الحب بين الاختلال والاكتمال✍️هشام فرجي

من طبيعة النفس البشرية أنها تميل إلى من يقدّرها، وتنفر ممن يستصغرها. والحب، في جوهره، ليس تبادلاً للمنافع ولا تقايضًا للمزايا المادية، بل هو قيمة عليا تقوم على التقدير المتبادل، والاعتراف بكرامة الطرف الآخر. فإذا اختلّ هذا التوازن، صار الحب ضربًا من الاستغلال النفسي.
إنّ الذي يعطي من قلبه صدقًا، لا يبالغ، بل يعبّر عن جوهر الفطرة الإنسانية في أسمى معانيها. أما الذي يرى في هذا العطاء “مبالغة”، فإنه في الحقيقة لم يتذوّق بعد معنى الحب، بل ينظر إليه بعين النفع أو بعين المقارنة الاجتماعية. وهنا تتجلّى إشكالية الحب غير المتكافئ: طرف يذوب لينير حياة الآخر، وطرف ينظر إلى هذا الذوبان على أنّه ضعف أو إفراط.
وقد قال الحكماء إنّ الحب امتحان للنفوس: فيه يُكشف معدنها، ويظهر هل هي قابلة للعطاء أم أسيرة للنقصان. من يشتكي وينظر فقط للجزء الغير المملوء من الكأس، إنما يكشف أنّه لا يرى في الحب دفئًا يغني عن ضيق العيش، ولا أمانًا يوازي كل الزينة الفانية. فالنفس التي لا تشبع حبا وودا وحنانا، ستظل جائعة إلى المظاهر والماديات الفارغة مهما أُشبعت.
ولذلك، فإنّ الحب غير المتكافئ لا يُعاش طويلًا؛ لأنه يُنهك الطرف الصادق ويغذّي غرور الطرف الناقص. وإنّ أعظم ما يتعلمه المرء من مثل هذه التجارب هو أنّ الحب يجب أن يُقدّر. فإذا غاب التقدير، سقط البناء من أساسه.
وإذا كان الحب غير المتكافئ يستنزف صاحبه، فإنّ الحب المتكافئ يحيي النفوس ويزكّي الأرواح. فحين يعطي كل طرف بمقدار ما يأخذ، لا يكون الحب مجرد شعور عابر، حيث يصبح قوة بنّاءة تُعيد صياغة الحياة في أبهى صورها.
الحب المتكافئ إذا هو تناغم داخلي؛ فيه يتسابق الطرفان في العطاء لأن كلاً منهما يجد في إسعاد الآخر متعة أعظم من إسعاد نفسه. فإذا ابتسم أحدهما، انعكست ابتسامته في قلب الآخر، وإذا تألم أحدهما، شعر الآخر وكأنّ الألم قد أصابه في هو نفسه.
ففي مثل هذا الحب، تزول المسافات، ويتحوّل البُعد إلى حنين، والحنين إلى طاقة تربط القلبين ولو حال بينهما البحر أو الجبال. هذا حب يجعل من البساطة ثراء، ومن القليل كفاية، لأن الأثر يغلب المظهر، ولأن الأمان يغني عن الماديات.
والأجمل أن الحب المتكافئ لا يكتفي بأن يُسعد الطرفين، بل يمتد أثره إلى من حولهما: إلى الأسرة، إلى الأصدقاء، إلى المجتمع بأسره. فهو ينشر الطمأنينة، لأنّ من يعيش حالة الانسجام العاطفي يصبح أكثر رحمة، وأوسع صدرًا، وأقدر على مواجهة قسوة الحياة.
إنّ التكافؤ في الحب هو روح الحب ذاته. فكما لا يستقيم ميزان بوزن واحد، لا يقوم الحب على طرف واحد. وإذا اكتمل هذا التكافؤ، أصبح الحب أشبه بمرآة يرى فيها كل طرف أجمل ما في الآخر، ويكتشف في ذاته ما لم يكن يعرفه من قبل.
وأخيرا،. فإنّ الحب امتحان دقيق للنفوس، يكشف حقيقتها. فإذا كان غير متكافئٍ، صار عبئًا يُنهك روحًا ويُغذّي غرورًا، وإذا كان متكافئًا، صار نعمة تفيض حياةً وطمأنينة. وهكذا يتبيّن لنا أنّ جوهر الحب ليس في شدّة العاطفة وحدها، بل في التقدير المتبادل، حيث يجد كل قلب في الآخر وطنا وسندا، وليس حبسا أو استنزافا.فالحب غير المتكافئ استنزاف، والحب المتكافئ حياة.





