27. رمضان…وليلة القدر حيث تغير الأقدار – هشام فرجي

ليلة القدر هي ليلة انفصال عن الزمن، حيث تلتقي الأرض بالسماء، وتُفتح أبواب الرحمة بلا حدود. إنها ليلة السر الأعظم، حيث ينسلّ الماضي والحاضر والمستقبل ليصبح كل شيء ممكنًا. والقدر يحمل معاني عظيمة، فهو الحكم والتقدير، وهو العظمة والشرف. ليلة القدر هي الليلة التي تتقرر فيها أحوال الناس للعام المقبل، حيث تُرفع صحف الأعمال وتُكتب الأقدار بإذن الله.فماذا لو عرفنا حقيقتها كما هي؟ ماذا لو رأيناها بعيون القلب؟
لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ” (القدر: 3). إذا كان متوسط عمر الإنسان بين 60 و80 عامًا، فإن هذه الليلة وحدها تفوق ما يقارب 83 عامًا من العبادة! لكن العبرة ليست في الأرقام، بل في الفرصة الهائلة التي تُمنح في ساعات معدودة. لحظة واحدة فيها قد تمحو ذنوب العمر، وتسجّل للمؤمن حسنات لا تحصى.
“تَنَزَّلُ ٱلْمَلَائِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا(4)” سورة القدر. في هذه الليلة، لا تكون الأرض كما هي في الأيام الأخرى. تخيل أن ملايين الملائكة يملؤون الأرجاء، يكتبون الدعوات، ويحيطون بمن يذكر الله، ويشهدون على لحظات الإخلاص. جبريل عليه السلام، الذي نزل بالوحي على الأنبياء، يكون حاضرًا في هذه الليلة، كأنه يعيد مشهد نزوله بالقرآن على النبي ﷺ.
والفيزياء الحديثة تتحدث عن الأبعاد الزمنية المختلفة، وعن فكرة أن الزمن قد يتمدد أو ينكمش في ظروف معينة. ماذا لو كانت ليلة القدر لحظةً تتداخل فيها الأبعاد الزمنية؟ حيث يختصر فيها العبد سنوات طويلة من العبادة، وتتحقق فيها استجابة الدعاء بسرعة تفوق إدراكنا البشري.
فالقدر يتغير في لحظة والقدر ليس ثابتا كما نظن، بل هو لوح محفور بالأمل والتغيير، قد يُعاد رسمه في هذه الليلة، حيث يُقدَّر فيها للإنسان حياةٌ جديدة أو فرصةٌ لم تكن تخطر له على بال. يقول ابن عباس: “يُكتب في ليلة القدر من أم الكتاب ما يكون في السنة من الأرزاق والآجال.”
لكن الأجمل أن هذه الليلة هي اختبار؛ من الذي يدركها بروحه؟ من الذي يستعد لاستقبالها كضيف كريم؟ فلماذا أخفاها الله؟ ولماذا لم يُخبرنا سبحانه وتعالى بموعدها الدقيق؟ ولماذا تأتي في العشر الأواخر دون تحديدها ؟ هنا يكمن السر الأعظم؛ لو عُرفت تمامًا، لما اجتهد الناس في العبادة طيلة الشهر، ولما يتلذذ العابدون بمناجاتهم كل ليلة، آملين أن تكون هي ليلة القدر.
يقول الحسن البصري: “كل يوم يعيشه المؤمن قد يكون فرصته الأخيرة، وكل ليلة قد تكون ليلة القدر، فلا تغفل أبدًا.”
وليلة القدر هي لحظة روحية تتوقف فيها الأرض بمعناها المادي، حيث تصبح الدنيا خفيفة، والقلب أكثر صفاءً، والنفس تسبح في بحر من الطمأنينة لا يمكن وصفه.
في تلك الليلة، لا يشعر المؤمن بثقل الأيام، ولا بضيق صدره، وكأن قلبه يغتسل من همومه، وكأن أبواب السماء تناديه: “اقترب…” إنها ليلة لا حزن فيها، ولا قلق، ولا مخاوف، بل سكينة تمتد حتى مطلع الفجر.
فهناك من يدرك ليلة القدر كإحساس يملأ قلبه، وهناك من تمر عليه كما تمر الليالي الأخرى، والفرق بينهما أن الأرواح الصافية تلتقط إشارات السماء، بينما القلوب الغافلة لا تسمع النداء.
ويقال إن الدعاء في ليلة القدر لا يرد، فكم من مظلوم رُفعت عنه المظلمة، وكم من مريض شُفي، وكم من مهموم انفرجت كربته. أليس العبد الذي يقف في محرابه، رافعًا يديه، متضرعًا إلى الله، قد يكون اسمه مكتوبًا في لوح السعداء لهذه السنة؟
والكثيرون يعتقدون أن ليلة القدر هي المبتغى من رمضان، لكن الحقيقة أنها ليست النهاية، بل البداية. فما معنى أن يُغفر لك ثم تعود كما كنت؟ ما الفائدة من ليلة قد تغير مصيرك، لكنك لا تغير حياتك؟ إنها فرصة لنولد من جديد، فرصة لنتصالح مع أنفسنا، فرصة لنقرر أي طريق سنسلك بعد رمضان.
يا ليلَ قدْرٍ في جلالِك سرّنا
تَختالُ فيكَ الأرضُ بالأكوانِ
تنزل الملك في رحابِكَ ساجدًا
ويفيضُ نورُ العفوِ والغُفرانِ
فاللهم اجعلنا من عتقائك في ليلة القدر، ومن المقبولين عندك، ومن الذين لا تردّ دعواتهم فيها أبدًا. واجعلنا ممن شهدها بقلوبهم، وكتب لهم فيها الخير والنجاة.





