فلسفة الحج و إعادة تشكيل الإنسان-شدري معمر علي-الجزائر

الحج مؤتمر عالمي يعقد كل سنة يلتقي فيه المسلمون من شتى بقاع العالم باختلافاتهم الفكرية واللغوية والعرقية، يجتمعون في مكان واحد ملبين نداء خالقهم راجين رحمته وغفرانه، يلتقي فيه الغني والفقير الرئيس والمرؤوس، الأبيض والاسود، المثقف وقليل التعليم ، الشباب والشيوخ ، يترك كل هؤلاء اوطانهم و اسرهم متحملين مشقة السفر والنأي عن الأوطان، هذا التلاحم الإنساني والوجداني يعبر عن فلسفة الإسلام العظيمة في توحيد الأمة الإسلامية وتشكيل عقلية المسلم الذي لا يعيش الفردانية والعزلة والابتعاد عن هموم المسلمين ففي الحج تذكير لكل مسلم غافل أنه جزء من أمته، ولكن هذا الفهم العميق لفلسغة الحج غائب عن كثير من المسلمين فهذا الشتات العربي و الاختلاف السياسي والصراع الذي ينخر الدول العربية ويصيبها في مقتل دليل على غياب المفهوم الحضاري للحج باعتباره طريق إلى نهضة الأمة ووحدتها فالتفرقة غاية العدو الذي لا يريد منا أن نحتل مكانة بين الأقوياء ، نصنع سلاحنا و نوفر غذاءنا و نستثمر في عقول أبنائنا بجودة التعليم من أجل مستقبل مشرق…
وقد بين المفكر الاستراتيجي جاسم سلطان هذه الفلسفة الخاصة بالحج وقد ابدع في ذلك يقول : “إذا نظرنا إلى الحج كنموذج حضاري مكثف نكون قد أعدنا النظر في مجمل حياتنا، ولنحاول أن نقترب من تلك الثروة العظيمة.
الحج كنموذج لإعادة تشكيل الإنسان، فمن اللون والعرق والثروة والديكور الخارجي يتجرد الفرد ليعود لكونه “فاعلًا أخلاقيًا مجردًا” مثله مثل الملايين من حوله، هو حينها ذرة تدور حول معنى الوجود وهو الله.
الحج كنظام مساواة عملي يذكر الإنسان بهدف الرسالات جميعًا (ليقوم الناس بالقسط)، وهو نظام يطرح سؤالًا عمليًا: لماذا لا نحقق ذلك في أوطاننا ومؤسساتنا؟
الحج كإدارة حضارية معقدة تخلق النظام والتنسيق والبنية وتضبط السلوك الجمعي.
الحج كشبكة تواصل عالمية تقرب البعيد وتوزع الخبرات، هي فرصة لمورد استراتيجي ضخم.
الحج ومناسك الحج نموذج لحركة الإنسان ونشاطه، وتربية على بذل الجهد بدل الخمول.
الحج بهذا المعنى العميق لا يطرح سؤال كيف نعبد الله، بل كيف نعيش بالله ونبني إنسانًا ومجتمعًا ونظامًا عالميًا بديلًا… ولذلك فمعنى الحج لغة القصد والاتجاه… وياله من اتجاه.”
فهذا الفهم العميق لفلسفة الحج سيعيد تشكيل وعي المسلم فينهض من كبوته وغفلته ويبتعد عن العنصرية و النزعة العصبية فيسعى من أجل وحدة الصف فيكون إنسانا فعالا مؤثرا يزيد في الحياة.





