِ الرّأيِ، وَ تَستنزفُ طاقةَ المُفكّرِ في مُراعاةِ القَواعدِ بَدلَ بِناءِ الفِكرةِ، وَ تُبقيهِ داخِلَ المَلعبِ فَلا يُفكّرُ في الخُروجِ لِبناءِ مَلعبٍ خاصٍّ بِهِ.
وَ عِندما يَتمُّ فَهمُ هذهِ الآليّةِ، يَتّضحُ أَنَّ الخوارزميّةَ ليست أَداةً تِقنيّةً مُحايدةً، بل امتِدادٌ وَظيفيٌّ لِمنطقٍ سُلطويٍّ قَديمٍ تَجدّدتْ أَدواتُهُ فَقطْ. ~ الصَّمتُ المُؤقَّتُ وَ تآكُلُ المِصداقِيَّةِ
العُقوبةُ الزّمنيّةُ المُسمّاةُ “تَقييدًا مُؤقّتًا” ليست إِجراءً تِقنيًّا مُحايدًا. هي أَداةٌ لِكَسرِ المُواظبةِ التي يَقومُ عَليها البِناءُ الفِكريُّ. وَ الكتابةُ تَراكُمٌ؛ فَإِذا فُرضَ الصّمتُ، حتّى لِأُسبوعٍ واحِدٍ، حَدثَ فَراغٌ. وَ الفَراغُ في فَضاءِ المَعلوماتِ يَملأُهُ غَيرُكَ، وَ تَتغيّرُ الخوارزميّةُ، وَ يَنسى المُتابعُ، وَ تَنخفضُ الأَولويّةُ.
وَ هكذا تَتحوّلُ “المُعارضةُ المُدجّنةُ” إِلى مُعارضةٍ مُتقطّعةِ الإِيقاعِ. تَظهرُ ثُمَّ تَختفي، تَكتُبُ ثُمَّ تَصمُتُ. وَ بِمُرورِ الوَقتِ تَتآكلُ المِصداقيّةُ التي بُنيتْ عَبرَ سَنواتٍ، لأَنَّ المُتابعَ يَبحثُ عَن الثّباتِ لا عَن التّقطّعِ.
وَ لِذلكَ فَالصّمتُ المُؤقّتُ أَشدُّ فَتكًا مِن الحَذفِ النّهائيِّ. الحَذفُ يُعلنُ عَن نفسِهِ وَ يُثيرُ التّضامنَ، أَمّا التّقييدُ المُؤقّتُ فَيُغلّفُ القَطعَ بِغلافِ “التّنبيهِ” وَ “الفُرصةِ الثّانيةِ”، بَينما هو في الحَقيقةِ استِنزافٌ تَدريجيٌّ لِلسُّرعةِ وَ التّأثيرِ.
~ قِراءةٌ نَفسيّةٌ مُقارنةٌ بَينَ نَمطَيِ السُّلطةِ
مِن مَنظورِ عِلمِ النّفسِ الاجتِماعيِّ وَ الرّقميِّ، يُمكنُ قِراءةُ آليّتَيِ السُّلطةِ في نَمُوذجَينِ مُختَلفَينِ مِن حَيثُ الأَداةُ وَ مُتّفقَينِ مِن حَيثُ الوَظيفةِ. وَ الهَدفُ هُنا التّعميمُ الأَكاديميُّ، لا الحُكمُ الشّخصيُّ.
النّموذجُ الأوّلُ: سُلطةُ العِقابِ المُباشرِ وَ المُكافأةِ الرّمزيّةِ. يَشتغلُ هذا النّمطُ عَلى العِقابِ المُؤسّسيِّ المُعلنِ وَ المُكافأةِ الرّمزيّةِ كَالخِطابِ أَو الإِدماجِ المَشروطِ. نَفسيًّا، يُنتجُ “تَرهيبًا مَكشوفًا” يَضعُ الفَردَ أَمامَ خِيارَينِ: الخُضوعُ الكامِلُ أَو المُواجهةُ بِكلفةٍ عالِيةٍ. وَ يُسمّيهِ عِلمُ النّفسِ الاجتِماعيِّ “الضّبطَ القَسريَّ”. كَنموذجٍ وَظيفيٍّ، نِظامُ موسوليني في إِ يطاليا الفاشيّةِ كَبحَ المُعارِضينَ بِالسّجنِ وَ الإِقصاءِ الجَسديِّ، وَ في الوَقتِ ذاتِهِ أَبقى هامشًا ضيّقًا لِلكتابةِ المَشروطةِ لِخدمةِ مَنطقِ “الهيمنةِ” الذي حَلّلَهُ غرامشي. وَ بِنفسِ المَنطقِ الوَظيفيِّ، مَقولةُ “اصنعوا لي مُعارضةً” المَنسوبةُ إِلى الحَسنِ الثّاني تُمثّلُ نفسَ الآليّةِ: إِنتاجُ مُعارضةٍ حيّةٍ لكنّها خاضِعةٌ لإِيقاعِ النّظامِ.
النّموذجُ الثّاني: سُلطةُ الهَندسةِ السُّلوكيّةِ الخوارزميّةِ. لا تَستخدمُ القوّةَ الجَسديّةَ، بل “تَباطُؤَ وُصولٍ” وَ “تَقييدَ مَيزاتٍ” عِقابًا، وَ “إِشعارًا إِ يجابيًّا” وَ “مِقياسَ أَداءٍ” مُكافأةً. نَفسيًّا، يَقومُ هذا عَلى “التّعزيزِ المُتقطّعِ” المَعروفِ في عِلمِ النّفسِ الإِكلينيكيِّ: مُكافأةٌ غَيرُ مَضمونةٍ تَأتي أَحيانًا بَعدَ عِقابٍ. وَ هذا النّمطُ الأَقدَرُ عَلى إِدامةِ السُّلوكِ لأَنَّهُ يُبقي الفَردَ في حالَةِ تَرقّبٍ دائِمٍ. وَ يُسمّيهِ عِلمُ النّفسِ الرّقميِّ “التّدجينَ الخوارزميَّ”. كَنموذجٍ وَظيفيٍّ، مِنصّاتُ التّواصُلِ الكُبرى تُجسّدُ هذا النّمطَ؛ فَهيَ لا تُلغي الحِسابَ غالِبًا، بل تُبطئُ وُصولَهُ وَ تُرسلُ إِشعاراتٍ تَشجيعيّةً، مِمّا يُبقي المُنتجَ داخِلَ النّسقِ دونَ أَن يَمتلكَ سُرعةَ التّأثيرِ المُستقلّةِ.
الفَرقُ الجَوهريُّ: السُّلطةُ المُباشرةُ تَكسرُ الجَسدَ لِتُخضِعَ الإِرادةَ، وَ السُّلطةُ الخوارزميّةُ تَكسرُ الإِيقاعَ لِتُخضِعَ الِانتِباهَ. الأُولى تُعلنُ عَن نفسِها، وَ الثّانيةُ تُخفي آليّاتِها تَحتَ شِعارِ “سَلامةِ المُجتمعِ”. لكنَّ النّتيجةَ الوَظيفيّةَ واحِدةٌ: إِنتاجُ فاعِلٍ لا يُغادرُ النّسقَ، وَ لا يُهدّدُهُ.
~ آفاقُ التَّحرُّرِ خارِجَ السّاحَةِ الواحِدَةِ
أَمامَ آليّةِ التّدجينِ يَجدُ المُفكّرُ نفسَهُ أَمامَ خِيارَينِ: إِمّا الخُضوعُ لِشُروطِ المنصّةِ وَ تَعديلُ الخِطابِ لِيتوافقَ مَعَ المَعاييرِ الخفيّةِ، فَيتحوّلُ القَلمُ إِلى أَداةِ استِرضاءٍ. وَ إِمّا المُواجهةُ مَعَ تَحمّلِ كُلفةِ الكَبحِ المُتكرّرِ.
وَ الخَلاصُ لا يَكونُ بِالمُفاوضةِ مَعَ الخوارزميّةِ، بل بِتعدّدِ السّاحاتِ: الكِتابُ الوَرقيُّ، وَ المُدوّنةُ الخاصّةُ، وَ المَواقعُ الإِعلاميّةُ، وَ مَعارِضُ الكُتبِ، وَ مِنصّاتٌ لا تَخضعُ لِنفسِ مَنطقِ الوُصولِ المُقيّدِ. فَالفِكرةُ لا تُحجبُ؛ الصّفحةُ وَحدَها هيَ التي تُكتمُ.
تُظهرُ المُقارنةُ أَنَّ بُنيةَ “صِناعةِ المُعارضةِ المُدجّنةِ” واحِدةٌ في الواقِعِ وَ الرّقميِّ. يَختلفُ الأَداةُ فَقطْ: الشّرطيُّ وَ المُسعِفُ في الواقِعِ، وَ الخوارزميّةُ وَ الإِشعارُ في الرّقميِّ. وَ التّحرّرُ الحَقيُّ يَبدأُ عِندما يُدركُ المُفكّرُ أَنَّ المنصّةَ وَسيلةٌ لا غايةٌ، وَ أَنَّ السُّرعةَ التي يَكتُبُ بِها لا يُحدّدُها كودٌ بَرمجيٌّ، بل يُحدّدُها عُمقُ الفِكرةِ وَ صِدقُها.
• لائِحَةُ ببعض المَراجِعِ وَ الرَّوابِطِ
المَراجِع باللّغة العَربيّة
1. غرامشي، أَنطونيو _دَفاترُ السّجنِ_. تَرجمةُ مُحمّد سَبع. دارُ الكِتابِ الجَديدِ المُتّحدِ، 2011.
الرّابِطُ: https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb1-1111
2. *الجابري، مُحمّد عابِد. _العَقلُ السّياسيُّ العَرَبيُّ_. مَركزُ دِراساتِ الوَحدةِ العَربيّةِ، بَيروتُ، الطّبعةُ 7، 2009.
الرّابِطُ: https://www.caus.org.lb/Pages/book.aspx?id=1203
3. *بِشارة، عَزمي. _الِانتِقالُ الدّيمقراطيُّ وَ إِشكالياتُهُ_. المَركزُ العَرَبيُّ لِلأَبْحاثِ، الدّوحةُ، 2016.
الرّابِطُ: https://www.dohainstitute.org/ar/Lists/ACRPS-Publications/Attachments/222/
4. *الحَوامدةُ، رامي _السُّلطةُ الخوارزميّةُ: كَيفَ تَحكُمُ الخوارزميّاتُ حَياتَنا_. دارُ التّنويرِ، 2021.
الرّابِطُ: https://www.tanweerbooks.com/book/السلطة-الخوارزمية
5. *سيدي، مُصطفى. “سِياساتُ المنصّاتِ الرّقميّةِ وَ تَشكيلُ الرّأيِ العامِّ العَرَبيِّ”. _مَجلةُ سِياساتٍ عَرَبيّةٍ_، العَددُ 45، المَركزُ العَرَبيُّ، 2020.
الرّابِطُ: https://www.dohainstitute.org/ar/magazines/Magazines/Issues/Pages/Issue-45.aspx
6. *حِجازي، مُصطفى _الِإنسانُ المَهْدورُ: دِراسةٌ تَحليّةٌ نَفسيّةٌ لِشَخصيّةِ الِإنسانِ المَقهورِ_. المَركزُ الثّقافيُّ العَرَبيُّ، 2004.
الرّابِطُ: https://www.ccarabic.com
المَراجِع باللّغة الفَرنسيّة
1. *GRAMSCI, Antonio*. _Cahiers de prison_. Éditions Gallimard, 1983.
Lien: https://www.gallimard.fr/Catalogue/GALLIMARD/Telethon/Cahiers-de-prison
2. *CARDON, Dominique*. _À quoi rêvent les algorithmes_. Seuil, 2015.
Lien: https://www.seuil.com/ouvrage/a-quoi-revent-les-algorithmes-dominique-cardon/9782021272197





