مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

24. الروح…السرّ الإلهي المكنون – هشام فرجي

received 2446779685663300

حين يسأل الإنسان عن روحه، فإنه يلامس أعمق أسرار الوجود، ذلك السرّ الذي لم يُفصح عنه الخالق عز وجل إلا بكلمات معدودة في القرآن: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” (الإسراء: 85). ويعد الروح  موضع جدل في الفلسفة والعلوم، ومحلّ اختبار في التجربة الروحانية للإنسان. في هذه المقالة، سنحاول أن نقترب أكثر من فهمها عبر زوايا متعددة، مستندين إلى القرآن والسنة، ومستفيدين مما توصّلت إليه العلوم الحديثة، دون أن نزعم أننا سنفكّ شيفرتها، لأن السرّ يبقى بيد الله.

إذا كان العلم يتعثر أمام حقيقة الروح، فإن النصوص السماوية أعطتها مكانة مركزية في حياة الإنسان، لكنها أبقت تفاصيلها في عالم الغيب. في الحديث الشريف، نجد أن الروح تتصل بعوالم متعددة: فهي تسبق الجسد في الخلق، وتنفصل عنه بالموت، وتظلّ حيّة في البرزخ، ثم تُبعث من جديد.

جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: “إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح…”، مما يدل على أن لحظة دخول الروح هي البداية الحقيقية للحياة الإنسانية.

وفي حديث آخر، يصف النبي ﷺ خروج الروح في الموت، فيقول: “.إِنَّ العبدَ المؤْمن إذا كان في انْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا، وإِقْبالٍ من الْآخِرَةِ، نزل إليه من السَّمَاءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجُوهِ، كأَنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ ، معهُمْ كفنٌ من أكْفَانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجَنَّةِ ، حتى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حتى يَجلِسَ عندَ رأسِه فيَقولُ : أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إلى مغْفِرةٍ من اللَّهِ ورِضْوَانٍ، فتخْرُجُ تَسِيلُ كما تسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ ، فيَأْخذُها ، فإذا أخَذَها ، لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفَةَ عَيْنٍ، حتى يَأْخُذُوها فيَجْعَلُوهَا في ذلكَ الكَفَنِ وفي ذلكَ الحَنُوطِ ، فيَخْرُجُ منها كأَطيَبِ نَفْخَةِ مِسْكٍ، وُجِدَتْ على وجْهِ الأرضِ…” (رواه أحمد وأبو داود).

ويأتي رمضان… موسم ارتقاء الأرواح، حيث تتحرر النفوس من القيود المادية، وترتفع إلى مراتب الصفاء. في ليالي السحر، حين ينام الغافلون، تبقى قلوب المفلحين مستيقظة، تتلمّس نفحات القرب الإلهي. في تلك اللحظات، يشعر الصائم أن هناك بُعدًا آخر للحياة، بُعدًا لا يُدرك بالحواس، بل يُشعر بالقلب، وتسكن له الروح.

يا أيها الساجـدُ في محرابهِ

           والليلُ يشهدُ دمعةَ الفالح

يا صائمًا يرجو الجنانَ برُوحِهِ

           ويحطُّ عن قلبِ عنا الكادِحِ

قم وادعُ ربَّك عند سِترِ تنزُّلٍ

  فالكونُ ساجدٌ لرب للروح مانح

ومع تقدم العلوم العصبية والفيزياء الحديثة، بدأت بعض النظريات تتساءل عن طبيعة الوعي الإنساني، وهل هو  تفاعل كيميائي في الدماغ أم أنه مرتبط بشيء أكثر تجريدًا، ربما بعالم آخر غير منظور؟ حيث تُظهر بعض الدراسات أن هناك نشاطًا دماغيًا خاصًا يحدث في لحظات الاحتضار، وكأن الدماغ يختبر انتقالًا إلى مستوى آخر من الإدراك. في فيزياء الكمّ، الله هناك من يرى أن الوعي قد يكون جزءًا من نسيج الكون، وليس ناتجا عن نشاط الخلايا العصبية. ومع ذلك، تظلّ الروح أكبر من أن تُحدّد بمعادلات رياضية أو تجارب مخبرية، لأن حقيقتها مرتبطة بأمر الله مباشرة، وهي خارج نطاق الإدراك المادي.

وإن أعظم اختبار لروحانية الإنسان ليس في رمضان، بل فيما بعده. هل ستظل أرواحنا متصلة بالله بعد أن ينقضي هذا الشهر الفضيل؟ أم أننا سنعود إلى الغفلة؟ فإذا كانت الروح في رمضان تحلّق في أفق النقاء، فإنها بعد رمضان تواجه امتحان الاستمرارية. وكما قيل: “ربّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.” فمن استطاع أن يحافظ على طهارة روحه بعد رمضان، فقد أدرك المعنى الحقيقي للعبادة.

وختاما فمهما حاول الإنسان أن يفهم الروح، ستظلّ خارج نطاق إدراكه الكامل. هي النفحة الإلهية التي تجعلنا أحياء، وهي الرابط بيننا وبين الخلود. ولعلّ أعظم ما يمكن أن نفعله هو أن نحرص على نقائها، وأن نهيّئها للقرب من الله، لأن المصير النهائي مرتبط بها، كما قال الله تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27)ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي(30)” سورة الفجر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading