16. رمضان في رحاب النبي العدنان – هشام فرجي

” لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128)” (سورة التوبة)
في هذا الشهر المبارك، لا يسعنا إلا أن نتذكر أعظم معلم عرفته البشرية، سيدنا محمد ﷺ، الذي كانت حياته كلها عبادة وصبرًا وخلقًا. رمضان، هذا الشهر الذي يعطر الأنفاس بأريج الإيمان، كان حبيبنا محمد ﷺ يخصه بعناية فائقة، ليعلمنا كيف نعيش رمضان بقلوب منيعة وعزائم ثابتة.
رمضان هو مدرسة تربوية يتعلم فيها المسلم كل يوم كيف يكون أقرب إلى الله، وكيف يُحيي قلبه بنور التقوى. وفي قلب هذا الشهر، نجد أن سيرة النبي ﷺ هي الدليل والمثل الأعلى، الذي يرشدنا إلى كيفية استغلال لحظات هذا الشهر ليكون طريقنا إلى الجنة.
كان النبي ﷺ يُقبل على العبادة في رمضان بأعلى درجات التواضع والخشوع. وكان يُكثر من تلاوة القرآن، ويتفرغ للدعاء والتهجد في الليل. تقول عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل” (رواه البخاري).
فكان رمضان فرصة له ﷺ لتكثيف عبادته، لا من باب التكلف، بل من باب التقرب إلى الله، فكان يُكثر من الأعمال الصالحة، ويحسن من علاقته مع ربه ومع الناس.
ولم يكن النبي ﷺ يقتصر على العبادة الفردية في رمضان، بل كان يحرص على أن تكون هذه الأيام فرصة لمشاركة المجتمع المسلم في أجواء روحانية عالية. فقد كان يحرص على إطعام الفقراء والمساكين، ويحث على الصدقة، ويشجع على الاعتكاف في المساجد، حتى كان يطلب من الصحابة أن يجتهدوا في العبادة، قائلاً لهم: “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه” (رواه البخاري).
إذا في هذه الأيام المباركة، يجب أن نستحضر سيرة النبي ﷺ في قلب رمضان. كيف كان يخصص وقتًا للدعاء في الليل، وكيف كانت عبادته في هذا الشهر تتسم بكثرتها وبالاجتهاد اكثر فيها ، وكيف كان يصبر على ما يلاقيه من أذى في سبيل الله.
لذا يجب أن نأخذ من هذه السيرة الطيبة قدوة في الاستمرار في العبادة، في الدعاء، وفي السعي لمرضاة الله. وأن لا نقتصر على الصيام الجسدي فقط، بل نُشعل قلوبنا بالإيمان، ونرفع أيدينا بالدعاء.
فيا أيها القلب المتعطش لنور الهدى، أما آن لك أن ترتوي من معين محمد ﷺ؟ أما آن لروحك أن تقتبس من وهج نوره، فتسير في درب الصالحين؟ ففي ليالي رمضان، يفيض الكون بأنوار الذكر، وتنساب نسائم الرحمة، وكأن الأرض تستعد لموكب الهيبة الربانية، حيث الأرواح تتعلق برب السماء، والقلوب تخفق بشوق المحبين. فها هو الحبيب ﷺ، نوره يتلألأ في جنبات الزمن، وسيرته تضيء دروب الحائرين، فمن اتبع خطاه، سلك طريق الجنة، ومن شرب من حوض هديه، لن يظمأ بعدها أبدًا.
ولعل في هذه الأيام المباركة، كل لحظة هي فرصة لنا للاقتراب من النبي ﷺ، من خلال اتباع سنته في العبادة والعمل الصالح. لنغتنم كل لحظة من لحظات رمضان ليكون لنا نصيب من دعائه، ولتكون أرواحنا مُزهَرة بآيات القرآن وسنة الحبيب محمد ﷺ. فاللهم اجعلنا من الذين يتبعون سنة نبيك محمد ﷺ، واجعل رمضان هذا الموسم مناسبة لتقوية إيماننا وتطهير قلوبنا.





